إسلام ويب

تفسير سورة الشورى - مقدمةللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الشورى من الحواميم السبع، وهي سورة مكية، وفيها خصائص السور المكية، وقد امتازت عن غيرها ببدئها بقوله تعالى: (حم، عسق)، وقد تكلم العلماء عن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور، واختلفوا في معانيها على أقوال كثيرة.

    1.   

    ما تضمنته سورة الشورى

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشورى:

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى:1-6].

    هذه السورة الثانية والأربعون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة الشورى، وهي واحدة من سبع سور بدأت بالفواتح المعروفة (حم) بهذين الحرفين، وهذه السورة زادت على باقي السبع بثلاثة حروف أخر وهي: (عسق)، وسور الحواميم أو آل حم من السور العظيمة التي نزلت في مكة، ونزلت كلها على التوالي بعضها وراء بعض.

    وهذه السورة هي السورة التاسعة والستون في ترتيب نزول القرآن من السماء، لكنها في ترتيب المصحف هي السورة الثانية والأربعون.

    وسور الحواميم كلها مكية، وفيها خصائص السور المكية، ففيها تربية المؤمنين، وفيها الدعوة إلى التوحيد، وفيها إقرار أمر العقيدة، وبيان توحيد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان قدرة الله العظيمة الباهرة، وبيان الآيات الكونية التي جعلها الله عز وجل لأولي الأبصار يعتبرون بها، ويعلمون أن إلههم إله واحد لا شريك له، خلق السموات، وخلق الأرض، وخلق الجبال، وخلق البحار، قال الله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وبيان نعم الله سبحانه وتعالى على العباد، وبيان المصائب التي يبتلي بها العباد، وأن العباد لا يبتليهم الله سبحانه وتعالى إلا بما كسبت أيديهم، قال تعالى: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] سبحانه وتعالى.

    وفي هذه السورة الإشارة إلى تحدي الطاعنين في القرآن العظيم، فقد قال الكفار يوصي بعضهم بعضاً: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، فالله عز وجل تحداهم بأن يأتوا بكتاب مثله، وبأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وبأن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقال الله سبحانه تبارك وتعالى يتحدى هؤلاء: حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ [الشورى:1-3] أي: الغالب سبحانه، الْحَكِيمُ [الشورى:3] ذو الحكمة العظيمة البالغة.

    فالقرآن من جنس هذه الحروف التي تقرءونها وتعرفونها، فائتوا بسورة مثل هذه السورة، أو كأقصر سورة من كتاب الله عز وجل إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً.

    والعرب قوم يقبلون التحدي، إذا تحداهم أحد سرعان ما ينبرون في قبول التحدي، وفي المخاصمة، ولكنهم هربوا ولم يقدروا أن يواجهوا، ولم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولا بمثل أقصر سورة منه.

    كذلك يستدل الله عز وجل في هذه السورة على المعاندين للنبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا الوحي لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وإنما أوحى الله إليه كما أوحى إلى الذين من قبله، وليس بدعاً من الرسل، وليس شيئاً جديداً غريباً على هؤلاء، فقد عرفوا أن قبلك أنبياء من البشر قد جاءوا إلى أقوامهم، فقال الله سبحانه وتعالى: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:3].

    كذلك يذكر أنه خلق السموات والأرض، وأن هذه مخلوقات عرفت حق ربها سبحانه، فقال: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى:5]، أي: تكاد السموات ينفطرن من هول ما يقول هؤلاء الذين ادعوا لله الصاحبة والولد! وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [إبراهيم:30].

    تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:5]، فهذا الكون كله لله سبحانه تبارك وتعالى، ما علمته وما لا لم تعلمه، كل شيء يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، فالله خلقك، وخلق لك هذه الآيات التي في الكون، وخلق ملائكة يستغفرون لك إذا آمنت بالله وعملت صالحاً،وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:5].

    والمشركون لا حجة لهم إلا أنهم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، وقد حذرهم الله عز وجل يوم القيامة، يوم الجزاء، يوم يرجعون فيه إلى الله سبحانه وتعالى فيجازيهم بما عملوا، تحذيراً لهم من شركهم، ومن وقوعهم فيما يغضب الله سبحانه وتعالى.

    كذلك يسلي الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه هو سبحانه الذي يتولى جزاء هؤلاء المكذبين، إذاً لا تحزن على هؤلاء، ولا تحزن مما يصنعونه بك، وقد أمره أن يتلطف معهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، ومع ذلك لم يراعوا قرابة ولا رحماً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفوا له بالمرصاد، فالله عز وجل طمأنه أنهم راجعون إلى الله عز وجل فيجازيهم: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [الشورى:8].

    كذلك يذكر الله سبحانه وتعالى نعمه على العباد، فمن آيات الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، ومن آيات الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان مع ما أنعم عليه من نعم، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا [الشورى:32-34] فيغرق أهلها بما كسبوا، ومع ذلك فهو يعفو عن كثير سبحانه وتعالى.

    وختم الله هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى:53]، إذاً لا تحزن على هؤلاء، فكل شيء راجع إلينا؛ لنجازي هؤلاء، ونحاسبهم على ما صنعوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم. عسق)

    هذه السورة العظيمة بدأها الله سبحانه وتعالى بالحروف المقطعة في أولها: حم * عسق [الشورى:1-2]، وهذا إشارة إلى تحدي هؤلاء، فهذه الحروف من جنس ما تنطقون، ومن جنس ما تقولون، فأنتم تقرءون حروف: ألف باء، وحروف (أبجد هوز)، وتصيغون منها أشعاركم التي تتفاخرون بها، وتعلقونها على الكعبة، مثل المعلقات السبع والعشر، كلما وجدوا شاعراً مجيداً في قبيلة أخذوا قصيدة من أجمل قصائده وعلقوها على جدار الكعبة، فكان على جدار الكعبة عشر قصائد من أجمل ما قالت العرب.

    فقال لهؤلاء: أنتم تفتخرون بلغتكم هذه، فهل هذا القرآن من هذا الشعر؟ إنه شيء آخر لم يعتادوا عليه، وما سمعوا بمثله قبل ذلك، لقد عرفوا كيف يخطبون ويتكلمون بالنثر، وكيف يصيغون الشعر، وكيف يسجعون فيما يقولون، ولكن أن يتكلموا بمثل القرآن فهذا شيء لم يعهدوه من قبل ذلك، فإذا بالله عز وجل يتحداهم به، ويجذب أسماعهم إلى هذا القرآن، فيستمعون وهم مستسيغون لهذا القرآن، مستمتعون به، ولكن في قلوبهم الحنق على النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا أنت بالتحديد أنزل عليك القرآن؟ ولماذا لا نكون نحن؟

    فيدفعهم ذلك إلى الغيرة منه صلى الله عليه وسلم، وإلى الحسد له صلوات الله وسلامه عليه، فلا يقبلون أن يعملوا بمثل هذا القرآن، ولا يقبلون أن يسمعوا طوعاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يستمعون من ورائه صلوات الله وسلامه عليه، يذهبون إليه وهو عند الكعبة يقرأ القرآن بالليل، فيذهبون متلصصين ليستمعوا، منهم: أبو سفيان، والوليد بن المغيرة ، يذهبون ليستمعوا لبلاغة القرآن، حتى إن الوليد بن المغيرة -وهو من أشد الناس معاندة- لا يسعه إلا أن يقول: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر! لم يستطع إلا أن يقول ذلك عن هذا القرآن العظيم.

    فما زال به أبو جهل -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- يقول له: أغواك محمد؟ هل أعطاك مالاً؟ حتى رجع عن هذا الذي قاله، وقال لهم: ماذا أقول؟! دعوني أفكر، فذهب إلى بيته، واحتبس عنهم، وفكر وقدر، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:19-25]، وهو نفسه الذي قال عن القرآن: إن له لحلاوة.. وكان يذهب ليستمع بالليل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤه، ومع ذلك يقول: إنه قول البشر؛ خوفاً من طعن المشركين عليه، ومن تعييرهم له، وأنه يذهب إلى محمد من أجل أن يعطيه شيئاً، وحتى يجمع له مالاً، ومن أجل أن يطعمه، وقد كان من أغناهم، ومن أعزهم، فأصابته نعرة الجاهلية، وحمية الباطل، فإذا به يرفض أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وقال عن كلام رب العالمين: هذا قول البشر، بعدما قال عنه: وما هو بقول البشر!

    1.   

    عدد آيات سورة الشورى

    هذه السورة آياتها ثلاث وخمسون آية على العد الكوفي.

    وتسعة وأربعون آية على العد البصري.

    وخمسون آية على العد الحجازي.

    وإحدى وخمسون آية على العد الحمصي.

    وعد الآي مأخوذ من وقوف النبي صلى الله عليه وسلم، فيعتبرون وقف النبي صلى الله عليه وسلم على رأس آية، فهذا سبب الخلاف، والآيات هي نفس الآيات وليست آيات أخرى، ولكن يختلفون أين وقف.

    فالكوفيون أكثرهم عداً، يقولون: (حم) آية، و(عسق) الآية الثانية، و(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم) الآية الثالثة.

    وغيرهم يقولون: (حم عسق) آية واحدة، وجميع الذين يقولون: إنها آية أو آيتان، يقولون: لا تقف على هذه الحروف، ولكن أوصلها؛ لأنها حروف وليست كلمات تعطي أمراً أو نهياً، وإنما هي مجموعة من الحروف، فتوصل مثلما يوصل قوله: كهيعص [مريم:1] وكذلك هنا: ( حم عسق ).

    إذاً: سبب الخلاف: أين وقف النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأين نقف؟ فإذا وقفوا يعدون رأس آية، فبعضهم يعتبرون ( حم عسق ) آية واحدة، وقوله: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ [الشورى:32] آية كما سنذكرها، وكذلك قوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:34] يقف عليها البعض، ولا يقف عليها البعض.

    وهذا علم اسمه: علم عد الآي، فالسورة هي نفس السورة بنفس الكلمات، وليس فيها زيادة أو نقصان، ولكن أين يوقف؟ فقد يقف هؤلاء هنا، ويقف الآخرون هنا، فيعتبرون هذه آية، وهذه آية، وقد لا يقف، فيعتبرون الآيتين آية واحدة.

    وهذه السورة كما قلنا: سورة مكية، ما عدا أربع آيات فيها الراجح من كلام العلماء أنها مدنية، وهي من قول الله سبحانه: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] إلى نهاية أربع آيات، فهذه قالوا: نزلت بالمدينة، وعندما نأتي إليها سنتكلم عنها.

    1.   

    كيفية قراءة (حم. عسق)

    تقرأ: (حم عسق) موصولة، وتمد الحاء حركتين فقط، ولا تمد مداً طويلاً، بل تمد المد الطبيعي.

    والميم وما بعدها تمد مداً طويلاً، والعين يجوز أن تمدها مداً طويلاً، ويجوز أن تمدها أربع حركات فقط.

    وتقول: حا، ولا تقل: حاء بهمزة في آخرها، وتمد الميم ست حركات مداً طويلاً، والحركة بمقدار ما تقبض الإصبع، والعين يجوز فيها المد أربع حركات، ويجوز فيها المد ست حركات، والسين والقاف تمدان مداً طويلاً.

    1.   

    كلام العلماء في الحروف المقطعة

    الله سبحانه تبارك وتعالى يختار الحروف لحكمة منه سبحانه وتعالى، والعلماء يقولون: الذي نفهم من هذه الحروف أن الله يتحدى العباد بهذه الحروف، وكأنه يقول: القرآن من جنس ما تتكلمون وتنطقون به من حروفكم، ولكن لماذا اختار هذا الحرف هنا؟ واختار هذا الحرف هنا؟

    هذا لحكمة من الله سبحانه وتعالى، ولا مانع أن يدلي العلماء بدلوهم في ذلك، ولكن لا نقول: هذه هي الحكمة الوحيدة التي من أجلها ذكر الله عز وجل ذلك، فإن هذا مرجعه إلى الله سبحانه وتعالى.

    ينقل الحافظ ابن كثير عن الزمخشري وغيره كلاماً في هذه الحروف، يقول: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها.

    وحروف اللغة العربية بعضهم يعدها: أبجد هوز حطي كلمن.. إلى آخره، ونحن نقرؤها: ألف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء... هذا ترتيبنا، وهم يرتبونها بأبجد هوز.

    والحروف ثمانية وعشرون حرفاً، إذا لم نعد اللام والألف (لا) لأنهما حرفان: اللام والألف، فالحروف ثمانية وعشرون حرفاً، والسور التي هي مبدوءة بالحروف المقطعة ثمانية وعشرون سورة، وستجد هذه الحروف على النصف من عدد الحروف، وعندما نقول: ثمانية وعشرون سورة مبدوءة بحروف مقطعة، وإذا جمعنا هذه الحروف وحذفنا منها المكرر، فسنجد السورة بدأت بحرف واحد، مثل: حرف: نون، قاف، صاد، وقد تبدأ السورة بحرفين مثل: (حم)، وقد تبدأ بثلاثة مثل: (الم)، وقد تبدأ بأربعة مثل: (المص)، وقد تبدأ بخمسة مثل: (حم عسق) أو (كهيعص).

    إذاً: الحروف المقطعة قد تكون حرفاً واحداً، وقد تكون حرفين، أو ثلاثة أحرف، أو أربعة أحرف، أو خمسة، وكأنه يقول: كلماتكم تتكون من حرف، وحرفين، ومن ثلاثة أحرف، ومن أربعة أحرف، ومن خمسة أحرف.

    وعندما نجمع هذه الأحرف ثم نحذف منها الزيادة، نجد أنها أربعة عشر حرفاً من غير المكرر منها.

    إذاً: هذه السور ثمانية وعشرون سورة، والحروف التي في أوائلها من غير تكرار أربعة عشر حرفاً، وقد جمعوا الأربعة عشر حرفاً في جملة (نص حكيم قاطع له سر)، فهذه الحروف من أسرار القرآن، والغالب أن الحروف التي بدأها الله عز وجل في السور إذا عددت هذه الحروف في نفس السورة وقورنت بباقي الحروف كانت أكثرها أو من أكثرها في العدد في السورة التي تذكر فيها.

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذه الحروف نصف الحروف عدداً، أي: نصف حروف المعجم، والمذكور منها أشرف من المتروك، أي: أهل العربية يقسمون الحروف إلى أقسام منها:

    حروف مهموسة، وحروف مجهورة، وحروف رخوة، وحروف شديدة، وحروف مطبقة، وحروف مفتوحة، وحروف مستعلية، وحروف منخفضة، وحروف قلقلة، وأشرف هذه الحروف ما ذكر في أوائل هذه السور.

    هذا الكلام ذكره الحافظ ابن كثير وكذلك ذكره الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن، فذكر فيه أن القرآن بديع في نظمه، عجيب في تأليفه، متناه في بلاغته، إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، وذكر الذي يشتمل عليه من البديع في كتاب كامل يتجاوز الثلاثمائة صفحة، وهو كتاب عظيم جداً، فيه نوع من أنواع الإعجاز، وهو الإعجاز اللغوي، يتكلم عن إعجاز اللغة بما يفهمه فصحاء الناس وليس جهال الناس، وقد أجاد وأبدع في كتابه، ونقل عن غيره كـالرماني والجاحظ في فصاحة هذا القرآن وبلاغته.

    ومن ضمن ما ذكره أنه أتى بأبيات من شعر فحول العرب، من أصحاب المعلقات وغيرهم، وقال: إن البعض منهم يجيد الشعر في نوع ولا يجيده في غيره، فيجيده في الغزل ولا يجيده مثلاً في الحرب وفي القتال، أما القرآن فيتكلم في كل شيء، وهو فصيح بأعلى الدرجات في كل شيء.

    وذكر كلاماً كثيراً في ذلك، وذكر فواتح السور نحو: (الم)، و(حم) ونحو ذلك، فذكر عدد حروف المعجم، وقال: إن عدد السور المفتتحة بهذه الفواتح في أولها ثمانية وعشرون سورة، قال: والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليه وجوهاً نحن ذاكروها، فمن ذلك أنهم قسموها إلى:

    مهموسة، ومجهورة، والحرف المهموس حرف ليس معتمداً في مكانه، فعندما يخرج من الفم يخرج معه النفس، ويجمعها قولهم: (فحثه شخص سكت) الفاء والحاء والثاء والهاء والشين والخاء والصاد والسين والكاف والتاء، تسمى هذه: حروف الهمس، وغيرها حروف مجهورة، أي: يخرج الحرف ولا يخرج معه نفس.

    هذه الحروف التي ذكر العلماء أنها تنقسم في اللغة إلى هذه وهذه، جاء القرآن فأخذ من هذه الحروف أعلاها، وبدأ بها في فواتح السور.

    قال: عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور، والحروف المهموسة هي: (فحثه شخص سكت)، فأخذ منها الحاء والهاء والصاد والسين والكاف، فكان نصف الحروف المهموسة في فواتح السور، ونصف الحروف المجهورة في أوائل السور، والحروف المهموسة عشرة أحرف، فذكر الله عز وجل في كتابه النصف منها -أي: خمسة أحرف- والأحرف المذكورة في أوائل السور أربعة عشر حرفاً، فنصف المهموس هذه الخمسة، والباقي من الأربعة عشر: تسعة أحرف، إذاً مجموع الحروف المجهورة: ثمانية عشر حرفاً، ونصف الثمانية عشر في فواتح السور، أي: نصف المجهور ونصف المهموس.

    وهذا شيء عجيب لمن يتفكر فيه! فهذه الحروف نصف المهموسة ونصف المجهورة!!

    أخذ الله عز وجل نصف المجهورة ونصف المهموسة فجعلها في فواتح السور، وقلنا: إن عدد السور ثمانية وعشرون بعدد الحروف الأبجدية، وعدد الحروف المقطعة من دون التكرار أربعة عشر حرفاً، على نصف عدد السور، وعلى نصف عدد الحروف، وهذه الحروف المذكورة في أوائل السور تتصف بوصفين: نصف مهموس، ونصف مجهور، فنصف الحروف المهموسة مذكورة في أول بعض هذه السور، ونصف الحروف المجهورة مذكورة في أول بعض هذه السور! وهذا شيء خاص باللغة العربية، ليس للرياضيات ولا الحساب ولا الإحصاء شأن في ذلك.

    وليس هذا فقط في المهموس والمجهور، بل هناك حروف حلقية، وهي ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والغين، والخاء، والحاء، وباقي الحروف من غير هذا المخرج، فنصف الحروف الحلقية في فواتح السور! كأنه يقول: إن عدد الحروف المعجمة ثمانية وعشرون حرفاً، سنذكر نصفها؛ لندل على الباقي، ولن نذكر لك كل الحروف، وأنت اعرف الباقي.

    فنذكر لك نصف المهموس والنصف الآخر من المجهور في فواتح السور.

    كذلك الحروف تنقسم إلى: شديدة، وغير شديدة، والحروف الشديدة هي: (أجد قط بكت): الألف، والجيم، والدال، والقاف، والطاء، والباء، والكاف، والتاء، ثمانية أحرف، فنصفها في بعض السور والنصف الآخر في باقي هذه السور! وكأن أنواع الحروف التي تنطق بها القرآن يذكر من كل نوع نصفه ويضعه في أول كل سورة من هذه السور، ويقول لك: سنحضر لك من كل الحروف أشرفها ونضعها، ونأتي بهذا القرآن من مثلها، وحاول أنت أن تأتي بمثل ذلك، ولن تستطيع إلى ذلك سبيلاً.

    1.   

    قول بعض اليهود في الحروف المقطعة

    اليهود سمعوا هذه الحروف وهم في المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحاء في أثر إسناده فيه ضعف: أن أبا ياسر بن أخطب في رجال من اليهود مروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ فاتحة سورة البقرة: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، فذهب أبو ياسر بن أخطب إلى أخيه حيي بن أخطب -وهما من أكابر اليهود- فقال: إني سمعت محمداً -صلى الله عليه وسلم- يتلو فيما أنزل الله عليه: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، فقال: أنت سمعته قال ذلك ؟ قال: نعم، فمشى إليه حيي بن أخطب، وهل يريد متابعة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا مستحيل! فليس هناك يهودي من نفسه يريد أن يتابع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الندرة القليلة، فقد أسلم الكثيرون من النصارى، أما اليهود فلم يسلم منهم بعدد أصابع اليدين، فاليهود لا يسلمون إلا من رحم الله سبحانه وتعالى.

    وإذا بالرجل يتوهم شيئاً ويقول: هذا عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن لهم نوعاً من الحساب يحسبونه، فيعطي كل حرف من حروف (أبجد هوز) عدداً من الأعداد، فيقول: الألف: بواحد، والباء: باثنين، والجيم: بثلاثة، والدال بأربعة، والهاء: بخمسة، والواو: بستة، والزاي: بسبعة، وكل حرف يعطيه عدداً إلى أن يصل إلى رقم عشرة، ويبدأ الذي بعده يعد بالعشرات، فيكون الأول بعشرة والذي بعده بعشرين، ثم بثلاثين، إلى أن يصل إلى المائة، ثم بعد ذلك يعد بالمئات. مائة ثم مائتين، ثم ثلاثمائة، وأربعمائة.. وهكذا.

    فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2]؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى، فقال: جاءك بها جبريل من عند ربك؟ فقال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وأجل أمته غيرك، كأنه يريد أن يوهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقل الأنبياء مكثاً في قومه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: الألف: واحدة، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، فتكون مدة قومك إحدى وسبعين سنة! من أين أتى هذا الكذاب بهذا الشيء؟! وهو يريد إلقاء الشك في قلوب من حول النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له: أنت مدة دعوتك واحد وسبعون عاماً، ولن تمكث أكثر من ذلك، ونحن لا نريد هذه الدعوة التي عمرها إحدى وسبعون سنة!

    ثم قال: ماذا نزل عليك غير هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المص) فقال: هذه أثقل وأطول، الألف: بواحد، واللام: بثلاثين، والميم: بأربعين، والصاد: بسبعين، فيكون مائة وواحداً وثلاثين، إذاً: ستمكث هذه الأمة مائة وواحداً وثلاثين عاماً، يريد أن يقول له: نحن قد مضى علينا أكثر من ألف سنة، وأنت ستجلس هذا العمر، إذاً لن يتبعك أحد؛ ليلقي الشك في قلوب الناس.

    فقال: ماذا أنزل عليك أيضاً؟ فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ( الر )، فقال هذا أطول، وحسبها مائتين وواحداً وثلاثين.

    قال: هل نزل غيره ؟ قال: (المر) قال: هذه أكثر، وحسبها مائتين وواحداً وسبعين.

    فقال شخص منهم: لعل الله جمع له هذا كله! فجمعوها فقالوا: سبعمائة وأربعة، وقالوا: لقد خلط علينا!

    والآن نعرف يقيناً كذب هؤلاء، فنحن الآن في سنة ألف وأربعمائة وستة وعشرين، وهم قالوا له: أقصى شيء يكون عمر أمتك هو سبعمائة وأربع سنين، وهذا كذب، ولا يجوز للمسلم أن يقول به.

    والكثير من الكهنة والعرافين يحسب هذا الشيء، فيقول لك: ما هو اسمك؟ فيحسب لك حروفك، ويقول: الاسم هذا يوافق العدد كذا، فيكون لك كذا من النحس أو من الشؤم، أو من كذا، وهذا من الكذب، فلا يجوز لمسلم أن يتعامل بمثل هذه العلوم التي يتعامل بها هؤلاء السحرة.

    1.   

    اختلاف القراء في إمالة (حم)

    قوله سبحانه: حم * عسق [الشورى:1-2] يقرؤها ابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالإمالة: (حِم)، ويقرؤها أبو عمرو كـالأزرق بالتقليل، وباقي القراء يقرءونها بالفتح.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.