إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [15 - 18]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهلك الله تعالى الأولين عندما كذبوا رسله، مثل عاد وثمود، فقد كذبوا واستكبروا في الأرض بغير الحق فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وجعلهم آية وعظة لكل من جاء بعدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فصلت: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:15-18].

    يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: إن أعرض هؤلاء المشركون فحذرهم وأنذرهم بعذاب من عند الله سبحانه كما حدث للسابقين لهم، فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم، خوفتكم، وهددتكم بعذاب مهلك من عند الله سبحانه، وأنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، والصاعقة: هي كل أمر هائل رآه الإنسان أو عاينه حتى يصير من هول هذا الأمر ومن عظيم شأنه إلى هلاك وإلى عطب وإلى ذهاب عقل وإلى غمور فهم أو فقد بعض آلات الجسم، والصاعقة قد تكون ناراً محرقة تنزل من السماء عليهم، أو قد تكون رجفة وهدة شديدة على الإنسان حتى يغشى عليه أو حتى يهلكه الله عز وجل بها، وقد تكون صوتاً عظيماً يفزع منه الإنسان، وقد يكون شيئاً من أمر الله سبحانه وتعالى، فيطلق على هذا كله الصاعقة، والصاعقة: هي الشيء الذي يصعق بسببه الإنسان، فإما أن يغمى عليه وإما أن يهلك ويموت، قال الله سبحانه: مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13].

    وقد ذكرنا قصة صاعقة عاد، وكيف أرسل الله عز وجل عليهم الريح العقيم، وكيف جاءتهم الصيحة من السماء مما انتقاه صاحبهم الذي ذهب ليدعو لهم في السنين التي قحطوا فيها وأمحلوا فقيل له: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، فرأى سحابة سوداء مظلمة ظنها ممتلئة ماء فإذا بها العذاب من عند الله سبحانه، فقد أرسل الله عز وجل عليهم من السماء عاصفة شديدة اقتلعتهم من الأرض فحملتهم ثم نزلت بهم على رءوسهم فصاروا كأعجاز نخل خاوية.

    وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [فصلت:14] من بين اليد ومن الخلف تطلق على الزمان وعلى المكان، فكأن المعنى في قوله تعالى: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [فصلت:14] أي: من أمامهم، وَمِنْ خَلْفِهِمْ [فصلت:14] أي: من بعدهم فلم يروهم، كذلك من بين اليد، أي: مما من يرونه في المكان، وَمِنْ خَلْفِهِمْ [فصلت:14]، أي: كأنه في البلاد المحيطة حولهم، إذاً: فقد كان قوم عاد قبل ثمود الذين كانوا في بلاد الشام، وعاد كانوا من خلفهم في بلاد اليمن، فكأنه في المكان وكذلك في الزمان، قال: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [فصلت:14]، والمعنى: أن الله لم يترك عباده مهملين من غير أن يبين لهم، بل أرسل إليهم رسلاً وجعل فيهم الأنبياء بوحي من السماء يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، وأخبرنا عن الرسل فقال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، وقال: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78]، وقال: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان:38]، إذاً: فهي قرون وأمم كثيرة قص الله علينا بعضاً من قصص هؤلاء، وسكت عن أشياء منهم، فذكر لنا ما نعتبر به، فليس القرآن بكتاب تسجيل للحوادث أو للتاريخ ولكنه كتاب تشريع وفيه من الحكم والمواعظ ما ينتفع به أولو الألباب.

    ودعوة الرسل جميعهم: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [فصلت:14] بمعنى: لا إله إلا الله، أي: لا توجهوا عباداتكم إلا إلى الله الواحد الذي أقررتم بأنه خلقكم ورزقكم سبحانه، فاعبدوه وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء الكفرة أعرضوا وقالوا: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [فصلت:14]، وقولهم: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا دليل على أنهم يعرفون ربهم سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87].

    إذاً: فقد أقروا بأن الله هو الخالق، قالوا: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا [فصلت:14] أي: الذي خلقنا، لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [فصلت:14]، وهذا كلام صحيح، فلو شاء الله ذلك لفعله، ولكن لم يقل: إن الرسل لابد أن يكونوا ملائكة، وإنما اختار الله عز وجل من عباده من ينزل عليه ملك من السماء ليكون نذيراً وبشيراً لقومه، فقالوا: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [فصلت:14]، والنتيجة: فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت:14] أي: مكذبون بما تقولون، كافرون بما أرسلتم به.

    قال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ [فصلت:15] أي: استطالوا على الخلق وكذبوا الرسل، قال الله سبحانه: بِغَيْرِ الْحَقِّ [فصلت:15]، فليس معهم فيما يصنعون بيان ولا برهان، ولا حجة من الله سبحانه، وإنما هي الاستطالة والعلو في الأرض والإفساد وإرادة الطغيان، فالله سبحانه يخبر أنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15]، والمعنى: أننا نطغى ونعمل الذي نريده، فنحن أشد الناس قوة وأعظمهم أجساماً، ولن يقف أمامنا أحد، وهذا هو البغي والظلم في الأرض، وما من إنسان ولا أقوام يبغون في الأرض إلا وأخذهم الله سبحانه، وجعلهم عبرة وعظة لمن يعتبر ويتعظ.

    وكم من عال في الأمم السابقة طغى وتجبر فإذا بالله يهلكهم ويبيدهم، ومنهم من استضعفوا، كما قال سبحانه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:5-6].

    فالله عز وجل جعل الأيام دولاً بين الناس، كما قال: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، فيرتفع الإنسان إلى ما يشاء الله ثم ينخفض حيث قدر له الله عز وجل ذلك، قال هنا: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ [فصلت:15] أي: قد عرفوا أن الله هو الخالق سبحانه وتعالى، فهو الذي خلقهم وأعطاهم قوة، أفليس بقادر على أن يخلق أقوى منهم حتى يبيدهم على أيديهم؟ أليس قادراً أن يخلق لهم ما يهلكهم به من عاصفة أو رياح شديدة أو مطر سوء من السماء أو عذاباً مهيناً من عنده سبحانه؟!

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:15]، إذاً: فلم يجحدوا ربوبية الله سبحانه، بل جحدوا آياته التي جعلها الله مع رسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:15]، فلما تطاولوا في أمرهم وبغوا كان لابد أن تأتيهم سنة الله في خلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ...)

    قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16] أي: لها صرير، بمعنى: صوت عال مزعج، ولها صرص أي: برد قاس شديد، فهي ريح هبوب تهب على هؤلاء هباً شديداً حتى اقتلعتهم كالنخل على الأرض من طول أجسامهم، وقوة أبدانهم، فاقتلعتهم هذه الرياح، وجاءتهم من حيث يظنون أنه يأتيهم الأمن ويأتيهم الرزق من السماء، فقد قالوا: نريد هذه السحابة، وهم لا يعلمون أنها سحابة لن تأتي بالمطر، بل ستأتي بصاعقة من السماء، فقد سمعوا صوتاً فظيعاً من السحابة التي في السماء وإذا بالرياح تهب عليهم، وإذا بشدة البرد تهلكهم، وإذا بالله تعالى يقتلعهم وينكسهم على رءوسهم، قال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ[فصلت:16]، وفيها قراءتان: قراءة نافع وابن كثير وأبي عامر : أَيَّامٍ نَحْسَاتٍ[فصلت:16]، بالتسكين للحاء، وقراءة باقي القراء: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ، وكأن الأصل فيها: أنها أيام نحس وشؤم، فجمعت على المصدر (نحْسات) بالتسكين، أو على أنها وصف فهي نحِسة، أي: أيام مشئومة، فجمعها (نحِسات)، وكأنها شؤم على هؤلاء بسبب تكذيبهم وإعراضهم عن ربهم سبحانه.

    وقد بين لنا سبحانه عدد هذه الأيام فقال: ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ[الحاقة:7]، جاءهم فيها العذاب ليل نهار، قال تعالى: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ[الحاقة:7]، تأديباً وتعذيباً لهؤلاء وموعظة لغيرهم، قال: لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ[فصلت:16]، فقد أخزاهم الله سبحانه وأذلهم، وأهانهم وحقرهم، وجعل رءوسهم بعد أن كانت منتصبة القامات كأعجاز نخل خاوية، في: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ[الحاقة:7]، فجعلهم الله عز وجل فيها كأعجاز نخل خاوية.

    ثم قال سبحانه: لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[فصلت:16]، وليس هذا العذاب فقط، بل ولعذاب الآخرة أشد وأخزى على هؤلاء، قال: وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى[فصلت:16]، فالخزي الحقيقي والإهانة يكونان يوم القيامة في الآخرة أشد بكثير مما تعرضوا له في الدنيا، قال: وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ[فصلت:16] أي: في الدنيا ولا في الآخرة، فلم ينصرهم أحد من عذاب الله، ويوم القيامة لا ينجيهم أحد من عذاب الله، ولا يدفع عنهم أحد عذاب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ...)

    ثم جاءت ثمود من بعدهم، فقد كان عاد في جنوب الجزيرة وثمود في شمالها، قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] أي: بينا، والله يهدي على وجهين وطريقتين: إما بمعنى الدلالة والإرشاد، وهذا من رحمته سبحانه، فهو الرحمن الذي يهدي خلقه كلهم ويدلهم، كما قال: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] أي: بينا للإنسان طريق السعادة وطريق الشقاوة، فلا عذر لأحد عند الله سبحانه وتعالى، فالذين آمنوا زادهم الله هدى من فضله سبحانه، بمعنى: دلهم ووفقهم سبحانه للسير لطريقه سبحانه وتعالى، وإذا أخذ بأيدي المؤمنين فهو مزيد فضل من الله عز وجل، ولا يلزم ربنا سبحانه أنه يأخذ بيد الجميع، بل يهدي من يشاء ويعصم ويعفو فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً سبحانه وتعالى، فإذا هدى قوماً فهذا بفضله سبحانه، وإذا أضل أقواماً فهذا بعدله سبحانه وتعالى.

    قال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت:17] أي: دللناهم على طريق الله، وتوحيده وسنته في خلقه.

    قال: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] أي: فضلوا أن يعيشوا في كفرهم بالله سبحانه وعماهم وبعدهم عن دين الله على أن يهتدوا!

    قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [فصلت:17]، والصاعقة تكررت هنا، فحصلت الصاعقة للأوائل كما حصلت لهؤلاء، وهي العذاب المبيد المهلك، رجفة وصيحة تأتيهم من السماء، وإهلاك لهؤلاء بشر أنواع الإهلاك، وقد طلبوا آية من الله سبحانه، وطلبوا من رسولهم أن يخرج لهم من الجبل ناقة معها فصيلها، فلما جاءتهم هذه الآية التي رأوها وقيل لهم: هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]، فلما رأوا هذه الآية كادوا يسلمون مع نبيهم، فإذا بالكبراء من القوم يخافون أن يضيع منهم منصبهم، فما زالوا بالقوم حتى رجعوا عن أمر الإيمان وكذبوا رسولهم عليه الصلاة والسلام، انتظروا على الناقة فترة وخافوا من إيمان القوم فتعاقد منهم مجموعة على قتلها، قال تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النمل:48-49].

    إذاً: فالبداية من هنا: فقد قال رجل منهم اسمه قدار : أقتلها لسبب من الأسباب، فإذا بهم يحفزونه ويهيجونه ويعدونه بالزواج إذا فعل ذلك، فذهب فعقر هذه الناقة، وأراد قتل فصيلها فإذا بنبيهم صالح يحذرهم عقاب الله سبحانه، فتعاقدوا بينهم أن يلحقوه بها، بل وتقاسموا بالله فيما بينهم، فاجتمع هؤلاء التسعة النفر وأقسموا فيما بينهم بالله: لَنُبَيِّتَنَّهُ [النمل:49]، والتبييت بمعنى: القتل في الليل، لنبيتنه هو وأهله قبل الصبح، وتوعدهم صالح بعذاب، فقال: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، فأول يوم سيجعل الله عز وجل لكم آية في أنفسكم: وهي أن تصفر وجوهكم، ثم في اليوم الثاني: تحمر وجوهكم، ثم في اليوم الثالث: تسود وجوهكم ويأتيكم العذاب، فقالوا: سنقتلك إذا لم يحصل ذلك، فإذا بالعذاب يأتيهم تدريجياً، اصفرت الوجوه فعرفوا العذاب، ثم احمرت الوجوه فانتظروا الأمر، ثم اسودت الوجوه فإذا بهم ينتظرون عذاب الله سبحانه، وهذا من أقسى ما يكون على الإنسان أن ينتظر عذابه من حيث لا يدري من أين يأتيه، هل من السماء أم من الأرض؟ فجاءتهم صاعقة بعذاب الله سبحانه وتعالى، فسمعوا صيحة عظيمة ورجفت بهم الأرض فإذا بهم صرعى أهلكم ربهم سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ [فصلت:17]، أي: العذاب المهين الذي أهانهم الله به وأخزاهم، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت:17]، وقال سبحانه: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76] أي: بما كسبت أيديهم، وبأخذهم للسيئات وتركهم للحسنات، وتركهم لطاعة الله سبحانه، لكن المؤمنين ينجيهم الله سبحانه، كما قال: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:18]، فبفضل الإيمان والتقوى ينجي الله عز وجل عباده الصالحين، فهو الذي دلهم على طريق الخير وأرشدهم إليه وأخذ بأيديهم إليه ونجاهم من العذاب.

    نسأل الله سبحانه أن ينجينا من عذاب الدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.