إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [9 - 12]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كيف يكفر الإنسان بالله تعالى الذي خلق الأرض في يومين وجعل فيها الجبال الرواسي تثبتها، وقدر فيها أرزاق الخلائق في يومين آخرين، ثم خلق السماوات في يومين كذلك وأوحى في كل سماء أمرها وزين السماء الدنيا بالنجوم والكواكب زينة لها وحفظاً من كل شيطان يسترق السمع؟! فما أظلم من كفر بخالقه وعبد غيره!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فصلت: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:9-12].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن قدرته العظيمة الباهرة، وعن خلقه المتقن العظيم الصنع في خلقه للسموات وللأراضين، وما جعل فيها من دواب ومن جبال راسيات، وما قدر فيها من أقوات وأرزاق للعباد وغير ذلك فيقول: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت:9].

    فبين سبحانه أنه خلق الأرض في يومين، ثم خلق السموات في يومين، ثم جعل في الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين، فصار خلق الأرض وتقديرها في أربعة أيام، وخلق السماوات في يومين، وهنا مزيد اعتناء بهذه الأرض، التي يكون عليها هذا الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.

    وخلق الله آدم على نبينا وعليه الصلاة السلام، في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، وجعل لآدم هذه الأرض سكناً ومتاعاً إلى حين، وخلق السموات العلى، وجعل ما فيها من زينة وما فيها من خلق في يومين اثنين، وهي أعظم بكثير من هذه الأرض، قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات:27] فهذه السماء العظيمة خلقها الله في يومين، وهذه الأرض التي نحن عليها عظيمة واسعة متسعة وهي بجوار السموات شيء قليل لا قيمة لها، وجعل لها أربعة أيام ليسكن فيها آدم وذريته.

    وكرم الله ذرية آدم أنه خلق آدم بيده سبحانه وتعالى، وسواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له هذه الأرض مستقراً ومتاعاً إلى حين، فسوى له هذه الأرض، ودحاها، وبسطها، وجعل فيها أرزاقها للعباد، وقدر فيها ما قدر سبحانه وتعالى، حتى يستمتع الإنسان على هذه الأرض إلى حين فيعبد ربه ويعرف نعم ربه سبحانه وتعالى عليه.

    وزين الله السماء الدنيا بمصابيح ليهتدي بها الإنسان ويستمتع بالنظر إليها، وتكون له دليلاً في مسيره شمالاً أو يميناً أو جنوباً أو شرقاً أو غرباً، قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [الملك:5]، وجعلها حفظاً للسماء من الشياطين ودليلاً وهداية للإنسان.

    والإنسان قد اعتنى به ربه سبحانه وتعالى بأن هداه في سبيله وطريقه إلى الله عز وجل في شريعته وفي دينه، وكرمه الله سبحانه وحمله في البر والبحر، فإذا عرف الإنسان رحمة ربه به ونعمته عليه وتكريمه له، عبد الله سبحانه, فكيف يكفر بعدما صنع به الله عز وجل ذلك؟ وبعدما صنع له هذه النعم العظيمة أيكفر بالله الخالق القادر سبحانه، الذي خلق هذه الأشياء وهو قادر على أن يخلق الجميع في لحظة وعلى أن يفني الجميع في لحظة؟ قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وقال سبحانه وتعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت:9].

    وذلك الخالق العظيم هو الذي خلقكم ورباكم بنعمه سبحانه وتعالى، وهو مالككم ومالك كل شيء، وجعل في هذه الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهذا التقدير في هذه الأرض من أرزاق وأقوات وجبال رواسي كان بعد خلق السماوات، فلقد استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم بسط الأرض لعباده، وقدر لهم فيها الأرزاق، وجعل الرواسي فوقها فكان جميع الأيام ستة أيام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان ...)

    قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11].

    خلق الله تعالى السموات والأرض والجمادات التي خلقها الله عز وجل من دخان، وبسط هذه الأرض، وكانت عدماً فجعل منها تراباً وطيناً، ثم أمر السماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]، وأمرهما الله سبحانه بطاعته سبحانه وتعالى سواء رفضتا أم أطاعتا.

    فالجماد عرف فضل الله وقدرته سبحانه وتعالى والإنسان كفر بالله وعصاه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين ...)

    قال الله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:12].

    أي: انتهى من خلق السموات وفرغ منهن في يومين ومن الجميع في ستة أيام، وأوحى في كل سماء أمرها، فكل سماء فيها ملائكة وفيها من خلق الله مالا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والأرض بجوار السموات كحلقة صغيرة ملقاة في فلاة، وهي: الصحراء الضخمة العظيمة، فلا وجه مقارنة أو نسبة بين الحلقة الصغيرة التي رميت في هذه الصحراء، فالصحراء شيء عظيم شاسع وواسع وهذه الحلقة صغيرة قليلة ليس لها قيمة بجوار ذلك، ولا موازنة أو نسبة بين قطرة وبحر عظيم، كذلك الأرض إذا قورنت بهذه السموات!

    والسموات كلها إذا كانت بجوار كرسي الله سبحانه وتعالى كانت كحلقة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كذلك، والله فوق العرش، قد أحاط بكل شيء، وهو فوق كل شيء سبحانه وتعالى، فهو العلي الكبير سبحانه وتعالى، وأكبر وأعظم من كل شيء لا إله إلا هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.

    وقوله سبحانه: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا [فصلت:12].

    جعل الله النجوم في السماء مثل المصابيح الصغيرة التي تكون في السقف، كذلك زين الله السماء الدنيا بمصابيح، وجعلها زينة لأهل الأرض لينظروا إليها ويفرحوا بالنظر إليها، وجعلها هداية لابن السبيل فيعرف الشمال من الجنوب والشرق من الغرب، وتكون دليلاً في مسيره في الطريق، وجعل منها ما يقذف به الشياطين فيحرقهم بالشهب التي فيها.

    فهي حفظ للسماء من أن يخترقها الشياطين والجان لاستراق السمع، فالذي قدر ذلك هو الله العزيز العليم سبحانه، وذلك التقدير العظيم لا يخطئ أبداً، فكان على ما قدره الله سبحانه وتعالى ولا يشذ أبداً ولا يفلت منه شيء ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، فهو العزيز الغالب القاهر الذي لا يمانع سبحانه وتعالى، ولا يقدر أحد أن يرد قضاء الله عز وجل.

    وأظهر عزته وقدرته وجبروته وقهره لكل شيء سبحانه العليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء.

    1.   

    الآيات التي توهم التعارض

    جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، أي: توهم أنها متعاكسة أو متناقضة وهي قوله تعالى: فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101].

    وقوله سبحانه: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27].

    كأن الرجل ظن أن فيهما تناقضاً، فإذا أشكل على رجل شيئاً فإنه يذهب إلى أهل العلم فيسألهم كما قال الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلا سألوا جهلوا، إنما شفاء العي السؤال)، فالإنسان الذي يجهل الشيء ليس عيباً أن يسأل، إنما العيب أن يسكت على جهله أو أنه يفسر لنفسه أو يشرح لنفسه.

    قال: وكذلك قوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42].

    وقوله: قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23].

    وكذلك قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات:27]، إلى قوله سبحانه: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30]، مع قوله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت:9]. إلى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]، فالآية الأولى ذكرت أن خلق الأرض بعد خلق السماء، والآية الثانية ذكرت العكس.

    وكذلك في قوله سبحانه: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفتح:14]، وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]، وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134].

    كأن الرجل لم يفهم اللغة جيداً فكأنه فهم أن الفعل الناقص (كان) يفيد الزمن الماضي فقط.

    فإذا بـابن عباس يجيبه رضي الله عنه، ويرفع عنه الإشكال في هذه الأسئلة، ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، فقال رضي الله عنهما: قوله تعالى: فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] ذلك في النفخة الأولى، قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    فكل الخلائق يموتون فلا تنفعهم أنساب ولا أحساب ولا أموال ولا غير ذلك، فإذا نفخ فيهم النفخة الأخرى قاموا من قبورهم فيسأل بعضهم بعضاً عن يوم الحساب، قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27].

    أما قوله سبحانه عن الكفار أنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23].

    مع قوله: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42].

    فإن الله عز وجل يغفر لأهل الإخلاص والتوحيد الذين عبدوا الله وكانوا مسلمين، فيغفر لهم صغائر ذنوبهم وكبيرها ويتجاوز عنها بسبب إخلاصهم وتوحيدهم أن قالوا: لا إله إلا الله، فلما رأى هؤلاء المشركون أن الله يغفر لأهل التوحيد قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23].

    أي: نحن كنا موحدين أيضاً، فكذبوا على الله فختم على أفواههم، وشهدت عليهم أعضاؤهم بأنهم كذبوا وأشركوا وكفروا، فتنطق على أنفسهم بالحق فلا يكتمون الله حديثاً.

    كذلك المنافقون يوم القيامة فإنهم يحلفون بالله سبحانه وتعالى أنهم كانوا مؤمنين ولم يكونوا مشركين: يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة:18].

    فلما كذبوا أشهد عليهم جوارحهم فينطق على أحدهم جلده ويده وفخذه ورجله وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42].

    فإذا بأحدهم يدعو على نفسه ويقول: سحقاً لكن! عنكن كنت أدافع، أي: كانت لسانه تدافع عن يده ورجله وأعضائه، فيكذبون أمام الله تعالى أنهم كانوا مؤمنين تم تشهد أعضاؤهم بخلاف كذبهم، فيستحقون العذاب بشهادتهم على أنفسهم.

    وجمع ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا [فصلت:9].

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10].

    فذكر الأربعة الأيام ثم قال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت:11]، وقوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12].

    مع قول الله عز وجل: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات:27].

    وبعدما ذكر السماء قال: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30].

    فقال ابن عباس : خلق الله الأرض في يومين : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت:11]، فسواهن سبع سموات ثم أكمل ما في الأرض من أشياء فهنا لا يوجد أي تعارض بين هذه وهذه، فبدأ بالأرض ثم السماء ثم رجع إلى الأرض مرة ثانية، فلم يقل في قوله تعالى: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30]: والأرض بعد ذلك خلقها، وإنما دحاها أي: بسطها للناظرين، وجعل فيها المعايش لمن كان عليها، فكان كل من الآيتين يعطي المعنى نفسه.

    فدحاها أي: أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وغير ذلك في يومين آخرين، فذلك قوله سبحانه دحاها، وقوله : خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:9].

    فخلقت الأرض وما فيها من أشياء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96].

    سمى الله سبحانه وتعالى نفسه الغفور الرحيم, فالتسمية من الأزل، ولا تزال هذه التسمية أبداً لله سبحانه وتعالى، وكان هو الفعل الوحيد الذي يصلح أن يكون للماضي وللحاضر وللمستقبل، فالله غفور في الماضي والحاضر ولا يزال هكذا أبد الآبدين سبحانه وتعالى.

    وكان الله عز وجل بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى منذ الأزل، ولم يحدث له شيء جديد، وإنما هو الله سبحانه العزيز الحكيم الغفور الرحيم في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.

    فالله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فهو من عند الله.

    فـابن عباس رضي الله عنهما له قدر عظيم، فهو الذي جمع بين الآيات ورفع ما يشكل على الناس، فاستحق أن يكون ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة رضي الله عنه وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995493731

    عدد مرات الحفظ

    717690199