إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [15 - 17]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات المؤمنين: أنهم يستجيبون لله تعالى عند سماع كلامه، فما أن يسمعوا بأمر الله إلا وبادروا إلى تنفيذه رغبة فيما عنده سبحانه، وطلباً للأجر والثواب، وما أن يسمعوا بنهي الله إلا واجتنبوه وابتعدوا عنه خوفاً من عقاب الله سبحانه، فتراهم مقبلين على طاعة ربهم من صلاة فريضة ونافلة، وقراءة قرآن وجهاد وقيام ليل وصدقة وذكر، وغير ذلك من أنواع الطاعات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة:15].

    في هذه الآية وما بعدها من سورة السجدة يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن عباده المؤمنين، وكيف تكون استجابتهم لله رب العالمين عند سماعهم كلام الله سبحانه، حين يقرءون القرآن يستجيبون ويؤمنون ويزدادون إيماناً، وإذا ذكروا بآيات الله سبحانه أقبلوا عليها، فتفهموا وتدبروا وخروا لله سجداً في صلاتهم وفي غير صلاتهم، فهم إذا مرت بهم آية سجود سجدوا لله سبحانه وتعالى على جباههم، وكانوا معظمين لآيات الله سبحانه وخائفين من ربهم سبحانه ومعظمين له.

    قوله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا (إنما) أداة قصر، والمعنى هؤلاء فقط الذين قد آمنوا بالله سبحانه وتعالى، الذين امتلأت قلوبهم خشية وخوفاً منه سبحانه وتعالى.

    قوله: الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا أي: هؤلاء إذا ذكروا بالله سبحانه وأمروا بالسجود وأمروا بالطاعة أقبلوا إلى ربهم سبحانه، وخروا له ساجدين في صلاة وفي غير صلاة، فهم يسجدون لله خاشعين مخبتين منيبين متواضعين لرب العالمين، أذلوا أنفسهم؛ ليعزهم الله سبحانه يوم القيامة.

    قوله: خَرُّوا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يعني: قالوا هذا الذكر الذي يكون في السجود والذي يكون في الركوع، قالوا: سبحان الله والحمد لله أو قالوا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أو قالوا: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الركوع وفي ذكر السجود، وسبحوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى، أو أنهم في حال ما يحمدون الله فهم مسبحون له، وفي حال تسبيحهم لله فهم حامدون له عز وجل، فسبحوا حامدين وحمدوا ربهم مسبحين.

    قوله: وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يستكبرون على ربهم، ولا يستكبرون على النصيحة، فإذا نصحهم إنسان استجابوا للنصح، ورجعوا إلى ربهم وأنابوا، وأقبلوا عليه وسجدوا له سبحانه وتعالى مستجيبين مطيعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع..)

    قال الله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] أي: هؤلاء المؤمنون بالله سبحانه يسمعون الأذان فيهرعون إلى الصلاة؛ ليخروا لله سجداً، كذلك إذا جاء عليهم الليل ناموا ثم إذا بهم يستيقظون لصلاة الفجر، ويستيقظون قبل ذلك لقيام الليل، فيقومون لله سبحانه مصلين مستمتعين بالعبادة.

    قوله: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ من الجفوة كأنهم يجافون الفرش عن جنوبهم، يرتفعون عن الفرش، وتنبو جنوبهم عنها، فهم يتجافون عنها.

    قوله: عَنِ الْمَضَاجِعِ مضجع الإنسان مكان نومه، فالمؤمنون إذا جاء الليل ناموا ما كتب لهم، ولكن لا ينامون الليل كله، وإنما يقومون جزءاً من الليل مصلين لله سبحانه وتعالى، فإذا ناموا واستشعروا الراحة في النوم فإنهم يعتبرون بما يكون يوم القيامة، من الراحة الكبرى، الراحة التي تكون في الجنة حيث لا عمل ولا تكليف فيها، فيستعدون لهذا؛ وذلك بأن يتعبوا أنفسهم بالقيام بين يدي الله عز وجل مصلين لله سبحانه، ذاكرين يوم القيامة يوم الوقوف بين يدي الله عز وجل، وهم يطلبون الراحة من رب العالمين في ذلك اليوم، يوم أن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويطلبون أن يبعد الله عز وجل عنهم نار جهنم يوم القيامة، وأن يخفف عليهم الموقف الطويل والحساب العسير يوم القيامة، فلذلك تتجافى جنوبهم عن المضاجع ويقومون مصلين لله رب العالمين بالليل.

    قوله: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا أي: يدعون ربهم في صلاتهم وفي جميع أحوالهم، فهم يكثرون من الدعاء، ومن ذكر الله سبحانه، ويدعونه في وقت البلاء وفي وقت الرخاء، وهم يدعون الله خوفاً من عقابه وطمعاً فيما عنده سبحانه.

    وهذا حال الإنسان المؤمن الذي عرف فضل الله فطمع في فضل الله سبحانه، فهو يعبد ربه خوفاً وطمعاً، رجاء فيما عند الله وهرباً مما عند الله سبحانه وتعالى.

    فالمؤمن يطلب الله من فضله؛ لأنه علم أن الله الغني وأنه الكريم والجواد سبحانه، وأن الله رحمن رحيم، والله لا يعظم عليه شيء، فمهما طلب الإنسان ومهما سأل الله، فإنه يعطيه؛ لأنه حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردها صفراً بدون شيء، والله يحب من عبده أن يسأله، فهو يحب الذين يسألون، ويطلبونه سبحانه: يا رب أدخلنا جنتك، يا رب نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، يا رب نسألك الخير، اللهم اغفر لنا ذنوبنا.

    إذاً: المؤمنون يسألون الله دائماً؛ لأنهم علموا أن الله يحب من عبده أن يسأله، وعلموا أن الله جواد كريم يحب أن يعطي عبده سبحانه وتعالى، ولما علموا ذلك سألوه من فضله وألحوا عليه في السؤال، فأعطاهم الله سبحانه ما أرادوه، وأمنهم مما يخافون منه يوم القيامة.

    إذاً: الخوف والرجاء من الله سبحانه، والمؤمن دائماً في الدنيا خائف من الله راج لله سبحانه، فهم خائفون الخوف الذي لا يؤدي إلى اليأس من الله سبحانه، ولكن الخوف الذي يمنع العبد من المعاصي، كالشرك بالله سبحانه وغيره، والخوف الذي يدفع العبد للعمل الصالح، لا الخوف الذي يؤدي إلى أن ييئس من روح الله: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87].

    فهم مع شدة خوفهم هم في غاية الرجاء فيما عند الله سبحانه وتعالى، يرجون كرمه وفضله، ويرجون الثواب منه سبحانه، ويرجون مغفرة الذنوب، فهم يخافون من الذنوب وهم يرجون من الله أن يغفر الذنوب سبحانه وتعالى.

    ولذلك العبادة لا تكون إلا بذلك: غاية الخوف من الله عز وجل مع غاية الرجاء فيما عند الله سبحانه.

    قوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أي: أن العبادة تكون بالدعاء وبالصلاة وبالنفقة، يعني: عبادة بدنية وعبادة مالية، فهم ينفقون في سبيل الله سبحانه، فمهما أعطيناهم من كثير أو قليل فحالهم أنهم ينفقون لله سبحانه وتعالى مما قل أو كثر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين...)

    قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] أي: لا تعلم أي نفس من النفوس، لا ملك مقرب ولا رسول ولا غيره ما أخفاه الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة، إلا من شاء أن يطلعه سبحانه، وهذا يدل على أن هذا الشيء الذي أخفي شيء عظيم جداً وشيء غال جداً، شيء يليق بعظمة الله سبحانه وتعالى، فمهما أراد إنسان أن يتخيل ومهما تخيلت ما الذي عند الله للمؤمنين فلن تصل إلى كنه ذلك؛ فهو أعظم بكثير مما تتخيل، فلا تعلم نفس خلقها الله سبحانه وتعالى أن تعلم ما الذي أخفاه الله سبحانه لهؤلاء من قرة أعين، أي: العين القريرة، والعين القارة، والعين الباردة، فالإنسان في حال فرحه تقر عينه وتستريح عينه، فإذا بكى من الفرح تكون دموع البكاء من الفرح باردة بخلاف الحزن، وإذا حزن الإنسان وخاف وبكى من حزنه نزلت دموع الحزن حارة، فهناك فرق بين الفرح والحزن، فهؤلاء قرت أعينهم بفرحهم وباطمئنانهم بالله سبحانه وتعالى، فإذا اشتد فرحهم وبكوا من الفرح كانت دموعهم قارة باردة وليست دموعاً حارة ساخنة، فهم في فرحهم بالله سبحانه وفي رجائهم بالله سبحانه قد قرت أعينهم.

    قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: بسبب ما كانوا يعملون، فسبب دخولهم الجنة أعمالهم، والأعمال سبب لدخول الجنة وليست ثمناً للجنة؛ لأنه الجنة عظيمة غالية.

    1.   

    فضل قيام الليل

    قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، هذا في قيام الليل، أي: يقوم الإنسان لله سبحانه وتعالى فيصلي بالليل، وجاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في ذلك، وكان الصحابة ينتهزون الليل؛ ليقوموا بين يدي الله سبحانه، بل ينتهزون أيضاً زيادة ما بين المغرب والعشاء؛ ليقوموا لله عز وجل، فقد كان قيامهم بين يدي الله عز وجل بالليل يطول، وكانوا يتأولون هذه الآية، كما جاء في الحديث عند أبي داود وعند الترمذي (عن أنس بن مالك في هذه الآية: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] قال: كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)، وهذا حديث صحيح وفيه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، ويعتبرون ذلك من قيام الليل.

    وكان الحسن يقول: قيام الليل، أما قيام الليل بعد العشاء فقد جاءت فيه أحاديث كثيرة عنه صلى الله عليه وسلم منها:

    ما رواه الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بقيام الليل) أي: الزموا قيام الليل، وهذا إغراء، كأنه يحفز ويحث ويحرض المؤمن على أن يقوم من الليل ولو بالشيء اليسير، ولو بأن تقرأ الفاتحة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فأنت إذا قرأت عشر آيات من كتاب الله سبحانه لا تكتب من الغافلين، فلا تكن من الغافلين، وإذا قمت من الليل ولو وقتاً يسيراً قبل الفجر تصلي ركعتين بعشر آيات أو ما فوقها، تكون ممن ذكر الله سبحانه ولم تكن من الغافلين، قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم) أي: عادة الصالحين قبلكم، فقد كانوا يقومون بين يدي الله عز وجل بالليل، وقيام الليل عظيم جداً، فكونك تتشبه بالصالحين تكون منهم، كما ورد في الحديث: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    ثم قال: (وهو قربة إلى ربكم) أي: تتقربون لله عز وجل بقيام الليل.

    وقال: (ومكفرة للسيئات) قوله: (مكفرة) هذا مصدر ميمي، معناه: أنه تكفير للسيئات.

    (ومنهاة عن الإثم) يعني: ينهى صاحبه عن الإثم.

    كذلك ورد في قيام الليل في القرآن: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

    الناشئة: هي الارتفاع، يعني: بعدما نام الإنسان على فراشه ارتفع عن فراشه وقام لله عز وجل ليصلي، فالناشئة هي القيام بعد المنام، قوله: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا أي: مواطأة بين اللسان وبين القلب، فأنت تقرأ بلسانك ما يستقر في قلبك، فهناك موافقة بين الاثنين، لكن في أحوال العبد في النهار وانشغاله بمعاشه تجده يقرأ ما يقرأ، ويسهو عما يقرأ وينسى أشياء بسبب ما ينشغل به، ولكن إذا قام لله عز وجل بالليل اجتمع قلبه، فينطق بلسانه ما يعيه قلبه، فيتفكر ويتدبر ويدعو ربه سبحانه مخلصاً لله عز وجل.

    قوله: وَأَقْوَمُ قِيلًا أي: يقول قولاً مستقيماً في ذلك، ويقول أرضى الأقوال لله سبحانه وتعالى، للموافقة بين القلب واللسان.

    فإذاً قيام الليل يكفر الله عز وجل به عن العبد السيئات، وقيام الليل ينهى صاحبه عن الإثم، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وخصوصاً قيام الليل، وقيام الليل يقوي العبد على اجتناب المعاصي والآثام، ولذلك أفضل العباد هم الذين يواظبون على صلاة الفجر والعشاء في جماعة، والذين يقومون لله عز وجل من الليل ولو شيئاً يسيراً، فهؤلاء يكون لهم الأجر العظيم والقربى من الله، ولذلك ورد في حديث عمرو بن عبسة عند الترمذي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر؛ فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) أي: إذا قدرت أنك تكون من الذاكرين الله في آخر الليل فافعل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.