إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [12 - 14]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله عز وجل هذا الخلق فأبدعه، وجعل هذا الخلق شاهداً لعظمته، وبديع صنعه سبحانه، وجعل في خلقه من العظمة والجمال ما تتحير منه فطن أولي الألباب، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟ وهل تقود إلى عبادة غير القدير؟ فويل للمشركين عبدة الأوثان من شر يوم مستطير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الله عز وجل في سورة فاطر:

    وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:12-14].

    يذكر لنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات بعضاً من عظيم آياته في هذا الكون لنتدبر فيها، وكيف أن الله خلقها وسخرها لنفع عباده، وكيف أفادهم من هذه الأشياء.

    وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [فاطر:12]، وقال في سورة الرحمن: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:19-21]، أي: فبأي نعم الله سبحانه تكذبان؟! والبحر نعمة عظيمة للعباد، فمنه ما هو: عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ [فاطر:12]، ومنه الملح الأجاج، أي: شديد الملوحة، وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [فاطر:12]، وسخر البحر كذلك: لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم:46].

    وانظر إلى البحار والمحيطات التي تحيط بهذا الكون، فإنها تغمر أكثر سطح الأرض، ومع ذلك فقد جعل الله عز وجل للعباد رزقاً فيها، فالبحر مالح والمحيط أشد ملوحة منه، وماء عذب فرات يجري في الأنهار أو في العيون، وهذه نعم من الله سبحانه وتعالى على العباد، فهم يشربون من المياه العذبة الفرات التي خلقها الله عز وجل لهم، ويأكلون طعاماً من البحر ومن النهر ومن المحيط، ويستخرجون حلياً يلبسونه ليشكروا نعمة الله سبحانه.

    لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، أفلا تشكرون نعم الله عز وجل عليكم؟

    وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ [فاطر:12]، أي: لا يستوي ماء البحر المالح وماء البحر العذب، هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ [فاطر:12] أي: شديد العذوبة تشربونه وتستسيغونه، كماء النهر، ومياه العيون والآبار، فهي مياه عذبة تشربونها وتستسيغونها، والفرات بمعنى: الحلو، سائغ شرابه، أي: أن الإنسان يقدر على ازدراده وابتلاعه، ومنه قولهم: أساغ اللقمة بالماء إذا أراد أن تنزل من حلقه بعد أن علقت به، أما الماء المالح فلا يقوى على استساغته، ولا يستطيع بلعه.

    وانظر إلى شراب أهل النار، فقد ذكر الله عز وجل عنهم أن شرابهم الصديد في النار، وأنهم لا يستطيعون استساغته، فقال: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:17]، أي: لا يقدر أن يبتلعه، وكيف يبتلعه وهو من النار والعياذ بالله، ولكن الماء الفرات البارد من نعم الله عز وجل على عباده، والتي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد أكلوا تمراً أو بلحاً وشربوا ماءً عذباً: (هذا من النعيم الذي تسألون عليه).

    والأجاج: هو الشديد الملوحة، وأيضاً: يطلق على مر المذاق، وكأنه يريد منك أن تقارن بين هذا وذاك، ومع ذلك جعل الله عز وجل لهذا مخلوقات تعيش فيه وتستسيغه، فهناك أسماك معينة للبحر العذب، وهناك أسماك معينة للبحر المالح.

    1.   

    معنى البرزخ في قوله سبحانه: (بينهما برزخ لا يبغيان) والإعجاز العلمي فيه

    لقد أخبرنا سبحانه عن اختلاط البحر بالنهر فقال: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19]، أي: النهر والبحر، والمارج: هو الشيء المختلط، فيحصل اختلاط بين البحر المالح والنهر العذب، ومع ذلك فلا يتأثر الملح بالعذب ولا العذب بالملح، فسبحان الله!

    بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن:20]، فمن قدرة الله عز وجل أن جعل بين البحرين برزخاً، أي: ماءً وسطاً بن الملح والعذب تعيش فيه أسماك معينة لا تقبل الماء المالح، أو الماء العذب، وفائدته: الفصل بين البحر المالح والنهر العذب، بحيث لا يختلطان، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، والبرزخ: هو المكان الفاصل بين الاثنين، وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، أي: مانعاً لمخلوقات هذا البحر أن تعيش في هذا النهر والعكس كذلك.

    1.   

    الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (ومن كل تأكلون لحماً طرياً...) وقوله: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)

    ثم قال سبحانه: وَمِنْ كُلٍّ [فاطر:12]، أي: من البحر العذب والبحر المالح، تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا [فاطر:12]، أسماكاً وغيرها، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [فاطر:12] قال الله سبحانه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:18-22]، أي: يخرج من الاثنين، من الماء العذب ومن الماء المالح، وكان المفسرون يقولون: يَخْرُجُ مِنْهُمَا [الرحمن:22]، أي: على سبيل التغليب، وإلا فلا يخرج اللؤلؤ والمرجان إلا من الماء المالح فقط، وهذا هو المعروف عند العرب، وهذا من أدلة إعجاز القرآن العظيم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان عربياً مثلهم.

    لكن العلم الحديث أثبت لنا بأن هناك أنهاراً موجودة يخرج منها اللؤلؤ والمرجان، ويخرج منها الحلي للناس، ولذلك لم تعرفها العرب، وتوجد هذه الأنهار في الهند وفي الصين وفي روسيا وفي أمريكا وفي ألمانيا وغيرها؛ ولذلك تأول المفسرون هذا الآية: أنه يخرج من أحدهما -وهو المالح- اللؤلؤ والمرجان.

    قال سبحانه: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، وهناك قال: وَمِنْ كُلٍّ [فاطر:12]، أي: الاثنين: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا [فاطر:12]، ومن كل أيضاً: تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [فاطر:12]، وقد يكون هذا الشيء موجوداً عند العرب ولكنهم لم يكتشفوه في وقت نزول القرآن فيهم، والقرآن لم ينزل لزمانهم فقط، بل نزل لكل زمان إلى قيام الساعة.

    ولذلك تجد الآن في بلاد العرب من يأخذ الرمل الموجود حول هذه الأنهار فيفتته ويحلله ويخرج منه الذهب؛ ولذلك يقولون: إن أنهار العرب فيها من الطين ما هو ممتلئ بالذهب، وهذا شيء لم يكن موجوداً في الماضي ووجد الآن، يقول سبحانه: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:12]، أي: ومن آياته: أنه يرسل هذه الرياح لتثير السحاب ولتجري الفلك في البحار والأنهار بأمر الله سبحانه، ليخرج الإنسان الصياد فيركب قاربه مبتغياً الرزق من الله سبحانه وتعالى، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ يعني: تمخر الأمواج، أي: تشقها وتشق أمواجه وتسير فيها بتسيير الله سبحانه لها وبتيسيره، لتبتغوا من فضل الله سبحانه ومن رزقه، فهو الذي سخر لكم ذلك ولن يغرقكم إلا حين يشاء سبحانه وتعالى.

    ثم ترك لكم الخيار في الأكل من البر أو البحر وسخر لكم من فضله سبحانه، قال: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [فاطر:12]، أي: فإذا أخذتم وإذا لبستم حمدتم الله سبحانه وشكرتموه على نعمه، وهو القائل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجلٍ مسمى) والإعجاز العلمي فيها

    قال سبحانه وتعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:13]، والإيلاج: هو إدخال شيء في شيء، فالأرض كروية تدور حول نفسها، والشمس تجري لمستقر لها.

    وقد اكتشف رواد الفضاء عندما خرجوا من العلاف الجوي للأرض: أن الظلام محيط بالأرض من كل جانب، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل حول الأرض شيئاً معيناً بحيث تنعكس عليه أشعة الشمس نحو الأرض فيظهر النهار، فالنهار هو الذي يجلي الشمس ويظهرها، فتراها وأنت في داخل الأرض؛ ولذا قال سبحانه: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:1-4]، فأقسم بالشمس، وبضحى هذه الشمس، وبالقمر، وبالنهار الذي يجلي هذه الشمس ويظهرها، وبالليل كذلك.

    وقد كان المفهوم السائد الغالب في الماضي أن الشمس هي التي تجلي النهار وتظهره، حتى جاءت هذه الآية لتبين الحقيقة العجيبة، قال تعالى: وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:3]، أي: إذا أظهر الشمس.

    ولذلك تحير العلماء في ماهية النهار وحقيقته، حتى قالوا: إنه الطبقات الترابية أو الغلاف الذي يحيط بالأرض، فإنه إذا واجه الشمس انعكست أشعتها عليه فظهر النهار وكأنه شيء بين الأرض وبين الشمس، فإذا تحركت الأرض ودارت حول نفسها ذهبت أشعة الشمس إلى المكان الذي كان مظلماً قبل ذلك، وأظلم هذا المكان الذي كانت فيه أشعة الشمس أولاً، وهكذا يتعاقب الليل والنهار.

    وهذا دليل ظاهر على كروية الأرض، فإن الأرض لو كانت مسطحة لواجهت أشعة الشمس ولدام عليها النهار أبداً، وهو مصداق لقوله سبحانه وتعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر:5]، فالنهار يكون على جزء منها، كما أن الليل يكون على الجزء الآخر، وهذا دليل ظاهر على كروية الأرض.

    يقول العلماء: وقد كشف العلم الحديث: أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد، وهو بسيط جداً بالنظر إلى الليل الدامس الموجود في الكون ككل؛ ولذلك ذكر الله عز وجل انسلاخ الليل عن النهار فقال: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس:37]، فإذا دارت الأرض سلخت هالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزيئات الموجودة في الهواء، فكأن الأرض كرة حولها غلاف من الهواء، فانعكست أشعة الشمس على هذا الغلاف، فأخذت فجوات في هذا الغلاف فظهر الضوء من خلالها في المكان، قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37].

    وهنا يقول عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [فاطر:13] أي: يدخل هذا في ذاك، وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [فاطر:13]، فكأن الاثنين معاً، وقال في موضع آخر: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62]، أي: يخلف الليل النهار والنهار الليل، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الأرض كروية كما سبق، وسيستمر هذا الوضع إلى أن يأتي أمر الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:13]، فالشمس تقع على بعد معين من الأرض لا ينقص ولا يزيد.

    1.   

    تجلي عظمة الله سبحانه في مخلوقاته

    تبعد الشمس عن الأرض حوالي: (150) مليون كيلو متر، بينما تقطع أشعة الشمس هذه المسافة من الشمس إلى الأرض في (8) دقائق و(0.3) جزء من الدقيقة، ولو أن الشمس اقتربت كيلو أو اثنين من الأرض لاحترقت الأرض بمن فيها، أو لتبخرت جبال الثلج الموجودة في الأرض ولمات الناس غرقا.

    والإنسان في الصيف لا يستطيع أن يقف تحت الشمس لمدة طويلة، بل إن درجة الحرارة في الصيف في بعض البلدان تصل إلى (60) درجة مئوية، حتى إن بعض البلدان تعلن للناس حظراً يقضي بعدم الخروج من المنزل للوظائف وغيرها بسبب حرارة الشمس الشديدة، وتبلغ درجة حرارة الغلاف الخارجي للشمس فقط: ستة آلاف درجة مئوية، أما درجة الحرارة في داخل الشمس فقد تصل إلى ستة ملايين درجة مئوية، وتخيل كيف سيصبح حال الإنسان يوم أن تدنو الشمس من رأسه يوم القيامة مقدار ميل؟

    والميل يساوي كيلو وسبعمائة متر تقريباً، أي: اثنين كيلو إلا يسيراً، وبعضهم قال: بل هو ميل المكحلة: وهو العود الذي يوضع داخل المكحلة من أجل التكحل، فمن يطيق هذا الدنو أو ذاك؟!

    وفي ذلك اليوم يخفف سبحانه عمن يشاء من عباده، ويظل من يشاء في ظله يوم لا ظل إلا ظله -نسأل الله عز وجل أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله- تدنو الشمس من الرءوس يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يغطي عرقه قدميه، ومنهم من يغطي ساقيه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يغطي منكبيه، ومنهم من يغطي العرق رأسه، وهذا العرق الذي يصيب الإنسان إنما هو بسبب أنه لم يبذل في الدنيا، ولم يعرف الله سبحانه وتعالى، ولم يؤد حق الله سبحانه وتعالى في الدنيا، وهذا العرق تعذيب من الله عز وجل للإنسان في هذا الوقت على ما قصر في عبادته لربه سبحانه وتعالى.

    وهنا أخبرنا الله سبحانه عن الشمس فقال: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:13]، أي: جعل هذه الشمس المشرقة المحرقة المشتعلة المتوقدة، كما قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [الإسراء:12]، فجعل لنا ليلاً ونهاراً، فلو كان القمر مشتعلاً كالشمس لكانت الأرض كلها نهاراً، ولكن الله عز وجل جعل آية الليل القمر، وآية النهار الشمس، فالشمس تضيء للعباد، والقمر ينير، وقد كان القمر مشتعلاً يوماً من الأيام؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ [الإسراء:12].

    أي: أن آية الليل -وهو القمر- كان كهذه الشمس آية مبصرة مشتعلة يخرج منه النور والنار، ولكن الله محاها وطمسها، قال: فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [الإسراء:12] أي: لتنامون في الليل ولتبتغوا فضلاً من الله سبحانه وتعالى في النهار.

    وَلِتَعْلَمُوا [الإسراء:12]، أي: بتعاقب الليل والنهار: عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [الإسراء:12]، فلو جعل الأرض نهاراً بأسرها لما عرفنا الفرق بين يوم وآخر، فالله عز وجل جعل هذه آية من الآيات العجيبة جداً.

    وقد اكتشف العلماء أن القمر كان مشتعلاً يوماً من الأيام، وأنه الآن منطفئ، وإن كانوا يقولون: إن باطنه ما يزال مشتعلاً.

    فالله عز وجل يقول: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [فاطر:13]، فإذا ظهرت الشمس للعباد أتى النهار مباشرة، وإذا غابت الشمس أتى الليل بعدها مباشرة، قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [يس:38-39]، وقد تحدث العلماء: أن القمر ينزل في برج من الأبراج كل ثلاثة عشر يوماً إلى أن يدور في العام كله في السنة الهجرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، فتنتهي بذلك السنة القمرية، وهذا كله لتعلم عدد السنين والحساب الذي تحسب به الليل والنهار.

    فالله سبحانه سخر لعباده هذا الكون كله للعبادة، وقد قال أهل العلم: إنه اكتشفت مجرات عديدة جداً غير هذه المجرة التي تضم الأرض، وقد تصل المجرات المكتشفة إلى الآن إلى أكثر من أربعمائة مليار مجرة في هذا الكون، وكل مجرة تساوي المجرة التي نحن فيها بل بعضها أعظم وأضخم، وهذه أرقام عجيبة جداً، في حين أن العلماء كانوا يعتقدون بأن عدد المجرات كلها هو: مائة مليار مجرة، أما المجرة التي تضم كوكب الأرض فيها والمسماة: بدرب التبانة، فإن كتلتها تصل إلى (230) مليار مرة قدر كتلة الشمس، فهي تكبر الشمس بـ(230) مليار مرة، وهذه مجرة واحدة فما بالك بأربعمائة مليار مجرة؟! أرقام فوق الخيال والعقل.

    وإذا تفكرت في الكون فلا تتفكر في رب الكون سبحانه، فإذا كنت لا تستطيع تخيل المجرة، فكيف بتخيل خالقها؟ فلا يجوز ذلك، قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، سبحانه وتعالى.

    قال: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [فاطر:13]، أي: وسخر هذه المجرات التي تجري في هذا الفضاء الواسع بشموسها وأقمارها ونجومها وما إلى ذلك من عظيم خلقه سبحانه، وهي تجري من مكان إلى مكان بحساب جعله الله سبحانه وتعالى لها، وكذلك النجوم التي تموت وتولد كالإنسان والحيوان والنبات وغيرهم، قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9]، سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:13]، فالشمس تجري إلى أن يأتي الأجل المسمى، وإلى أن يوقفها الله ويفعل بها ما يشاء سبحانه، وكذلك القمر، قال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [فاطر:13]، فهو الذي سخر هذا كله إلى أجل قد سماه الله وحدده عنده سبحانه، ذلكم العظيم القادر القاهر الذي يستحق العبودية وحده لا إله غيره سبحانه.

    1.   

    المالك الحقيقي هو الله سبحانه

    قال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [فاطر:13]، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] سبحانه وتعالى!!.

    وإذا تخيلت شيئاً من ملكوت الله سبحانه كهذه المجرات والشموس والأقمار التي هي في الدنيا، فتخيل السماء والسماوات التي لم يطلع عليها أحد.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: (أن سمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وأن ما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام)، ثم فوق السماء السابعة ما يشاء الله عز وجل من خلق، ثم فوق ذلك سدرة المنتهى، ثم فوق هذا كله عرش الرحمن سبحانه وتعالى.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع في الكرسي إلى كحلقة في فلاة)، والكون هذا كله في السماوات كحلقة في فلاة أيضاً، وإذا قورن الكرسي بالعرش فهو لا شيء بالنسبة للعرش.

    ثم قال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13]، أي: لا يملكون شيئاً، فالملك الحقيقي هو لله حتى وإن أعطاك المال، وحتى لو زعمت أنك اكتسبته بعرق جبينك فلن تأخذه معك إلى القبر يوم وفاتك، فالملك هو الله عز وجل حقيقةً، وقد حاول الفراعنة في الماضي أن يدفنوا الذهب مع الأموات في القبور، فجاء من بعدهم من نبش هذه القبور وأخرج ما فيها من الذهب فلم يستطيعوا عمل شيء بها، والقطمير: هو الغلاف الرقيق الذي يغطي نواة التمرة، والنقير: هي النقرة وراء النواة، وأما الفتيل: فهو الخيط الرقيق الموجود وسط النواة، فخاطب الله العرب بشيء محسوس يعرفونه في طعامهم، ومعنى الآية: أن القطمير والفتيل والنقير لا تملكه أنت، بل يملكه الذي أوجده وهو الواحد القهار، بل ولو دعي الإنسان الضعيف إلى صنع نواة كهذه توضع في الأرض فتنبت شجرة باسقة لما استطاع إلى ذلك سبيلاً، قال تعالى: مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13]، فالذي يملك هذا كله، هو الله سبحانه الذي خلق وأبدع وأوجد وجعله آية لخلقه.

    وإذا نظرت إلى هذه الأصنام الآلهة المعبودة من دون الله سبحانه لعلمت أنها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ولا الشيء اليسير، وحتى الغني في مرض موته لا يستطيع أن يتصرف بماله إلا بالثلث فقط، مع أنه قد يكون هو الذي تعب في جمعه، ولكن الله يأبى أن يكون الملك إلا له سبحانه وتعالى؛ ولذلك فعلى الإنسان أن ينتهز الفرصة فيتصدق لله عز وجل في صحته وعافيته؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ فكلهم قالوا: كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فمالك ما ادخرته عند الله سبحانه وتعالى)، أي: أنه يكون باقياً عند الله عز وجل: (ومال وارثك ما أبقيته لهم)، فما جمعته ونميته من ثروة هو مال الوارث في الحقيقة، أما مالك أنت فهو ما أنفقت لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ...)

    قال الله سبحانه: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14]، هذه الآية تبين حقيقة المدعوين من دون الله، فهم يدعون الأصنام من دون الله سبحانه، فمهما دعوتم فلن يستجيبوا لكم، والعجب أن المشركين يعرفون ذلك، وأن هذه الأصنام لا تنفع ولا تسمع ولا تضر، ومع ذلك يذهبون إليها يدعونها ويستشيرونها ويتكلمون عندها ابتغاء بركتها.

    فهم يعتقدون أنها تنفعهم وتقربهم إلى الله مع أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها لا تملك لنفسها أو لغيرها شيئاً: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:14]، وهذا فرض جدلي؛ لأنهم لا يسمعون أصلاً، فإذا افترضنا أن الله خلق في هذه الأصنام سمعاً تسمع وعقلاً تعقل به فلن تستجيب لكم.

    1.   

    تبرؤ الآلهة ممن يدعونهم من دون الله يوم القيامة

    ثم قال سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14]، سواءٌ كانت هذه الآلهة أصناماً وأحجاراً، أم أناساً ميتين، أم كانت شمساً وقمراً وأشجاراً وأنهاراً وغيرها مما عبد الخلق، والكفار أغبياء جداً في فهمهم لمعنى الألوهية، فهو يذهب إلى الصنم بأسهمه إذا أراد أن يسافر، فيأخذ الأسهم ويقرع بينهن، فإذا خرج سهم السفر فرح بذلك، وإذا خرج سهم القعود وعدم السفر أقرع بينها مرةً ثانية، فهو يعلم أن هذا الصنم لا يملك لنفسه شيئاً قبل أن يملك لغيره، وهكذا هو عقل الكافر في كل زمان ومكان، وهذا الغباء هو ما يعرفه الكافر إذا دخل في دين الله وأسلم، فكيف يعطيك الله ويرزقك ثم تعبد من لا يملك لنفسه أو غيره شيئاً؟!

    ويوجد الآن من يعبد البقر مع أنها تذبح أمامه، ومع ذلك يسجد لها من دون الله سبحانه وتعالى.

    وهناك من يصنع تماثيل عالية جداً كبوذا ويعبدها من دون الله تعالى، مع أنه صنعها بنفسه من الحجارة، وقد حدثني أحد الأساتذة في الطب وكان قد سافر إلى اليابان، فقال: إن الناس هناك يذهبون إلى بوذا في المعبد ومع كل واحد منهم جرس ليؤدوا طقوس العبادة له من دون الله سبحانه، فسأل أحدهم مرةً عن هذا الجرس ماذا يصنعون به؟ فأجابه أحدهم: أنهم يوقظون الإله ليعطيهم حاجياتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وهكذا هو حال الإنسان الذي لم يعرف الله تعالى، ففي قلبه ظلمة وفي عقله غباء، فهو يستدل بالباطل على الباطل، يجد نور الحق أمامه ومع ذلك لا يذهب إليه ولا يتبعه؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل الغشاوة على أبصارهم فعبدوا غيره سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، فهؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله يتبرءون يوم القيامة منكم ويكفرون بما أشركتم، حتى إن الشيطان يقول: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، فأنا لا تعجبني عبادتكم، بل أنا كافر بعبادتكم إياي، ولست معترفاً ولا مقراً بأني إله من دون الله تعالى، قال سبحانه: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    ثم قال الله سبحانه: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، فهل تريد أن ينبئك غير ربك سبحانه؟ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فلا ينبئك مثله سبحانه وتعالى، فهو الخبير بخبايا النفوس، وبما يكون في الغيب، فسترجع الأمور إلى الله سبحانه وتعالى وسيجازي عباده أجمعين: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14].

    نسأل الله عز وجل أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007984149

    عدد مرات الحفظ

    720892150