إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [1 - 13]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله سبحانه وتعالى في أول سورة الشعراء عن آيات القرآن العظيم، ويصف القرآن بأنه بين واضح جلي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، وهذا القرآن هو أكبر وأعظم معجزة أنزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم بين سبحانه حال المشركين المكذبين بهذا القرآن، وما دل عليه من البعث والنشور وتكذيبهم بذلك، فنبههم سبحانه إلى النظر في كيفية إخراج النبات من الأرض الميتة، لعلهم يؤمنون بأن الله قادر على أن يبعثهم مرة أخرى للجزاء والحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب... أنباء ما كانوا به يستهزئون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الشعراء:1-6].

    ذكرنا في الحديث السابق أن هذه السورة من السور المكية، والسور المكية لها خصائص منها: أنها تهتم بأمر العقيدة والتوحيد، وذكر ابتلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذكر ما فعل الأقوام مع المرسلين، وما فعل الله عز وجل عقوبة لهؤلاء، فأنزل بهم عذابه وبطشه سبحانه وتعالى.

    في هذه السورة يقول الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ أي: هذه الآيات التي نتلوها عليك هي آيات هذا القرآن العظيم البين الواضح الحجة، الذي يفهمه من يسمعه فلا يحتاج إلى بيان، فهو بين بذاته، وهو نور وبرهان من الله سبحانه وتعالى.

    قال الله تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لعلك مهلك نفسك إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم، لا، لا تهلك نفسك على آثارهم، ولا تهتم لكفرهم، ولكن عليك أن تدعوهم، فليس عليك إلا أن تبلغ رسالة رب العالمين سبحانه، أما أن يهتدوا أو لا يهتدوا فليس هذا شأنك، وإنما هو بيد الله سبحانه وتعالى.

    إِنْ نَشَأْ ننزل أي: لو أردنا أن نلزمهم هذا الإسلام ونلزمهم بالإيمان لجعلناه قهراً وقسراً أن يؤمنوا، ولو شئنا لنزلنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ أي: خاشعة وذليلة، ولكن الآية التي جاءت من عند رب العالمين إلى هؤلاء هي هذا القرآن العظيم المعجز، وقد تحداهم الله عز وجل به أن يأتوا بكتاب مثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو أن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. قال سبحانه: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ أي: ما يأتيهم من آيات ومن قرآن فإنه من عند رب العالمين، قوله: مُحْدَثٍ أي: جديد في نزوله، وقد نزل به جبريل من عند رب العالمين ليخبرهم بهذه الحادثة وهذه الواقعة، وإلا فالقرآن قديم من قبل ذلك.

    قال سبحانه: فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون أي: هؤلاء المشركون قد أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كذبوه فيما جاء به من عند ربه، فيهددهم الله سبحانه بقوله: فسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ، فقد كانوا يستهزئون بالموت، وبالبعث وبالنشور، وبالحساب، وبانتقام الله عز وجل منهم، وبوعده للمؤمنين أن يمكن لهم، فسيأتي نبأ هذا كله، ففي يوم من الأيام سيموتون ويرجعون إلى ربهم ويعلمون كيف كانوا يستهزئون بما هو الحق من عند رب العالمين، ولذلك قال لهم: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة:82].

    كم ضحك الكفار مستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ وكم بكوا بعد ذلك لما لقوا ربهم؟ ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر في يوم بدر وقد ألقيت فيه جثث الكفار رءوس الكفر، وقف يناديهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟) أي: هل وجدتم الآن وأنتم في هذا القليب في هذا البئر المطمور عليكم هل رأيتم ما وعد الله عز وجل من نصر الإسلام والمسلمين، ومن خذلانكم، ومن عذابكم؟! (فقال عمر : يا رسول الله! كيف يسمعون وقد بليت أجسادهم؟ فيقول له: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فقد أسمعهم الله عز وجل ما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه لهم، فجاءتهم أنباء ما كانوا به يستهزئون.

    فهذه السورة مكية، وهي تتهدد هؤلاء الذين كذبوا رسوله وكذبوا كتابه، وفعلاً حدث بعد ذلك بهم ما أخبر الله به، وصدق الله العظيم سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء:7]، فقد كانوا يستدلون على النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سيصيرون جيفة وسيموتون ولا يبعثون، فقد جاء في الحديث: (أن أحد المشركين ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظم من رأس إنسان ميت ففركه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: تزعم أن ربك يبعث هذا؟ قال: نعم يبعثه ويدخلك النار).

    فربنا يقول لهؤلاء الحمقى والمغفلين: انظروا إلى النبات الذي نخلقه، فهو يخرج نضراً وفيه الثمار من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يصير يابساً جافاً، ثم يموت بعد ذلك، ويخلق الله عز وجل غيره، فهل رأيتم إلى الأرض وهي ميتة حين ينزل عليها الماء من السماء كيف تنبت من كل الثمرات؟ أليس الذي أنبتت ذلك قادراً على أن يعيدكم مرة أخرى؟! لم لا تنظرون! قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا [الشعراء:7]، فكل نبتة تخرج من الأرض وكل حبة يجعلها الله عز وجل آية لكم، وفي كل ثمرة توجد آية للعباد.

    قوله: كم أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أي: من كل صنف من الأصناف.

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ فالله عز وجل هو الذي خلق ورزق، وهو الذي قدر كل شيء، وهو الذي أخرج لكم كل شيء، فهو بهذا ينبهكم على عظمته وقدرته، وأنكم لو نظرتم بعيونكم وتفكرتم بقلوبكم لعلمتم أن الذي يخلق هذا النبات: فتخرج النبتة، ثم تكون الحبة، ثم تأخذ أنت هذه الحبة وتضعها في الأرض فإذا بالله ينبتها مرة ثانية، ويخرج منها ما يشاء من فضله سبحانه قادر على إعادتكم، فهذه آيات ليل نهار يراها الإنسان أمامه، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:40] فقد أخرج لكم مِنْ كُلِّ زَوْجٍ [الشعراء:7]، أي: من كل صنف ونوع من الأنواع متشابه وغير متشابهة، كَرِيمٍ [الشعراء:7] أي: حسن شريف.

    وأصل الكرم في اللغة: الشرف، وبمعنى الفضل، فيقال: هذه نخلة كريمة، يعني: تؤتي ثمرها اللذيذة الطعم، فهي نخلة كريمة فاضلة كثيرة الثمار، ورجل كريم أي: شريف فاضل صفوح يعطي، فهنا أخرج الله لكم من النبات من كل زوج كريم، فأكرمكم الله بذلك، وأعطاكم من وفير ما خلق لكم، ألا تبعدونه سبحانه؟!

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين ، هذه الآية يكررهما الله عز وجل في القرآن عدة مرات، كلما ذكر قصة قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9]، فيكرر ذلك لتتدبروا في كل آية، والله عز وجل في كتابه إذا أراد أن يعظ الخلق كرر لهم ذلك، كما كرر في سورة الرحمن واحداً وثلاثين مرة قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]، فكان كلما ذكر نعمة للإنس وللجن قال: فَبِأَيِّ آلاءِ أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون بها؟ وهنا يذكر لنا الآيات ويكرر كذا مرة ويقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].

    قوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ وذلك لأنهم لا يتفكرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة، ولذلك قال لنا في الآية الأخرى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، وقال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] أي: أكثر الناس من أهل الباطل، وأهل الحق قليلون، ولذلك في يوم القيامة ينادي ربنا سبحانه آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويقول: (يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة).

    وقال سبحانه هنا: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي: الأكثرون هم الذين يعرضون ويكذبون، والأقلون هم المؤمنون، فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان.

    يقول سبحانه: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:9] أي: وإن كان أكثرهم كافرين فلا يحتاج إليهم ربهم سبحانه؛ لأنه الغني سبحانه، فهو مستغن عنهم وعن عبادتهم إنه العزيز القوي القاهر الذي لا يغالب أبداً سبحانه.

    وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فبدأ بعزته سبحانه وتعالى واستغنائه عن خلقه، ثم عقب بذكر رحمته، وإن كان الغالب في كتابه أن يبدأ بالرحمة قبل ذكر صفات العزة والقوة، ولكن هنا لما ذكر أن أكثرهم كافرون فالمناسب ذكر عزته وقدرته وقوته سبحانه.

    قوله: الرَّحِيمُ فرحمته خاصة بالمؤمنين، فيعذب الكافرين ويرحم المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذْ نادى ربك موسى ... فأرسل إلى هارون)

    لقد ذكر سبحانه بعد ذلك قصة موسى صلوات الله وسلامه عليه، وقصة موسى تكررت في القرآن في مواطن كثيرة من القرآن، وموسى عليه الصلاة والسلام كان صاحب شريعة قبل نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فذكر موسى وذكر محمد للتشابه، يعني: أن كليهما هذا صاحب شريعة، وهذا يدل على أن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام جاء مكملاً ومتمماً لما جاء به موسى صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وليحكمهم بالتوراة التي جاء بها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجاء عيسى بالإنجيل وهو كتاب مواعظ وليس شريعة، لكن التوراة هي التي حكم بها المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما يذكر ربنا القرآن يقول لنا: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17]، أي فهناك تشابه بين القرآن وكتاب موسى، لكن القرآن أعظم كتب الله سبحانه وتعالى، وهو ناسخ لغيره من الكتب إلى قيام الساعة، وهو الذي يعمل به إلى قيام الساعة، وإذا نزل المسيح حكم بهذا القرآن العظيم.

    فيقول ربنا سبحانه وتعالى هنا: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء:10]، قوله: (وإذ) أي: اذكر وقت، قوله: (وإذ نادى ربك موسى) هذه القصة قصة عجيبة جداً بطولها في القرآن، فكلما قرأت في موضع تجد فيها أشياء موجودة في مكان آخر وأشياء غير موجودة، فالإنسان في هذه القصة يجد أنها تكررت في القرآن، في سورة البقرة تجد ذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي سورة الأعراف، وهود، ويونس، وطه، والقصص، والشعراء، والنمل، ومع كثرة ذكر قصة موسى فإنك لا تمل من القراءة، فإنك عندما تقرأ القصة في موضع تتبين أشياء وتكتسب معرفة لم تكن تعرفها قبل ذلك، بخلاف لو أنك تقرأ قصة يكتبها إنسان مرة ومرتين وثلاثاً فإنك تمل منها، لكن القرآن لا يمل منه قارئه أبداً، فكلما قرأ يجد شيئاً جديداً لم يكن ينتبه له قبل ذلك.

    إن قصة موسى ذكرت قبل ذلك مراراً في عدة سور من القرآن، وفي كل سورة يذكرها بما يناسب السورة التي ذكرت فيها، فأنت حين تقرأ القصة في سورة الأعراف تجد القصة متسلسلة معها، وكذلك عندما تقرأ القصة في سورة طه تجد القصة متسلسلة معها، وهنا في هذه السورة كذلك، فسبحان الله! ما أعظم هذا القرآن وما أجمله! فتجد القصة لا تتنافى أبداً مع السياق الكلي للسورة، فهي متسلسلة على نمط معين.

    فهنا قبل ذكر القصة قال الله سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ [الشعراء:8-13]، فتجدها منسقة على نفس الوزن الذي عليه السورة جميعها.

    فيذكر ربنا سبحانه وتعالى هنا أن موسى عليه الصلاة والسلام أمره ربه أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء:10] أي: بعدما صار رسولاً عليه الصلاة والسلام، وفي سورة القصص يذكر لنا قصته من ولادته، وكيف كان فرعون يقتل الأولاد من بني إسرائيل، وأما هنا فأراد ذكر شيء معين ألا وهو ذكر الرسالة، فنبه بها واستطرد فيها، وذكر كيف أن موسى عليه السلام أقام الحجة على فرعون، وكيف أنه وقف صلباً أمامه يجادله ويقرعه بالحجة، ولا يخاف منه؛ لأن الله قد ثبته عليه الصلاة والسلام.

    الهدف من ذكر الله قصة موسى وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم

    إن الغرض من ذكر قصة موسى عليه السلام هو تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته، أي: كما ثبتنا موسى فإننا نثبتك، وكما نصرنا موسى فسننصرك، وكما هزمنا فرعون وجنوده فسنهزم هؤلاء، فاطمئن بذلك، واقرأ هذا القرآن تزدد إيماناً ويقيناً.

    قوله: إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء:10] أي: نادى ربنا موسى وهو راجع من مدين متوجهاً إلى طور سيناء، فالله عز وجل جعله يرى في الظلام شجرة من بعيد فيها نار، فلما ذهب إليها وجد في هذه شجرة ناراً فأراد أن يأخذ منها قبساً، فناداه ربه سبحانه وتعالى هنا: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:12-14]، وأمره الله عز وجل بالتوجه إلى فرعون، فطلب موسى من ربه سبحانه أن يجعل معه أخاه هارون وزيراً، وهنا السياق يذكر ذلك.

    َإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ من هؤلاء؟ قال: قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الشعراء:11] والظلم الذي كان فيه فرعون هو الكفر بالله سبحانه، وادعاء الربوبية مع الرب العظيم سبحانه وتعالى، بل إنكار ربوبية رب العالمين، وزعمه ذلك لنفسه، قوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ وهم القبط الذين كانوا في مصر، فأهل مصر كانوا يسمون بالأقباط، فأمر موسى أن يتوجه إلى فرعون وإلى أهل مصر ليدعوهم إلى الله الرب الخالق سبحانه وتعالى؛ ليعبدوه وحده لا شريك له.

    قوله: أَلا يَتَّقُونَ ربهم سبحانه، قال موسى: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ [الشعراء:12-13]، هنا في هذه القصة اختصر أشياء، وقد ذكرها لنا في سورة طه، فذكر أنه لما جاء إلى هذه الشجرة ناداه ربه سبحانه وتعالى وقال له في خطابه: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:17-18]، أما هنا فذكر أن موسى لما أمره ربه أن يتوجه إلى فرعون ليدعوه: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [الشعراء:12] أي: أخاف من فرعون؛ لأنه خرج من مصر بعدما قتل القبطي وهو من أتباع فرعون، قتله موسى وخرج هارباً، وسبب قتْله لأنه كان يختصم ويتشاجر مع رجل من بني إسرائيل، وموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لم يقصد قتله، ولم يكن بعد قد نبئ ولا أرسل عليه الصلاة والسلام، بل كان رجلاً من الناس، ولكن الله عز وجل بفضله وبرحمته عفا عنه وغفر له سبحانه، وموسى أراد يخلص الإسرائيلي من القبطي فوكزه بيده وكان قوياً فقتله، فلما قتله استغفر وتاب إلى ربه سبحانه وتعالى، ثم إنه خرج هارباً من فرعون؛ لئلا يقتله بهذا الذي قتله، فقال هنا لربه: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [الشعراء:12]، وهذه قراءة الجمهور، ويقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وقوله: (يكذبون) يقرؤها يعقوب : أَنْ يُكَذِّبُونِي .

    قوله: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ [الشعراء:13]، فطلب من ربه سبحانه أن يجعل معه أخاه هارون نبياً، فمن الله عز وجل عليه وجعل هارون نبياً مع أخيه موسى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003526245

    عدد مرات الحفظ

    718698750