إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل أبي بكر الصديق

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل أبي بكر الصديقللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أيد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بصحابة أفذاذ، في مقدمتهم الصديق، الذي سماه الله بذلك من علياء سمائه، لمبالغته في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو بكر خير الأمة بعد نبيها على الإطلاق، فهو الصاحب في الغار إجماعاً، وهو الذي بذل كل ماله فداء ونصرة لهذا الدين، وهو الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم خليلاً، وصفاته رضي الله عنه تفوق الحصر، يكفيه منها: أن إيمانه راجح على إيمان الأمة أجمع خلا نبيها.

    1.   

    ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد:

    فنحن في هذا الدرس على موعد مع خير البرية على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، على موعد مع من نصر الله به الدين وثبت به الأولين، على موعد مع من تفتح له أبواب الجنة الثمانية، على موعد مع رجل صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحل وفي الترحال! مع صاحب المكانة الأسمى عند الله جل وعلا، مع صاحب الحظوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع من أجمع السلف أجمعين على أنه خير من صاحب نبينا صلى الله عليه وسلم؛ إنه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    اسمه وكنيته

    هو عبد الله بن عثمان وأبوه عثمان كنيته: أبو قحافة ، فهو أبو بكر بن أبي قحافة أو أبو بكر بن عثمان يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب.

    كنيته: أبو بكر.

    وصفه

    أما وصفه: فكان جميلاً نحيفاً كما وصفه الواصفون، وقالوا: كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جميل الوجه ولذا لقب بالعتيق كما سنبين وكان أبيضاً نحيفاً أجنأ، يعني: له انحناء في ظهره رضي الله عنه وأرضاه. وكان معروق الوجه قليل اللحم، وكان إزاره يسترخي منه رضي الله عنه وأرضاه.

    ألقابه وسبب إطلاقها عليه

    لقب بـالصديق ، قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لقبه بذلك، ولأن الله سماه بـالصديق ؛ ولأن الصحابة أقروا على ذلك.

    أما بالنسبة لتسمية الله له؛ فقد قيل لـعلي بن أبي طالب : أخبرنا عن أبي بكر . فقال: هو أفضلنا -أو هو سيدنا- خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سماه الله بالصديق على لسان جبريل ولسان محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقيل: سمي أو لقب بـالصديق ؛ لأنه ما سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وقال: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: صدق. ولذلك وصفه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما تكلمت معه في شيء ولم يرد علي شيء). أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك لما جاء مشركوا العرب وقالوا: اليوم نأخذ من محمد صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى أبي بكر وقالوا: أما رأيت ما يزعم صاحبك؟ قال: وما يزعم؟ قالوا: يزعم أن الله أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم رجع في ليلة واحدة، وهذا في المعقول مستحيل ولا يمكن أن يصدق، تضرب الإبل شهراً حتى تصل إلى بيت المقدس وترجع، ففي ليلة واحدة يذهب من البيت الحرام إلى بيت المقدس، وظنوا أن أبا بكر يتخلى عن صاحبه؛ لأن العقل لا يمكن أن يقبل هذا الكلام.

    فقال أبو بكر : أقال هذا؟ قالوا: نعم، قال: صدق، قالوا: تصدقه في هذا؟ قال: والله! إني لأصدقه في ما هو أبعد من هذا، إني أصدقه في خبر السماء. غدوة وروحة. رضي الله عنه وأرضاه.

    وأيضاً لقب بـالصديق لصدقه وأمانته، فقد بلغ القمة في الصديقية، ولذلك بعض العلماء الذين لهم نظر ودقة فقه يقولون: استثنى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من الناس، أو سبعة من الأقسام، أو الأصناف على أنهم لا يعذبون في القبر: كالشهيد والمطعون وغيرهما فقالوا: الصديق أيضاً رضي الله عنه وأرضاه ينجو من فتنة القبر؛ لأن الشهيد ينجو من فتنة القبر، فقد امتحن في ساحة الوغى على صدقه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى ببوارق السيوف فتنة). أما الصديق ففي حياته كلها صدق، وما يأتيه خبر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم إلا يقول بيقين: صدق، ويصدقه في ذلك.

    قالوا: فهو أولى من الشهيد بأن يوقى فتنة القبر.

    ولقب أيضاً رضي الله عنه وأرضاه بالعتيق، قيل: لعتاقة وجهه أي: جماله.

    وقيل: لأنه كان كثير العتق، فكان يشتري العبيد بماله ويعتقهم في سبيل الله جل وعلا. وقيل: بل بشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عتيق من النار كما في سنن الترمذي : أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (دخل أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول أول ما رأى أبا بكر : أبشر يا أبا بكر ! إنك عتيق الله من النار).

    فبشره بالعتق من النار فلذلك لقب بالعتيق.

    ولقب بالصاحب، وما من أحد لقب بهذا اللقب أو اقترن ذكره مع ذكر رسول الله إلا أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه. قال الله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة:40] وبالإجماع الصاحب هنا هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ولقب أيضاً بالأواه؛ لأنه كان خاشعاً متبذلاً أمام ربه جل وعلا، ما قرأ آية إلا وبكى، ولذلك ورد عن إبراهيم النخعي أنه قال: الأواه هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    خلق أبي بكر الصديق

    كل إنسان منا يتمنى أن يرتقي في الخلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرء بحسن خلقه ليدرك درجة الصائم القائم). أما خلق أبي بكر فهو خلق الأنبياء بالإطلاق، ولو دققت النظر في مواقف أبي بكر ومواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فستجد أنهما يسيران في خط واحد، ويجلي لك ذلك واضحاً ما قالته خديجة في رسول الله، وما قاله ابن الدغنة في أبي بكر.

    أما خديجة لما جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهرولاً مسرعاً يقول: دثروني دثروني، قالت: لا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتكرم السائل، وتعين على نوائب الحق.. إلى آخر ما قلت.

    و ابن الدغنة وصف أبا بكراً بنفس الصفات دون أن يستمع من خديجة ما قالته عن رسول الله. فقال لـأبي بكر عندما قامت قريش عليه عندما كان يقرأ ويجتمع عليه الناس، فخاف كبار قريش فقالوا: يجب أن يرحل من مكة، فجاء ابن الدغنة وقال: مثلك لا يخرج؛ أنت أكرم الناس، وأعز الناس، إنك لتعين على نوائب الحق، وتقري الضيف، وتكرم السائل.

    فكانت الصفات التي أطلقت عليه من كصفات النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولو نظرت لـأبي بكر قبل الإسلام فإنه لم يشرب الخمر قط، والسبب في ذلك أن أبا بكر أتي برجل قد شرب الخمر، فوجده يضع يده في العذرة ويقربها إلى فيه وجعل يشم رائحتها، فقال أبو بكر : إن هذا لسفه، وابتعد عن الخمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرب الخمر قط لا في الجاهلية ولا في الإسلام وحاشاه صلى الله عليه وسلم.

    وأبو بكر لم يسجد لصنم قط كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول أبو بكر عن نفسه: إن أباه أخذه عندما ناهز الحلم وأدخله في كتيبة أصنام، وقال: هذه آلهتك الشم الشوامخ، تسألها وتدعو لها وتعبدها. فدخل أبو بكر قال: فوجدت الصنم واقفاً فقلت له: إني جائع فأطعمني، فلم يرد علي، ثم قلت له: إني عارٍ فاكسني، فلم يرد علي -كأنه مختبراً لها- قال: فأخذت صخرة وضربت فيها فوقع وانكب على وجهه، فعلمت أنه لا خير فيه، فلم يسجد لصنم قط.

    فـأبو بكر خلقه كخلق النبي صلى الله عليه وسلم. والله جل وعلا لقب رسوله بأنه رءوف رحيم، وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه أيضاً بالمؤمنين رءوف رحيم، وهذا بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر فقال: (أرفق أمتي وأرحم أمتي بأمتي أبو بكر). رضي الله عنه وأرضاه.

    أيضاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس، كما قال ابن عباس : (كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن). والمقصود: أن أجود الناس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجود الناس بعده خليفته أبو بكر رضي الله عنه، فقد أنفق أربعين ألفاً أو أكثر في الدعوة إلى الله، وكان يشتري العبيد ويعتقهم في سبيل الله بنفقة ماله الذي للتجارة، وأنفق ماله كاملاً في تجهيز الجيش، وفي النفقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك قال رسول الله كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر . فبكى أبو بكر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟!). فكان أجود الناس وينفق كل ماله على رسول الله.

    وأيضاً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (واساني بماله وأهله وأنكحني ابنته، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر). رضي الله عنه وأرضاه. فكرمه يضرب به المثل في مكة وفي خارجها رضي الله عنه وأرضاه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سخياً.

    شجاعة أبي بكر الصديق

    أشجع الناس هو رسول الله كما قال علي بن أبي طالب فارس الإسلام، قال: كان إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله، فكان أبو بكر يتمثل في شجاعة رسول الله، تخلف من تخلف في أحد وفر من فر، وكان المقدام أبو بكر يسارع إلى رسول الله بعدما طرح طلحة فقال رسول الله لـأبي بكر عندما أسرع إليه: (دونكم صاحبكم فقد أوجب).

    وعزم على نفسه أن يحمي رسول الله في غزوة بدر عندما اقترحوا أن يكون ثم عريش لرسول الله يجلس فيه حماية له صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر مشهراً سيفه أمام العريش ينافح عن رسول الله بشجاعة وبسالة رضي الله وأرضاه.

    وسأبين بالتفصيل شجاعته وصلابته في القرارات الحاسمة عندما أتكلم عن جوانب العظمة في شخصيته.

    علم أبي بكر الصديق

    إن كان أعلم الناس على الإطلاق بأمر الله ونهيه هو رسول الله، فإن أبا بكر أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال رسول الله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) . وعزم على الصحابة أن لا يؤمهم إلا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وقال: (كيف يؤم القوم أحد وفيهم أبو بكر)، رضي الله عنه وأرضاه، وكان يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).

    فهو أقرأ الناس لكتاب الله وأحفظهم له، بل هو أفقه الناس في مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً بين يدي أصحابه، كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين فقال: (خير الله عبداً من عباده بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، فانكب أبو بكر باكياً فقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله! فقال أبو سعيد : فاندهشنا من أبي بكر، رجل يخير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله، فما يبكيه؟! قال: فكان ذلك إشارة لدنو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر أعلمنا وأفقهنا لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وكان عند أبي بكر العلم الذي لم يكن عند صحابة رسول الله، لكن النووي بين أن أبا بكر كان قليل الحديث؛ لانشغاله بالخلافة كما سنبين، فكان عنده من العلم ما لم يكن عند صحابة رسول الله، وعندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد الأمر على الصحابة ولم يعرفوا ماذا يفعلون مع رسول الله، وهل يكشفون ثيابه عنه أم لا؟ وهل يدفنونه في البقيع؟ أم أين يذهبون به؟ وهل يغسلونه أم يتركونه؟ فكل هذه المسائل لا علم عندهم بها، فجاء أبو بكر فدخل على رسول الله وقبل بين عينيه وقال: طبت حياً وميتاً. ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: عندي من ذلك العلم، قال رسول الله: (إذا مات نبي لا يقبر إلا في مكانه) يعني: في المكان الذي مات فيه، وهذا العلم خفي على كل الصحابة إلا على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: يغسل في ثيابه، ولا تخلع الثياب منه.

    وأيضاً: في مسألة الكلالة، كان الرجحان في كلام أبي بكر رضي الله عنه.

    و فاطمة لما ذهبت إلى أبي بكر وقالت: أريد ميراث أبي. فقال لها: إن أباك لا يورث، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، وكان هذا العلم ليس عند أحد إلا عند أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    وانظروا إلى فقهه لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقياسه البديع، فقد اختصم هو وعمر وكثير من الصحابة في قتال مانعي الزكاة، فقال عمر : يا أبا بكر! كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟! كيف تقاتل قوماً قال فيهم رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وهم يقولون: لا إله إلا الله؟! فقال أبو بكر بقياسه البديع وذكائه الوقاد: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة -فهما قرينان في كتاب الله جل وعلا- ولو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. فبقياسه البديع باقتران الصلاة والزكاة جاء أبو هريرة ومعه نص صريح من رسول الله فقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة). فوافق قياس أبي بكر بعلمه الدقيق نص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان الصديق أعلم الصحابة وأفقههم على الإطلاق، وكانت له الحصيلة الكبرى من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والذي منعه من التحديث هو انشغاله بالخلافة، رضي الله عنه وأرضاه.

    مكانة أبي بكر الصديق عند الله

    سنتكلم عن مكانة الصديق عند ربه عند رسوله ومكانته عند صحابة رسول الله.

    أبو بكر خير البشر على الإطلاق سوى الأنبياء والمرسلين رضي الله عنه وأرضاه، فهنيئاً له، كانت له الحظوة الأسمى والمكانة العظمى عند رب العزة جل وعلا.

    يكفي أبو بكر فخراً أن الله يخاطب عبداً من عباده من آحاد المسلمين بلفظ الجمع للتعظيم والتفخيم ولإظهار مكانته العليا عنده، فقد قال الله تعالى فيه لما عزم على أن لا ينفق على مسطح وكان قريباً له، وقد تكلم في عائشة، فقال الصديق: والله! لا أنفق عليه، فأنزل الله جل وعلا معاتباً له ومبيناً مكانته، ومعظماً قدر هذا الرجل بين آحاد المسلمين، فقال الرب الجليل في حقه: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22] فقال: أُوْلُوا : بلفظ الجمع يخاطب جل وعلا فرداً من عباده مربوباً ومخلوقاً من خلقه، ويقول عنه: أُوْلُوا الْفَضْلِ تعظيماً وتفخيماً وإشارة للبشرية أجمعين أن هذا هو خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين.

    ثم قال: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] فقال أبو بكر مسارعاً: أحب أن يغفر الله لي، أحب أن يغفر الله لي.

    ومن أروع الأمثلة أيضاً التي ضربت لبيان مكانته عند ربه جل وعلا، أنه لم يشهد الله لأحد من عباده بالإخلاص وهو يمشي على الأرض مثلما شهد لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فقال جل وعلا: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى [الليل:17] فلقبه بالأتقى، وهو الأتقى على الإطلاق، فلا عمر ولا عثمان ولا علي بل لو اجتمعت الأمة بأسرها فلن تداني ولن تقارب مكانة هذا الصديق . قال الله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21]. نتيجة عظمى بعد ذلك، كأن الله يقول: أنت الأتقى وأنت الأخلص وستثاب على ذلك في الآخرة، فأشار له إلى ذلك وهو يمشي على الأرض.

    ومثله النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشبه الناس بإبراهيم، فقال الله جل وعلا على إبراهيم: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ [النحل:120-121] وهذا بيان أعظم صفات لإبراهيم، ثم قال: اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل:121]. فبعد أن بين صفاته الجميلة والعظيمة في الدنيا بشره أنه في الآخرة من الصالحين.

    وانظروا إلى أبي بكر فهو أشبه ما يكون بإبراهيم عليه السلام، فقد بين الله صفاته العظيمة ثم بشره: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:21]، ومعنى: يرضى أي: في الآخرة، ورضاه بينه رسول الله؛ ليبين مكانته عند الله، وأن الله سيكرمه ويشرفه ويعلي مرتبته في الآخرة في عرصات يوم القيامة من بني البشر من لدن آدم إلى آخر الخليقة، وتفتح أبواب الجنة الثمانية لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، كأن كل باب ينادي تعال يا أبا بكر! ويتشرف بدخوله منه، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لـأبي بكر أن في الجنة باباً لأهل الصيام يقال له: باب الريان، وفي الجنة باب لأهل الصدقة، وباب للجهاد، وباب للصلاة، أي: للذين يكثرون من الصلاة؛ لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود) . فقال أبو بكر صاحب الهمة العالية، وصاحب العظمة في الطلب الذي طمع في الكريم: (يا رسول الله! هل لواحد من البشر أن تفتح له هذه الأبواب كلها؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأرجو أن تكون أنت).

    فهذه بشارة من الله، ووحي من الله لرسوله، يبين مكانة أبي بكر عند الله جل وعلا، وأن أبواب الجنة الثمانية تفتح لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ومما يظهر مكانة أبي بكر نزول جبريل خصيصاً ليبلغه السلام من ربه جل وعلا، وذلك أن الله جل وعلا أنزل جبريل يقول لرسول الله -وأبو بكر أمامه عليه ثياب رثة-: (قل لـأبي بكر: إن الله يقرؤك السلام. فقال له الرسول: إن الله يقرؤك السلام. قال: وقل له: إن ربك عنك راضٍ، فهل أنت عن ربك راضٍ؟ فبكى أبو بكر، وقال: والله! إني عن ربي راضٍ، إني عن ربي راضٍ).

    فله المكان الأسمى عند الله جل وعلا، وله أيضاً الحظوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالصاحب الصاحب هو أبو بكر ، والخليل الخليل هو أبو بكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).

    مكانة أبي بكر عند رسول الله

    أما مكانته عند رسول الله فهو الصاحب، وهو الذي اقترن ذكره بذكر رسول الله لما قال له: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] أي: معية النصرة والتأييد كما شرحنا، وأيضاً: معية الذكر، فلا يذكر الله جل وعلا إلا ويذكر مع ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً: لا يذكر رسول الله إلا ويذكر معه غالباً خليفته أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ولما جاء أبو بكر قال: (يا رسول الله! الهجرة الهجرة). وكأنه يقول: أنت أذنت لأسد الله أن يهاجر، وكذا لـعمر بن الخطاب ولكثير من الصحابة، أي: أذنت لهم أن يهاجروا وأنا أريد الهجرة في سبيل الله، فقال: (يا أبا بكر! امكث لعل الله يجعل لك صاحباً).

    انظروا إلى هذا الفضل العظيم، فالله جل وعلا يبقي أبا بكر ولا يأذن له بالهجرة، مع أن قلبه شغوف بها، ويبقيه الله لأمر عظيم ولأمر جلل، هو صحبة رسول الله.

    ولما جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم، فقال: (أعندك أحد؟ قال: هم أهلك يا رسول الله! فقال: أريدك في أمر، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة يا أبا بكر!). فبكى أبو بكر وجهز الرواحل وذهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه لما دخل الغار دخل مقدماً على رسول الله يقول: شمس الإسلام لا تشرق إلا من قبل رسول الله، أما أنا فكآحاد المسلمين لو مت مت فرداً من الأفراد، فدخل الغار ثم سد كل فتحة من فتحات الكهف، فما بقيت إلا فتحة واحدة، ودخل رسول الله فسدها أبو بكر برجله الشريفة فلدغته حية، فما أراد أن يوقظ رسول الله. مما يدل على قوة الصحبة، امتلاء قلب أبي بكر بحب رسول الله، وكان رسول الله نائماً على فخذ أبي بكر رضي الله عنه فخشي أن يوقظ رسول الله حتى بعد أن لدغته الحية، فما تحرك لمكان رسول الله من فخذه، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دموع أبي بكر التي سقطت على وجهه، فلما علم الخبر وضع يده الشريفة على رجله، فبرأه الله جل وعلا من لدغة هذه الحية ببركة رسول الله، وبركة الصحبة.

    فلما سار مع رسول الله قال: كنت أسير خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسير أمامه، ثم أسير في اليمين، ثم أسير في اليسار، ومن رآه يقول: ما للرجل لا يمشي في مكان واحد، وعلل ذلك الصديق بقوله: كنت أتذكر الطلب من الخلف فأمشي خلف رسول الله حتى أحمي ظهره، ثم أتذكر العدو من الأمام فأتقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حماية له، وأتذكر العدو من اليمين أو من اليسار فأذهب يميناً ويساراً.

    ولما دخل مع رسول الله المدينة كان الناس يحسبون أن أبا بكر هو رسول الله، فلما جاءت الشمس على رسول الله قام أبو بكر بردائه يظلله فعرفوا أن هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك كانت له المكانة العليا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يشاور أحداً قبل أن يشاور أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    ففي أسرى بدر أول ما ابتدأ النبي بالمشورة ابتدأ بـأبي بكر وكان الحق معه على تفصيل سنبينه فيما بعد، ولما سألوا عن أسارى بدر، فبرحمته ورفقه ورأفته بالأمة قال له: يا رسول الله! أرى أن نأخذ منهم الفدية لعل الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله.

    وهذا بالضبط هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه ملك الجبال وقال: (أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله). فالكلام الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه أخذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان أبو بكر أحب عباد الله إلى رسول الله.

    ولما أمّر رسول الله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفي الجيش أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وهم من أشرف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغتر عمرو بن العاص فقال: إن لي مكانة عند رسول الله، لأرجعن إليه فأسأله من أحب الناس إليه وهو متوقع أن يكون هو؛ لأنه أمره، وهذا يبين لك أن الإمامة أو الرياسة أو المقدمة لا تدل على الفضل، والخفاء كذلك لا يدل على الفضل، فهذا عمرو بن العاص بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أُمر على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة ، فقال: (يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ فقال الرسول: عائشة . فقال: لست عن النساء أسأل، فقال: أبوها) فهذا إظهار بالإطلاق أن أحب الناس إلى رسول الله هو أبو بكر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم دائماً يتمدح في صفات أبي بكر ويقول: (واساني بماله وأهله، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر). رضي الله عنه وأرضاه.

    ويبين لكم عظيم قدر أبي بكر عند رسول الله ما حدث من الدفاع المستميت من رسول الله لصاحبه، حيث إن عمر الفاروق -وعمر هو الذي قال فيه كثير من الصحابة: أعز الله الدين بإسلام عمر رضي الله عنه وأرضاه- كانت بينه وبين أبي بكر مشادة، وكان أبو بكر شديداً فاشتد على عمر، ثم ذهب إليه ليستسمح منه فلم يسامحه، بل قال له: لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ندم عمر فذهب إلى البيت فقال: أثَّم أبو بكر ؟ -يعني: هنا أبو بكر ؟- قيل: لا. فذهب أبو بكر رافعاً عن ثوبه حتى ظهرت ركبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نظر إلى صاحبه: (أما هذا فقد غامر) . فدخل أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه فقص على رسول الله ما كان بينه وبين عمر، فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وغضب، وظهر ذلك على وجهه، فلما جاء عمر إلى رسول الله اشتد غضب النبي صلى الله عليه وسلم وتمعر وجهه، حتى إن أبا بكر خشي على عمر من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثى على ركبتيه وقال: والله! يا رسول الله! كنت أنا أظلم، أنا أظلم يا رسول الله! لأنه الرفيق، ولأنه خير البشر بعد رسول الله، ورسول الله الذي علم الأمة أن ينزل الناس منازلهم، وأن كل صاحب فضل عليه أن يعرف لـأبي بكر فضله.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل عمر: (هلا تركتم لي صاحبي). بشدة وحدة على عمر الفاروق وقال صلى الله عليه وسلم: (قد قلتم: كذبت، وقال: صدقت). وهذا هو الفارق البعيد الذي جعل أبا بكر في الأعالي وجعلهم لا يسبقونه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وواساني بأهله وماله)، كأنه يقول: أنفق علي كل ماله، ثم قال: (سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، هلا تركتم لي صاحبي). فلم ير بعد ذلك من أذية تقع في أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    وأروع ما ضرب في ذلك: أن بعدها حدثت مشادة -كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي- بين أبي بكر وبين أحد الأنصار، فسب أبو بكر هذا الأنصاري، فقال الأنصاري لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه: يغفر الله لك. قال: اقتص مني. قال: يغفر الله لك لا أقتص منك. قال: اقتص مني، وإلا استعديت عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بعض الأنصار وهم لا يفقهون من أبو بكر يستعدي عليك رسول الله وهو الذي سبك؟ والله! لنأتين معك ولنستعدين عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الأنصاري فقيهاً، فقال: اسكتوا، لا يعلم أبو بكر بكلامكم فيغضب، فيغضب رسول الله لغضب صاحبه؛ فيغضب الله لغضب رسوله فيهلك صاحبكم، فما رد على أبي بكر بعد ذلك من قول قط؛ لمكانة أبي بكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مكانة الصديق عند الصحابة

    بالإجماع: كانت مكانة أبي بكر عند الصحابة هي هذه المكانة.

    فقد جاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف قال: لو وزن إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة بأسرها سوى رسول الله في كفة لرجحت كفة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه؛ لأن أبا بكر بالأمة بأسرها. فهو بأمة بعده حتى بالصحابة، حتى بـعمر وعثمان وعلي. فـأبو بكر كان سبباً في إسلام من أرسى الله قواعد الإسلام على أكتافهم، كان سبباً في إسلام الزبير بن العوام، أول من أشهر سيفاً في سبيل الله، وكان سبباً في إسلام عبد الرحمن بن عوف الذي قال عنه عمر : مات رسول الله وهو عنه راض، وكان من أهل الشورى، وكان سبباً في إسلام عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

    و أبو بكر هو الذي دعا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، وهو الذي دعا طلحة الخير طلحة بن عبيد الله ، وكل هؤلاء في ميزان أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فكانت له المكانة العليا والأسمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مبايعة الصحابة لأبي بكر

    أختم الكلام على أبي بكر في البيعة وما دار حولها من خلاف، وهل رسول الله استخلف أبا بكر أو أوصى بها لـأبي بكر وقد قالت عائشة : كيف يزعمون ذلك؟! وقد مات رسول الله على فخذي أو بين سحري ونحري ولم يوص بأحد. وقد اختلف العلماء في خلافة أبي، هل هي منصوص عليها أم بالاختيار والإجماع؟ على قولين:

    القول الأول: أنها بنص كما رجح ذلك الحسن البصري ، وقال: إنه بالنص ولكنه مستنبط، يعني: بالنص الخفي لا الجلي.

    وهذا هو الراجح الصحيح، والأدلة على ذلك كثيرة منها أولاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن لا يؤمهم أحد في الصلاة إلا أبو بكر، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكانت عائشة تخشى من ذلك؛ لأن الناس يتعجبون أن أحداً يأخذ مكانة رسول الله؟ أي: يتشاءمون. فقالت: (مر عمر فإن أبا بكر رجل بكّاء قال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) . فقال علي رضي الله عنه الفقيه لما سألوه عن أبي بكر: رجل رضيه الله لديننا فكذا نرضاه لدنيانا.

    وهذا قياس جلي أو قياس الأولى، فما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم للدين فللدنيا يكون من باب أولى.

    وفي مرضه صلى الله عليه وسلم أيضاً قال لـعائشة : (ابعثي إلى عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب كتاباً لا يطمع طامع في هذا الأمر - يعني مع وجود أبي بكر -ثم قال: لا، يأبى الله) أي: قدراً وكوناً مكتوب في اللوح المحفوظ فقال: (يأبى الله ويأبى المؤمنون). أيضاً قدراً لا شرعاً، ثم قال: (إلا أبا بكر). يعني: إلا بتولية أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    وأصرح من ذلك: جاءت امرأة إلى رسول الله فسألته عن مسألة فقالت: (إذا أتيت ولم أجدك من أسأل؟ قال: ائتي أبا بكر).

    وهذا إشعار من رسول الله أي: كأنه يقول: إذا مت فسيكون بعدي أبو بكر رضي الله عنه. وهذه من الأدلة التي تثبت أن النص جاء على خلافة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    أما الطائفة الثانية فقالوا: لم تكن خلافة الصديق بالنص وإنما كانت بالاختيار، وحجتهم في ذلك: أن عمر بن الخطاب لما قتل قال: إن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني وهو رسول الله، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وهو أبو بكر.

    فنقول: هذا مأول، ومعنى كلام عمر: أن خلافة أبي بكر لم تكن مكتوبة ومنصوصة عليها نصاً جلياً.

    وقصة بني ساعدة وثقيفة لما ذهب الأنصار وأخذوا سعد بن عبادة ليبايعوه جاء أبو بكر ، فقال: لا، منا وزير ومنكم وزير، ونزلوا على كلامه. ثم قال: أرضى لكم أحد الرجلين عمر وأبو عبيدة . وكان أبو عبيدة يمشي مع عمر ! فقال -أي: أبو عبيدة-: ابسط يدك يا عمر ! لأبايعك. قال: لو قالها غيرك، كيف تقول ذلك، أؤمر عليكم وفيكم هذا الصديق ؟ أأكون أنا وفيكم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؟ فلما قال أبو بكر : ابسط يدك يا عمر أبايعك. قال: لا والله! لا يتقدمن عليك أحد يا أبا بكر ! فقال: رضيه الله لديننا ونرضاه لدنيانا. فبايع أبا بكر وبايع أبو عبيدة أبا بكر أيضاً، وبايع الأنصار قاطبة أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، وتخلف عن البيعة سعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب، وسعد ما تخلف؛ إلا لأنه توج لأن يكون أمير المؤمنين، أو يكون خليفة رسول الله؛ لأنه لما جلس الأنصار واجتمعوا قالوا: سيدنا سيد الخزرج هو سعد بن عبادة، على أن يؤمر عليهم واستبقت منهم الكلمة على ذلك، فلما جاء أبو بكر انهال الأنصار وبايعوا أبا بكر، ولم يبايعوا سعد بن عبادة، حتى الوفود التي أتت كالنهر الجاري على الصديق ضربت سعداً، فجرح سعد وأوذي بدفع الأنصار، فقال الأنصار: قتلتم سعداً ، قتلتم سعد بن عبادة . فقال عمر من شدته في الحق المعروفة: قتله الله، ما نحن قتلناه. وهذا له فقه، يعني: أنكم أردتم إمارته، وأراد الله إمارة أبي بكر فالله هو الذي قتله، يعني قتله: قتلاً معنوياً، إذ أن أبا بكر سيقدم عليه وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.