إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تابع فضائل الصحابة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تابع فضائل الصحابةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختار الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أناساً هم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم خلقاً، فنشر الله فضلهم ومحاسنهم، وأنزل عدالتهم من فوق سبع سموات، فتربعوا على عرش الدنيا في فترة قصيرة، فكانوا سادة الدنيا بأسرها، فمن أحبهم فقد أحب الله ورسوله، وأرضى الله ورسوله، ومن أبغضهم وتكلم فيهم فقد أسخط الله ورسوله، والويل له يوم القيامة من عذاب السعير.

    1.   

    فضل الصحابة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) وأسأل الله أن يرزقنا الشكر، فالله جل وعلا يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7]، أي: أن الشكر سبب لمزيد النعم والبركة، واجتماع طلبة العلم بركة، وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً لا مرية فيه أن أفاضل الناس على الإطلاق كل من ينشغل بعلم الشرع، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فهؤلاء هم أفاضل الناس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يرثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ واف).

    والعلم في الحقيقة هو غذاء القلوب، فيقدم على غذاء البطون، فغذاء القلوب تشتاق إليه النفوس الشريفة العفيفة، قال الإمام أحمد : إن حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء.

    ولذلك صدرت الباب بشرح الكتاب حتى لا أنقطع عن هذا الخير، ولعلها تكون بركة بإذن الله تعالى، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل من علماء الأمة المجاهدين الصابرين المحتسبين الربانين من يحذوا حذو سلفنا الصالح، كـالشافعي ، وأحمد ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، وينبغي أن يكون كلاً منا يرتقي بصره وتشرئب عنقه إلى أن يصل إلى ما وصلوا إليه، وأن يتمنى أن يكون ولده مثلما يتمنى لنفسه، وفوق ما تمنى لنفسه، وأسأل الله جل وعلا أن يمنحه الصدق في قلبه عند كبره، فيقول: بعت نفسي لك يا رب! وقف لله، وكل منا إذا منحه الله ولداً مجاهداً عالماً فليكن طالباً لرزق الله الأخروي.

    كنا قد انتهينا من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم، هذا الرعيل الزكي النقي، الذين جابوا ربوع الأرض شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، وفضلهم الله على كل البشر، فتربعوا على عرش الدنيا في مدة وجيزة من عمر الزمن، فكانوا سادة، وكانوا قادة، وكانوا أصحاب الريادة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    لقد نشر الله فضلهم ومحاسنهم، وأنزل عدالتهم من فوق سبع سموات، ونشر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً فضائلهم ومدائحهم ومحاسنهم، وبين صدقهم، وشكر لهم حسن صنيعهم معه صلى الله عليه وسلم، كيف لا، وقد قام قائلهم يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو صلى الله عليه وسلم منتظر ما يقول- يا رسول الله! لن نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، لا والله، بل اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلمح ويعرض بالأنصار؛ لأنهم ما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلا على القتال في المدينة لا خارجها، فقام سيدهم سعد الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا؟! قال: نعم.

    وقد اشتاقت نفسه صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك من سيد الأنصار، فقام سيدهم، وأكرم وأنعم به من سيد، فقال: يا رسول الله! قد أخرجنا الله بك من الضلالة إلى الهدى، ومن العمى والظلام إلى النور، فأحبب من شئت، واضرب من شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، والله يا رسول الله! لو خضت بنا البحر لخضناه. كلام كله صدق وعزيمة مع اعتقاد صادق في الله جل وعلا، ولذلك كانوا هم السادة، والأماجد، والأفاضل والأكارم، وهم الأسوة بحق.. وهذه الأمة هي التي قادت الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من الزمن، وعبّدوا الناس لرب الناس جل وعلا.

    1.   

    أقسام الناس في السب واللعن للصحابة رضوان الله عليهم

    قد تكلمنا فيما سبق عن حكم سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواجب الأمة نحوهم، وقلنا: إن الناس ينقسمون في السب واللعن لخير البشر -لجهلهم وغبائهم وشدة عنائهم وعذابهم في الآخرة إن لم يتوبوا- إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أناس سبوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرموهم واتهموهم بالقبائح، كغلاة الشيعة وغلاة المعتزلة، فقد قالوا: كل الصحابة ارتدوا عن الدين إلا أربعة نفر، منهم: سلمان وغيره ممن عدهم الشيعة، فهؤلاء بالإجماع كفرة خرجوا من الملة.

    القسم الثاني: الذين يسبون ويطعنون ويلعنون الشيخين، كما يقول قائلهم: اللهم العن صنمي قريش، يقصد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويطعنون أيضاً في دينهم وأعراضهم، فهذا أيضاً كفر بالإجماع.

    القسم الثالث: الذين ينتهكون عرض عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ويتهمونها بالإفك الذي برءها الله منه من فوق سبع سموات، وهؤلاء أيضاً قد كفروا بالإجماع؛ لأنهم كذبوا كلام الله تعالى، وكذبوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    القسم الرابع: هم من الفسق والبدعة بمكان، وهؤلاء الذين يغمزون ويلمزون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقدمون بعض الصحابة على بعض، كأن يقول أحدهم: معاوية سارق للخلافة، كان يقاتل من أجل حطام الدنيا، أو يغمز علياً ، أو يغمز بعض الصحابة الآخرين، فهذا الغمز واللمز للصحابة من الفسق، وصاحبه على خطر عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين-: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (الله الله في أصحابي لا تسبوا أصحابي، أو قال: الله الله في أصحابي من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، وجاء بسند ضعيف متكلم فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله اختارني من بين الناس نبياً، واختار لي أصحاباً، وجعل منهم مهاجرين وأنصاراً ، فمن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك الله جل وعلا أن يأخذ)، والله جل وعلا إذا أخذ أحداً لم يتركه.

    كما ورد أيضاً بسند متكلم فيه، لكن الشواهد تعضده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعنة الله على من سب أصحابي).

    وجاء أيضاً بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (أمروا أن يستغفروا لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنوهم وسبوهم).

    قال: ابن عمر لا تسبوا أصحاب محمد، فإن مقام أحدهم -أي: بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم- كعمل أحدكم في عمره كله. أي: أنه لو صام النهار، وقام الليل، وأنفق وجاهد في سبيل الله، فلن يبلغ مقام أحدهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو رؤية وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن المحققين من أهل العلم الذين يبينون الفارق بين معاوية وعمر بن عبد العزيز ، يقولون: إن عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين لا يساوي يوماً واحداً من أيام معاوية مع النبي صلى الله عليه وسلم، لما لـمعاوية من فضل، ككونه من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً قد نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك فخراً ومزية.

    وقال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه لما استنصحه ميمون بن مهران ، فقال: انصحني في قوم يعتدون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ميمون ! -نصيحة يعض عليها بالنواجذ- لا تسب أصحاب محمد، وادخل الجنة بسلام، أي: أن دخولك الجنة بسلام مرهون بأن لا تسب أصحاب محمد، وإن سمعت سب أصحاب محمد فلا تسكت، بل لابد أن تنكر، لأن الساكت عن الحق، أو الرضا بالمنكر كمرتكبه.

    ثم قال ابن عباس: أُمِرْنا أن نستغفر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يعلم جل وعلا أنهم سيقتتلون.

    أي: أن الله كتب قدراً أنهم سيقتتلون، وستحدث منهم الفتن، ومع ذلك أمرنا بالاستغفار لهم، وإذا كان لا يجوز سب أو شتم آحاد المسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، فكيف بالذين يطعنون في علماء المسلمين، أو في طلبة العلم! إن هؤلاء من أشر الناس؛ لأنهم وقعوا في أفاضل الناس، فكيف بالأدهى والأطم أن يقعوا في الأخيار الأماجد، الذين قال فيهم ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد أفضل القلوب قلب محمد فاختاره نبياً، ثم نظر في قلوب العباد فوجد أفضل قلوب العباد بعد قلب نبيه قلوب أصحابه، فاختارهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم خلقا. فإذا كان الاعتداء على أحد المسلمين فيه من الفسوق ما فيه، فكيف بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهو القائل -كما في الصحيح-: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وقال بعض علمائنا -فيمن ينتقص من قدر العلماء، وقدر طلبة العلم-: إن لحوم العلماء مسمومة، وإن عادة الله في هتك منتقصيهم معلومة.

    فالله جل وعلا ينكل أشد النكال في من يقع بعالم من علماء الأمة، ولو اتهمه بأنه عالم سلطة لغير قرينة، أو اتهمه بفتوى قد أفتاها، وإن كان قد أخطأ فيها، وأنزل من قدره، فعادة الله لمثل هذه الرجل معلومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة، فما بالكم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    وقد ورد في الآثار والأخبار التي تبين هذا العقاب الشديد في الدنيا، ثم ينتظرون أشد النكال والعقاب يوم القيامة، يوم يقال لهم: سحقاً سحقاً، بعداً بعداً، ثم يكون أشد العذاب من الله جل وعلا على من سب الأصحاب.

    1.   

    فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

    أقول: سعد بن أبي وقاص صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمامه وأمام الناس وقال: هذا خالي -خاله من الرضاعة- فليريني أحدكم من خاله. افتخاراً بـسعد رضي الله عنه.

    قال علي بن أبي طالب : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتدي بأبويه أحداً مثل ما افتدى بـسعد يوم أحد. يوم أن اشتد الهم والغم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك اليوم يرمي أحد المشركين امرأة، فيراها تتقلب في دمها، ويضحك المشرك، فقام سعد فرماه بالسهم فقتله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: (ارم سعد ! ارم فداك أبي وأمي).

    سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه الذي ترك الدنيا بأسرها، وترك الخلافة مع أنه كان أحق بها من الستة الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم، يقول له ابنه: يا أبت! الناس يقتتلون على الخلافة، وأنت هاهنا في الصحراء! فقال سعد : يا بني! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يحب التقي الخفي).

    وانظروا في من طعن فيه، ماذا كان مآله؟ فقد جاء في الصحيحين أنهم اشتكوا إلى عمر سعد بن أبي وقاص ، فبعث إليه، فقام قائلهم يقول: لا يعطي العطاء، ولا يقسم بالسوية، وأخذ يطعن في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

    فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد أن سمع هذا الرجل فقال: اللهم إن كان قام هذا رياء وسمعة، اللهم أطل عمره، وأعم بصره، وعرضه للفتن. قال الراوي: والله لقد رأيته وقد سقط حاجبه على عينيه، ورأيته يتعرض للجواري في الشوارع ،ويقول: عبد مفتون أصابته دعوة سعد رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    فضل علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم

    سعد الذي خرج على بعض الناس فوجدهم يتكلمون في علي وطلحة والزبير ، ويتكلمون في علي ، بطل الإسلام وفارس خيبر، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يجعل الله الفتح على يديه)، وكان يقول رضي الله عنه:

    أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره

    وكان يفتح الله عليه الفتح الذي لا يمكن أن يفتح على مثله، ففي يوم الخندق قام عمرو بن ود فارس أهل الكفر -وكان أشد ما يكون على المسلمين- متبختراً بقواه وشدته يقول: أما تشتاقون إلى الجنة، أما زعمتم أن الذي سيقتل منكم يدخل الجنة، أما واحد منكم يشتاق إلى الجنة، أما ينزل لي إلى ساحة الوغى أحد؟ فيقوم علي ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس يا علي ! فيقول عمرو بن ود : -يصرخ بقوة الفاجر، وعزة زائفة زائلة بفضل الله سبحانه وتعالى- أما منكم من أحد يشتاق إلى الجنة؟ فيقوم علي ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اجلس يا علي !

    وفي الثالثة قام علي ، فقال: اتركني يا رسول الله! فقال رسول الله: يا علي ! إنه عمرو بن ود ، قال: وأنا علي بن أبي طالب ، فاختلف في الضربة فقتله الله جل وعلا على يد علي رضي الله عنه.

    وأما الزبير فهو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله جل وعلا، وذلك عندما أُشيع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقام عرياناً -لم يستر عورته- وأشهر سيفه في أهل مكة، فلقب بأنه أول من أشهر سيفاً في سبيل الله جل وعلا.

    أما طلحة رضي الله عنه، فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: طلحة الخير. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لقبه بهذا اللقب العظيم، طلحة الذي كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، حتى لا يصيبك أذى، نحري دون نحرك يا رسول الله! وكان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السيوف بيده، حتى شلت يده رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد أوجب.

    نعود إلى سعد بن أبي وقاص عندما رأى هؤلاء المتنطعين يتكلمون في هؤلاء الثلاثة، فقال للرجل منهم: اتق الله، وانته عن سب أصحاب رسول الله، فلم ينته الرجل، فقال: والله لأدعون عليك. فقال له الرجل: أتخيفني بنبي من الأنبياء. أي: أن دعوته لا ترد، فقام سعد فتوضأ ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء يتطاولون على أصحاب رسولك صلى الله عليه وسلم، اللهم فأرني فيه آية. فند بعير بعد ما أنزل سعد رضي الله عنه يده، ففرق الناس، وكأنه يقصد ذلك الرجل الذي لم ينته عن سب أصحاب رسول الله، فقصده البعير فوطأه حتى قتله، فقالوا: يا أبا إسحاق ! قد أرانا الله فيه آية.

    1.   

    عاقبة المتطاولين على الشيخين خصوصاً والصحابة عموماً

    وهذا محمد بن سيرين كان يطوف بالكعبة، فسمع رجلاً يقول: اللهم اغفر لي، وإني لا أظن أنك لن تغفر لي، فقال محمد بن سيرين : يا رجل! كيف تدعو بهذا الدعاء! فقال: أنت لا تعرف حكايتي. قال: ما حكايتك؟ قال: قد نذرت لله أني ألطم عثمان على وجهه فما استطعت ذلك في حياته، فلما مات دخلت عليه فطلمته في وجهه فيبست يدي كما ترى، أي: شل الله يده؛ لأنه تعرض لـعثمان رضي الله عنه وأرضاه ذو النورين.

    وأيضاً عن الثوري أنه كان يصلي الفجر بغلس، يعني: يذهب إلى صلاة الفجر بغلس، والناس نيام، فيذهب إلى المسجد ويستغفر ويدعو الله جل وعلا.

    قال: فكنت كلما ذهبت إلى المسجد بغلس رأيت كلباً مترصداً للناس، فخفت أن أسجد فيؤذيني. فقلت: أنظر ما حكاية هذا الكلب؟ فمررت به ثم جلست، وإذا بالكلب ينظر إلي، فقال: يا أبا عبد الله ! مر ولا تخف! فإني أمرت بمن يسب أبا بكر وعمر، أي: ذلك مترصد للذين يسبون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينهش في لحومهم.

    وأيضاً: ورد عن بعض الأخيار أنه مر على قرية، فكان فيها أناس يسبون أبا بكر وعمر ، فنهاهم الرجل، فقال لأحدهم: اتق الله، ولا تسب أبا بكر وعمر ، فإن أبا بكر وعمر كانا كذا وكذا، وأخذ يذكر له فضائلهما، والرجل لم ينته عن سبه لـأبي بكر وعمر ، قال: وهو معنا في سفرنا، فنظرنا إلى يد الرجل فإذا يده يد خنزير، وواصلنا السفر حتى أتينا على قطيع من الخنازير، فسمعنا من خلفنا صيحة خنزير مع الخنازير، ثم دخل بين الخنازير، فما عرفناه من بينهم، أي: أن الله قد مسخه خنزيراً حقيراً؛ لأنه كان يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

    اللهم العن من يسب هؤلاء، وامسخهم خنازير وقردة يا رب العالمين! واجعل في قلوبنا حبك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: ما من أحد يسب رسول الله، أو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ويشدد الله جل وعلا عليه، ويمثل به في الدنيا قبل الآخرة.

    وأما الخلافة الراشدة، والكلام على خلافة أبي بكر ، وفضله، وفضل عمر وعلي وعثمان ، وفضل العشرة المبشرين، فسيأتي في دروس لاحقة بعون الله عز وجل.