إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة التدليس في الحديث
  5. التدليس في الحديث - مراتب التدليس والأشخاص الذين اتهموا بالتدليس

التدليس في الحديث - مراتب التدليس والأشخاص الذين اتهموا بالتدليسللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التدليس له مفاسد عظيمة منها: تحليل الحرام وتحريم الحلال، وعدم الإخلاص، وتضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء، وإيهام العلو ولا علو، إضافة إلى ما فيه من توعير الطرق على الواقفين على الحديث والباحثين عن صحته، ولقد كره السلف التدليس أيما كراهة وبعضهم حرمه. وللمدلسين مراتب خمس، وكل مرتبة من المراتب لها حكمها الخاص بها، ويمكن معرفة التدليس في الحديث بطرق وأساليب متبعة معلومة لدى العلماء.

    1.   

    مفاسد التدليس

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فإن التدليس له مفاسد عظيمة جداً، وهذه المفاسد قد عدها كثير من العلماء لا سيما شعبة، وهو يقول: لئن أخر من السماء خير لي من أن أدلس، وكان يقول عن نفسه: أن يزني خير له من أن يدلس؛ وذلك لفحش التدليس، وحماد بن زيد كان يبين أن المدلسين من الذين يتشبعون بما لم يعطوا، فيدرجهم تحت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).

    من مفاسد التدليس تحليل الحرام وتحريم الحلال

    مفاسد التدليس عظيمة جداً ومتعددة، منها:

    أولاً: أعظم هذه المفاسد التي تنبع وتنتج من التدليس: تحليل الحرام وتحريم الحلال، بمعنى: أن المدلس إذا دلس على حديث ضعيف مثلاً، أو فيه راو ضعيف، فأسقط الضعيف وجعل سلسلة الإسناد كلها سلسلة منتقاة من الثقات، كل تلميذ فوقه شيخ ثقة، فالحديث أمام الناظر إليه أو غير المدقق يراه حديثاً صحيحاً، ويكون هذا الحديث مثلاً قد أحل حراماً كأن النبيذ حلال، أو أن لحم الخنزير حلال، فإن كانت الرواية رفعت للنبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح فلابد أن يقال: هذا حلال؛ لأنه مستثنى من الأصل العام، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك، فمن المفاسد العظيمة أنه إما أن يحل حراماً بحكم مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يحرم حلالاً أيضاً بحكم رفع للنبي صلى الله عليه وسلم، وطبعاً هذا نابع ومستقى من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإنما أحل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أحل الله)، فإذا رفع حديثاً حكمه حكم الرفع للنبي صلى الله عليه وسلم يحل شيئاً أو يحرم شيئاً، وهذا الحديث في ظاهره الصحة، وفي باطنه أنه ضعيف، وأنه في بعض الطبقات من الوهن بمكان، فقد أحل حراماً وحرم حلالاً، وهذه جناية شديدة جداً على الشرع، وهو أيضاً من مفاسد الشريعة.

    وهذه المسألة بينها جلياً نوح الجامع الذي قال فيه العلماء: نوح الجامع قد جمع كل شيء إلا الصدق، وعندما أخذوه ليعاقب على ذلك فيصلبوه قال: كيف تفعلون بألف حديث قد وضعت على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كلمة نحو ذلك، يعني عدد نحو هذا، فقال له الأمير: يعيش لها الجهابذة، هم الذين يقفون بالمرصاد لهذه الأحاديث، لكن بتوعير الطرق على النقاد وبتضعيف حديث أو تصحيح حديث ينقلب الحرام حلالاً وينقلب الحلال حراماً.

    من مفاسد التدليس عدم الإخلاص

    ثانياً: من مفاسد التدليس عدم الإخلاص؛ لأن المدلس له مقاصد كثيرة منها:

    المقصد الأول: أن يبين كثرة الشيوخ كتدليس الشيوخ، فيكنيه مرة، ويسميه مرة، ويسمي بلداً مرة، ومكاناً آخر مرة أخرى، ورحلته مرة، وهذه كلها داخلة في النية، فالمدلس يريد أن يبين للناس أنه رحل كثيراً، ذهب إلى الشام، وذهب إلى بيت المقدس، وذهب إلى بلاد ما وراء النهر، كما بينا في الأمثلة السابقة، فهو يوهم الناس أنه رحل كثيراً حتى يأتي بهذه الأحاديث، فتجتمع الناس عليه من كثرة رحلته، وهذه تدخل على نيات الشخص، بل تدخل الرياء عليه.

    المقصد الثاني: أن فيه من الغش ما فيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)لأنه إنما أخذ عن شيخ واحد فقط، فهو يسميه مرة، ويكنيه مرة، ويلقبه مرة، فكأنه يكثر من شيوخه ليبين أنه له شيوخاً كثر أخذ عنهم، فهذه أيضاً من مفاسد التدليس، وهي مذمومة عند الله جل في علاه، فإن الإنسان إذا أراد وجه الله يعلم أن الممدوح بحق هو من مدحه الله جل في علاه، والمذموم بحق هو من ذمه الله جل في علاه، بل ألسنة العباد وقلوب العباد بيد الله.

    دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد! -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- يا محمد! أعطني فإن مدحي فين) ، بمعنى: أنك لو أعطيتني مدحتك (فإن مدحي فين، وذمي شين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك الله) ، فإن الممدوح بحق هو من مدحه الله، والمذموم بحق هو من ذمه الله جل في علاه، فالذي يتشبع بما لم يعط ليمدح فهو مدخول في نيته.

    من مفاسد التدليس توعير الطريق على الواقف على الحديث

    ثالثاً: من مفاسد التدليس: توعير الطرق على الناقد البصير، أو الواقف على الحديث، فإنه يسمي شيخه بغير اسمه، أو يلقبه بلقب غير مشهور، أو يكنيه بكنية غير مشهورة، فالواقف على الحديث ليصححه أو يضعفه حتى يبين للأمة أن هذا الحديث منسوب نسبة صحيحة للنبي، أو غير منسوب نسبة صحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم، يوعر عليه الطريق، فلا يستطيع أن يكشف أمر هذا المجهول الذي وعر طريقه المدلس، وهذا فيه ما فيه من الذم، وفيه ما فيه من الجرح، بل بعض العلماء قال: إن قصد ذلك فهو مجروح لا تؤخذ روايته ولا يروى عنه.

    من مفاسد التدليس تضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء

    رابعاً: من المفاسد العظيمة للتدليس: تضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء، وهذا موجود حتى في عصرنا، فقد يسمي الواحد منا شيخه بغير اسمه مرة -وقد يكون جالس شيخاً مرة واحدة- ويكنيه مرة بغير كنيته المشهورة؛ ليشتبه على السامعين -نسأل الله أن يعافينا من هذا الداء العضال- فالثقة بالتدليس يمكن أن يطعن فيه، والضعيف بالتدليس يمكن أن يرتقي بالثقات، كما في حديث بقية ، أو حديث ابن أرطأة أو الوليد بن مسلم ، وهذه مشهورة عن الوليد بن مسلم ، فكان الأوزاعي يروي عن ضعفاء، والوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي ، فيأتي الوليد بن مسلم مثلاً فيسقط الضعيف بين الأوزاعي وبين الثقة الذي هو شيخ شيخه، فيكون الإسناد مباشرة: الوليد بن مسلم وهو الثقة، عن الأوزاعي وهو الثقة، عن شيخ شيخ الأوزاعي الثقة أيضاً، أما الضعيف الذي بين الثقتين فأسقطه، لا سيما وإن كان شيخ شيخ الأوزاعي لم يكن معاصراً له ولم يسمع منه، فالناظر والناقد لهذا الحديث في أول وهلة يرى أن سلسلة الإسناد سلسلة صحيحة، لكن الناقد البصير الجهبذ سينظر فيقول: إن الأوزاعي لم يرو عن شيخ شيخه هذا، ولم يرو الأوزاعي عن فلان إلا بواسطة، وهذه الواسطة لم يسقطها الوليد ؛ لأنه يقول: حدثني الأوزاعي ، ويقول: الأوزاعي أسقط الضعيف وعنعن عن الثقة، فـالأوزاعي مدلس، فيتهمون الأوزاعي بالتدليس بسبب فعل الوليد بن مسلم ، أو بسبب فعل بقية بن الوليد .

    فهذا من المفاسد العظيمة: أن يجعل الثقة ضعيفاً بين العلماء، وإذا ضعف العلماء أو جرحوا الأوزاعي فستكون كل الأحاديث التي من طريق الأوزاعي ضعيفة ولا يؤخذ بها، وبهذا نكون قد ضيعنا كماً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالمقصود أن التدليس يجعل الثقة في محل الضعفاء، ويجعل الضعيف في محل الثقات.

    من مفاسد التدليس إيهام العلو ولا علو

    خامساً: من مفاسد التدليس: إيهام العلو ولا علو، وبهذا اتهم مالك ؛ لأن مالكاً كان يروي عن ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس ، فكان مالك يقول: بلغني عن ابن عباس، فيرويه عن ابن عباس بلاغاًً، فبعض العلماء قالوا: كأنه إيهام بالعلو وهو ليس بعلو، وهو ظاهر طبعاً، وبعضهم اتهم مالكاً بالتدليس في ذلك.

    ومثله في ذلك البخاري في التعليق.

    من مفاسد التدليس الغش

    سادساً: من مفاسد التدليس: الغش، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا)، فهذا فيه تزوير وترويج للضعفاء، وفيه طمس للحقائق، وهو طمس للثقات، ونحن نعيش في أزمنة طمس الحقائق فيها موجود، حيث تصدر الدعاة للعلم والفتوى، أما العلماء فتأخروا خلف الدعاة، وشمس الدعاة هي التي أشرقت، والبعض يتهمني بأني تكلمت كثيراً عن مسألة الدعاة وطلبة العلم، وفهم أني قللت من شأن الدعاة، وإني لم أقلل من شأن العلماء والدعاة قط، ولكن هم الذين يقصدون ذلك، فكثير من الناس يريدون العلو لمن لا علو له، ويريدون الانخفاض لمن لا انخفاض له، وهذا من طمس الحقائق، فالواجب أن ندور مع قول الله تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف:85]، وأن نخشى من قول الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، وأن نعمل بقول عائشة رضي الله عنها كما في مقدمة الصحيح: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم)، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).

    ولذلك نقول: دعاتنا لهم فضل عال وعظيم جداً، فكفى بجهودهم النيرة، وكفى بسهر الليالي، ودعوة الناس بشتى البلاد، وإدخال الناس أفواجاً في دين الله جل في علاه، لكن كان يجب عليهم -وهذا هو الذي أنوه له- كان يجب عليهم أن يقولوا: هذه مهمتنا، والمهمة الأكبر عند فلان وعند علان، وأن يبينوا للناس هذا، فهذا هو الطلب، وهذه هي الدعوة؛ حتى يعلم الناس من الذين يذهب إليهم في الملمات؛ لأن الدنيا الآن تتخبط بمسائل عويصة جداً، ومسائل شائكة جداً، لا يفصل فيها إلا العلماء، بل لا يفصل فيها إلا الراسخون في العلم، فإذا زورنا على الناس فقد دخلنا في باب التدليس والطمس للحقائق أيضاً، فإظهار الحقائق واجب، رضي به من رضي وأنكره من أنكره، فهذا دين، والدين لا بد أن يحكم على الرءوس.

    فإن قيل: المفسدة ستكون أعظم من المصلحة عند إظهار الحقائق، فنقول: إن كانت المفسدة هي شحن الصدور فالمخلص لا يشحن صدره شيء، والداعي المخلص أو طالب العلم المخلص عندما يسأل في مسألة لا يعرفها يقول: لا أحسنها، أو لا أعلم حلها، والواجب عليه أن يقول: لست لها، بل لها فلان وفلان، اذهبوا إلى فلان وتعلموا منه، فهذا هو الإخلاص، ودين الله لا يمكن أن ينتصر إلا بمثل ما فعل الأولون، كما قال الإمام مالك : لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكان ابن عباس يسأل في وجود زيد بن ثابت فيقول: كيف أجيب في وجود هذا الرجل، وهو شيخه ويحيل على زيد بن ثابت ، بل معاذ بن جبل تحال عليه المسائل، وعقد مجلس كامل لمسألة معينة اختلف فيها المجتهدون من الصحابة أمثال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ، وهي مسألة الإنزال، وهي: إذا جامع رجل امرأته فلم ينزل فماذا يفعل؟ فـعثمان وفريقه يقولون: لا يغتسل، ويستندون لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) ، وعمر بن الخطاب يرى الاغتسال إذا التقى الختانان، فأحال عمر بن الخطاب المسألة على عائشة، وهذا من إنصافه، وإلا فـعمر بن الخطاب أعلم من عائشة ، فقد كان عمر بن الخطاب أعلم الصحابة في وقته بعد موت أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ومع ذلك علم أن إتقان هذه المسائل تأتي لمن احتك بها، والمتخصص فيها هو عائشة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأحال المجلس بأسره إلى عائشة ، وما سكتت عائشة ، بل قالت كأنها تنكل بهم: كان أولى بكم أن تأتوني أولاً وتسألوني، ووهمت ابن عمر ، وعمر ، واستدركت على كثير من الصحابة؛ لأنها ترى الإتقان في هذه المسألة.

    فهم لما تركوا النفس خلفهم ظهرياً، وقدموا الدين والإخلاص ارتفعوا وارتقوا، وكل واحد منهم كان يقدم من حقه التقديم، ويؤخر من حقه التأخير، أما الآن ففي الأمور تخليط، وهذا التخليط سيضيع الأمة، ونحن لا نحتاج للغثائية بحال من الأحوال، بل نحتاج إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم) ، فإظهار الحقائق ليس طعناً في أحد، فإن قلنا: هذا المدير مدير في مسألة التجارة والمحاسبة، لم يحزن إذا قلنا عنه: ليس مديراً في الهندسة، أو الطب، وهؤلاء العوام إذا وضعت المحاسب في مكانه يفرح ويتعب، والناس يقولون: ضع الرجل في مكانه، وإن وضعته طبيباً على الناس قلنا: أنت مدان شرعاً وعقلاً وفطرة، فهذا الدين هو أحق ما يكون فيه هذا القطع والفصل بين الطائفتين، وليس الفصل هو الطعن أبداً، بل كل صاحب ثغرة يسدها ويعمل فيها، لكن عندما يعمل الناس في التئام ووئام واتفاق، مع معرفة كل إنسان قدره، فحينئذ ترتفع الأمة وتعلو، فهذه الأمة خابت وخسرت لأنها لم تعرف قدر رجالاتها.

    ونحن الآن نطبق التدليس والطمس بالحقائق تطبيقاً عملياً، وأمثلة الواقع الكثيرة تدل على هذا، من ذلك ما حصل في عنيزة، حيث كان يعقد الشيخ صالح بن عثيمين فيه مجلساً، هذا الشيخ الجبل الذي لم نجد له خلفاً حتى الآن، فشمس فقهه أشرقت على دنيانا ثم غابت، ولم نجد من يحل محله حتى الآن، حتى الشيخ صالح الفوزان الذي قال فيه الشيخ ابن باز لما سألوه من نستفتي بعدك؟ فقال: صالح بن فوزان ، ولكن لم يرتق أيضاً لمنزلة دقة نظر الشيخ صالح بن عثيمين، وانظر إلى كلامه وإفتاءاته، وانظر إلى ترجيحات الشيخ صالح بن عثيمين ، هذا الشيخ صالح بن عثيمين كانت تعقد له مجالس العلم، وتعقد مجالس للشيخ سلمان أيضاً، فترى القلة تذهب إلى الشيخ صالح بن عثيمين ، والكثرة تذهب إلى الشيخ سلمان العودة، وهذا من مقت الحقوق وتضييع الأمة؛ لأن الأمة لا تعرف ممن تأخذ، فالراسخون في العلم لا بد أن يوجد تحت أرجلهم، ويأخذ منهم العلم، أما الآخرون فهم يشيرون إلى أولئك، وإني لأستيقن أن الشيخ سفر ، أو الشيخ سلمان ، أو الشيخ ناصر العمر، وغيرهم من الدعاة للناس في السعودية كانوا يحيلون النظر على العلماء في الملمات، إلا إذا كان عندهم نظر فقهي مثلاً فيعود على شيخ من هؤلاء المشايخ المفتين، فيقول: أنا أخالف، ويبين الدليل، فمن رأى أنه راجح أخذ به.

    فالمقصود أن هؤلاء هم الذين يحيلون الناس على هؤلاء، بل الطامة الكبرى التي حدثت مع الشيخ في السعودية لم يفصل النزاع فيها إلا الشيخ صالح بن عثيمين ، فالمقصود أن ملمات المسائل لا يفصل فيها إلا العلماء الراسخون، وعندما نبين مكانة العلماء الراسخين من مكانة الدعاة ليس هذا طعناً في الدعاة، بل الدعاة لهم المنة على الأمة بأسرها، فهم الذين يرققون قلوب الناس، ويدخلون الناس أفواجاً في حضيرة الالتزام، بل يرشدون الناس إلى من يأخذون منه العلم، فلهم عظيم المنة علينا وعلى الأمة بأسرها، لكنهم ليسوا بعلماء، ولا يمكن أن يستفتى واحد منهم في مسائل مشكلة أو في الملمات بحال من الأحوال؛ لأنهم ليسوا بعلماء، فالواجب أن نبين العالم من الداعي، فإذا خرج علينا العالم الداعي فهذا هو المطلوب، لكن طالما أن الصف الآن منشق إلى علماء ودعاة، فالدعاة المخلصون هم الذين يرشدون الناس إلى العلماء حتى يرجعوا إليهم في الملمات، والعلماء يرشدون الناس للدعاة المخلصين بأن يسمعوا لهم، ويجلسوا في مجالسهم، حتى ترقق قلوبهم، ويرتفعوا إلى ربهم جل في علاه، فالدعاة هذه هي مهمتهم، (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فانظروا إلى هذه المهمة العظيمة، والثغرة الكبيرة الجسيمة الذي يسدها الدعاة، فعندما نفرق بين العالم وطالب العلم والداعي فنحن لا نطعن في الدعاة بحال من الأحوال، ولا نرفع العلماء لمنزلة غير منزلتهم، لكن نحدد الطريق، ونبين للناس؛ لأن عدم التمييز هو الذي ضيع البشر كلهم، وهو الذي ضيع العامة كلها، والعامة الآن يهرفون بما لا يعرفون، وكل منهم يردد قولاً لا يعرف معناه، وذات مرة قال أحدهم لآخر: أنت سروري، فأتى الأخ إلي وهو يبكي فقال: أنا سروري، قلت له: سروري أحسن من حزيني، لكن من قال لك هذا هل يعرف معنى سروري؟ أقسم بالله أنه لا يعرفه، وأنا على يقين من ذلك، فكثير من الناس يهرفون بما لا يعرفون.

    فالواجب أن يقف كل منا عند قدره وحده، ولا يهتم بمهاترات بعض الجاهلين، فإنه لن يسلم منها أحد، ولقد قيل للشيخ صالح بن عثيمين : إنك لا تنقي التلاميذ، والمنهج عندك لا بد أن يكون منضبطاً، فمن طلابك من هو سروري وحروري، ونحو من هذا الكلام، فقال الشيخ: أنا لن أرد، لم يسلم رب العالمين، ولم يسلم الرسل، فأسلم أنا! يستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله، يسبونه فيرزقهم ويعافيهم)، فعلى الإنسان أن يخلص لله جل في علاه في أموره ولا يلتفت لمثل هذه الأمور؛ لأن المعترك في الساحة هين، وينتهي في وقته، أما المعترك في الداخل فهو الأصعب، وهو الذي يجب أن ينتبه له، فإن كانت النية الأصلية أن تجعل طائفة أهل العلم هم الذين ترتكز عليهم الأمة بأسرها، وتنتصر بهم، فأنت على خير، أما إن كانت النية هي الشهرة والظهور فهي قاصمة الظهور، والله يعلم ما في القلوب، والمنافق يستدرجه الله جل وعلا حتى يقع على رقبته ورأسه ويلقى حتفه.

    فالإنسان لابد أن يبين الحقائق، ويبين أن التدليس والطمس لا يصح بشرعنا، فشرعنا ليس به طمس للحقائق، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها صراحة أمام الصحابة عندما كان في مرض موته وقال كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: (ائتوني بكتاب)، وأراد أن يكتب الخلافة لـأبي بكر ، ثم اشتدت الأصوات وعلت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر يقول: كفانا كتاب الله عندنا، والرواية الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ائتوني بالكتاب، ثم قال: لا، يأبى الله)، والشاهد من القول أنه قال: (ائتوني بكتاب)، وأراد أن يكتب لـأبي بكر حتى لا تطمس الحقائق، وحتى لا يقول قائل: أنا لها أنا لها، أي: أنا أحق من أبي بكر بالخلافة، وقد كان هذا، وذلك حين اجتمع الناس في السقيفة واختلفوا من يكون خليفة، حتى إن عمر بن الخطاب لما توافد الناس لمبايعة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أوقعوا سعد بن عبادة على الأرض، فقال بعض الأنصار: قتلتم سعد بن عبادة ، فقال عمر : ما قتلناه، قتله الله، وذلك لأنه ترفع لمكانة ليست له، ولذلك أبو بكر جعلها صراحة فقال: منا الأمير ومنكم الوزير، فالخلافة لا تكون إلا في قريش، وهذا كله لعدم طمس الحقائق، لكن عندما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان قد استقر في قلوب أصحابه وقلوب من معهم أحال الأمر على المؤمنين، وقال: (لا، يأبى الله) أي: كوناً وشرعاً، فكأن المعنى: يأبى الله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر.

    فعندما تبين فهذا ليس طعناً في أحد، بل أنت تبين حقيقة قد ماتت ولابد أن تظهر، فأنت ترى الآن تعظيم المشايخ ماذا أثر في بعض الناس، حتى قتلوا أنفسهم في الأزهر وفي غيره، وهذا الكلام أبعد ما يكون عن الشرع، وتطاولوا حتى قتلوا المستأمنين، ولقد فصلت هذه المسالة في شريط معين، وبينت حكم قتل المستأمنين، وأنه لا يجوز بحال من الأحوال، إذ هو كمثل المسلم روحاً وبدناً وعرضاً ومالاً، فلا يجوز التقدم بين يدي المستأمن وإن كان يفسد، بل الواجب أن يأخذ إلى ولي الأمر، فإذا خلع عنه الأمان أو عاقبه فهذه المسألة ترجع له؛ لأن حسابه عند الله جل في علاه، وأنت الآن لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فليس عندك إلا أن تنكر بقلبك أو بلسانك إن استطعت، فهؤلاء القوم لما عظموا شخصاً معيناً أفتى لهم بهذه الفتوى عملوا ما عملوا؛ لأنهم لا يأخذون هذه الفتوى ليعرضوها على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ليعرفوا هل تؤخذ أو لا تؤخذ؟ ولقد جلست مع إخوة وشعرت أنه ليس على نفس هذه الطامة، وشعرت أنه ليس عندهم إلا شخص يأخذون منه ولا يعرفون غيره، ولقد كلمني رجل في مسألة، فقلت له هذه المسألة فيها كذا وكذا. حتى الشيخ صالح الفوزان يقول بهذا، فقال: لا أقبل بـصالح الفوزان ، من صالح الفوزان هذا؟ فقلت: والشيخ بكر أبو زيد ، فقال: لا أقبل منه، فإذا تجرأ على هؤلاء المشايخ فسيتجرأ على العلماء أيضاً، وكل ذلك بسبب تعظيم الأشخاص، لكن إن قال مثلاً: هذا الشيخ عندي له احترامه وتوقيره، لكن قوله ليس بصحيح، إذ قوله مخالف للكتاب والسنة، فأنا فعلت ما فعله معاذ ، وفعلت ما فعله عمر ، وفعلت ما فعله أبو بكر ، ولست بطاعن، ولا سيء الأدب، ولا بمتبع للهوى، فإنك إن كنت تفعل ذلك لتبين للناس أن المعظم الأول في هذه الدنيا هو رسول الله، وشعارك دائماً:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان

    فأنت على الخير والهدى، ونيتك هذه نية حسنة مباركة، أما الإخوة الذين دمروا وقتلوا وفعلوا الأفاعيل، وضيعوا الدنيا وهدموا الدعوة، فقد أتوا بمفاسد لا يعلم عظمها إلا الله جل في علاه، ونحن لا نشكك في نواياهم بحال من الأحوال، بل هم بحق يخلصون لله جل في علاه، لكن ضيعهم الجهل، والتقليد الأعمى، وتعظيم أشخاص لا تعظيم الشرع، والمسألة ليست على تعظيم أشخاص، بل المسألة كلها على تعظيم الشرع، فالشرع هو الذي يتحكم في الإنسان، وأنت عندما تقف عند ربك ليس بينك وبينه حجة إلا رسول الله، أو صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشرع فقط هو حجة لك، لكن لو قلت فلان أو علان فليست لك حجة عند الله بمثل هذا، ولذلك قال العلماء: المقلد لا يحاسب على الفتوى التي يعمل بها، لكن يحاسب على اختياره للعالم، فاختر لنفسك حجة عند الله، واعلم أنه لن تزول قدمك عند الله إلا بعد أن تسأل عن كل شيء، حتى بالفتوى التي تعمل بها، فمثلاً: لو تعامل رجل بالربا، وقال مثلاً: المفتي أفتى بذلك، فهو عند ربه جل في علاه لن يحاسب على الربا، لكن سيحاسب على اختياره.

    ولقد كان الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه له باع في الدعوة وتعليم الناس، وأنا أستدل بكلامه هنا مع المآخذ التي أخذت عليه في العقيدة وغيرها، لكن إن شاء الله تغمر في بحر حسناته، فكان يقول: يأتيني المرء يستفتيني وهو ل يريد الفتوى، بل يريد ما يرتديه فقط، يعني: هو يريد فتوى مفصلة تكون على قدر ما يريد، فإن لم تعجبه ذهب لغيره لتعجبه هذه الفتوى.

    فالطامة في ذلك أنهم عظموا الأشخاص ولم يعظموا الشرع، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك، بل لزاماً عليهم أن يعظموا شرع الله جل في علاه.

    وأنا أقول: إن سبب هذه المشاكل هم الدعاة الذين اهتموا بالوعظ والتذكير وتركوا العلم، ثم ربطوا الناس والعوام بأشخاصهم، ولم يربطوهم بعلماء الأمة، فينشأ الفتى منهم لا يعرف من الأمة إلا دعاتها، ولا يعترف بعلمائها، فيظهر التعصب للأشخاص.

    وأنا أردد دائماً أن للدعاة الفضل الكبير في إدخال الناس إلى دين الله، وتثبيتهم على هذا الطريق، لكن لابد أن يعرف كل شخص قدره، ولا يحمل نفسه ما ليست له أهلاً، ويقنع بما أعطاه الله من فضل ونعمة، ولا يحسد غيره ممن هو فوقه في العلم، ومما يساعد على ذلك معرفة أن الله جل وعلا حكيم عليم يضع الشيء في موضعه، وأنه إذا حسد غيره فقد طعن في حكمة الله، وإن المرء كلما نظر إلى السماء ورأى ربه جل وعلا على عرشه يقسم في خلقه ويعطيهم ما ينفعهم ويمنع عنهم ما يضرهم ارتاح قلبه، وعلم أن الله هو الذي يقدر، وهو الذي يقسم، وأن الله هو الذي يعطي، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد السديد في ربه رأى حكمة الله جل في علاه، وتآلف مع إخوانه، وارتقى بقلبه فوقهم؛ لأن الرقي لا يكون بحسب المكانة أو العلم أو حتى كثرة الصلاة والصيام، بل يكون الرقي بنقاء القلب وصفائه، فكلما اجتهد المرء في تنقية القلب من الحقد والحسد كلما ارتقى مرتقىً صعباً عند الله جل في علاه.

    ومما يدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج عليكم اليوم رجل من أهل الجنة) ، وفي اليوم التالي خرج الرجل يمشي أمام أعينهم على رجله وهو من أهل الجنة، وفي اليوم الثالث كذلك، فـعبد الله بن عمرو بن العاص كان يعلم بقول الله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، فأراد المنافسة، فقال: أذهب أنظر في عبادته، وحسب عبد الله بن عمرو بن العاص أن اجتهاد القيام واجتهاد الصيام هو الذي ارتقى به، فذهب فبات عنده ليلة والثانية والثالثة فما وجد الرجل يزيد عن الفرض، ينام من العشاء إلى الفجر ويقوم، فلما تعجب قال: يا هذا! ما كان بيني وبين أبي من شيء، ولكن سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا فأردت أن أرى أعمالك، فقال: والله! ما عندي إلا ما رأيت، لكن لا أبيت وفي قلبي لأحد من شيء، يعني: رجل نقى قلبه من الحسد والدغل والحقد وما أراد إلا الله، فلما لم يرد إلا الله أراد الله له ما يريد، بل وفوق ما يريد، وارتقى فوق الناس وهو يمشي في الأرض على رجليه ويشهد له بالجنة، فأي منقبة هذه لهذا الرجل، وكانت المنقبة من أجل القلب، وكما قال تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25].

    فأنا دائماً أحد الحد، وأفصل بين الطريقتين؛ حتى يميز الناس ويعرف القوم أن الحاجة إلى العلم أمس ما تكون، وأنها أشد من حاجتهم إلى الهواء والماء، وأعوذ بالله أن أطعن في أحد تكون مكانته عند الله جل في علاه أرقى من آلاف مثلي، بل يمكن أن يكون في الفردوس الأعلى، والله أعلم بمآلي.

    ولقد قالها من هو أنبل مني ومن جيلي، بل ومن أمتي بأسرها، ابن عيينة نفسه والثوري وغيرهم من المحدثين، كانوا يقولون: نحن نجرح في أقوام لعلهم وطئوا بأرجلهم الجنة الآن، يعني: عندما يقولون: هذا صالح لكنه ضعيف، أو فيه وهم، أو فيه لين، وهم ما قالوا ذلك إلا حفاظاً على الدين، وليعرف الناس من يستفتى ومن لا يستفتى، وهذا هو الصحيح الراجح أن تفصل؛ لأنها حقائق لا بد أن تظهر.

    فلا طعن ولا أحد يتهمني ولا أحد يقول ذلك عني، وإني لا أبرئ ساحة أحد يتكلم بهذا الكلام، فهموا فهماً خطأ أو فهم على هواه ثم اتهمني به، والله لا أبرئ ساحته أمام الله جل في علاه ولا أسامحه حتى يراجعني فأنا أقول له، ولذلك الأخ لما جاءني وراجعني وقال: هل هذا غمز؟ قلت له: والله ليس بغمز، ولا أستطيع أن أفعل ذلك، أنا أعرف قدري وأعرف نفسي، وأنا عند قدري أجلس وربي يعلم بحالي، وأنا أعلم أنا والله الذي لا إله إلا هو مما أرى من حالي وحال الإخوة أن أتكلم مع الأعزاء فقط تمنيت الموت أكثر من مرة، أنا سئمت العيش، ورب السماوات، فالقلوب اليوم ليس فيها حب ولا ألفة بين الإخوة بعضهم لبعض، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن أوثق عرى الإيمان هو الحب في الله، فأين الحب في الله؟ وأين الموالاة والتعاضد والتعامل من أجل نصرة دين الله جل في علاه؟ أين خالد بن الوليد عندما عزله عمر بن الخطاب وأصبح جندياً صغيراً أو أصبح أبو عبيدة أميراً عليه؟ أين من كان في المقدمة كان في المقدمة، ومن كان في الوسط كان في الوسط؟ فالآن لا نرى إلا عروشاً مسوسة، وكراسي مبتزة نقاتل عليها، وننكر على من يقتل الناس من أجل كرسي، أنعيب الناس والعيب فينا قد استفحل!

    فحري بنا أن نعالج أنفسنا وقلوبنا من الغل والحسد، وأن نرأف بإخواننا، ولا نتحامل عليهم، وأن نحسن الظن بهم، فلقد كان عمر بن الخطاب يقول: (أحسن الظن بأخيك ولو لمائة) ؛ لأنك بإحسانك الظن بأخيك ستكسبه وتكسب من وراءه، ثم تتآلف معه ويتآلف هو مع الآخرين، ثم بعد ذلك تكون اليد واحدة والتعامل واحد، ويكون الجميع إخوة في الله، يتعاملون لله وبالله وفي الله، نصرة لدين الله جل في علاه، والمسألة كلها كما أنها تحتاج إلى إخلاص تحتاج معها إلى صبر.

    فالمقصود أننا تكلمنا على التدليس والصمت عن الحقائق، ودخلنا على هذه المسألة لأن لها جانباً من جوانب التدليس.

    1.   

    مراتب التدليس

    نختم الكلام على كتاب التدليس بذكر مراتب المدلسين، ومراتب المدلسين خمس، وعدها بعضهم أربعاً، والصحيح أنها خمسة مراتب:

    المرتبة الأولى من اتهم بالتدليس باطلاً

    المرتبة الأولى: لها أقسام ثلاثة: منهم من اتهم بالتدليس وليس منهم، وذكره من صنف في التدليس لينبه على أن هذا اتهام باطل وأنه ليس من المدلسين، ومن أمثلة هذا القسم الإمام مالك ، حيث اتهم مالك بالتدليس في بلاغاته، وذلك أن الحديث يكون عن ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس مثلاً، فيقول مالك : بلغنا عن ابن عباس كذا، فيسقط ثور بن يزيد ، ويسقط عكرمة ، ويأتي بـابن عباس ، فقالوا: هذا مدلس.

    ومن أمثلته أيضاً البخاري فقد اتهموه بالتدليس، وممن اتهم أيضاً ابن حزم ، أما البخاري فاتهم لما قال في حديث: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير)، قال: قال هشام بن عمار ، و(قال) هذه من الصيغ الموهمة، فاتهموه بالتدليس على ذلك، وأيضاً لما كان بينه وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري مشاحنة، حيث رأى الكثرة في مجلسه فقال: البخاري يقول بخلق القرآن، وهذا زور وبهتان، لكن البخاري ديانة وإنصافاً روى عنه حديثاً؛ لأنه يعلم أنه من الثقة بمكان، فكان يأخذ عنه الحديث لكن كان يعمي عليه حتى لا يقول الناس: عدلته بالرواية عنه فكلامه فيك صحيح، فكان يفعل ذلك.

    وممن اتهم بالتدليس أيضاً: مسلم وهشام بن عروة ، فهؤلاء جبال لا يمكن أن يقترب منهم أحد، فهؤلاء قسم اتهموا بالتدليس وهم منه براء.

    القسم الثاني: قوم دلسوا لكن على ندرة وبقلة جداً، مثل أبي سعيد الأنصاري ، ويزيد بن هارون الواسطي ، حيث قال: ما دلست إلا في حديث واحد وما بورك لي فيه، فهؤلاء من الندرة بمكان، وهم أيضاً في المرتبة الأولى من المدلسين.

    القسم الثالث: قوم خلط العلماء بين إرسالهم وتدليسهم، فأنزلوا الإرسال مكان التدليس؛ لأن الإرسال الخفي أقرب ما يكون إلى التدليس.

    فالمرتبة الأولى عنعن أو لم يعنعن فحديثه صحيح، وأحاديثه كلها محمولة على الاتصال، وسواء اتهم أم لم يتهم، أو كان في تدليسه ندرة أو لم يكن.

    المرتبة الثانية من ثبت عليهم التدليس وهم أئمة عظام

    المرتبة الثانية: قوم دلسوا وثبت عليهم التدليس لكن هم أئمة عظام، جبال في الحفظ وبحور في التحديث كـالزهري والثوري ، وبعضهم أدخل الأعمش ، وبعضهم أدخل سليمان بن مهران معهم؛ لأنه كثير الحديث، وهذا فيه نظر، أما الثوري والزهري ومن في طبقة كثرة الحديث وعظم المكانة وقلة التدليس فهؤلاء لا يدلسون إلا عن ثقة كـابن عيينة ، قال ابن حبان : ما أجد في الدنيا مثل ابن عيينة ، فكأنه خص الحكم هذا بصنف واحد هو ابن عيينة فقط، وكأنهم بحثوا ونقبوا فوجدوا الذين يدلسون لا يدلسون إلا عن الثقات، وما وجدوا إلا ابن عيينة ، فهؤلاء أيضاً العنعنة عندهم كالتحديث، فإن وجدت الثوري يعنعن فقل: هذا على الاتصال، وإن وجدت الزهري والعنعنة موجودة في الصحيحين فقل: هي على الاتصال، فالمرتبة الثانية أيضاً محمولة على الاتصال ولو عنعن، في الصحيحين أو في غير الصحيحين.

    المرتبة الثالثة من أكثروا من التدليس وهم ثقات في أنفسهم

    المرتبة الثالثة: قوم أشبعوا أنفسهم بالتدليس، وهذه أليق بـالأعمش وابن جريج ، فأصحاب المرتبة الثالثة يدلسون كثيراً، وهم ثقات في أنفسهم، أقلهم صدوق وإن كان يهم فهو صدوق، وأصحاب هذه المرتبة لا تقبل عنعنتهم عند جماهير أهل العلم، بل لابد من التصريح بالسماع، وقال الجماهير: تقبل عنعنتهم في حالة واحدة هي: إن كانت الرواية في الصحيحين؛ لأن جميع أهل العلم قالوا: إن أصحاب الصحيح اشترطوا على أنفسهم شروطاً فلا يمكن أن يخلوا بها، بل قالوا: يمكن أنهم اطلعوا على طرق أخرى صرحوا فيها بالسماع.

    أما الأمور الأخرى التي منها إن كان مكثراً أو غير مكثر ففيها نظر كما قلت، وهذه الذي قالها الذهبي عن الأعمش عن أبي وائل ؛ لأنه قال: كان مكثراً وملازماً، فلو عنعن لا بد أن يكون قد سمع في مجلس من المجالس، وقلنا: إن هذا منتقد في راوٍ من الرواة كان مكثراً عن شيخه واتهمه أيضاً الذهبي بالتدليس في التذييل على المستدرك.

    المرتبة الرابعة قوم ثقات لا يدلسون إلا عن الضعفاء

    المرتبة الرابعة: قوم يدلسون كثيراً، ولا يدلسون إلا عن الضعفاء، حيث نقب المحققون والمدققون في الذين دلسوا عنهم فما وجدوهم إلا عن الهالكين الضعفاء، ومن هذه المرتبة الحسن البصري وابن جريج والحجاج بن أرطأة وبقية بن الوليد ، والوليد بن مسلم ، وحكم هذه المرتبة أننا لا نقبل منه حتى يصرح بالسماع، ونرى الشيخ الذي دلس عنه ثقة أم لا، فنحتاج إلى أمرين لقبول هذا الحديث:

    الأمر الأول: تصريح الراوي بالسماع، الأمر الثاني: النظر إلى الشيخ المصرح به هل هو ثقة أم لا؟

    المرتبة الخامسة مدلسون وهم في أنفسهم ضعفاء

    المرتبة الخامسة: يدلسون وهم في أنفسهم ضعفاء، بخلاف المراتب الأربع فقد كان فيهم الثقات، وفيهم من هو صدوق، وفيهم من يهم وفيهم من يخطئ، لكن أصحاب المرتبة الخامسة مدلسون وضعفاء، وهؤلاء كأمثال ابن لهيعة ، وكثير من الناس لا يقرون بتدليس ابن لهيعة لكن الصحيح الراجح أنه أيضاً مدلس.

    وحكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة أنها ضعيفة، سواء صرح الراوي بالسماع أو لم يصرح فحديثه ضعيف؛ لأنه ضعيف في نفسه، فالجناية أصلاً مرتبطة بالضعف لا بالتدليس؛ لأن العلماء النقاد يقفون أمام أحاديث التدليس موقف التثبت أولاً فيقولون: نوقف الكلام في الحديث حتى نرى الراوي هل صرح بالسماع أو لم يصرح؟ أما الضعيف فلا يرجئون النظر فيه؛ لاختلال شرط من شروط الصحة وهو ضعف الراوي.

    فالضعيف المدلس لا يقبل حديثه بحال، إلا إذا كان ضعفه ضعفاً ينجبر كـابن لهيعة ؛ لأن ابن لهيعة في حفظه شيء وفيه لين، فلو توبع وصرح بالسماع لقبل الحديث؛ لأن ضعفه ضعف ينجبر.

    1.   

    طرق معرفة التدليس في الحديث

    يمكن معرفة أن العنعنة عنعنة مدلس، أو أن هذا الحديث فيه تدليس عن طريق أمور:

    أولاً: إخبار المدلس نفسه، بأن يقول: دلست عليكم كذا، وكما عمل من صرح بأنه دلس أحاديث عن المغيرة ، فقال: ما حدثتكم عن المغيرة فإني ما سمعت حديثاً واحداً عنه.

    ثانياً: أن يلح عليه، كما قال الحاكم : يعرف تدليس المدلس بعد الإلحاح عليه، ومن ذلك ما حدث به ابن عيينة عن الزهري فقال: ما سمعته من الزهري ، قال: ولا ممن سمعوا منه، إذ كانت السلسلة في الأصل عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، فأسقط شيخين بينه وبين الزهري ، فهو صرح بالتدليس بعد أن ألح عليه.

    ثالثاً: أن يشترط الراوي على المدلس أن يصرح، فيعرف هذا مدلس أو لا، كأحاديث أبي الزبير ، فإنه إن كان الليثي يحدث عنه علمنا أن هذا مصرح فيه بالسماع، أو كـقتادة وأبي إسحاق السبيعي والأعمش ، فكل هؤلاء إذا روى عنهم شعبة فقد كفانا تدليسهم.

    رابعاً: عن طريق جمع الطرق فتعرف علة الحديث، كما قال ابن المديني : لا يصل أحد إلى علة الحديث إلا بجمع الطرق، وذلك بأن تكون هذه الرواية تأتي بلا واسطة، ثم تأتي من طريق آخر بالواسطة، فنعلم من ذلك أن هذا الراوي مدلس، فنقول: هو لا يرويها عنه إلا بواسطة وقد أسقط الواسطة، إذاً: الطريق هذا طريق فيه علة.

    مثال ذلك: أن يروي الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيء تلاميذ الأعمش فيروونه عنه بطريقين:

    الطريق الأول: يروونه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والطريق الآخر: يروونه عن الأعمش عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيصير عندنا طريقان، وإحدى الطرق فيها إسقاط الواسطة، فالناقد البصير ينظر هذين الطريقين ويقول: الأعمش لا يمكن أن يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة، فالطريق الذي ليس فيه الواسطة طريق فيه علة وهي علة التدليس، قد دلسه الأعمش عن أبي هريرة وأسقط أبا صالح .

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.