إسلام ويب

جريمة إقصاء الشريعةللشيخ : عمر الأشقر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عادة ما يسير الأعداء وفق خطط مدروسة للنيل من أمة الإسلام، وفي هذه المرة كان الصيد ثميناً، فقد تمكنوا من تنحية الشريعة من حياة الناس العملية، وحاصروها من الناحية العلمية قدر المستطاع، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه من التلويح بالسيف لكل من يريد إعادة الشريعة إلى مكانتها، كل ذلك تم عبر تاريخ بدأ به نابليون ثم ازداد بمؤامرات الاستعمار وأذنابه.

    1.   

    خطوات نقل الأحكام الوضعية إلى بلاد المسلمين

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    أيها الإخوة! في سنة 1882م أقصيت الشريعة الإسلامية عن بلد مسلم له الصدارة بين البلاد العربية ألا وهو مصر، وفي ظني أن المسلمين أو الكثير منهم لا يعرفون هذا التاريخ؛ لأنه عام مأساة، فلقد نجح الكفار بعد جهد طويل في تحقيق هدف من أهدافهم الكبيرة ألا وهو إبعاد الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين وتوحد كلمتهم، وتربط فيما بينهم، الشريعة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لتكون ذكراً لنا ومجداً وعزاً.

    لم تحدث هذه الجريمة من قبل في تاريخ الإسلام بهذه الصورة أبداً، فلقد كان بعض حكام المسلمين يتفلتون من الشريعة في بعض الأحيان، لكن أن يحدث أن تأتي دولة فتلقي بالشريعة في سلة المهملات، وتستبدل بها قوانين وضعها البشر، وتقول لخالق البشر رب العزة سبحانه وتعالى: حكمك لا يصلح لمجتمعاتنا، ولا لقرننا، ولا لحضارتنا، إنما الذي يصلح هو حكم نابليون ، وقضاء وفقه لمبير ، وما وضعه الدكتور السنهوري ؛ لم يحدث هذا في تاريخ المسلمين أبداً.

    ذكر ابن تيمية رحمه الله أن بعض حكام المسلمين كانوا يخرجون عن بعض أحكام الشريعة الإسلامية في بعض الجزئيات، ويسمون هذا بالسياسة، ولكن ما كانوا يجرءون أن يقولوا: إنهم يتبعون قانوناً أو تشريعاً غير تشريع الله.

    محاولة التتار حكم المسلمين بقانون الياسق

    حدث مرة واحدة أن حاول أعداء الإسلام أن يغيروا قانون المسلمين في ديار الإسلام، ذلكم عندما اجتاحت جحافل التتار ديار المسلمين، وقضت على مركز الخلافة في بغداد سنة 656هـ، وكان التتار يتحاكمون إلى قانون سموه بـ(الياسق)، كما يذكر ذلك المقريزي وابن كثير ، وهو قانون كانوا يتحاكمون إليه، وقد نقل ابن كثير في كتابه البداية والنهاية جملة من أحكام ذلك القانون، وهو قانون ظالم أخذه هولاكو من اليهودية والنصرانية والإسلام وما تبدى له من آراء.

    وحاول أن يفرض ذلك القانون على الأمة الإسلامية فما وجد عندها قبولاً، ولم يمض فترة طويلة من الزمان حتى داس التتار قانونهم بأرجلهم، وأخذوا شريعة الإسلام، وتغيرت وثنيتهم ليصبحوا جنداً من جند الإسلام، فالذين جاءوا ليحكموا بالياسق رفضوه، وإذا بدين المغلوبين يغلبهم ويأسرهم، وإذا بهم يتحولون إلى جيوش جرارة تقاتل لحساب الإسلام.

    محاولة نابليون فرض قانونه على المسلمين

    تبدأ قصتنا مع القوانين الوضعية في العصر الحديث، وما سأذكره لكم هو عن دراسة لم تلجئني إليها هذه المحاضرة، وإنما هي دراسة بدأت بها منذ وقت، تتبعت فيها خطوط الجريمة النكراء التي أصيب بها المسلمون في عصرنا، فوجدتها بدأت في القرن الماضي، وبالتحديد في سنة 1798 - 1799م، عندما اجتاحت جيوش نابليون بونابرت مصر، وأراد أن يمكن للفرنسيين والصليبيين في دار الإسلام، وبدأ يضع الخطوط الأولى للمؤامرة في مصر، ولكن ما قابله من مواجهة في مصر وبلاد الشام، ثم تكتل الدول الكبرى كبريطانيا وغيرها ضده، لم يمكنه من أن يتابع أو ينفذ المخطط الذي في رأسه، ولكن المخطط كان قد اتفقت عليه الدول الكبرى، ومن يقرأ الوصية التي تعرف بوصية بطرس الأكبر في روسيا يرى المخطط الذي ينفذ في أيامنا واضحاً في وصيته.

    إلى سنة 1857م كانت الأحكام الشرعية لا تزال تنفذ في القارة الهندية على الرغم من احتلال بريطانيا للهند قبل ذلك بفترة، وكانت بريطانيا تلغي الأحكام الشرعية واحداً واحداً، حتى استطاعت طمس الشريعة في سنة 1857م كما يذكر ذلك العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله في حاشيته على كتاب القانون الإسلامي وطرق تنفيذه.

    المحاكم المختلطة وأثرها في بداية تغيير حكم الشريعة في مصر

    في سنة 1867م كانت هناك مفاوضات تجري بين مصر، ويمثلها وزير خارجيتها في ذلك الوقت -وهو نصراني كـبطرس غالي اليوم، واسمه: نوبار باشا - وبين الدول الكبرى حول الخلخلة التي سوف تجري في القضاء في مصر بسبب تدخل قناصل الدول الكبرى فيما يجري من أحكام تخص رعاياهم، ثم كانت النتيجة: أن اتفقت تلك الدول مع مصر على إنشاء المحاكم المختلطة، والمحاكم المختلطة مكونة من مجموعة من القضاة ثلاثة منهم من غير المسلمين، واثنان من المصريين، وقد يكونون من المسلمين وقد يكونون من الأقباط، وكلف نوبار باشا محامياً نصرانياً فرنسياً بأن يضع له قانوناً للمحاكم المختلطة، فنقل القانون الفرنسي الذي وضع في سنة 1804م من قبل نابليون ليحكم به فرنسا، نقله بنصه ليكون حكماً في رقاب المسلمين، وأقر في سنة 1873م أن هذا القانون يحكم به في القضايا التي يكون فيها علاقة بين مصر وغير مصر، وكانت تلك خطوة.

    وفي سنة 1883 نقل قانون المحاكم المختلطة إلى ما سمي بالمحاكم النظامية التي حكمت مصر من ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، وجعلت تلك القوانين والأحكام التي وضعت للحكم في فرنسا للمحاكم المختلطة سنة 1875م، ثم بعد ذلك عممت ليحكم بها في سنة 1883 في جزء من القطر المصري، وما بين عام 83 و89 عممت على جميع القطر المصري، وقام ضدها علماء المسلمين، وصرخوا وصرخ معهم الناس، ولكن كانت بريطانيا قد دخلت بعد أن واجهها عرابي واحتلت مصر في (سنة 1882)، وأقرت تلك القوانين.

    وابتدأ الكفار يقطفون ثمار تخطيط طويل منذ ذلك الوقت، وأخذت تنحصر وتضيق الأحكام الشرعية على الأحوال الشخصية: الزواج، والطلاق، والميراث.

    1.   

    تغيير الحكم بالشريعة في تركيا

    تركيا أصيبت أيضاً بما أصيبت به مصر، مع أنها كانت الدولة التي تحمي الإسلام وتقوم على الشريعة الإسلامية، ولقد ظن بعض حكام الدولة التركية أنهم يستطيعون أن ينقذوا دولتهم من الضعف، وأن ينهضوا بها عندما يسيروا مسيرة الأوروبيين، ويسلكوا منهجهم، والحقيقة أن الخلافة العثمانية لم تنته في سنة 1923م بعد الحرب العالمية الأولى، بل انتهت قبل ذلك بكثير، عندما قبل الحكام الأتراك أن يغيروا الشريعة الإسلامية، وهذه مسألة لا تذكر في المحاضرات التي يذكر فيها العمومات ولا يذكر فيها التفاصيل.

    إصدار مجلة الأحكام العدلية

    في سنة 1839م صدرت لائحة في تركيا لتنظيم القضاء، كان من نتيجتها أن انفتحت الدولة التركية على القوانين الأوروبية، وأخذت بعض القوانين لا بنصها وإنما فيها بعض الأحكام المخالفة للشريعة الإسلامية.

    وأخذت في ذلك الوقت الأحكام المدنية أو القانون المدني من فقه الإمام أبي حنيفة في مواد متسلسلة مرتبة كالقوانين الوضعية، لكنه كان مأخوذاً من فقه أبي حنيفة ، وسمي ذلك القانون بمجلة الأحكام العدلية، وطبقت في تركيا وفي الولايات التي كانت تتبع تركيا كسوريا والعراق ولبنان والحجاز وغيرها من الولايات.

    ثم بدأت تصدر قوانين متوالية في جانب العقوبات والتجارة وغيرها تؤخذ من القانون الفرنسي ثم النمساوي وهكذا بدأ التغيير شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق في القانون العثماني من قانون الأحكام الشرعية في العقوبات والقوانين الأخرى إلا قليل، ثم إن مجلة الأحكام العدلية التي أخذت من الفقه نسخت؛ لأن القوانين الأخرى التي كانت تصدر من هنا وهناك كانت تنسخ هذه الأحكام شيئاً فشيئاً، لكن كانوا يخافون من ثورة الناس، فكانوا يعملون بالخفاء.

    مضحكات مبكيات

    من المضحكات المبكيات: أن بعض الحكام في مصر عندما نقلوا قانون نابليون أتوا ببعض المشايخ، وقالوا لهم: نريد منكم أن تبينوا لنا كيف يمكن أن نطبق قانون نابليون على الطريقة الإسلامية، فأخرجوا كتاباً مؤلفاً يبينون كيف أن هذه الأحكام التي وضعها نابليون مأخوذة من الفقه الإسلامي ومستمدة من الأحكام الشرعية، وكان اسم الكتاب: تطبيق قانون نابليون على مذهب الإمام مالك .

    نحن لا ننكر حقيقة يتغافل عنها الكفار وأثبتها البحث العلمي وهي: أن نابليون لما جاء إلى مصر سنة 1798 أخذ كتب المذهب المالكي واستفاد منها في وضع القانون الذي صدر في سنة 1804، ولم أر رجلاً من رجال القانون الغربي يشير إلى هذه الحقيقة أبداً، وهذه الحقيقة مطموسة، ولكنه أخذها ووضعها بعدما نسخها، وغير كثيراً من أحكامها، فهناك تشابه، ولكننا نأخذ قانون الله على أنه حكم من عند الله سبحانه وتعالى، ولو أن أمة من الأمم أخذت هذا القانون ليصلح حياتها، ولم تعترف بأنه منزل من عند الله، وأنها تتحاكم إلى الله لم ينفعها ذلك.

    في تركيا ومصر كان العمل يجري في الخفاء، والمسلمون يتألمون وليس في أيديهم عمل شيء، وكل ما يستطيعونه هو أن يرفعوا أصواتهم ويتكلموا في المساجد ليعارضوا ما يجري في ديارهم من تغيير لرابطة قامت عليها دولتهم، وبها عزوا، ولكن ليس في اليد حيلة خاصة وأن الجهل كثير، والعلم قليل.

    طمس معالم الشريعة في تركيا

    في سنة 1914 دخلت تركيا الحرب العالمية الأولى، وانتهت بالهزيمة، وكان الذين خططوا لهذه القضايا جاءوا بأناس يعملون على أعينهم، ولما انتهت الحرب العالمية الأولى ألغيت الخلافة الإسلامية، وألغي منصب شيخ الإسلام، وألغيت الشريعة الإسلامية، ومنع من قراءة القرآن باللغة العربية، ومنع من التأذين باللغة العربية في تركيا، وبقي دين الدولة الإسلام شكلياً، وفي سنة 1924 لما تمكنوا ألغوا هذه الكلمة الموجودة في دساتير الدول العربية الآن ذراً للرماد في العيون، وصارت تركيا دولة علمانية، وهي التي قادت العالم الإسلامي منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي أو الخامس عشر الميلادي، وفتحت جيوشها معقلاً من أكبر المعاقل الصليبية، واستولت على تركيا، وجعلتها منارة تشع على الكون، وكانت هي الدولة الكبرى التي إذا قال حاكمها تسمع الدنيا صوته، وإذا حرك حاكمها جيوشه اهتزت أوروبا لصولته، وقد وصلت جيوشها إلى أعماق أوروبا، وصلت إلى النمسا وإلى أسوار فيينا.

    جوانب الخلل التي مكنت لتنحية الشريعة في تركيا

    هذه الدولة في طرفة عين أصابها ما أصابها، كيف حدث هذا؟ كيف جرى هذا؟

    هناك جانبان:

    الجانب الأول: ما يتعلق بنا نحن، فالذي يدرس الفترة الأخيرة من حياتنا، يجد فينا الخلل، فرغم أن تركيا من حوالى خمسة أو ستة قرون كانت قوية باسم العالم الإسلامي الكبير، كانت هناك أمراض خطيرة موجودة.

    الجانب الثاني: ما فعله الأعداء، فقد خططوا لهذه القضية، ومن يراجع أقوالهم ويقرأ أخبارهم في القرون الثلاثة الأخيرة، يجد نصوصاً صريحة تدل على أنهم يخططون للقضاء على الأمة الإسلامية بعد أن فشلت الحروب الصليبية في القضاء على الأمة الإسلامية، وعرفوا أنه ينبغي أولاً حتى يستطيعوا أن يسيطروا علينا -والعداء بيننا وبينهم مستحكم- أنه لا بد من أن يبعدونا عن ديننا وعقيدتنا.

    عرفوا أن الأمة الإسلامية إذا كان رجالها ونساؤها وأبناؤها ملتصقين بالإسلام فلن يبيعوا هذا الدين، ولن يبيعوا أمتهم، ولن يبيعوا أوطانهم، ولا يمكن أن يضعوا أيديهم في أيدي أعدائهم؛ لأن القضية فيها جنة ونار، فيها غضب الله ورضوانه، تذكرون كلمة غلادستون في مجلس العموم البريطاني عندما رفع المصحف في يده وقال: ما دام هذا القرآن يتلى في الشرق فلن نستطيع أن نفعل شيئاً، والحاكم العسكري في الجزائر عندما وقف بعد مرور مائة سنة على احتلال فرنسا للجزائر قال: لا يمكن أن نسيطر على هؤلاء في هذا البلد حتى نزيل القرآن من قلوبهم، وحتى ننهي اللغة العربية من هذه الديار، كانوا يعرفون أن هذا هو المقتل الذي يجب أن يصيبونا فيه.

    ثم حدثت الهزائم العسكرية التي تصيب الإنسان بنوع من الإحباط، ويظن الجهال أن الأعداء انتصروا لأنهم يزنون، ولأن نساءهم عاريات، كما يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: المغلوب مولع بتقليد الغالب، ويظن أن كل ما يفعله الغالب هو سبب انتصاره، ولو كان يفجر ويفسق ويزني، لظن أن هذا هو سبب النصر، وفينا من يقول: ينبغي أن نقلد أوروبا في كل شيء، وخرج هذا الجيل المهزوم بعد أن هزمنا عسكرياً ثم هزمنا نفسياً، خرج أناس من هذا الجيل ينادون بأن علينا أن نأخذ بالحضارة الأوروبية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها!

    ركز الكفار على هذا الجانب من خلال هزيمتنا، وجئنا بما يسمى بنهضة الأمة الإسلامية، فلم نزدد إلا تأخراً ولم نزدد إلا هزيمة، وما تقدمنا إلى الأمام أبداً.

    حرص الكفار أن يأخذوا رجالاً منا من القرن الماضي، ويدرسوهم على أعينهم، ويغرسوا فيهم أفكارهم، ورجع إلينا هؤلاء أساتذة، وباحثين وخبراء، ولكن بفكر أعدائنا، كان يركز عليهم تركيزاً شديداً جداً، فإذا هم بوق من أبواقهم في ديارنا، ثم سلمت إليهم المراكز العليا في الجامعات والمدارس ووزارات التربية والتعليم، بل من الحكام من أثر عليهم في هذا المجال، وخاصة في المؤسسات التي يتخرج أصحابها ليكونوا قضاة، ففي كليات الحقوق وضعت لها مناهج بعيدة عن الشريعة الإسلامية، ووضع لها مدرسون ابتداءً من غير المسلمين، ثم المدرسون الذين تخرجوا من الجامعات الأوروبية رجعوا ليدرسوا في مدرسة الألسن في القاهرة التي أصبحت فيما بعد كلية الحقوق.

    وخرج أجيال لا يفقهون الشريعة الإسلامية، ولا يفقهون القضاء الإسلامي، اقرءوا مقدمة الشيخ عبد القادر عودة في كتابه: التشريع الجنائي، وكتاب: الإسلام وأوضاعنا القانونية، وكيف أنه كان جاهلاً بالشريعة الإسلامية ولا يعرف عنها شيئاً، وكان قاضياً يقضي بما تعلمه في مدرسة الحقوق، وكان الذي لفت نظره ذكريات كان يعرفها من قراءته في السيرة: أن الحاكم الفلاني فعل كذا، والحاكم الفلاني فعل كذا، والقاضي الفلاني فعل كذا، فلما رجع إلى كتب الفقه وجد ثروة ما كان يعرفها ولا سمع بها، ولا قرأها، وكانت مسيرة مباركة قرأ فيها الفقه الإسلامي، وتحول إلى الإسلام تحولاً عن قناعة وعلم، وأخرج لنا هذا الكتاب الذي لم يكتب مثله -في غالب ظني-، وكان من أسباب قتل عبد القادر عودة كتابه: الإسلام وأوضاعنا القانونية، وأوصي بأن يقرأ هذا الكتاب قراءة متفحصة؛ لأنه أعلن الثورة على القوانين الوضيعة بشكل سافر، فهو يريد أن يهدم بالصراحة بناءً بناه الكفار في قرون.

    1.   

    قادة تغيير الحكم بالشريعة

    أخذ الكفار أبناءنا وعلموهم فأفسدوهم، وجاءوا بهم باحثين في جامعاتنا ومدارسنا، مادة واحدة أو مادتين تدرس في كلية الحقوق، ثم يتخرج من كلية الحقوق أبناء المسلمين وأبناء النصارى، ويدرس فيها أناس أوروبيون، أو نصارى بل يدرس فيها كل من هب ودب؛ لأن هذا ليس شريعة إسلامية بل قانون وضعي، وأشرب أبناء المسلمين حب هذه القوانين، وصارت فقهاً وتشريعاً، وصار الإنسان لا يؤلمه قلبه عندما يدرس هذه القوانين، ولا يتألم عندما يحكم بها ويتحاكم إليها.

    في البداية نحن الآن أصبحت لدينا نغمة إسلامية، يقول لك: يا أخي التدرج والتدرج والتدرج، وهذا كلام قد يكون له نصيب من الصحة، لكن بالله عليكم الكفار عندما سنحت لهم الفرصة هل تدرجوا؟ لا، بل في سنوات قليلة في قطر مثل مصر ينقل من حكم الشريعة الإسلامية إلى الحكم بالقوانين الوضعية.

    من الذي يضع القوانين؟ يضعها الكفار بأيديهم؛ لأنهم لم يكن لديهم رجال فقهاء بالقانون الفرنسي مثلما أصبح في أيامنا هذه، فكان أول قانون وضعه مانوري أفغانسي ، وهو محام كان موجوداً في مصر، ولا يعرف اللغة العربية، وكما يقول سنهوري وغيره: رجال القانون المصريون مسخوا القانون الفرنسي، يعني: لم يتركوه على ما هو عليه، ثم بعدما وضع المحامي القانون لمصر ترجم، وكتب على النسخة العربية بعد الترجمة على أنه النسخة الأصلية، انظر إلى الضحك على العقول! فهم وضعوا القانون الفرنسي وترجموه، وبعدما ترجموه إلى العربية كتبوا على النسخة العربية: هذه هي النسخة الأصلية، والنسخة الفرنسية هي المترجمة، واللغة العربية هي الأصل، وهذا كذب.

    وهذا أيضاً حدث في القانون العراقي الجنائي، فقد كان مكتوباً باللغة الإنجليزية ثم ترجم إلى العربية، وكتب على النسخة المترجمة أنها هي الأصل! وهذا كذب ودجل يصنع كلما غيرت هذه القوانين وبدلت.

    وفي سنة 1883م أتى إيطالي اسمه مرندو فجلب قانون المحاكم المختلطة بعد أن ظهرت عيوب القانون الفرنسي، وزاد الإجرام، وزادت الفضائع والزنا والفساد، فبدءوا يفكرون في التغيير، وكلما كان يفكر في التغيير يؤتى بلجان كافرة لا تفعل سوى أن تعيدنا مرة أخرى إلى القوانين التي يحكم بها في أوروبا.

    أقرأ عليكم بعض أسماء الذين قادوا حركة التغيير القانوني حتى نعرف حجم المصيبة التي أصابت هذه الأمة، وقد أرادوا أن يجعلوا القانون متقارب مع الأوضاع في مصر، وشكل مجلس الوزراء المصري في ذلك الوقت لجنة لتعديل القانون مكونة من صليب سامي باشا ومسولينان ديبلهون ، وهو ليس مصرياً وحسب، ولكنه لا يعرف اللغة العربية، ومستر مري جريهان ، ومسيو لنناد ديفي ، ومسيو ألفرد وصبولي ، هذه لجنة تعديل القانون للأمة المصرية!

    ثم غيرت هذه اللجنة بلجنة أخرى فيها نفس الأسماء وأسماء أخرى كلهم على نفس النمط.

    وفي سنة (1938م) أسندوا وضع القوانين لاثنين: واحد من كبار رجال القانون في فرنسا اسمه: جانبير ، والسنهوري ، وقد اجتهد في وضع هذا القانون فظل في إعداده منذ سنة 37 إلى سنة 38، وهذا هو القانون الذي نفذ في سنة (1949م).

    وكان من شروط ألا تحتل الدولة الأوروبية تركيا في معاهدة (كلنتن) في سنة (1923م): أن تلغى الشريعة الإسلامية!

    وفي سنة (1936م)، جرت معاهدة بين مصر والدول أصحاب الامتيازات لإلغاء المحاكم الشرعية، والمحاكم المختلطة، وتوحيد القضاء المصري، وتم ذلك سنة (1946م)، وكان من شروط المعاهدة: ألا تعود مصر لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن تأخذ بالقوانين الأوروبية!

    والدكتور السنهوري شرح القانون المصري في كتاب سماه: الوسيط، وهو في مجلدات ضخمة كثيرة، ويقول: إنه أخذ هذا القانون من عشرين قانوناً، ولم يأخذ من أحكام الشريعة إلا الشيء القليل، بل يقول في مقدمة الكتاب: إن هذا القانون مستقل، ولا يجوز أن يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، مع أن كثيراً من الناس يحسن الظن بالدكتور السنهوري ، والحقيقة أن هذا الرجل من أخطر الناس الذين أفسدوا في هذا العصر إفساداً ليس له حدود، وكان حريصاً على أن يغير الأحكام الموجودة في كل بلد إسلامي، فهو الذي وضع القانون العراقي، وخلط فيه بين أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية.

    وفي سنة (1956م) عندما استقلت ليبيا كما استقلت كثير من الدول العربية ظاهراً أول عمل عملوه أن أحضروا الدكتور السنهوري إلى ليبيا، وبسرعة البرق وبدون تروي نقل القوانين المصرية التي وضعها في مصر لليبيا، بل من السرعة والعجلة نقل أحكاماً بنصها تتعلق بطمي النيل ووضعها في القانون الليبي! وأحكاماً تتعلق بمحافظة القاهرة بنصها ووضعت في القانون الليبي! وأشياء أخرى مضحكة.

    وفي سوريا عندما حصل انقلاب حسني الزعيم فأول عمل قاموا به هو تغيير الأحكام الشرعية، فكان الناس في عجلة، فإذا وصلوا إلى الحكم في الديار الإسلامية فأول قضية كانوا يحرصون عليها هي أن تغير البقية الباقية من ديننا!

    وفي سنة (1923م) أرادوا أن يغيروا قانون الأحوال الشخصية، فقامت ثورة في مصر، ثم غيرت بعضها حكومة الثورة في الخمسينات بدون أن يقيموا عليها ثورة، وألغت البقية الباقية من الأمور الشرعية، وبعض الأحكام الشرعية كانت ولا تزال موجودة في الأحوال الشخصية، لكن ألغي الاسم وأزيل كل شيء اسمه محاكم شرعية.

    1.   

    نماذج القوانين الشرعية عبر التاريخ

    من المصائب الكبيرة في دراسة هذا الموضوع والتي تلفت نظر الباحث والتي أدركتها أخيراً عن بعض حكام الدولة العثمانية، فلقد كانت الدول الأوروبية تجرجرنا كما تشاء، ومن أعجب ما يقف عليه الباحث في تاريخ هذه الدولة أن سليمان القانوني حكم الدولة العثمانية في قمة توسعاتها، وبلغت غاية قوتها وغاية توسعها في عهد سليمان القانوني ، ومع ذلك أعطى سليمان القانوني للدولة الفرنسية أخطر وثيقة، وهي ما يسمى بالامتيازات الأجنبية النجم، فصار لدولة كافرة مثل فرنسا الحق في رعاية الذين هم على دينها ومن رعاياها في داخل الدولة الإسلامية، فكان لا يجوز أن يحاكم رجل ولا يعتدى على رجل من رعايا الدولة الفرنسية، ولا تستطيع الحكومة أن تدخل بيته، وكادت فرنسا أن تقيم معركة بينها وبين تركيا عندما جاء حاكم بعد فترة وألغى الامتيازات الأجنبية، فحشدت فرنسا قواتها لتحارب تركيا، وفعلاً عندما ضعفت تركيا كانت الامتيازات الأجنبية من أخطر ما أذلت هذه الأمة، واقرءوا مذكرة السلطان عبد الحميد وهو يعترف بهذا فيقول: إن الامتيازات الأجنبية منافية لكرامتنا، ولقد أذلتنا. يعترف بهذا في مذكراته فالشريعة الإسلامية لا تقبل أن حاكماً يعطي للدولة الكافرة حق التدخل في شئون الدولة الإسلامية الداخلية، فهذا الحاكم المسلم وقع في خطأ، وأعطى السبيل على نفسه للكفار ليفسدوا في ديارنا، ثم تكون النتيجة ما رأينا في النهاية.

    مأساتنا وصلنا نحن الآن بعد مسيرة طويلة إلى المصاب الذي نحن فيه الآن، كانت الشريعة الإسلامية ملغاة، ومن يطالب الآن بالشريعة الإسلامية تحز رقبته، ويصير متطرفاً، والمتعقلون يقولون لك: المهم أن تصلي وتصوم وتزكي، نحن هنا في فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا نصوم ونصلي ولا أحد يقول لنا: لا. إذا كانت المسألة قضية عبادة ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حارب، وقد وجدت جماعة اسمهم الحنفاء، كانوا يوحدون الله قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان أحد من الناس يتعرض لهم، لكن لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة الأصنام، ويقول لهم: الحكم لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، اختلف الأمر، في تركيا الدولة العلمانية إذا شئت أن تصلي لا أحد يمنعك، لكن أن يكون الله هو الحاكم الذي يحكم الكون، ويحكم الإنسان لأنه خلق الإنسان، ولأن حكمه هو الذي يصلح للإنسان، لا، وهي صورة متكررة في جميع مراحل تاريخ البشرية، إذ كل رسول يأتي يقول للناس: الله إلهكم ومعبودكم، اعبدوه وحده وتحاكموا له وحده، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] ، ويقول لهم: الأمر أمره والخلق خلقه، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] .

    أنت الله خلقك وأوجدك، وصورك، وسواك، فله الخلق لا شريك له، وله الأمر وحده، فليس لغيره أمر، فإذا خالف أمره أمر غيره فلا اعتبار له، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8].

    قبل (سنة 2000) قبل الميلاد وضع حمورابي قانوناً، ولا يزال موجوداً محفوظاً في المتحف الفرنسي، وهو مكتوب على حجر طوله تسعة أمتار ونصف، يشتمل على (320) مادة، وقانون مانو في الهند موجود، والقانون الروماني في آخر صورة له عندما كانوا يتحاكم إليه في بيزنطة في القسطنطينية لا يزال موجوداً بين أيديهم، هذه قوانين وضعها البشر، وشرائع الله التي أنزلها على رسله حدثنا الله بها، فكانت هذه القوانين مضاداة للشرائع التي أنزلها الله، ونحن اليوم نعيش صراعاً بين الذين آمنوا بالله ورضوا به رباً يعبدونه وحده لا شريك له، وبين الذين يريدون أن يتحاكموا إلى أفكارهم وقادتهم وزعمائهم ورؤسائهم، ويريدون أن يكون الأمر لغير الله، وأن يكون الحكم لغير الله، ومن سنة الله أن ينشأ الصراع.

    هذا الصراع نجح فيه الكفار في القرن الماضي، وكانت الجولة لهم لضعف في النفوس ولأسباب استطاع أن ينفذها الكفار بدقة، ولكن بعد أن نشأ في المسلمين من يعرف القضية لا بد من جولة أخرى، نحن بدأنا هذه الجولة ونحن نقدم في كل يوم ضحايا، ونقدم جهداً ومالاً، ولكن هذا هو لب المعركة، وسيستمر الصراع إلى أن يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لهذه الأمة من يرفع الراية مرة أخرى، وأن يلم شعث المسلمين، وأن يعيد بهم للإسلام عزته، ويرفع بهم رايته، لترتفع الشمس من جديد، وتشرق على القلوب والعباد، فيرضى بذلك رب العباد سبحانه وتعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الأسئلة

    مضمون وصية بطرس الأكبر ضد المسلمين

    السؤال: ما هي وصية بطرس الأكبر الموجهة ضد الإسلام التي ذكرتموها في محاضرتكم؟

    الجواب: يمكنك أن تطلع على هذه الوصية في كتاب تاريخ الدولة العلية في تاريخ الدولة العثمانية، وهو كتاب في مجلد واحد، نقل هذه الوصية بنصها، وفيها مخطط يبين كيف يمكن للدولة في ذلك الوقت في روسيا أن تقتحم معاقل المسلمين، وما هي الخطوات التي ينبغي أن يسلكوها حتى يصلوا إلى أهدافهم.

    ولا تزال روسيا الشيوعية إلى اليوم تستفيد من هذه الوصية، وفي هذه الوصية: لا بد أن يجد الروس منفذاً لهم على البحار التي في بلادنا.

    وإلى الآن روسيا الشيوعية تستفيد من هذه الوصية؛ لأن روسيا قبل ذلك كانت نصرانية، وهذه وثيقة تبين لنا وجود تخطيط عام مسبق، وهناك بعض النصوص الموجودة عندي عن هذه القضية وفيها أقوال وتخطيطات بعض الرؤساء القدامى في أوروبا حول هذه القضية.

    التعريف بعبد القادر عودة

    السؤال: من هو عبد القادر عودة؟

    الجواب: عبد القادر عودة أحد رجالات الحركة الإسلامية الذي أفضى إلى ربه بعد أن قاوم الظلم والطغيان وألف مؤلفات كثيرة، وكان له باع طويل في الجهاد في مصر، وهو أحد رجال حركة الإخوان الكبار في مصر، أعدم في الاضطهادات الأولى التي أقامتها الثورة في مصر ضد الإخوان المسلمين.

    حكم مزاولة المحاماة والأعمال المحرمة

    السؤال: ما هو الحكم الشرعي في مزاولة العمل كمحامي؟

    الجواب: هذه القضية لا أستطيع أن أحكم فيها بحكم قاطع، لكن أنا لا أستريح قلبياً إلى أي مسلم يعمل قاضياً ويتقاضى إلى القوانين الوضعية، أو محام يترافع إلى القوانين الوضعية؛ لأن هذا القانون قانون كافر، معارض للشريعة الإسلامية، فلما أحتج أنا بنصوصه فمعنى ذلك أنني أقره حتى ولو كنت أريد أن أخفف بعض مصائب المسلمين، ورضا المسلم بهذه القوانين معناه أنه مسلم بها، وأقل درجة من الدرجات أن يبغض الباطل.

    بعض المسلمين لهم وجهة نظر في هذا، لكن هذا الذي أنا أستريح إليه، ولا أقول: إن هذا الأمر نهائي، لكن أنا أنقل مشاعري فقط، أنا لا أستريح إلى أن المسلم يعمل قاضياً أو يعمل محامياً، فمعنى ذلك أنك تؤمن به أصلاً، والذي ينبغي أن تحاربه وترفضه.

    أنا عندما يقول لي رجل: أنا أضع أموالي في البنك الربوي وآخذ فائدتها وأعطيها للمسلمين، أقول له: لا .

    كانت هناك مصيبة وقعت في الكويت بسبب الأسهم، ودمر فيها ناس كثير، ففي هذه الفترة اتصل بي أحدهم وقال: يوجد بنك ربوي فيه أسهم، بمجرد أن يساهم الإنسان فيه فبعد أسبوع ممكن أن يبيع ما اشتراه بدينار بعشرة دنانير، وقال: ولا أنتظر البنك حتى يشتغل، أنا فقط آخذ الأوراق هذه وبعد أسبوع أو أسبوعين أبيعها، فالمائة دينار تأتي لي بألف دينار، قلت: ليست هذه القضية، أنت مسلم أم لا؟ قال: مسلم، قلت له: هل تقبل أن تقام خمارة في بلاد المسلمين، أو أن نعمل مزرعة خنازير في ديار المسلمين؟ قال: لا، قلت له: وكذلك الربا أشد من الزنا، أشد من الخمر، أشد من تربية الخنازير، معنى ذلك أنك راض بهذا، وينبغي أن ترفع صوتك، وتقول: هذا حرام، لا تبنوا بنكاً في ديار المسلمين، حولوا هذه البنوك إلى بنوك تتعامل بالشريعة الإسلامية، فإذا أنت رضيت بهذا، فيوم القيامة سيسألك ربك: كيف رضيت بهذا؟

    كذلك بالنسبة للقوانين الوضعية، المفروض أننا نطالب بإلغائها وإزالتها، لا أن نكون سدنة لهذه القوانين، ويصير القاضي مقدساً، ولما يدخل يقوم له الناس، ومعه شرطة تحميه على الباب، والذي يخالف نص القانون يا مصيبته.

    فأنا أقول: ينبغي التفكير في القضية هذه أكثر من هذا ، والمسألة ليست بهذه السهولة.

    طرق محاربة القوانين الوضعية

    السؤال: كيف نلغي القوانين الوضعية؟ وكيف نحارب القوانين الوضعية؟

    الجواب: سأضع لك النقاط على الحروف:

    أولاً: أن نكره هذه القوانين، ونبغضها، ونعتقد أنها بلاء وليست خيراً، وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله، أنت تحب الإنسان لما فيه من الخير لأنه مسلم، وتكرهه لأنه كافر، فتحب الأخلاق التي يحبها الله، وتبغض الأخلاق التي يبغضها الله، فتحب شريعة الله وتبغض قوانين الكفر. هذه أول قضية.

    ثانياً: أن تعلن هذا بلسانك كلما استطعت، وأن تبين هذه القضية.

    ثالثاً: أن تقوم حركة منظمة للمسلمين تسعى لإقامة حكم الله في الأرض، وأن ينخرط فيها المسلمون ؛ لأن إعادة بناء الدولة الإسلامية لا يقوم به أفراد، وإنما يقوم به جماعات.

    خطط الأعداء في امتصاص مطالب تطبيق الشريعة

    السؤال: تكونت لجنة في السودان لإعادة أحكام الشريعة الإسلامية برئاسة الشيخ حسن الترابي ، وبقرار من الحاكم بغير شرع الله جعفر محمد نميري ، فما رأيك في جدية هذه اللجنة تحت حكم وظلم هذا الحاكم؟

    الجواب: هناك ضغوط في العالم العربي والإسلامي لإعادة حكم الله في الأرض، وجريدة الأخبار قبل عشرين يوماً عملت استفتاء دخل فيه حوالى ثلاثة آلاف من عينات مختلفة من الشعب المصري، وكانت النتيجة أن 96% من الشعب المصري يريد حكم الشريعة الإسلامية.

    في كل مكان توجد ضغوط من المسلمين يريدون أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، ولا بد أن أعداء الإسلام يمتصون هذه المشاعر الفياضة، فيجعلون الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع؛ أو من المصادر الشريعة الإسلامية، وتقوم معركة حول هذه القضية .

    في باكستان الآن يطبقون أحكام الشريعة، الزاني يجلدوه حتى يكرهوا الناس بشيء اسمه إسلام، يحدثني أحدهم فيقول: يؤتى بالزاني، ويربط من يديه ورجليه، ويؤتى برجل مفتول العضلات، ومعه عصا غليظة طولها حوالى أربعة أو خمسة أمتار، ويذهب إلى بعيد ثم يأتي وهو يركض وبأقوى قوته يضرب الزاني خمس جلدات أو ست جلدات حتى يموت المجلود، وجلدوا ثمانية فماتوا!

    بالله عليكم: هل هذا هو حكم الشريعة الإسلامية؟! هذا فيه ضغط على المسلمين الذين يريدون الشريعة الإسلامية، وينقلون هذا بالتلفزيون! أعوذ بالله، أهذا هو حكم الإسلام؟ هل هذه الطريقة التي يحكم الإسلام بها؟! فقهاء الإسلام قالوا: الجلد يكون بسوط ليس بالطويل ولا بالقصير، وليس بالجديد ولا بالقديم، الجديد يجرح، والقديم لا يؤذي، والجلد ليس أعلى شيء ولا أخف شيء بل وسط، وإذا كان الإنسان مريضاً لا يقام عليه الحد حتى يبرأ ويشفى، وهم يطبقون الحد بهذه الطريقة حتى ينفر الناس من الإسلام، لا من أجل إقامة أحكام الشريعة الإسلامية.

    كذلك في كل البلاد الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وضع هذا النص وماذا تغير؟ لم يتغير شيء، وكلما انتفض المسلمون انتفاضة امتصوا غضبهم، في أحد البلاد قريباً وضعوا لجنة من أربعة، ثلاثة قالوا: الشريعة الإسلامية لا تنفع في هذه الأيام، وقالت الحكومة: أنا لا ذنب لي، اللجنة ما وافقت، يعني: كأن اللجنة لو وافقت سيطبقون، وما علموا أن رب العزة يريد هذا، فيجعلون رأي اللجنة مقدماً على رأي رب العزة وعلى حكمه! هذا واقع الأمر، فهذه من جملة المغالطات على المسلمين هنا وهناك.

    وفي سوريا في مطلع الخمسينات أرادوا أن يلغوا دين الدولة الإسلام من الدستور، ولولا أن الثورة قامت والناس قاموا بضجيج لما أبقوا الكلمة.

    في مصر وقف السادات وقال: أنا أعرف أن السياسة من الدين، لكن أنا أقول: لا سياسة في الدين، فلا أحد يتكلم، ويقول: الدين له دخل في السياسة! وأضله الله على علم، القضية ليست قضية عالم أو غير عالم، يا أخي لو أن شخصاً يعرف الوضوء والصلاة، هل تقول له: تعال أعلمك الوضوء حتى تصلي، هو لا يريد أن يصلي أصلاً؟! فما يجري في السودان هو من هذا القبيل.

    ما وصلنا إليه من شقاء ومصائب ومآس على أيدي هؤلاء المجرمين الأوروبيين ألا يحق للمسلم أن يحمل في قلبه دوماً حقداً وبغضاً؟ فيجب أن نكرههم ونبغضهم في الله.

    أيها الإخوة! نحن نحب الله، والذي يبغضه الله نبغضه، والذي يحبه الله نحبه، المسألة في غاية البساطة، فـأبو جهل لو قلت له: يا أخي يا حبيبي، يقول الله: كيف هو أخوك وحبيبك وأنا أبغضه؟! وإذا سببت عمر بن الخطاب ، يقول ربنا: كيف سببته وأنا أحبه؟ القضية في هذه السهولة، أفرق بين الحب والعمل، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبغض اليهود ويحسن إليهم، قال الله: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [الممتحنة:8]، وقال الله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، نحن نبغضهم ولا شك في هذا؛ لأنه لا يجتمع في قلب مسلم حب الله وحب أعداء الله، كيف يجتمع هذا؟! نحن نبغض كل كافر وكل مشرك، وإن كنا نحب لهم الخير بأن يسلموا، وفرق بين أننا نبغضهم لأنهم على الشرك كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، تلبسوا بأكبر قذارة وهو الشرك، الذي لا يمكن أن تغسله إلا نار جهنم، فنحن نبغض كل مشرك وكل كافر؛ لأن الله يبغضه، ولأنه لا يستقيم على أمر الله، لكن يمكن أن نحسن إليهم إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدين، ونحب لهم الخير والإسلام، فالتفريق بين هذه النقاط الثلاث ضروري:

    محبة المؤمن، وبغض الكافر، والكافر مع كوننا نبغضه يمكن أن نحسن إليه، ونتمنى له أن يسلم ونحب له ذلك، إذا وضحت هذه النقاط الثلاثة لا توجد مشاكل.

    فكيف أن تحب الكافر، وهم كما قال الله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:88-91]، ثم تقول لمن اتخذ للرحمن ولداً: أنت حبيبي، وأنت أخي، وأنا أخوك؟! لا يمكن هذا.

    وصف البلاد الإسلامية وبلاد الكفر

    السؤال: هل البلاد الإسلامية اليوم بلاد إسلام أو بلاد كفر؟

    الجواب: بلاد الإسلام هي التي تطبق الشريعة الإسلامية، وبلاد الكفر هي التي أهلها كفار، فالبلاد الإسلامية اليوم لا ديار إسلام ولا ديار كفر، فيها مسلمون، لكن ليس فيها تطبيق للشريعة الإسلامية؛ لأن هذه أحكام جاءت لتفصل القضايا.

    إقامة الأحكام الشرعية مقام القوانين الوضعية

    السؤال: هل هناك دستور أو قانون إسلامي ممكن أن نقارن فيه الأنظمة الوضعية؟

    الجواب: أحكام الشريعة الإسلامية مدونة عندنا في الكتاب والسنة، وعندنا اجتهادات الفقهاء، صلب القانون الإسلامي هو الأحكام الشرعية، وتكملة القانون الإسلامي في الأحكام الاجتهادية، والأحكام الشرعية المنصوص عليها بالكتاب والسنة لا اختلاف فيها.

    إقامة الحدود لا تكفي في إقامة الشريعة

    السؤال: هل تطبيق الحدود وحدها يكفي؟

    الجواب: لا، الحدود جزء من أحكام الشريعة الإسلامية، يقول العلامة المودودي رحمه الله: كيف نطبق على الناس أحكام الزنا والمرأة في الشارع عريانة، والأفلام الفاسدة منتشرة؟! لا بد أن يكون التطبيق متناسقاً، ولا بد أن الحكومة وكل الأمة تسير في اتجاهها إلى التطبيق، لا بد من منع الفساد والشرور، وقضايا الخير الموجودة في الشريعة الإسلامية التي تمنع من السرقة والزنا، لا بد أن يتناسق هذا مع هذا.

    استسلام التتار لحكم الإسلام

    السؤال: ذكر فضيلتكم أن التتار حين غزوا الدولة الإسلامية، أخذوا بالشريعة الإسلامية، والمشهور أنهم دمروا الخلافة العباسية؟

    الجواب: هم في بداية أمرهم أفسدوا وحطموا، ولم يكن هناك في تاريخ البشرية فعل كأفعال التتار، ولكن في النهاية أسلموا، وهذا معروف تاريخياً.

    حكم التحاكم إلى محاكم القوانين الوضعية

    السؤال: ماذا يفعل المسلم الذي يضيع حقه في بلد لا يحكم بغير الإسلام، فهل يحاكم خصمه في المحاكم أم يصبر؟

    الجواب: هذه من المشاكل، لكن أقول: إذا كان حكم الحاكم له بأكثر من حقه الذي تحكم به الشريعة الإسلامية لا يأخذه، بل يأخذ مقدار ما تعطيه الشريعة الإسلامية، فإذا ظلمته هذه القوانين يحتسب عند الله سبحانه وتعالى، لكن الخطورة أن يكون الإنسان قاضياً وحاكماً، أو يرضى بهذه الأحكام، لكن يضطر إلى أخذ حقه في بعض الأحيان، وإذا كان هذا الحق قليلاً وتافهاً فمن الممكن أن يبتعد عن هذه الأمور.

    مقاتلة المسلمين لليهود

    السؤال: من الذي سيحارب اليهود والصهاينة إذا لم تكن مصر وحكام مصر في الصف العربي وهي الدولة الكبرى في العالم العربي، فهل توجد أمة عربية تحرر فلسطين وغير فلسطين؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله) ، الذي سيحرر فلسطين هم عباد الله المسلمون، وهم في مصر كثير، وفي بلاد الشام كثير، وفي باكستان كثير، وهم الآن يمنعون من حرب يهود، وعندما تحين الفرصة، ويسمح للمسلمين أن يجاهدوا في فلسطين فلن تبقى يهود، فلن يحرر فلسطين أناس يرفضون التحاكم إلى شريعة الله، والتقاضي إلى القرآن الكريم، إنما تحررها السواعد المؤمنة التي ترتل آيات الله في الليل وأطراف النهار، وتقيم الحق، هذه هي الأيدي التي ستحرر فلسطين، أما الأيادي القذرة فلن تحرر فلسطين.

    حكم التعاون مع أصحاب القوانين الوضعية

    السؤال: هل يجوز التعاون مع من لا يحتكم إلى شرع الله سبحانه وتعالى؟ وما هي حدود ذلك، وكذلك الحدود الشرعية في حالة الاتحاد معهم؟

    الجواب: التعاون مختلف، وهذه كلمة مطاطة، لا يجوز التعاون في إقضاء الأحكام الشرعية وعدم تحكيم القوانين الشرعية، مع بقاء التعاون في نشر الخير في الأمة الإسلامية، وفي تعليم الإسلام كل بحسبه، فالتعاون في الخير خير، والتعاون في الشر شر.

    حكم شراء الأسهم

    السؤال: شراء الأسهم والاستفادة منها مستقبلياً ما حكمه في الشريعة الإسلامية؟

    الجواب: إذا كانت الشركات تتعامل بالحلال، فلا بأس من شراء أسهمها وفق الضوابط الشريعة، فهناك ضوابط شرعية في البيع والشراء، فيشتري الأسهم وفق هذه الضوابط الشرعية.

    وإذا كانت الشركات لا تتعامل بالأحكام الشرعية فلا يجوز بحال من الأحوال أن يتعامل المسلم معها، فالشركة القائمة على الربا مثل البنوك أو الشركات التي تقوم بتصنيع الخمر، هذه لا يجوز التعامل في أسهمها بحال من الأحوال، أما الشركات التي تتاجر في الحلال فلا بأس أن تشترى أسهمها، ولكن وفق الضوابط الشرعية.

    حكم مدرسي كليات الحقوق

    السؤال: ما حكم الذين يدرسون في كليات الحقوق؟

    الجواب: ما منعنا من دراسة الطلبة المسلمين في كليات الحقوق، ولكن ليهدموا هذه القوانين، وتكون نيتهم بالدراسة هذا، ففي أثناء الدراسة وهو يدرس هذه المواد لابد أن يتضلع من الشريعة الإسلامية والفقه والأصول بحيث يكون عالماً بدينه، ثم بعد ذلك يكون أقدر على أن يعرف مقاتل ومعايب القوانين الوضعية، وعندما يتحدث يكون أخبر من غيره بها، فلا مانع من الدراسة فيها بهذه النية إن شاء الله.

    وجوب السعي حتى يحصل النصر

    السؤال: كلما ذهب ظالم جاءنا رجل أظلم، كلما يذهب فاسد يأتي رجل أفسد، فما نفعل؟

    الجواب: لا تدري متى ينطلق الينبوع من الأرض، نحن نسعى لنجاهد، ونحن نتعامل مع رب العباد لا مع البشر، الحركة التي يتحركها الإسلام مع الله سبحانه وتعالى، كيف ومتى نصل؟ الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم متى سيصل، كان يوقن بأن النصر آتٍ، ويوقن بوعد الله سبحانه وتعالى، ولكن الله أعلم كيف ومتى.

    مراتب إنكار المنكر

    السؤال: في الحديث: (من رأى منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولكن رتبتم خطوات محاربة المنكر بعكس تسلسل الحديث؟

    الجواب: أنا لم أرتب قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنا أجبت على سؤال: كيف نحارب القوانين الوضعية؟ فأقول: القضية الأساسية للمسلم أن أقل درجة من القضايا أن يكون منكراً لهذا في قلبه، ثم إن كان يستطيع أن ينكر بلسانه ينكر، والترتيب إما تنازلي وإما تصاعدي، يعني: إما أن ترتبها من الأعلى وتنزل، أو ترتبها من الأسفل ثم تصعد بها إلى الأعلى.

    حكم الالتحاق بالمؤسسات القضائية للتغيير

    السؤال: هل يجوز الالتحاق بالمؤسسات القضائية من أجل التغيير؟

    الجواب: بعيد أن يلتحق المسلم بالمؤسسات القضائية حتى يغير، وماذا تغير؟ أصلاً الذي يقفز داخل القفص وهو مغلق عليه لا يستطيع أن يخرج منه، كيف تغير؟ وكيف تعمل للتغيير؟ لو جاءتك قضية زنا، فالقانون الوضعي يلزم القاضي أن يسأل الزاني: كم عمرك؟ فيقول: خمسة وعشرون سنة، ثم يقول للزانية: وأنت كم عمرك؟ فتقول: ثلاثة وعشرون سنة، فيقول: أنت راضية؟ فتقول: أنا راضية، فيقول: انصرفا، مع السلامة! هكذا القانون الوضعي، هل ستقول له: يا فلان! اتق الله، ربنا حرم هذا، بينما القانون الوضعي على العكس. أنت ما موقفك؟ ولو قلت: اجلدوهم، من الذي سيجلدهم؟! ولو برأتهم، كيف تبرئهم؟ القضية مشكلة، وليست بهذه السهولة التي يتصورها السائل.

    التدريج في إقامة الأحكام الشرعية

    السؤال: ما رأيكم في الاتجاه الذي يقول: نطبق الأحكام الشرعية تدريجياً فنجلد الزاني أولاً عشر جلدات وهكذا تدريجياً؟

    الجواب: لا يوجد تدرج في هذه القضايا، المهم أن يستلم المسلمون الحكم، ثم ينفذوا أحكام الإسلام، وفي حال عدم استلام المسلمين للحكم فلا تطبيق للأحكام الشرعية، أقصد أحكام القضاء التي تطبقها السلطة، أما الأحكام الشخصية فيما يتعلق بين العبد وربه فلابد للمسلم أن يلتزم بها.

    وأقول: لا تدرج في الحكم، فالحكم الشرعي لا نجعله خمس جلدات، ثم عشر جلدات، لا تدرج في هذا، لكن أقول: الآن تطبيق هؤلاء الحكام لبعض الأحكام الشرعية بهذه الصور مصيبة من المصائب، وتناقض، يعني: هذا إفساد للأحكام الشرعية.

    أثر محمد عبده في الترويج للحضارة الغربية

    السؤال: هل هناك من دور لـمحمد عبده في ترويج أفكار الحضارة الغربية والمساعدة على إيجاد قبول لدى المسلمين لهذه الأفكار؟

    الجواب: الحقيقة أن ما يعرف الآن بعملية التجديد في الفقه الإسلامي عند بعض المستغربين هي أثر من الآثار التي فعلها محمد عبده ومن قبله، وهذه العملية ما زالت تتسع إلى الآن، وليس معنى ذلك كما يقول بعض الناس: إن محمد عبده كان خائناً، فأنا لا أظن به هذا الظن، ولكنه تأثر وفتح ثغرة بانفتاحه على المنهج الغربي، وهذه ما زالت إلى الآن تتسع وتتسع وتتسع حتى وصلت عند بعض الذين يدعون إلى الإسلام إلى درجة أنه يحاول أن يصور الإسلام بغير الصورة التي هو عليها.

    نوع الشريعة التي يطبقها حكام إيران الشيعة

    السؤال: هل نستطيع أن نسمي إيران أقرب دولة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي؟

    الجواب: لا، الصورة غير واضحة عند حكام إيران في تطبيق الشريعة الإسلامية، لأن التطبيق ينبني على الفهم، فهم يؤمنون بالقرآن لكن ما هو تفسير القرآن عندهم؟ نحن تفسير القرآن الأساسي عندنا هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، المشكلة الآن أن الشيعة في إيران ما عندهم تطبيق للقرآن، نحن عندنا حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، والدولة الأموية فيها ممارسات عبر تاريخ طويل في تطبيق الأحكام الشرعية، وهم يتنكرون لكل هذا التاريخ، ما عندهم تاريخ طبقت فيه الشريعة الإسلامية إلا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فالصورة عندهم غير واضحة في كيفية تطبيقه؛ لأنهم يرفضون النصوص والوثائق العلمية التي تبين كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم طبق الشريعة، وكل كتب السنة لا يقبلونها!!

    وبعد ذلك يؤمنون بفترة وجيزة من حياة علي بن أبي طالب من سنة 35هـ إلى 40 هجرية، ويؤمنون أن هذه الفترة طبق فيها الإسلام، وغير ذلك لا.

    أما نحن فالصورة واضحة عندنا، يعني: كل قضية من قضايا الحكم فيها عشرات المؤلفات، ولنا فيها تجربة طويلة، ليست قليلة، عندما نعود إلى الحكم الإسلامي، عندنا الدستور المالي للدولة الإسلامية في مؤلفات، أو القانون التجاري للدولة الإسلامية في مؤلفات، في كل مجال من المجالات عندنا مؤلفات كثيرة وعندنا تجارب كثيرة، لكن الشيعي يقول: أنا لا أؤمن بكتب السنة، ولا يوجد وقت طبقت فيه الأحكام الشريعة إلا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد علي بن أبي طالب ، وبقية العصور لا يعتبرونها ولا يستفيدون منها.

    وصلاة الجمعة عندهم صلاة غريبة جداً، صلاة يتعجب الإنسان منها، صورة غريبة من أغرب ما يراه الإنسان، ما عندهم الطريقة العملية المنهجية التي نسميها السنة، فالسنة هي الطريقة، سنة الرسول صلى الله عليه وسلم طريقته في تنفيذ الأحكام، الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها عن الله، كان جبريل يتوضأ أمام الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة بشر، والرسول يتوضأ مثله، يصلي ويصلي مثله، أشياء عملية يأخذها عن جبريل، فإذا رفض الإنسان كل هذه النصوص من السنة، يصبح فقهه للقرآن ضعيفاً.

    على ما هناك من انحرافات في العقيدة والتوجهات، كل هذه تجعلهم غير مؤهلين، ولذلك الآن حتى كثير من الإيرانيين يقول: نحن ما كنا نعلم أن الإسلام بهذا الشكل، كثير من المسلمين الآن يتنكر ويقول لك: إذا كان هذا الإسلام فلا نريده، كما يحدث في الباكستان أقرب دولة من الشيعة؛ لكن هذه الصورة السيئة في التطبيق تكره ملايين الناس من الباكستانيين أنفسهم بالإسلام.

    كذلك بالنسبة لما يجري في إيران نفس القضية، الآن في مصر يقال للإنسان العادي: هل تكره الشيوعية؟ فيقول: أعوذ بالله من الشيوعية والاشتراكية، الأمريكان والبريطانيون مهما كانوا فهم أحسن منهم مليون مرة، لم؟ لأن الشيوعيين الروس جاءوا إلى مصر، وطبقت الشيوعية على ما فيها من سخافة تطبيقاً سيئاً، وهي ممسوخة مثل القوانين، ثم مسخت أكثر من ذلك عندما طبقت في بلد فأصبح المصري العامي الذي كان لا يعرف ما هي الشيوعية يقول: روس أعوذ بالله، لا يمكن.

    أنا مرة زرت الأهرام فكان معنا الدليل، فقلت له: هل رأيت الروس؟ قال: الروس لا يعطونا فلساً؛ لكن الأمريكان والبريطانيين يدفعون بسخاء، هذا على مستوى الإنسان العادي، وما كان هؤلاء الحكام في مصر خارجين عن إرادة أمريكا لكن يعرفون أن النتيجة في النهاية ستصب في بركة غيرهم.

    كذلك نفس القضية، عندما يطبق الإسلام تطبيقاً سيئاً يتضرر به المسلمون أصحاب الحركة النظيفة تضرراً كبيراً جداً.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331836

    عدد مرات الحفظ

    711490832