إسلام ويب

المنافقونللشيخ : خالد الراشد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • منذ بزغ الإسلام بنوره والمنافقون يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس لإطفاء نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وما أصاب الأمة من نكبات وهزائم إلا بجهود أولئك المنافقون، فخطرهم على الأمة عظيم؛ لأنهم يعيشون بيننا ويتكلمون بألسنتنا، ولشدة خطرهم أنزل الله سورة فضحت مكائدهم وبينت أخلاقهم، وأوضحت سماتهم، والمنافقون موجودون في كل زمان ومكان، وإن اختلفت الوسائل والأساليب، ورغم ما يبذلونه من مخططات للإطاحة بالإسلام إلا أن المستقبل لهذا الدين والعاقبة للمتقين.

    1.   

    المعتصم يلبي صوت المفجوعة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عباد الله! منذ قرون مضت هاجم الرومان إحدى بلدان المسلمين، فانتهكوا الأعراض، وسبوا الديار، ودنسوا المقدسات، لكن امرأة واحدة رأت بارقةَ أمل في أحد قادة المسلمين، فرفعت صوتها وصرخت: وامعتصماه! فصاح المعتصم لصيحتها: لبيك أختاه، لبيك أختاه!

    فأعدَّ العُدَّة وجهز الجيوش لنصرتها، وحين حاول المنجمون الجبناء أن يثنوه عن عزمه ضرب بكلامهم عرض الحائط، وخرج بنفسه على رأس جيوشه حتى وصل إلى عمورية، فأحرقها ولقن الرومان درساً لن ينسوه، وكسر شوكتهم، وأدب جيوشهم، فسطر التاريخ له ذلك، وتسابقت أبيات الشعر تصف ذلك الموقف العظيم.

    السيف أصدق إنباءً من الكتب

    في حده الحد بين الجد واللعب

    أين الرواية بل أين النجوم وما

    صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذب

    وخوفوا الناس من دهياء مظلمة

    إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب

    1.   

    حال الأمة اليوم

    ثم دار الزمان دورته، وتركت الأمة أسباب عزها وقوتها، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) صححه الألباني رحمه الله.

    فيا ألله ماذا أصابنا؟! وماذا جرى لأمتنا؟! هاهي أعراضنا تنتهك، ومقدساتنا تدنس باسم السلام والشرعية الدولية! والأعجب من هذا أن ترى كثيراً من أفراد هذه الأمة عاكفين على اللهو والعبث، فهذه بطولات للكرة يتابعونها، وهذه حفلات غنائية يقيمونها!

    يا ألله! كيف يستطيع صاحب الطعام أن يتلذذ بطعامه؟! وكيف يستطيع صاحب الصبيان أن يمازح ويدلل صبيانه؟!

    يا ألله! كيف يهدأ لنا بال ويقر لنا قرار، ونحن نرى الأطفال في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير وأفغانستان وهم يُقتَّلون في أحضان أمهاتهم؟! ما ذنبهم؟! وما هي جريمتهم؟! والعالم الحيران يرى ويسمع ولا يجيب!

    يا ألله! كم انتهكت من الأعراض هنا وهناك! وكم ارتفعت أصوات المسلمات: وامعتصماه وامعتصماه! ولكن لا مجيب ولا مواتي! ماذا جرى لأمتي حتى ترضى بالهوان؟!

    أمتي هل لك بين الأمم

    منبر للسيف أو للقلم

    أتلقَّاك وطرفي مطرقٌ

    خجلاً من أمسك المنصرم

    ويكاد الدمع يهمي عاتباً

    لبقايا كبرياء الألم

    ألإسرائيل تعلو راية

    في حمى المهد وظل الحرم

    أو ما كنت إذا البغي اعتدى

    موجة من لهب أو من دم

    اسمعي نوح الحزانى واطربي

    وانظري دمع اليتامى وابسمي

    رب وامعتصماه انطلقت

    ملءَ أفواه الصبايا اليتَّم

    لامست أسماعهم لكنها

    لم تلامس نخوة المعتصم

    إن ما تعانيه أمتنا ليس بسبب قوة أعدائها، فلقد قهرت أمتنا أقوى وأعتى الأعداء وهي أقل عدة وعتاداً.

    1.   

    خطر المنافقين

    عباد الله! منذ بداية ظهور قوة الإسلام وعزة أهله، بدأ الأعداء يخططون ويدبرون، وبدأت التكتلات تظهر ضد الإسلام وأهله، وأبرز هذه التكتلات وأخطرها النفاق والمنافقين.

    خطر المنافقين أشد من خطر الكافرين

    إن خطر المنافقين أشد من خطر الكفار والمشركين، ولقد حذر الله منهم فبين أنهم هم الأعداء الحقيقيون، فالعدو الذي يُظهر عداوته أهون بكثير من المنافقين الذين قال الله عنهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].

    ولشدة خطورتهم وعدائهم كان موقعهم في أشدِّ مواقع النار عقوبة وعذاباً، قال الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، فوظيفة المنافقين الدسُّ والوقيعة بين المسلمين، وفتنة ضعفاء الإيمان، ومن أعظم وظائفهم: التعرف على مصادر قوة المسلمين لاستخدامها ضد المسلمين.

    ولخطورة النفاق والمنافقين فلا تكاد تخلو سورة مدنية من ذكر المنافقين تلميحاً أو تصريحاً.

    وقد خصهم الله بسورة تتكلم عن أخلاقهم وأكاذيبهم، ففضحت السورة دسائسهم ومناوراتهم، وأظهرت ما في قلوبهم من بغض وكيد للإسلام والمسلمين.

    ثم حذر الله في آخر السورة المؤمنين من الاتصاف بصفاتهم ولو من بعيد، ومن أعظمها الغفلة عن ذكر الله وعن الاشتغال بأوامره بالأموال والأولاد، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].

    وجود النفاق في كل زمان

    عباد الله! إن النفاق الذي بدأ بدخول الإسلام المدينة، واستمر إلى وفاته صلى الله عليه وسلم لم ينقطع في أي وقت من الأوقات، وإن تغيرت مظاهره ووسائله من حين إلى حين.

    وتأمل في إعلام النفاق الذي تسلط على الأمة اليوم، ففي حين تعبث مروحيات اليهود وطائراتهم في سماء فلسطين وتقصف الآمنين، ترى أن دور قنواتنا التي ملأت فضاءنا تخدر الأمة بالرقصات الغنائية الفاضحة، والمسابقات الفنية والكروية من آسيا إلى أوروبا إلى بطولات كأس العالم!

    وهاهم أبطال طاش ينتهكون حرمة المقابر، فلم يسلم من سخريتهم واستهزائهم حتى الأموات، ومهما كان هدفهم فالمقابر ليست مكاناً للتمثيل والتصوير، لكن الله المستعان!

    عباد الله! إن خطر المنافقين عظيم، وأي خطر أعظم من أن تظن أنه معك فإذا هو يحاربك، ويخطط ضدك بالليل والنهار!

    1.   

    أبرز صفات المنافقين

    لقد شن القرآن عليهم حملة قوية لفضحهم وبيان ما يقومون به داخل الصف المسلم لتضعيفه وتشتيته، وأنا لن أتوسع في ذكر صفاتهم، لكن سأقف مع آيات في سورة النساء ذكرت صفاتاً هي من أخطر صفاتهم، فاسمع بارك الله فيك، وقس هذا على واقعنا اليوم.

    موالاة الكافرين

    من أعظم صفاتهم: موالاة الكافرين، قال الله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:138]، من هم؟ أجاب القرآن: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139].

    فالمنافقون مرضى نفوس، وقد اغتروا بقوة الكافر وسيطرته وظهوره في وقت من الأوقات، وما علموا أن العزة لله رب العالمين، وقد فضحهم الله فقال: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52].

    وقد أرعبتهم طائرات أمريكا ودباباتها، وهاهم أبطال الفلوجة يسومون أمريكا وجنودها سوء العذاب، وهاهم أبطال الحجارة يلقنون يهود الدروس يوماً بعد يوم.

    الكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى

    ومن صفاتهم: الكفر والاستهزاء بآيات الله كما قال الله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140].

    ومن عباراتهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أكبر بطوناً، وأجبن عند اللقاء، ثم يعتذرون قائلين: حديث ركب، ونقطع الطريق بالضحك والاستهزاء بالمؤمنين!

    قال الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] فالعذر غير مقبول، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66].

    وفي كل يوم تطالعنا الصحف والجرائد والمجلات بأصحاب تلك الأقلام التي تهزأ بالدين وأهله، فإن لم يكن فعلهم وكتاباتهم ردة عن الإسلام فماذا تكون؟ وها هو مسلسلهم طاش الذي يفسد صيام الصائمين يتعرض للمجتمع كله بالسخرية والاستهزاء.

    ومن العجب أن هيئة كبار العلماء أفتت بحرمة هذا المسلسل، وحرمة مشاهدته، ولا يزال يعرض علينا في كل رمضان، فالله المستعان!

    فالاستماع والجلوس في مجالس السخرية والاستهزاء ضعف وهزيمة، فأين الحب لله ولآياته، وأين الدفاع عن الدين وأهل الدين؟

    الشماتة بالإسلام وأهله

    ومن صفاتهم: تحيُّن الفرص للشماتة بالإسلام وأهله، قال الله: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141].

    ولما رجعوا من أحد قال كبيرهم ابن سلول : نصحته -يعني: نصحت النبي صلى الله عليه وسلم -فلم يسمعني وسمع كلام الأطفال.

    واليوم يقول قائلهم: ليس للعرب ولا للمسلمين خيار إلا التوسل بأمريكا، قلت: توسَّل بها أنت ومن هم على شاكلتك، وأما أهل التوحيد فلا يدعون إلا الله، ولا يتوسلون إلا بأسمائه وصفاته، وبأعمالهم الصالحة، وبدعاء الصالحين الأحياء.

    فعجيب أمر المنافقين! إذا انتصر الإسلام جاءوا يقولون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1]، وإذا انتصر الباطل جاءوا إلى أهله قائلين: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:14-15].

    وقد يخرجون للقتال، ولكن الهدف من الخروج إدخال الضعف والفرقة لا النصر والتمكين، كما قال الله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة:47] والمصيبة: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47].

    لكن الله يطمئن المؤمنين بأن أولئك لن ينتصروا، وأن الغلبة للمؤمنين، قال الله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141].

    المكر والخداع

    ومن صفاتهم: ظنهم أنهم سيخدعون الله، كما قال الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، إنها والله غفلة عظيمة حين يظنون أنهم سيخدعون الله، وهو يعلم السر وأخفى، والله خادعهم، أي: مستدرجهم وتاركهم في غيِّهم حتى يسقطوا دون أن يُنزل عليهم قارعة؛ استدراجاً منه تبارك وتعالى، فالقوارع والمحن رحمةٌ حين تصيب العباد فتردهم عن الخطأ، والنعمة والعافية استدراج حتى ينتهوا إلى شر مصير، قال سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، قال الله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].

    الكسل والتراخي عن العبادات

    ومن صفاتهم التي ابتلينا بها اليوم: الكسل والنوم عن الطاعات، كما قال الله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة وشوق إلى لقاء الله، والوقوف بين يديه، والاتصال به والاستمداد منه.

    وتأمل في قوله صلى الله عليه وسلم: (أرحنا بها يا بلال!)، وقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وكان صلى الله عليه وسلم (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).

    وأخبرنا بأبي هو وأمي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل قلبه معلق في المساجد).

    وقال عدي بن حاتم : ما جاء وقت صلاة إلا وأنا إليها بالأشواق، وما دخل وقت صلاة إلا وأنا لها مستعد. فهذا حال المؤمنين الصادقين.

    وأما حال المنافقين فلا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، يؤذن المؤذن فلا يتحرك، ويسمع الإقامة فلا يتحرك، وفي آخر الركعات قد ينطلق مرآةً للناس وسمعة!

    وتراهم نشيطين في طلب دنياهم، كسالى في فعل الطاعات، وكم مرة يسمعون الصلاة: (خير من النوم) وهم في غيهم يعمهون، ثم إذا نادى منادي الدنيا قاموا إليها مسارعين.

    عدم ذكر الله إلا قليلاً

    ومن صفاتهم: أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، فهم لا يذكرون الله ولكن يذكرون الناس، وهم لا يتوجهون إلى الله وإنما يتوجهون إلى الناس.

    التذبذب

    ومن صفاتهم قول الله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143]، فشخصياتهم ضعيفة مهتزة غير ثابتة، فإن مالت الريح يميناً مالوا معها، والعكس بالعكس، وبسبب هذه المواقف المهتزة حقت عليهم كلمة الله، واستحقوا ألا يعينهم الله على الهداية، ولن يستطيع أحد أن يهديهم سبيلاً، قال سبحانه: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88].

    ثم يحذرنا الله من سلوك طريقهم والاتصاف بصفاتهم، ويحذرنا من موالاتهم ومحبتهم، ومن يفعل ذلك فقد عرَّض نفسه لعذاب الله وانتقامه، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144].

    1.   

    مصير المنافقين في الآخرة

    بيَّن الله مآل المنافقين ومصيرهم فقال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] فهم في الدرك الأسفل من النار بلا أعوان ولا أنصار؛ لأنهم كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

    فهذه بعض صفاتهم وأخبارهم، وفي القرآن والسنة من أخبارهم الكثير الكثير، ومن أخطرها أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويسعون في الأرض فساداً، ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقاتلهم الله أنى يؤفكون!

    اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ظهور الحق وفضح النفاق

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.

    أما بعد:

    عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، اتقوا الله عباد الله، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].

    عباد الله! سينتصر الحق، وسيهزم الباطل، وسيظهر المنافقون على حقيقتهم، لقد فضحهم الله سابقاً وسيفضحهم لاحقاً.

    لقد جلس أحد المنافقين في مجلس يضم أشباهه من المنافقين وهو جلاس بن سويد بن حبيب ، فقال لجلسائه: لئن كان هذا الرجل صادقاً -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- لنحن شر من الحمير -يعني الحمر الوحشية-، فسمع هذه المقولة ربيبه الغلام المؤمن الصغير عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يداً، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه، ولكنك قلت مقالة لئن قلتها وأخبرت عنك فضحتك، ولئن سكتُّ ليهلكنَّ ديني، والأولى أيسر عندي، فديني أغلى من روحي، ثم مشى الغلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قاله جلاس ؛ إذ لابد من فضح المنافقين وبيان حقيقتهم، فحلف المنافق بالله كاذباً بأن عميراً قد كذب عليه وأنه لم يقل ما قال! فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم يمينه اتقاء للفتنة، فاحتار الغلام في أمره، فجاءه العون من السماء، نزل القرآن يؤيّد عميراً ويثبّته ويفضح المنافق ويكفِّره، قال الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:73-74].

    ومع عظم جرمهم وقبيح فعلهم، فقد فتح الله لهم الباب ليعودوا، فقال سبحانه: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة:74].

    ولقد روي أن جلاساً هذا قد تاب وحسنت توبته، حتى عرف منه الخير والإسلام، فهذه دعوة للمنافقين أن يتوبوا ويرجعوا.

    1.   

    العاقبة للمتقين

    عباد الله! رغم الأحداث الدامية، والمآسي المبكية هنا وهناك، إلا أننا على ثقة ويقين أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فمن هديه صلى الله عليه وسلم التفاؤل في أشد الأوقات وأحلك الظروف، ونحن على دربه سائرون.

    متفائل واليأس بالمرصاد

    متفائل بالسبق دون جياد

    متفائل رغم القيود يذيقنا

    جمر السياط وزجرة الجلاد

    متفائل بالغيث يسقي روضنا

    وسماؤنا شمس وصحو بادي

    متفائل بالزرع يخرج شطأه

    رغم الجراد كمنجل الحصاد

    متفائل يا قوم رغم دموعكم

    إن السما تبكي فيحيا الوادي

    والبحر يبقى خيره أتضرُّه

    ياقومنا سنَّارة الصياد

    قسماً بمن أسرى بخير عباده

    وقضى بدائرة الفناء لعاد

    لتدورُ دائرة الزمان عليهمُ

    ويكون حقاً ما حكاه الهادي

    هذا يقيني وهو لي بلُّ الصدىوالكأس غامرة لغلة صادي

    فاجعل يقينك بالإله حقيقةً

    واصنع بكفِّك صارماً لسداد

    وإذا قطعت الرأس من حياتهم لا تنس أذناباً بكل بلاد

    اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك الموحدين.

    اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصرهم في العراق والشيشان وكشمير وأفغانستان، اللهم كن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، وصن أعراضهم، واحقن دماءهم، وفك أسرانا وأسراهم يا رب العالمين!

    اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة دينك، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، وكن لهم عوناً وظهيراً، ومؤيداً ونصيراً، وسدد رأيهم ورميهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الفواحش والمنكرات، اللهم ادفع عنا الغلاء والربا والزنا والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين!

    اللهم قيِّظ لأمتنا قادةً مصلحين، وعلماء ربانيين، ودعاة مخلصين يا رب العالمين!

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا رب العالمين!

    اللهم افضح المنافقين وفعلهم، اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا عليم يا خبير!

    اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اهزم أمريكا وأعوانها، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم سلِّط عليهم جندك يا رب العالمين! اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين أذلة صاغرين.

    اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، والشيوعيين ومن شايعهم.

    اللهم عليك بأعداء الملة والدين إنهم لا يخفون عليك ولا يعجزونك يا عليم يا خبير يا قوي يا عزيز!

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.