إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [162]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الليل مثنى مثنى حتى إذا قرب خشي طلوع الفجر صلى ركعة توتر له ما قد صلى، وأرشد إلى رفع الصوت بقدر معين يسمعه من في الحجرة، وإذا كان العبد يصلي في المسجد فلا يرفع صوته إذا كان يحصل به أذية للآخرين، وأما إذا لم يؤذ أحداً وهناك من يستمع له ويستفيد من قراءته فلا بأس برفع الصوت.

    1.   

    صلاة الليل مثنى مثنى

    شرح حديث (صلاة الليل مثنى مثنى...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صلاة الليل مثنى مثنى.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: باب صلاة الليل مثنى مثنى، يعني: أنها تؤدى ركعتين ركعتين، وهذا هو الأفضل والأولى؛ لأنه هو الذي ثبت من فعله وقوله صلى الله عليه وسلم، أما قوله فهو هذا: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر له ما قد صلى)، وأما فعله فقد ثبت عن ابن عباس أنه لما صلى صلى الله عليه وسلم عند خالته ميمونة أنه يسلم من كل ركعتين حتى صلى عشر ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم أوتر بواحدة صلى الله عليه وسلم.

    فالفصل في صلاة الليل ركعتين ركعتين ثابت من قوله وفعله، وأما الوصل فهو ثابت من فعله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عائشة (كان يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً) فهذا يدل على الوصل، ولكن الفصل أولى من الوصل، لأنه كما عرفنا ثابت من قوله وفعله، وهذا ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم فقط، وقد مر بنا صلاة النهار أنها تكون مثنى مثنى كما جاء في حديث: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وأنه يجوز أن تصلى أربعاً يعني: موصولة بدون فصل، كما دلت على ذلك بعض الأحاديث، ولكن الفصل أولى من الوصل في صلاة الليل وفي صلاة النهار.

    قوله: [ (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة) ].

    يعني: معناه: أنه يصلي ركعتين ركعتين، وهذا يدلنا على أن صلاة الليل الأمر فيها واسع، وأنه لا يلزم التقيد بعشر ركعات، أو إحدى عشر ركعة كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن فعل الرسول هو الأولى والأفضل، ولكن الزيادة على ذلك جائزة وسائغة لهذا الحديث: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى).

    فهذا يدل على أن الأمر فيها واسع، وأن الإنسان له أن يزيد على إحدى عشرة ركعة، وأنه إذا استمر في ركعتين ركعتين وخشي طلوع الفجر فإنه يأتي بركعة قبل أن يطلع الفجر توتر له ما قد صلى، يعني: الأشفاع التي قبلها تكون وتراً بهذه الركعة.

    تراجم رجال إسناد حديث (صلاة الليل مثنى مثنى...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك ].

    القعنبي ومالك مر ذكرهما.

    [ عن نافع ].

    نافع ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ وعبد الله بن دينار ].

    عبد الله بن دينار ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل

    شرح حديث (كانت قراءة النبي على قدر ما يسمعه من في الحجرة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل.

    حدثنا محمد بن جعفر الوركاني حدثنا ابن أبي الزناد عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني: باب رفع الصوت في القراءة في صلاة الليل، هذا الباب يتعلق برفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، إذا كان هناك أحد يستفيد من القراءة، أو يستمع إلى القراءة، أو أنه ليس هناك أحد يتأذى بالقراءة فإنه يرفع الصوت.

    وأما إذا كان هناك أحد يتأذى بالقراءة فإنه يخفض الصوت، معنى هذا: أن الجهر حيث لا يكون هناك ضرر وأذى وأن هناك منفعة، والخفض حيث يكون هناك الضرر كمن يكون نائماً، ورفع الصوت يقلقله يعني: يمنعه من النوم، أو غير ذلك من الأمور التي يحصل برفع الصوت فيها شيء من الأذى، فإن فيه التفصيل الذي أشرت إليه.

    وقد أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت، قيل: إن الحجرة أخص من البيت، وأن البيت أعم، وأن البيت يشمل الحجرة وغير الحجرة إذا كان البيت له رده أو له فضاء، فكل ما تحيط به الجدران يقال له: بيت، وتكون الحجر في الداخل فهذا فيه أن قراءته ليست مرتفعة جداً، بمعنى: أنها على قدر من يكون في الحجرة وهو في البيت، أي: في المكان المتصل به سواء كان مغطىً أو مكشوفاً، فتكون على هذا المقدار، يعني: أنه لا يرفع الصوت بها كثيراً، ولا يخفض كثيراً، وإنما يكون على قدر المصلحة والحاجة، ودفع المضرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (كانت قراءة النبي على قدر ما يسمعه من في الحجرة...)

    [ حدثنا محمد بن جعفر الوركاني ].

    محمد بن جعفر الوركاني ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن أبي الزناد ].

    عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان ، أبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان ، وأبو الزناد لقب وليس بكنية، اشتهر به عبد الله بن ذكوان ، وكنيته أبو عبد الرحمن يكنى بابنه هذا الذي معنا في الإسناد ابن أبي الزناد ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ].

    عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    عكرمة مولى ابن عباس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (كانت قراءة النبي بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بكار بن الريان حدثنا عبد الله بن المبارك عن عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً) قال أبو داود : أبو خالد الوالبي : اسمه هرمز ].

    وهذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه يفيد أن قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم بالليل لها أحوال، فأحياناً يرفع الصوت، وأحياناً يخفض، وهذا على حسب المصلحة والحاجة، حيث تكون المصلحة في الرفع رفع، وحيث تكون المصلحة في الخفض خفض صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (كانت قراءة النبي بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً)

    قوله: [ حدثنا محمد بن بكار بن الريان ].

    محمد بن بكار بن الريان ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا عبد الله بن المبارك المروزي ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمران بن زائدة ].

    عمران بن زائدة ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبي خالد الوالبي ].

    أبو خالد الوالبي واسمه: هرمز ، وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (أن النبي خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يخفض من صوته...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ح وحدثنا الحسن بن الصباح حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فإذا هو بـأبي بكر رضي الله عنه يصلي يخفض من صوته، قال: ومر بـعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته قال: فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا بكر ! مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله! قال: وقال لـعمر : مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك قال: فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان -زاد الحسن في حديثه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! ارفع من صوتك شيئاً وقال لـعمر : اخفض من صوتك شيئاً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بـأبي بكر وهو يقرأ خافضاً صوته، ومر بـعمر وهو يقرأ رافعاً صوته، فقال لكل منهما بعد ذلك: مررت بك وأنت تخفض صوتك، فقال أبو بكر : قد أسمعت من ناجيت، وهو الله يعني: الله سبحانه وتعالى يسمع قراءته وهو يصلي، وقراءته يسمعها من يناجيه وهو الله سبحانه وتعالى، وقال لـعمر : (مررت بك وأنت رافعاً صوتك) فقال: أوقظ الوسنان، يعني: النائم، وأطرد الشيطان، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر بأن يرفع من صوته، وأمر عمر بأن يخفض من صوته فيكون متوسطاً يعني: بين الرفع الشديد، وبين الخفض الشديد، وإنما بالتوسط بين هذا وهذا.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يخفض من صوته...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت البناني ].

    ثابت بن أسلم البناني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مرسل، ثم بعد ذلك الطريقة الثانية متصلة.

    [ ح وحدثنا الحسن بن الصباح ].

    الحسن بن الصباح وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى بن إسحاق ].

    يحيى بن إسحاق ، وهو صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح ].

    حماد بن سلمة مر ذكره، وثابت البناني مر ذكره.

    وعبد الله بن رباح هو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي قتادة ].

    أبو قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، صحابي جليل، وحديثه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    خصوصية الجهر بصلاة الليل

    وهذا خاص بصلاة الليل أنه يجهر فيها، وأما صلاة النهار فهي سرية، ما يجهر فيها بالقراءة، وإن أسمع نفسه فلا بأس، كونه يسمع نفسه ما فيه بأس، وهذا هو الذي يحصل منه الإنسان أنه يسمع نفسه، يعني: ما يكون الصوت يذهب بعيداً، وإنما كونه يسمع نفسه هذا هو الإسرار.

    والمخافتة هي: مثل صلاة الظهر والعصر، كل الصلوات النهارية تكون سرية، لا جهر فيها، وصلاة الليل هي الجهرية، سواء كانت فرضاً أو نفلاً.

    شرح حديث (أن النبي خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يخفض من صوته...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو حصين بن يحيى الرازي حدثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة لم يذكر فقال لـأبي بكر : ارفع من صوتك شيئاً ولـعمر : اخفض شيئاً، زاد: وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة قال: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم قد أصاب ].

    أورد أبو داود طريقاً أخرى وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لـعمر ولا لـأبي بكر مثل ما قال في الطريقة السابقة: ارفع واخفض، وفيها زيادة أن بلالاً : كان يقرأ من سورة ومن سورة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كلام طيب يجمع الله بعضه إلى بعض.

    يعني: وإن كانت آيات من سورتين أو ليس من سورة، فكل ذلك سائغ وجائز، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: كلكم مصيب، يعني: فعل أبي بكر وعمر وبلال ، يعني: ذاك في كونه يخفض صوته، وهذا في كونه يرفع صوته، وهذا في كونه يقرأ من سورة ومن سورة، آيات من سورة وآيات من سورة في ركعة واحدة، وليس معنى ذلك أنه يقطع الكلام في الركعة الواحدة يعني: يقفز من آية إلى آية مثلاً في السورة الواحدة، ولكن هذا فيما يظهر باعتبار الركعات، حيث أنه يقرأ آيات من سورة في ركعات، ثم آيات من سورة في ركعة.

    ولا بأس بذلك إذا كان الإنسان هذا حفظه، وهو يعني يقرأ من حفظه، ولا يتأتى ذلك إلا بأن يجمع، بأن ينتقل من سورة إلى سورة إذا كان ما يحفظها كلها، وإنما يحفظ بعضها، فلا بأس ذلك.

    وأما التكرار فلا يصلح على الإطلاق، كون الإنسان يكرر آيات معينة إذا كان ما عنده إلا هذه الآيات وهذا الحفظ فيمكن، ولكن كونه عنده شيء من القرآن يحفظه، فيقرأ بدون تكرار.

    وإن كان التكرار قد جاء كما سبق أن مر بنا في سورة: إِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة:1] كونه إذا قرئت في الركعتين في الفجر.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يخفض من صوته...) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا أبو حصين بن يحيى الرازي ].

    أبو حصين بن يحيى الرازي قيل: اسمه عبد الله ، ثقة أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا أسباط بن محمد ].

    أسباط بن محمد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب.

    [ عن محمد بن عمرو ].

    محمد بن عمرو بن علقة بن وقاص الليثي ، صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    شرح حديث (يرحم الله فلاناً كأيٍ من آية أذكرنيها الليلة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن، فلما أصبح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله فلاناً كأي من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها).

    قال أبو داود : رواه هارون النحوي عن حماد بن سلمة في سورة آل عمران في الحروف: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ [آل عمران:146] ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قارئاً يقرأ من الليل، فقال: يرحم الله فلاناً يعني: ذلك القارئ، لقد أذكرني آية كنت أسقطتها، يعني: نسيتها، كانت ذهبت عنه نسياناً، فلما قرأها تنبه لها وتذكرها صلى الله عليه وسلم، وقال: (كأي من آية أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها).

    وكونها من آل عمران ليس فيها: كأي من آية وهي: َكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ لكن التي هي كأيٍ من آية هي في سورة يوسف، وأما سورة آل عمران وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ فإذا كان المقصود بها جزء من آية، فهذه في يوسف، وأما إن كان المقصود: وكأيٍ من آية أذكرنيها، يعني: ليست مجرورة بمن، هذا يناسب ويصلح مع ما جاء من التفسير، من أنها في بعض الروايات من سورة آل عمران، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ويكون قوله: (وكأيٍ من) هي المقصورة ولا تدخل في الجملة كلمة (آية).

    وكأي بمعنى: كثير، ولكن المقصود هنا الإشارة إلى الآية التي حصل إسقاطها، وهي هذه الآية في سورة آل عمران، هذه التي تجاوزها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما سمع القارئ تذكرها، لكن قوله: (كأي من آية) جملة واحدة فهذه ليست في آل عمران، وإنما هي آية في سورة يوسف، وإنما يستقيم المعنى إذا كان المقصود بالآية الإشارة إلى الآية التي نسيت، وكلمة (آية) إشارة إلى التي نسيت وتذكرها، يستقيم الكلام بهذا على أنها: وكأي من نبي، من سورة آل عمران: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ وليس المقصود بكلمة: (آية) بها: أنها جزء من الآية؛ لأنه لا يستقيم، لأن أول سورة آل عمران ليس فيها وكأي من آية، وإنما هذه في سورة يوسف، فلعل المقصود (وكأي من) هذه إشارة للآية التي نسيت، ثم قال: آية كنت أسقطتها، أي: أنه نسيها صلى الله عليه وسلم.

    وهذا من فوائد رفع الصوت بالقراءة، يعني: حيث يستمع لقراءته، ويستفاد من قراءته يرفع صوته.

    وأما إذا كان يتضرر بقراءته فإنه لا يجهر.

    لو أتينا بمعناها اللغوي هنا، كأي يعني: كثير من الآيات أذكرنيها فلان، والدليل على ذلك رواية مسلم : (سمع رجلاً يقرأ من الليل، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد أسقطتها من سورة كذا وكذا).

    فهذا هو الجواب الصحيح ما دام أنه في صحيح مسلم هذا الشيء، يعني: معناه: أن فيه عدة آيات، وعلى هذا يكون (وكأي من آية)، معناه: آيات، لكن الآن هو أشار في الرواية الثانية إلى أنها آية من آل عمران.

    [ قال أبو داود : روى هارون النحوي عن حماد بن سلمة في سورة آل عمران، في الحروف: َكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ].

    يعني: معناه: كأن هذه هي التي نسيت.

    تراجم رجال إسناد حديث (يرحم الله فلاناً كأيٍ من آية أذكرنيها الليلة...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن هشام بن عروة ].

    موسى بن إسماعيل وحماد مر ذكرهما وهشام بن عروة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة ].

    عروة بن الزبير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فوائد متفرقة من حديث (يرحم الله فلاناً كأيٍ من آية أذكرنيها الليلة...)

    وفيه الدعاء إلى من حصل منه إحسان إلى غيره، يعني: الإنسان إذا أحسن إليه أحد فإنه يدعو له؛ لأنه قال: (يرحم الله فلاناً) وأيضاً ما كان يقصده، ولا يدري أنه كان يستمع له، فاستفاد من قراءته ودعا له، هذا فيه دليل على أن من استفاد من أحد شيئاً يدعو له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهذا الرجل الذي أذكره ذلك الذي نسيه صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يفيدنا أن القرآن العظيم يحتاج إلى عناية وتعاهد، إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله حصل منه في مرة من المرات أو في بعض الأحوال أنه نسي شيئاً من الآيات، فمعنى هذا أن التعاهد والعناية أمر لا بد منه.

    [ قال أبو داود : رواه هارون النحوي عن حماد بن سلمة ].

    هارون النحوي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجة .

    شرح حديث (.. ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن إسماعيل بن أمية عن أبي سلمة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الذي يبين أنه إذا كان فيه تأذٍ في رفع الصوت بالقراءة فإنه لا يفعل، وإنما تحصل القراءة ورفع الصوت فيما إذا كان لا يتأذى بجهره أحد، ولا يتأذى برفع الصوت أحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فسمعهم يقرءون رافعي أصواتهم، فكشف الستر وقال: (إن كل منكم يناجي).

    (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً) يعني: بالتشويش؛ لأن الصوت إذا ارتفع يشوش بعضهم على بعض مثل ما يحصل للإنسان، يعني: الإنسان إذا كان يقرأ ويرفع صوته وهناك أناس يقرءون فإنه يشوش عليهم فلا يتمكنوا من القراءة، ولكن إذا كانوا كلهم خافضين للأصوات، وكل يتمكن من القراءة ولا يشوش أحد على أحد.

    قوله: [ أو قال: في الصلاة].

    يعني: في القراءة أو الصلاة، سواء كان الإنسان يقرأ في الصلاة، أو خارج الصلاة كل ذلك لا يرفع الصوت إذا كان يتأذى أحد، سواء كان يصلي فلا يرفع صوته بالقراءة، أو كان يقرأ بدون صلاة، لا يرفع صوته بالقراءة حيث يتأذى بجهره أحد.

    تراجم رجال إسناد حديث (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً...)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسماعيل بن أمية ].

    إسماعيل بن أمية ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة عن أبي سعيد ].

    أبو سلمة مر ذكره، وأبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الخدري مشهور بكنيته ونسبته، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) ].

    أورد أبو داود حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)، ومن المعلوم أن الإسرار بالصدقة في بعض الأحيان يكون فيه فائدة أولى من الجهر، والجهر بالصدقة يكون أولى من الإسرار، فإذا كان الجهر بالصدقة وإظهارها يترتب عليه مصلحة، وهي أنه يقتدى به في الخير فهذا الجهر أولى، يعني: على نيته، وإذا كان ليس هناك مصلحة في إظهارها فإن الإسرار يكون أولى، والجهر بالقرآن إذا كان هناك أحد ينتفع منه، ويستفيد أو يستمع لقراءته، ولا يتأذى بقراءته أحد، فهذا أفضل من هذه الناحية.

    تراجم رجال إسناد حديث (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا إسماعيل بن عياش ].

    إسماعيل بن عياش ، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا من روايته عن أهل بلده؛ لأن بحير بن سعد من أهل بلده.

    أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن.

    [ عن بحير بن سعد ].

    بحير بن سعد الحمصي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن.

    [ عن خالد بن معدان ].

    خالد بن معدان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن كثير بن مرة الحضرمي ].

    كثير بن مرة الحضرمي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن عقبة بن عامر الجهني ].

    عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرج له أصحاب الكتب الستة.