إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [106-120]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها...)

    قال الله تبارك وتعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:106]. قوله عز وجل: (ما ننسخ من آية) (ما) شرطية، ولذلك جزمت فعل الشرط وجواب الشرط، والنسخ هو الرفع والإزالة، تقول: نسخت الشمس الظل، أي: أزالت الظل، فقوله تعالى: (ما ننسخ من آية) أي: ما نُزل حكم آية، من الإزالة. والنسخ على أنواع: إما أن يرفع حكم الآية لكن يبقى اللفظ، وإما أن يبقى الحكم ويرفع اللفظ، وهو ما يعرف بنسخ التلاوة، ولذلك يقول السيوطي : (ما ننسخ من آية) أي: نُزِل حكمها إما مع لفظها أو لا، وفي قراءة بضم النون (ما ننسخ) من أنسخ، فيكون تفسيرها على هذه القراءة: ما نأمرك أو نأمر جبريل عليه السلام بنسخها. (أو نَنْسَأْها) وفي القراءة الأخرى: (أو نُنْسِها) وعلى قراءة (ننسأها) من النسأ، أي: نؤخرها، فلا نزل حكمها ولكن نرفع تلاوتها، أو نؤخرها في اللوح المحفوظ، وفي قراءة بلا همز (أو ننسها) أي: من النسيان، أي: نمحها من قلبك. وجواب الشرط قوله تعالى: (نأت بخير منها) أي: أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر. (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ومما يشمله عموم قدرته: النسخ والتبديل، والاستفهام هنا للتقرير، والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. يقول القاسمي رحمه الله تعالى في هذه الآية: (ما ننسخ من آية) أي: ما نبدل من آية بغيرها، كنسخنا آيات التوراة بآيات القرآن، (أو ننسها) أي: نذهبها من القلوب، كما أخبر بقوله: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] وقرئ: (أو ننسأها) أي: نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما أبقى كثيراً من أحكام التوراة في القرآن، وعلى هذه القراءة الثانية: (أو ننسأها) نشر على ترتيب هذا اللف، قوله: (نأت بخير منها) أي: من المنسوخة المبدلة، وذلك كما فعل في الآيات التي شرعت في هذه الملة الحنيفية، شرع فيها اليسر ورفع الحرج والعنت، فكانت خيراً من تلك الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وجاء فيها اليسر والسماحة، ورفعت الآصار والأغلال كما جاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]؛ لأن بني إسرائيل شرعت لهم أحكام مغلظة عقوبة لهم وتأديباً، فرفعت في هذه الملة السمحة الحنيفية (أو مثلها) أي: مثل تلك الآيات الموحيات من قبل، فيوحي الله عز وجل إلى نبيه مثلما أوحى من قبل، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره، مثل قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:18-19] ويقول تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] إلى آخره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض...)

    قال تبارك وتعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:107]. (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) أي: يفعل فيهما ما يشاء سبحانه وتعالى، (وما لكم من دون الله) أي من غير الله، (من ولي) (من) زائدة، والأصل أن تكون: (ما لكم من دون الله ولي ولا نصير)، (من ولي) يحفظكم (ولا نصير) يمنع عذابه عنكم إن أتاكم. يقول القاسمي : (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ، (وما لكم من دون من ولي) يلي أموركم (ولا نصير) أي: ناصر يمنعكم من العذاب، وقضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة هو الجزم والإيقان؛ لأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه من الثقة به، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، فهذا الخطاب وربط هذا الموقف بصفة علم الله سبحانه وتعالى فيه إرشاد المؤمنين إلى أن يحسنوا ظنهم بربهم تبارك وتعالى، ويؤمنوا به حق الإيمان، ويعلموا أن الله سبحانه وتعالى لا يريد فيهم في الدين ولا في الدنيا إلا ما هو الخير والأفضل لهم. وفيه إرشاد إلى عدم الإصغاء إلى أقاويل اليهود وتشكيكاتهم التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. ويجب أن نستصحب هنا أن هذه الآيات كلها تمهيد لما سيأتي عما قريب من الآيات التي فيها نسخ القبلة، فهنا نوع من الإرهاصات والتمهيد في القرآن الكريم لما سيأتي عما قريب من نسخ القبلة، فالسبب: تمهيد لقلوب المؤمنين كي لا تفتتن بأقاويل اليهود وتشكيكاتهم بسبب ما وقع من تغيير القبلة، كذلك أيضاً الآيات التي ستأتي عما قريب وفيها قصة إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وبناء البيت والتنويه بعظمة البيت وشرفه وعلو مقامه، ففيها أيضاً تنويه إرهاص وتقدمة بين يدي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام. فالمقصود: أن ينتفي عن المؤمنين الإصغاء إلى أقاويل اليهود وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ، حيث أنكروا نسخ أحكام التوراة، وقالوا: إن التوارة أحكامها لا تنسخ، ولذلك جحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لمجيئهما من عند الله بتغيير من حكم التوارة، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد، وإلا فقد وجد في شريعتهم النسخ بكثرة، وقد كثرت المطاعن التي يأخذها المستشرقون والببغاوات الذين يوردون شبهاتهم من وقوع النسخ في القرآن الكريم، وقد تولى الجواب عنها برد مفحم واف العلامة ابن خليل الرحمن الهندي رحمه الله في كتابه: إظهار الحق، وهو من أروع الكتب التي فيها تفنيد عقيدة النصارى، حيث ذكر فيه أمثلة وافرة مما وقع من النسخ في التوراة والإنجيل، وهي موجودة في الباب الثالث من هذا الكتاب. قال بعض الفضلاء: نزلت هذه الآية لما قال المشركون أو اليهود: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه، يشيرون إلى ما وقع من النسخ في بعض الأحكام، وفي الآية رد عليهم؛ لأن المقصود بنسخ الحكم السابق تهيئة النفوس لأرقى منه، وحتى ترقى النفوس إلى ما هو أعلى منه وأفضل، وهو معنى قوله تعالى: (نأت بخير منها)؛ لأن الخالق تعالى ربى الأمة المسلمة في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها بواسطة العوامل الاجتماعية إلا في قرون عديدة، لذلك كان نزول الأحكام عليها على حسب قابليتها، ومتى ارتقت قابليتها بدل الله لها ذلك الحكم بغيره، وهذه سنة الخالق عز وجل في الأفراد والأمم على حد سواء، فإنك لو نظرت في الكائنات الحية من أول الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار، ومن أول رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان؛ لرأيت أن النسخ ناموس طبيعي محسوس في الأمور المادية والأدبية معاً، فإن انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل فيافع فشاب فكهل فشيخ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها يريك الدليل على أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي محقق، وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرج من الأدنى إلى الأرقى، فهذا باختصار ما أشار إليه القاسمي في هذا المعنى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل...)

    قال الله تبارك وتعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [البقرة:108] قوله تعالى: (أم تريدون) (أم) هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، فهي تساوي بل والهمزة، يعني: بل أتريدون، وهذه تتكرر كثيراً في القرآن، ولذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: ( أم تريدون ) بمعنى بل وبمعنى همزة الإنكار، يعني بل أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى؟ يعني: كما سأله قومه بنو إسرائيل، والإشارة بذلك إلى قولهم: ( أرنا الله جهرة ) وغير ذلك من أسئلتهم. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: لم يبين هنا الذي سئله موسى من قبل ما هو، ولكنه بينه في موضع آخر وذلك في قوله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]. (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) أي: من يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها، (فقد ضل سواء السبيل) أي: أخطأ الطريق الحق، والسواء في الأصل هو الوسط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً...)

    قال عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:109]. (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) (لو) هنا مصدرية، ولو تأتي بمعنى أن، كقوله: وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2] أي: ودوا أن تكفروا، كذلك هنا (لو) مصدرية بمعنى أن كقول الشاعر: ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المريض المحنق (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً) هذا مفعول له (من عند أنفسهم) يعني: حسداً كائناًمن عند أنفسهم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة، وهذه إشارة إلى أن الحسد إنما هو من أخلاق الكفار، وأنه يتنافى مع الإيمان، فالمؤمن ليس بحسود، ونرى في كثير من آيات القرآن أن الحسد قرين الكفر، وهو تمني زوال نعمة الله عز وجل عن الغير، (من بعد ما تبين لهم الحق) الموجود في التوراة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، (فاعفوا) عنهم، واتركوهم، وأعرضوا عنهم، (واصفحوا) أي: أعرضوا عنهم فلا تجازوهم بما يقولون، (حتى يأتي الله بأمره) فيهم من القتال، (إن الله على كل شيء قدير). يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى موضحاً بصورة أوسع المراد بقوله تعالى: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره): هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره) قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر، يعني: كلمة (أمره) مفرد، جمعها أوامر أو أمور، فأتى هنا بلفظ المفرد فاحتمل أن يكون (حتى يأتي الله بأمره) المقصود به الأمر الذي جمعه أوامر، أو بأمره الأمر الذي جمعه أمور، يقول: قال بعض العلماء الأمر هو واحد الأوامر، وقال بعضهم: هو واحد الأمور، فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي فإن الأمر المذكور وهو المصرح به في قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وتكون مشابهة لقوله تعالى: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]، والسبيل هو ما نزل فيما بعد من الأحكام فيما يتعلق بالمرأة التي تأتي الفاحشة، فكذلك هنا: (حتى يأتي الله بأمره) إذا قلنا: أمره هو واحد الأوامر، فالمعنى اصبروا واعفوا عنهم ولا تجازوهم إلى أن يأمركم الله بجهادهم، وجهاد أهل الكتاب شرع في سورة التوبة في قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] . وعلى القول بأن الأمر. واحد الأمور، فهو ما صرح الله سبحانه وتعالى به في الآيات الدالة على ما أوقع في اليهود من القتل والتشريد؛ كقوله تعالى: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر:2-3]، والآية غير منسوخة على التحقيق، والنسخ الذي يقصده الشنقيطي رحمه الله تعالى هنا هو النسخ الاصطلاحي، فبعض الناس يقولون: إن آية براءة نسخت كل موادعة، نسخت الآيات الآمرة بالعفو والصفح والصبر والإعراض وعدم مؤاخذة المشركين والصبر على أذاهم، فيقول: الآية غير منسوخة على التحقيق، فإن لكل مقام مقالاً، ولكل حدث حديثاً، ففي حالة الضعف كان هذا هو التكليف الخاص بالمؤمنين أن يصبروا ويعفوا ويصفحوا إلى أن يأتي أمر الله بجهادهم. يقول تبارك وتعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة:110] أي: من طاعة كصلة رحم وصدقة (تجدوه) أي: تجدوا ثوابه تجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:110] يعني: فيجازيكم به سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى...)

    قال الله تبارك وتعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة:111]. (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً) هوداً جمع هائد، (أو نصارى) قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، أي قال اليهود: لن يدخلها إلا اليهود، وقالت النصارى: لن يدخلها إلا النصارى، وهنا تصحيح من القاضي محمد كنعان في الحاشية، يقول: قول السيوطي رحمه الله تعالى: قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. هذا سهو من الجلال السيوطي رحمه الله، فإن التي أشار إليها لم ينزل بشأنها قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، بل نزل فيها قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، وذلك أن اليهود والنصارى تناظروا، فقالت اليهود للنصارى: لستم على شيء، وكفروا بعيسى والإنجيل، فقال النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، ونحن نقول للفريقين: صدقتم، لا هؤلاء على شيء ولا هؤلاء على شيء، فقال النصارى لليهود: ما أنتم على شيء وجحدوا نبوة موسى، وكفروا بالتوراة، فنزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء). وهذه الآية إخبار عما يظنه كل فريق لنفسه من النجاة وللآخر من الهلاك، وليست مرتبطة بسبب النزول؛ لأنه لا يشترط أن كل آية في القرآن يكون لها سبب نزول، لكن هذا إخبار عن اعتقاد كل فريق من هذين الفريقين. وفي قوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) أسلوب من الأساليب البلاغية، كلمة: (قالوا) فيها نوع من الإجمال، وهذا كلام ملفوف، ثم نشر وأوضح بقوله: (وقالوا) فالواو فيها لف، ثم نشر ما لفته الواو بقوله: (إلا من كان هوداً أو نصارى). تِلْكَ [البقرة:111]، أي: القولة (أمانيهم)، أي: شهواتهم الباطلة، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [البقرة:111]، (قل)، أي: قل لهم، (هاتوا برهانكم) حجتكم على ذلك، انظر إلى أسلوب القرآن الكريم في طلب الاعتداد بالبرهان وبالحجة، وطلب إقامة الحجة والكلام بعلم، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، فالذي يدعي دعوى هو المسئول على أن يؤديها بالبرهان، لا أن يدعي الإنسان دعوى ويلزم من يدعوه إليها بأن يثبتها له، المفروض أنت الذي تدعو تكون مسلحاً بالبرهان ولا تتكلم إلا بما قام عليه الدليل والبرهان، وإلا كنت كاذباً، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)؛ فالصادق هو من يأتي بالبرهان، (إن كنتم صادقين) فيما تقولون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره...)

    يقول تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112] (بلى) المقصود بها: بلى يدخل الجنة غيرهم، اليهود قالوا: لا يدخل الجنة غير اليهود، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، ولا يشاركنا فيها غيرنا، فجاءت الآية بقوله: (بلى)، وهذا إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، ونحن نعلم أن بلى تأتي لإثبات ما نفي، وكأن قائلاً يقول: من هؤلاء الغير؟ فيأتي الجواب: (من أسلم وجهه لله) أي: انقاد لأمر الله سبحانه وتعالى، وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، فإذا أسلم الإنسان وجهه لله سبحانه وتعالى فغيره من الأعضاء أولى؛ لأن الوجه هو أشرف أجزاء البدن، فحينما يسجد الإنسان على الأرض، ويضع وجهه وجبهته التي هي أشرف جزء في بدنه على الأرض تذللاً لله سبحانه وتعالى فأولى أن ينقاد لله غير ذلك من أعضاء بدنه، (بلى من أسلم وجهه لله) أي انقاد لأمره، (وهو محسن) أي: موحد لله سبحانه وتعالى موافق لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزيد حقاً من حقوق التوحيد وهو من أوكد حقوق التوحيد يقترن دائماً بتوحيد المعبود: ألا وهو توحيد الطريق الموصلة إليه، فأي إنسان لا ينجو إلا بهذين التوحيدين: توحيد العبادة، وتوحيد الاتباع، توحيد المعبود وهو الله سبحانه وتعالى، وتوحيد الطريق الموصلة إليه، وهو طريق على رأسه محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، (فله أجره عند ربه)، أي: ثواب عمله، وهو الجنة، (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء...)

    قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة:113]. (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي: ليسوا على شيء يعتد به، وإن كانوا هم على شيء باطل، فلذلك لا بد هنا في تفسيرها أن نقول: ليست النصارى على شيء حق، ولكنهم على شيء باطل، فبما أنه لم يذكر صفة البطلان هذه فلا بد من هذا التقدير، أن تقول: على شيء معتد به من الدين، أو على شيء له قيمة يذكر أو ينجي، لأن ما معهم مهلكهم، فهذا إخبار عن كفر اليهود، قالوا: ليست النصارى على شيء، وبالتالي كفروا بالمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من أجل ذلك، (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي: شيء معتد به، وكفرت النصارى بموسى، (وهم يتلون الكتاب) الفريقان: فريق اليهود وفريق النصارى (يتلون الكتاب)، والكتاب هنا اسم جنس؛ لأنهما في الحقيقة كتابان، التوراة والإنجيل، فالمقصود هنا اسم جنس، مثل قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة:11] على أحد التفسيرين، وفي الكتاب المنزل على اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى، والجملة (وهم يتلون الكتاب) جملة حالية. وهذه الواقعة بعينها وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كل طائفة من أهل البدع والضلال تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، فهذا المعنى موافق لما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) يعني: من غير اليهود والنصارى؟ فمما وافق فيه الضلال من الفرق الضالة في هذه الأمة اليهود والنصارى: هذا الانقسام والتفرق في الدين بأن تكفر كل طائفة من لا يوافقها، وكفرت كل طائفة الأخرى مع اتفاقهم جميعاً على تلاوة القرآن! (كذلك قال الذين لا يعلمون) يعني: كما قال هؤلاء، والإشارة إلى اليهود والنصارى، (قال الذين لا يعلمون) المقصود بالذين لا يعلمون هم المشركون من العرب وغيرهم، (مثل قولهم) هذا بيان لمعنى كلمة (كذلك)، أي: قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء، فكما قالت اليهود للنصارى: لستم على شيء، وقالت النصارى لليهود: لستم على شيء، فإن هذه العبارة التي واجهوا بها الحق ليسوا هم وحدهم في ذلك، بل قالها أيضاً المشركون سواء مشركوا العرب أو غيرهم ممن دعاهم الرسل إلى التوحيد. والآية فيها توبيخ شديد لليهود والنصارى، لماذا؟ لأنه وصفهم بأنهم أتوا بما أتى به الذين لا يعلمون، فالمشركون العرب كانوا أمة أمية، ولم ينزل عليهم كتاب من قبل، أما اليهود والنصارى فأنزلت عليهم الكتب، وفيها الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالرسل والرسالات والقدر وسائر أمور الإيمان، فكان المفترض أن يكون أهل الكتاب أول مؤمن بالقرآن، ففي هذه الآية توبيخ شديد لهم؛ لأنهم بفعلهم وبقولهم هذا نظموا أنفسهم -مع علمهم. يقول تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يعني من أمر الدين، فيدخل المحق الجنة والمبطل النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها...)

    الآيات السابقة في توبيخ أهل الكتاب، فبعد توبيخ أهل الكتاب توجه الخطاب إلى المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم عنه عام الحديبية، وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، وعمارة المسجد إحياء المكان وشغله بما وضع له. عمارة المسجد لها معنيان: عمارة المساجد ببنائها، وأيضاً عمارة المسجد بإحياء هذ المكان وإشغاله بما وضع له، فالمسجد أقيم لعبادة الله، فعمارته بالاعتكاف، بصلاة الجماعة، بقرءاة القرآن، بمجالس الذكر، هذه العمارة أو أحد نوعي العمارة المشار إليها في قوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]، والمقصود هنا توبيخ المشركين بعد توبيخ أهل الكتاب. قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114] يعني: لا أحد أظلم ممن صد عن بيوت الله سبحانه وتعالى كي لا يذكر فيها اسمه بالصلاة والتسبيح والذكر، (وسعى في خرابها)، خرابها إما أن يكون بالهدم أو بالتعطيل. يقول السيوطي: نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس، أو نزلت في المشركين لما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية من البيت، وصحح القرطبي رحمه الله تعالى أنها عامة في كل مسجد إلى يوم القيامة، والآية عامة، والوعيد فيها عام لكل من يرهب أو يخيف أو يؤذي أو يتسبب في تخريب بيوت الله سبحانه وتعالى؛ فاللفظ هنا عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها قول ضعيف؛ لأن الآية: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله)، فإذا جاءت بصيغة الجمع وفي سياق العموم فلا يصح تخصيصها، ويكون القول بتخصيصها بمسجد واحد كبيت المقدس أو المسجد الحرام عام الحديبية قولاً ضعيفاً، فالقول الآخر للعموم يشمل هذه الأمثلة، ويشمل كل من يخرب بيوت الله سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة. أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ [البقرة:114] ( أولئك ) الذين يخربونها هذا التخريب ( ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين )، قال بعض العلماء: هو خبر بمعنى الأمر، والمقصود بذلك: أخيفوهم بالجهاد، فلا يدخلها أحد منهم آمناً، يعني: لا يدخلها المشركون الذين يخربونها آمنين أبداً، فأخيفوهم فلا يدخلون بيوت الله وهم آمنون، لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ [البقرة:114]، يعني: هوان بالقتل والسبي والجزية، وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] وهو النار. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة: قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ست، وعلى هذا القول فالخراب معنوي، أي أن معنى قوله: (وسعى في خرابها) خراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] . وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي بالهدم، والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله...)

    قال تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:115]. يقول السيوطي: نزلت لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيث ما توجهت به الراحلة، لأنه في السفر يجوز للإنسان أن يصلي النافلة على الراحلة، ولا يشترط أن يستقبل القبلة في أثناء صلاة النافلة. (ولله المشرق والمغرب) المقصود من المشرق والمغرب كل الأرض؛ لأن المشرق والمغرب هما ناحيتاها؛ لأن الأرض إما شرق وإما غرب، (فأينما تولوا) وجوهكم في الصلاة بأمره، فالمفعول هنا محذوف تقديره: وجوهكم، فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة بأمره، (فثم) هناك، (وجه الله) أي: قبلته التي رضيها، (إن الله واسع عليم) واسع يسع فضله كل شيء، عليم بتدبير خلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً ...)

    قال الله تبارك وتعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]. قوله عز وجل: (وقالوا) في بعض القراءات بواو: ( وقالوا اتخذ الله ولداً ) وفي قراءة أخرى: ( قالوا اتخذ الله ولداً ) وهما قراءتان سبعيتان متواتران، بالواو وبدون الواو، والمقصود بها اليهود والنصارى والمشركون، لأن المشركين زعموا أن الملائكة بنات الله، فالآية تعود على اليهود والنصارى وكل من زعم لله ولداً، وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:4]، وكلمة (ولد) تعم الذكر والأنثى، كما في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فأدرج الذكر والأنثى في صفة الأولاد. (وقالوا اتخذ الله ولداً) فقال الله سبحانه وتعالى رداً عليهم: (سبحانه) يعني: تنزيهاً له عن الولد، (بل له ما في السماوات والأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً، ملكاً: فهو سبحانه وتعالى مالك من في السماوات ومن في الأرض، وخلقاً: فهو خالقهم سبحانه وتعالى، وعبيداً: فهو ربهم، والملكية تنافي الولادة، وعبر بما تغليباً لا يعقل، وإن دخل فيه من يعقل من الإنس والجن والملائكة. (كل له قانتون) أي: مطيعون، كل بما يراد منه، وفيه تغليب العاقل، وإن كان القنوت والخشوع والانقياد لأمر الله لا يصدر فقط من العاقل، بل يصدر مما سوى الإنس والجن والملائكة من الكائنات، وقد سبق أن عرضنا بحثاً مستفيضاً في هذا الأمر بعنوان: عبودية الكائنات، ولخصنا فيه رسالة لبعض إخواننا الأفاضل وهي رائعة جداً في هذا الباب، وفيها إثبات العبودية للجبال والأحجار وغير ذلك من الجمادات، فكل الكائنات عبيد لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض...)

    قال الله تعالى: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] أي: موجدهما على غير مثال سابق، فكل كلمات الابتداع أو البدعة أو الإبداع هي للتعبير عن الشيء الذي يوجد دون أن يوجد له نظير من قبل، فالاختراع والابتداع على غير مثال سابق، فتقول مثلاً: هذا شيء بديع، يعني حسن بالغ في الحسن مبلغاً؛ بحيث أنه لم يسبقه نظيره في الجمال أو الحسن، كذلك قوله: (بديع السماوات والأرض) يعني: أنشأهما وفطرهما وخلقهما على غير مثال سابق لهما. وَإِذَا قَضَى أَمْرًا [البقرة:117] يعني: أراد أمراً، أي: إيجاد هذا الأمر، فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117] بالرفع، أي: فهو يكون، وفي قراءة بالنصب جواباً للأمر. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله: (قالوا اتخذ الله ولداً) هذا الولد المزعوم -على زاعمه لعائن الله- قد جاء الرد عليه مفصلاً في آيات أخر، كقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30]، وقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57]. وهذه الآية نحتاج إلى أن نزيدها إيضاحاً، ولذلك ننقل هنا كلام القاسمي رحمه الله تعالى: يقول: (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) يريد هنا الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله، هؤلاء هم المقصودون بكلمة (وقالوا) بالواو، فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم، وقولهم: إن لله ولداً، فقال سبحانه وتعالى: (سبحانه) أي: تقدس وتنزه عما زعموا تنزهاً بليغاً. (بل له ما في السماوات والأرض) (بل) هنا كلمة يراد بها الإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، فالله سبحانه وتعالى خالق هذه الموجودات بمن فيها هؤلاء الذين زعموا أنهم أولاد الله أو بنات الله، فهو خالقهم وهو مالكهم، وهو ربهم سبحانه وتعالى. وقوله: (كل له قانتون)، التنوين في كلمة (كل) عوض عن الاسم الذي يكون مضافاً إليه، كما تقول مثلاً: كل رجل قائم، فبدل أن تكرر كلمة رجل تضع تنويناً في (كل) فينوب عن كلمة رجل، فتقول: كلٌ قائم، فالتنوين الذي يلحق كلمة كل هو تنوين التعويض عن المضاف إليه، فكذلك هنا (كل له قانتون) أي: كل ما فيهما.

    حجج نفي الولد عن الله تعالى

    كل ما في السماوات والأرض كائن ما كان من أولي العلم وغيرهم ( له قانتون ) أي منقادون لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء، لماذا؟ لأن من حق الولد أن يكون من جنس الوالد؛ فهؤلاء الذين تعبدونهم أو الذين تزعمون أنهم أولاد الله كالمسيح وعزير والملائكة؛ كلهم قانتون لله سبحانه وتعالى منقادون له، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، فبالتالي لا يتصور أنهم يجانسون الله سبحانه وتعالى؛ لأن من حق الولد أن يكون من جنس الوالد. قال الراغب في تفسيره: نبه على أقوى حجة على نفي ذلك، أي: أن هذه الآية فيها أقوى حجة على نفي الولد لله سبحانه وتعالى، يقول: وبيانها هو أن لكل موجود في العالم مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله. كل مخلوق في هذا العالم سواء كان مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً، مصنوعاً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، أي: بصفة عارضة، فمثلاً: صنعت السيارة للركوب وتوصيل الناس إلى الأماكن التي يحتاجونها، لكن هل السيارة مثلاً تتخذ غرفة لاستقبال الضيوف؟ يمكن أن يحصل للإنسان أن يستقبل ضيوفه مثلاً بصفة عارضة ويجلسهم في غير مكان الجلوس المعتاد، لكن هل هذا الغرض الأساسي لها؟ فهذا مثال في المعمولات المصنوعة، أما المخلوقات الطبيعية فأيضاً كل كائن خلق لهدف أساسي له غرض وكمال أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره عرضاً، فاليد مثلاً خلقت للبطش والتناول والأخذ والعطاء، فهذه وظيفة اليد، والرجل خلقت للمشي، وإن كان الإنسان قد يمشي على يديه، ويمكن أن يتناول الأشياء بقدمه، لكن هل هذا هو الغرض الأسمى المقصود منه؟ لا، كذلك السكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر. يقول: إن لكل موجود في العالم مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال والرجل للتناول، لكن ليس على التمام، والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه لما لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه؛ فجعل له بذراً لحفظ نوعه. كل إنسان لابد أن يموت، له فترة حياة معينة ثم يموت بعدها، فمن أجل ذلك جعل الله سبحانه وتعالى الحكمة تعمير هذه الأرض وبقاء النوع الإنساني.. فجعل البذر -وهو ما يخرج من صلب الرجال- بذوراً وحرثاً كي يتوالى ويخلف بعضهم بعضاً، أجيالاً تخلف أجيالاً ولا تخرب الأرض، بل يبقى النوع الإنساني من خلال هذا التوالد ومن خلال هذا التناسل، ويقوي ذلك: أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً واستخلافاً لما لم يجعل لها فناء النبات والحيوان، فهل الشمس أو القمر تفنى وتموت كما يموت النبات والحيوان؟ لا، ولذلك لم يجعل الله للشمس والقمر بذوراً حتى إذا ما فنيت أو ماتت يخلفها غيرها، فهذه المخلوقات لما لم يجعل الله لها سبحانه وتعالى الفناء الذي هو فناء النبات والحيوان لم يجعل لها بذراً. يقول: ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم بلا ابتداء ولا انتهاء سبحانه وتعالى، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى، ولهذا قال: سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:171] أي: هو منزه عن السبب المقتضي للولد، يعني: الله سبحانه وتعالى غني عن أن يكون له ولد؛ لأن الله هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وكل شيء هالك إلا وجهه، قال الله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، فالشاهد من هذا: أن الغرض من اتخاذ الولد؛ بقاء النوع الإنساني، فالله هو الباقي الذي لا يفنى ولا يزول ولا يبيد سبحانه وتعالى، فمن ثم لا حاجة لله سبحانه وتعالى الذي يتنزه عن الافتقار وعن الحاجة في الولد، فهو الغني وأنتم الفقراء إلى اتخاذ الولد، هذا هو المعنى الأول، ولذلك قال الله تعالى: ( وقالوا اتخذ الله ولداً ) انظر الجواب: ( سبحانه ) تنزه، وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] جاء الجواب: قَالَ سُبْحَانَكَ [المائدة:116] تنزيهاً لك، هذا لا يليق بك، فكيف أقوله؟! كذلك هنا قال عز وجل: ( سبحانه ) هو منزه عن هذا؛ لأن هذا نقص، ولا يليق هذ النقص بالله سبحانه وتعالى. يقول: ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما يعني: أن الإنسان يقتني الأولاد لفقره؛ يريد امتداد نسله، فهذا نوع من الفقر، ونوع من الاحتياج إلى امتداد النسل وبقاء النوع، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، أو الفقر إلى أن يعينه هذا الولد ويتحمل عنه مسئوليات الحياة، أو يعينه لشدة حاجته إليه. قال: ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه؛ لأن الإنسان غير كامل في نفسه، بين تعالى بقوله: ( بل له ما في السماوات والأرض ) أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سد لفقره، فصار في قوله: ( له ما في السماوات والأرض ) دلالة ثانية، إذا كان الله سبحانه وتعالى غنياً حميداً له ما في السماوات والأرض فهل يحتاج ويفتقر إلى ولد؟ ثم زاد حجة بقوله: ( كل له قانتون )، فإذا كان هو يملك هؤلاء جميعاً بما فيهم المسيح وعزير والملائكة، ( بل له ما في السماوات والأرض ) هؤلاء عبيده، وهو ربهم ومالكهم وخالقهم، فكيف يحتاج إليهم؟! ولما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال عز وجل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72]، بين أن كل ما في السماوات والأرض مع كونه ملكاً له قانت له أيضاً: إما طائعاً وإما كارهاً وإما مسخراً، يعني كل من في السماوات والأرض قانتون بمعنى مطيعون منقادون، إما طواعية وإما رغم أنوفهم تجري عليهم أحكام الله، يمرضه إذا شاء أن يمرضه، ويميته إذا شاء أن يميته، ويبتليه إذا شاء أن يبتليه، ولا يملك دفعاً لأمره، هذا هو القنوت الاضطراري، وهو غير القنوت الاختياري الذي عليه أهل الطاعة والتوحيد، وهذا كقوله: ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15] وقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، وهكذا أبلغ الحجة لمن هو على المحجة.

    الشبه التي جعلت اليهود والنصارى تنسب لله الولد

    قال الراغب : إن قيل: من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى؟ قيل: قد ذكر في الشرائع المتقدمة: أنهم كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب، وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، وإن الله هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك: أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده، وأن الأب معبود الابن من وجه -يعني مخدومه؛ لأن الابن يخدم أباه- وكانوا يقولون للملائكة: آلهة، كما قالت العرب للشمس: إله، وكانوا يقصدون معنى صحيحاً، كما يقصد علماؤنا بقولهم: الله محب ومحبوب ومريد ومراد، ونحو ذلك من الألفاظ، وكما يقال للسلطان: الملك، وقول الناس: رب الأرباب وإله الآلهة ومالك الملوك، مما يكشف عن تقدم ذلك التعارف، ويقوي ذلك: ما يروى أن يعقوب كان يقال له: بكر الله، وأن عيسى كان يقول: أنا ذاهب إلى أبي، ونحو ذلك من الألفاظ. وهذه عبارات وجدت في الشرائع السابقة بهذه المعاني، وهي معاني صحيحة، لكنها ألفاظ متشابهة أدت إلى أن الجهلة فيما بعد طوروا لجهلهم هذه الألفاظ إلى معنى الولادة الطبيعية، فصار ذلك منهياً عن التفوه به في شرعنا، فلا يصح في شرعنا أن نستعمل هذه العبارات تنزهاً عن هذا الاعتقاد، بل نهي عن ذلك في شرعنا واجتنب حتى صار إطلاقه -وإن قصد به ما قصده هؤلاء- قرين الكفر. ثم قال عز وجل: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون). (بديع السماوات والأرض)، أي: مبدعهما وخالقهما على غير مثال سبق، وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له: أبدعت، ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة: مبتدع؛ لأنه أتى بما لم يسبق إليه السلف الصالح، ولأنه يأتي في دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وهذه الجملة حجة أخرى لدفع تشبثهم بولادة عيسى بلا أب، وعلم عزير بلا تعلم، لأنهم قالوا: نحن نعبد عيسى لأن عيسى ليس له أب من البشر، فتشبثوا بهذا كحجة على عقيدتهم الباطلة بولادة عيسى بدون أب، وكذلك اليهود الذين عبدوا عزيراً تشبثوا بعلم عزير بلا تعلم، فقالوا: هو ابن الله، وتقرير الحجة من خلال هذه الآية وهي قوله: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) إن الله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها، فلا يبعد أن يوجد أحد بلا أب، أو يتعلم أحد بلا واسطة بشر. يقول الراغب : ذكر تعالى في هذه الآية حجة رابعة شرحها: إن الأب هو عنصر للابن منه تكون، والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصراً للولد؛ لأن الأب عنصر الابن. يعني الابن يتكون من أبيه، والله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصراً للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلاً. (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) أي: إذا أراد أمراً، والقضاء: هو إنفاذ المقدر، والمقدر: ما حد من مطلق معلوم.

    خلق الله المخلوقات بكلمة كن

    هنا بحث مفصل جداً نختصره اختصاراً شديداً: بعض الناس أورد سؤالاً على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال: إن كان هذا المخاطب (بكن) موجوداً فتحصيل الحاصل محال، وإن كان معدوماً فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ والجواب مفصل وطويل وممتع في نفس الوقت، لكن باختصار شديد جداً نقول: إن قوله تبارك وتعالى كما في هذه الآية: (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) هذا السؤال يكون صحيحاً إذا كان المخاطب معدوماً بالفعل، يقول تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] لكن هل ذلك الشيء معدوم؟ ليس بمعدوم في الحقيقة، بل هو معلوم، وسبق في علم الله سبحانه وتعالى بأنه يخلق، فذلك الشيء معلوم قبل إبداعه، وقبل توجيه هذا الخطاب إليه، وبذلك كان مقدراً مقضياً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء)، كما في صحيح مسلم، فهذا الشيء الذي يخاطب هو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي، يعني: له وجود في علم الله، وكتب الله أنه يكون، فهو له وجود كتابي، وله وجود كلامي بقوله: (كن) أي: كن كما سبق في علم الله سبحانه وتعالى، وإن كانت حقيقته -التي هي الوجود العيني- ليست ثابتة في الخارج، لكنها ثابتة في علم الله، وفي كلام الله، وفي كتابة المقادير في اللوح المحفوظ. فإذاً الخطاب هو موجه إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة، وخلق وكون، كما قال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] فالذي يقال له: كن. هو الذي يراد، وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت وتميز علمي تقديري، ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم. ومعلوم أن جميع المخلوقات لا توجد عيناً في هذا الوجود إلا بعد وجودها في العلم والإرادة، أما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه الخطاب التكويني إليه مثل توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالاً، بل هو أمر ممكن، بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه، فيقدر أمراً في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب الذي قدره في نفسه، ويكون حصول المراد المطلوب حسب قدرته، فإن كان قادراً على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم، وإن كان عاجزاً لم يحصل، وقد يقول الإنسان: ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب، فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]. وقال القاسمي رحمه الله تعالى هنا: (وإذا قضى) أراد، (أمراً) إيجاد أمر، (فإنما يقول له كن فيكون) يعني فهو يكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية...)

    قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:118] من كفار مكة، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [البقرة:118] هلا يكلمنا الله، يقترحون على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله خطاباً مباشراً، أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118] يعني: مما اقترحناه على صدقك، (( كَذَلِكَ ))[البقرة:118]، كما قال هؤلاء قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [البقرة:118] من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم، فليست القضية قضية حجة، فإن الله سبحانه وتعالى لا يرسل نبياً إلا مؤيداً بالحجة والمعجزة والبراهين، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون جحوداً وعناداً، وإلا فجميع الأنبياء أتوا بحجج، فحتى لو استجاب الله سبحانه وتعالى لهم لما يطلبون لما ازدادوا إلا كفراً وعتواً، ولذلك أعرض الله سبحانه وتعالى عن إجابتهم. مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة:118] من التعنت وطلب الآيات، تشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118] في الكفر والعناد. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال في آية أخرى: أَتَوَاصَوْا بِهِ [الذاريات:53] تشابه الكلام حتى كأن كل جيل كان يوصي الذي بعده: إذا أتاك النبي فقل له نفس هذا الكلام! كأنهم تواصوا به، وقيل: يوصي بعضهم بعضاً بها، فيكون ردهم بنفس الألفاظ والشبهات والشتائم والظلم، تشابهت قلوبهم في الكفر والعناد، وبالتالي تشابهت مواقفهم، ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118] يعني: يعلمون أنها آيات فيؤمنون، فاقتراح آية معها تعنت، فهلا يوقنون بهذه الآيات التي جاءتهم، ولا يقترحون آيات جديدة؛ لأن هذا يكون تعنتاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً...)

    قال عز وجل: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ [البقرة:119] يا محمد صلى الله عليه وسلم، بِالْحَقِّ [البقرة:119] أي: بالهدى، بَشِيرًا [البقرة:119] أي: تبشر من أجاب إليه بالجنة، وَنَذِيرًا [البقرة:119] أي: تنذر من لم يجب إليه بالنار، وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119] وهي النار، وأصحاب الجحيم هم الكفار، أي: لا نسألك: ما لهم لم يؤمنوا؟ ولن نحاسبك على استجابتهم، لكن نحاسبك على البلاغ: هل بلغتهم أم لا؟ وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ، قال الله له: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22]، وقوله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6] فسؤال المرسلين: هل بلغتم البلاغ المبين أم لا؟ ولا يحاسب الأنبياء على كفر الكافر؛ لأن الهداية لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، فمعنى قوله: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ يعني: لن نسألك ما لهم لم يؤمنوا، إنما عليك البلاغ، وعلى هذه القراءة تكون (لا) نافية، وفي قراءة بالجزم (ولا تَسألْ) بفتح التاء على الخطاب، على أنها ناهية، ينهاه عن أصحاب الجحيم فهم هالكون، فلا تسأل عنهم ولا تهتم لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى..)

    قال الله عز وجل: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] أي: أن اليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهودياً، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانياً، وهذا خبر الله سبحانه وتعالى، ومن أصدق من الله حديثاً؟ ومن أصدق من الله قيلاً؟ فنأخذ القضية على أنها يقينية مسلم بها، ولا نشك فيها لحظة، وأنهم بدون ذلك لن يرضوا، ومهما فعلتم لن يرضوا أبداً! ففي هذا مخرج من كثير من المضائق التي يعيشها المسلمون في هذا الزمان، يطبقون خداعهم ونفاقهم وكذبهم ودجلهم، لكن إذا استصحبنا هذه الآية، وأن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي يعلم دخائل نفوسهم، وما جبلوا عليه من الصفات الذميمة والغدر والخيانة والغش؛ لوجدنا المخرج، فالله يقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وما دمت لم تصل إلى هذه الغاية فلن يرضوا عنك أبداً مهما فعلت، وهذا مشاهد محسوس كما تعلمون. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120]، تنفي المستقبل، فهم لن يرضوا أبداً، ولهذا فإن مثل هذه المعاني جاءت في صيغة الاستمرار كثيراً، (ولا يزالون) استمرار، وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] وغيرها من الآيات في نفس هذا المعنى تفيد ثبات هذا الموقف. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120] أي: الإسلام (هو الهدى ) وما عداه الضلال، ولا يمكن أبداً أن يوجد طريق آخر غير دين الإسلام يكون فيه هدى. وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120] (ولئن) هذه اللام لام القسم، أي: والله لئن اتبعت أهواءهم التي يدعونك إليها فرضاً، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم مما هو دون ذلك بكثير، فكيف بهذا الأمر الخطير، ولكن هذا نوع من الفرض لبيان هذه المعاني، كقوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء:74].

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    758367208