إسلام ويب

السواك وسنن الفطرة [5]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علق الله سبحانه وتعالى الفلاح في الدنيا والآخرة بالتقوى، ومن تقوى الله تعظيم شعائره، وإن من الشعائر التي لازمها النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بها، وحث عليها: خصال الفطرة، وقد أكد على شيئين هما: حفّ الشارب، وإعفاء اللحية.

    1.   

    الأمر بإعفاء اللحية وحفّ الشارب

    تقرير القاعدة الأصولية: ظاهر الأمر يفيد الوجوب

    عن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (خالفوا المشركين، احفوا الشوارب وأوفروا اللحى).

    فهذا أمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعفاء اللحية.

    وهناك قاعدة أصولية معروفة، وهي: ظاهر الأمر الوجوب. والظاهر: أن تكون الصيغة محتملة احتمالاً راجحاً، واحتمالاً مرجوحاً.

    فالظاهر هو الاحتمال الراجح، والاحتمال المرجوح هو الذي إذا صِيْر إليه يسمى تأويلاً. فالتأويل: أن تصرف اللفظ عن الظاهر. لكن لا بد أن تكون هناك قرينة دلّت على ذلك، فظاهر الأمر الوجوب، كما قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]هذا نص في دلالته على التحريم.

    وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإعفاء اللحية، هذا أمر ظاهره الوجوب؛ لأن المعنى الراجح من الأمر هو الوجوب، والمرجوح هو الاستحباب.

    فلا يصرف اللفظ عن الظاهر -الذي هو الاحتمال الراجح- إلا بدليل يصرف إلى هذا التأويل.

    وهذه القاعدة مما يُحتاج له كثيراً، وعليها أدلة من العقل والنقل.

    من العقل: فمعلوم أن السيد إذا أمر عبده بأمر فلم يمتثل هذا العبد أمر سيده فإنه يُذَمّ، ويوصف بالعصيان.

    وأما النقل: فيقول الله عز وجل لإبليس: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف:12].

    فلو كان الأمر ليس دالاً على الوجوب لقال له إبليس: الأمر ظاهره لا يدل على الوجوب!

    وأيضاً: ليس المراد هنا هو الاستفهام، لكن المراد هو الذم والعيب، وأنه لا عذر له بإخلاله بأمر الله عز وجل بالسجود الذي جاء في قوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ ولو لم يكن الأمر للوجوب لكان من الممكن له أن يعتذر قائلاً: إنك لم تلزمني بالسجود بهذه الصيغة.

    ويقول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات:48]، فهذا أمر، وقد أتى في سياق ذمّهم على ترك هذا الفعل الذي قيل لهم: افعلوه. بصيغة الأمر، فلو كان الأمر يفيد الندب لما حصل هذا الذمّ لهم.

    أيضاً: يقول الله تبارك وتعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].

    فقوله: يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: يعرضون عن أمره بترك مقتضاه.

    وفي قصة موسى عليه السلام مع أخيه هارون عليه السلام: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا [طه:92] * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه:93]، يعني: تركت مقتضى أمري.

    ويقول عز وجل: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ الجن:23] .

    والأمر الذي أمره به موسى هو قوله: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [الأعراف:142]، وهذا أمر مجرد عن القرائن، فكان ظاهره الوجوب، ولذلك وصف عدم فعله بالعصيان بقوله: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي .

    وقد استدل الأصوليون على هذه القاعدة بقوله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ [الأحزاب:36] أي: حكم إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    وأيضاً: يستدل بقول النبي عليه الصلاة السلام: (لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، و(لولا): تفيد انتفاء الشيء؛ لوجود غيره، وهي هنا تفيد انتفاء الأمر؛ لوجود المشقة، فهذا يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة، والإجماع قائم على أن السواك مندوب.

    فلو لم يكن الأمر كذلك لأَمَر به النبي عليه الصلاة والسلام، سواء شقّ عليهم أو لم يشق.

    وكما في قصة بريرة لما أُعتقت وزوجها مغيث لا زال عبداً، فكان يتبعها في سكك المدينة وهو يبكي من شدة تعلّقه بها، وهي تأبى الرجوع إليه، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم منها أن تعود إلى زوجها قالت: (يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أشفع) فيفهم من هذا أن قولها للنبي عليه الصلاة والسلام: (أتأمرني؟) أي: إن كان أمراً فلا مناص من التزامه، وإن لم يكن أمراً فسوف تختار ما تريده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما أشفع) أي: إنما أنا مجرد شافع، ولا آمرك أمراً شرعياً. قالت: (فلا حاجة لي فيه)، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا تعجبون من حب مغيث بريرة ، وبغض بريرة مغيثاً ؟!)، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

    وهذه المقدمة -في معنى الأمر ومقتضاه- نحتاجها دائماً قبل أن نذكر أي أَمْر أَمَر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر الناس في هذا الزمان ربما لا يبالون بأوامر النبي عليه الصلاة السلام، فإذا أردنا إخبار الناس بأي حكم شرعي من السنّة -سواء في أي قضية تخص المسلمين أو المسلمات- فينبغي أن نصدرها بالقول: إن الدليل على وجود هذا الحكم هو كل آية في القرآن فيها الحث على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أدلة وجوب إعفاء اللحية

    الدليل الأول على الترهيب من عدم امتثال إعفاء اللحية: هو كل آية في القرآن تُرهّب من معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا هو أعظم الأدلة على وجوب امتثال أوامره. ثم تأتي أدلة خاصة في المسألة تتعلق بالمسائل التي نحن بصددها: روى ابن عمر رضي الله عنهما -كما في الصحيح-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية) . وقال عليه الصلاة والسلام: (أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)، وفي الحديث الآخر: (جزوا الشوارب، وأعفوا اللحى، وخالفوا اليهود). فهذه كلها صيغ أمر ووردت بصيغ مختلفة جمعها الإمام النووي رحمه الله تعالى، فحصل منها خمس صيغ: (أعفوا)، (أوفوا)، (أرخوا)، (وفّروا)، وهذا كله للوجوب يفيد وجوب امتثال المأمور به؛ لأنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ويجب القول: بأن حلق اللحية معصية صريحة لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعض الناس يفتشون في كتب الفقه عن أي شيء يسند موقفهم بعدما يكون موقفهم في النهاية هو الحاكم على اختياراتهم، فإذا ظفروا بشيء يضعف الحكم المشهور مالوا إليه، واعتصموا بأن خلاف الأمة رحمة، وأن لا إنكار في المسائل الخلافية، وأن هناك علماء قالوا كذا، وعلماء قالوا كذا، ويكون الهوى هو الحاكم في مثل هذه القضية!! والذي استطاعوا أن يظفروا به: هو خلاف الأصوليين في صيغة الأمر، هل هي تقتضي الوجوب؟ أم أنها تقتضي الندب؟ فاعتبروا هذا الخلاف بين العلماء في كتب الأصول مسوّغاً للفرار من الالتزام بإعفاء اللحية، وقالوا: هو سنة وليس واجباً. ولو سلّمنا لهم بأنها سنّة فلماذا يواظبون على تركها؟! هذا إذا لم يشنعوا على القائمين بفعلها والممتثلين لها! فهم يقولون بأفواههم: هي سنة. ومع ذلك ترى عامتهم معرضون عن هذه السنة! فيقولون: الأمر الغالب في قوله: (جزوا الشوارب وأعفوا اللحى) هذا أمر للندب، وطالما كان الحال كذلك فإن إباحة الحلق تؤخذ من جهة كون المندوب غير ممكن. فعلى هذا الكلام -وهو قولهم: الأمر للندب- يكون إعفاء اللحية وتقصيرها وتنميتها وتركها على حالها، هذا هو مقتضى كل هذه الروايات؛ لأن الأمر هو أمر بالإطالة لا بمطلق وجود اللحية، فمطلق وجود اللحية هو شيء مفروغ منه، كما سيأتي في الأدلة أن الذين كانوا يقصون اللحى ويقصرونها هم المجوس، كما يفعل كثير من الناس في هذا الزمان، فالمنهي عنه هو مخالفة المجوس بتوفير اللحية، لا مجرد وجود عينة رمزية تشير إلى وجود لحية في وجه الرجل. فحتى لو قالوا: إن الأمر على الندب، فيجب أن نبحث: ما هو الشيء المندوب والمستحب في الحديث؟ المستحب: هو الإطالة والتوفير فقط، أما أصل وجود اللحية فغير داخل في مثل هذا الاستدلال. فالإعفاء والإرخاء والإسدال والتوفير وترك اللحى على إطلاقها، الذي يقابل هذا كله: هو التقصير، لا الحلق والاستئصال. والعلماء يقولون: قد يأتي النهي أحياناً بصيغة الأمر؛ لأن النهي هو طلب الكف عن الفعل. وقد يرد النهي بصيغة الأمر، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أعفوا)، يعني: اتركوها وأعفوها ولا تقصوها. فالنهي يستلزم اجتناب الحلق: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال عليه الصلاة والسلام: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، فالشيء المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر نهياً عن الشيء المعين المضاد له، فإذا أُمرت بالحركة، فالأمر بالحركة يتضمن النهي عن السكون، وهذا حينما يكون المحل واحداً كذلك إذا كان المحل متعدداً، مثل الأمر بالقيام، فإنه يتضمن النهي عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك من الهيئات. فالكف عن المحل لازم للأمر لزوماً لا ينفك عنه، فلا يحصل الأمر إلا بالكف عما يضاده، لاستحالة اجتماع الضدين. وقد أتى ما يشعر بالنهي الصريح في حديث أبي ريحانة رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشر والوشم والنتف ..). يقول القاري في مرقاة المفاتيح: والنتف. أي: عن نتف النساء لشعورهن من وجوههن، أو نتف اللحية بأن ينتف البياض منهما، أو نتف الشعر عند المصيبة. فالعلماء لم يكونوا يتخيلون أن الناس سوف يتعدّون المخالفة إلى الإزالة الكاملة كما يحصل الآن، لكن حملوها على أنه نتف الشعر الأبيض من اللحية، حتى لا يظهر الشيب.

    حلق اللحية مُثْلة

    إذا قلنا: إن حلق اللحية مُثلة -كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره- فنستطيع أن نجزم بأن هناك نهياً صريحاً عن حلق اللحية باعتبارها مُثْلة، كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة). وفي حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين رضي الله عنهما قالا: (ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة). والمُثلة: التشويه بأي أسلوب، سواء كان بحلق الإنسان للحيته، أو بغير ذلك، ويشمل التمثيل بجثث القتلى في الحروب. وروى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: إن حلق اللحية مثلة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة. فالأمر والنهي جاء في الأحاديث التي فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإعفائها، ثم النهي كما في المثلة والنهي عن النتف، والنهي بصيغة الالتزام، فيلزم من الأمر بالشيء الكف عما يضاده.

    الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للكفار

    هناك قاعدة معروفة في الشريعة، وهي قاعدة مقررة وراسخة لم يتم التفصيل فيها، وهي: ترغيب الشرع في مخالفة الكفار، والتأكيد على ذلك في أبواب كثيرة جداً من العبادات أو العادات. والمقصود: النهي عن التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، لكن الكفار يأكلون ونحن نأكل، وهم يركبون السيارات ونحن نركب، أليس هذا تشبهاً بالكفار؟! نقول: لا، إلا فيما يختص بلباس الكفار، مثل القسيس الذي يلبس الثياب المعروفة التي تختص بالكفار، فإذا لبسها المسلم ففي هذه الحالة يقع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا). فهذه القاعدة لها أدلة عظيمة وكثيرة أيضاً، لكن الدليل المباشر في هذه القضية هو ربط قضية تشبه الكفار بحلق اللحية، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خالفوا المشركين: حفوا الشوارب وأوفوا اللحى). وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس، فقال: (إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحالهم فخالفوهم). يقول الحافظ ابن حجر : فإنهم كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها. معنى ذلك: أن المجوس الذين أُمرنا بمخالفتهم كانوا طرفين: منهم من يحلقها، ومنهم من يقصرها ويقصها، فكيف تكون مخالفتهم؟ تكون بالإعفاء والتوفير، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي حديث أبو أمامة، أن بعض مشيخة الأنصار قالوا: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم) والعثانين: اللحى، والسبال: الشوارب، وهو لم يقل: يحلقون. بل قال: يقصون. (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: كفوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب). وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً: (إن أهل الشرك يعفون سبائلهم ويحفون لحاهم، فخالفوهم: اعفوا اللحى، واحفوا الشوارب). والتشبه في الظاهر يعكس ما في القلب والباطن من والمحبة، ولذلك نرى من أحب قوماً أُولع بالتشبه بهم في مظهرهم وملبسهم، فإنك ترى بعض الفنانين -ولو كان من أفسق الفساق أو من لاعبي الكرة أو شيء من هذا- يخترع تخليعة معينة في ملابسه أو هيئته أو شعره، فتجد من ينقادون وراءه انقياداً كلياً، وينظرون إلى هذا بعين الاستحسان والإقرار، ويغفلون عن أن الأولى بالمسلم أن يربط نفسه بمن جعله الله عز وجل مثله الأعلى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]. فمن تشبه بالكفار في حلق اللحى، فهذا يعني أنه استحسن بقلبه ما عليه هؤلاء الناس، وأنه لا يستحسن -بل يستقبح- ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وجميع أئمة المسلمين وعامتهم في كل العصور، حتى أتى علينا هذا الزمان الذي فُتح علينا فيه باب الفتن، ولا سيما من اليهود والنصارى، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعد المسلمون يحسّون بصدى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم). فإن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام كانت له لحية عظيمة وجميلة، وكذلك الصحابة والسلف، والأئمة، ولم يوجد منهم من حلق لحيته في حياته مرة واحدة، بل إن بعض الأمراء ممن لم يكونوا متفقهين في الدين كانوا إذا أرادوا أن يؤدبوا أحداً من الرعية لخطأ ارتكبه، عاقبوه بحلق لحيته، ثم يركبونه على دابة؛ ليشهروا به بين الناس؛ فإن من الإهانة ومن العقوبة أن تُحلق لحيته، ويركب على دابة، ويطوفون به بين الناس وفي الأسواق، تعييراً له بهذا الهيئة المزرية. فالشاهد: أن هذا كان تعييراً عند الناس. وقال بعض العلماء: لا يجوز التعزير بحلق اللحية. ونهى العلماء عن أن يعزر الإمام أحداً من الرعية بحلق لحيته؛ لأن هذا حرام. وهناك طوائف من اليهود يتميزون جداً بزيهم الباطل، فلا يمكن أن تجد بينهم رجلاً حالقاً للحيته أو ليس في وجهه لحية، إلا الأمرد الصغير الذي لم تنبت لحيته، لكنك لا ترى أبداً يهودياً من هذه الطوائف يحلق لحيته وإن كانوا يوفرون سبالهم! فالمخالفة ليست في مجمل الأمر نفسه، بل في تفصيل هذا الأمر، فالقساوسة -مثلاً- يعفون لحاهم، واليهود يعفون لحاهم، والمسلمون يعفون لحاهم، لكن المخالفة تأتي في بعض الجزئيات والتفاصيل، وهو فيما يتعلق بقص الشارب، فهذا وجه المخالفة، وليست المخالفة في حلق اللحية كما قد يفهمه البعض.

    حلق اللحية تشبه بالنساء

    كثير ممن يحلقون اللحى لا يلتفتون إلى هذا الأمر؛ بسبب تعودهم واستمرائهم لهذا الأمر، وربما كان هذا بسبب تضليل بعض شيوخ السوء وتشويشهم على الأحكام الشرعية في هذا الباب.

    وهذا الأمر هو: أن حلق اللحية فيه نوع من التشبه بالنساء، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال).

    وفي الحديث الآخر: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل).

    وتشبه الرجل بالمرأة أو العكس، هذا من الكبائر، فيحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في أي شيء، سواء في الكلام.. في الحركة.. في الملابس.. في الهيئة..، ونحو ذلك.

    وقد نص بعض العلماء على أن حلق اللحية فيه تشبه بالنساء، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: وبها -يعني: باللحية- يتميز الرجال من النساء.

    وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وأما شعر اللحية، ففيه منافع، منها: الزينة والوقار، والهيبة؛ ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها: التمييز بين الرجال والنساء.

    وقال الكاندهلوي : اللحية: هي المميزة بين الرجل والمرأة ؛ إذ الشعور غير اللحية مشتركة بينه وبينها.

    فاللحية هي الفارق الأول والمميز الأكبر بين الرجل والمرأة، كما هو مشاهد ومعلوم للجميع.

    ولا شك أن الإنسان يستقبح ويستنكر أن المرأة تحلق شعر رأسها؛ لأن هذا شيء يستغرب ويستقبح، وهو مُثْلة.

    فينبغي أن يكون لديك نفس الشعور بالضبط إذا رأيت رجلاً قد حلق لحيته، لكن إنكار هذا المنكر لم يعد مصحوباً بالاستنكار المطلوب؛ لكثرة من يحلقون لحاهم، وكما قيل: كثرة المساس تُفقد الإحساس! فلم يعد في قلوبنا نفس هذا الشعور من الاستقباح لهذا المنكر.

    وقد جاء في قصة مصرع أبي جهل لعنه الله، قال النبي عليه السلام للصحابة: (من ينظر إلى ما صنع أبو جهل ، فانطلق ابن مسعود رضي الله عنه، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: أأنت أبو جهل؟ فأخذ بلحيته). متفق عليه.

    أي: أن ابن مسعود أخذ بلحية أبي جهل لعنه الله.

    فالعرب ما كانت تحلق اللحى، حتى المشركين الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا يعفون لحاهم، بل حتى أبو جهل وأبو لهب وغيرهم كانوا يعفون لحاهم قبل الإسلام؛ لأن اللحية من خصال الفطرة، وهي من علامات الرجولة، ولم تكن العرب تعرف حلق اللحية، وما تركت هذه الزينة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وأتى الإسلام فأقرهم عليها، بل وأمر بها أيضاً.

    وهناك أثر مروي عن عائشة -لكن لا أظنه صحيحاً- أنها كانت تقول: (سبحان من زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب)، والمعنى صحيح، فزينة الرجل غير زينة المرأة.

    ومما يناسب الإشارة إليه، أن الرجل خلقه الله تبارك وتعالى باللحية؛ لتظهر فيه الرجولة، والرجولة: هي عبارة عن مجموعة من السمات الظاهرة والباطنة كلما اجتمعت هذه السمات، كلما كانت الرجولة والفحولة أتم.

    فخصال الرجولة هي أثر من آثار هرمون الذكورة، وهذا الهرمون اسمه: (التستسترون)، وهناك أمراض قد تطرأ على بعض الرجال فينشأ عنها نقص في الرجولة، وهذه الأمراض تكون مصحوبة بسقوط شعر اللحية من الوجه، وهرمون الرجولة إذا حُقنت به أنثى فإنه يؤدي إلى ظهور بعض خصال الذكورة عليها، ومنها نمو اللحية في الوجه، وهذا هو المعروف في الطب، ومما يؤثر من الناحية الطبية أن اللحية مختصة بالرجال، وأنها الفارق الواضح بين المرأة والرجل!

    اللحية من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الرجال

    اللحية من نعم الله تبارك وتعالى العظيمة على الرجل، وهي مما زين الله به الرجل وأكرمه به، يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70].

    قال بعض العلماء: من تكريمه لبني آدم: خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها.

    وذكر بعض العلماء اللحية في تفسير هذه الآية كنوع من أنواع هذا التكريم، كما ذكر الإمام البغوي عند قوله تعالى: (( كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )) قال: يعني: كرمنا الرجال باللحى، والنساء بالذوائب.

    وقال أبو حيان : وقيل: اللحية للرجل، والذؤابة للمرأة. وكذلك قال القرطبي .

    وتأمل هذه الآية: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138]، وقال عز وجل: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن:3]، ولهذا أحسن وأكمل صورة يظهر بها الإنسان هي التي خلقه الله عز وجل عليها.

    ويقول تبارك وتعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4].

    ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6] * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:7] * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:8]، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل خلق الله عز وجل حَسَن).

    وقد كان السلف رحمهم الله يعرفون هذه المعاني الواردة في مثل هذه الآيات، فلهذا كانوا يعظمون شأن اللحية، ويعتنون بها، يقول عمرو بن دينار : كان قيس بن سعد رجلاً ضخماً جسيماً، صغير الرأس، ليس له لحية، إذا ركب حماراً خطت رجلاه الأرض.

    قال الشيخ ابن فوزان حفظه الله: كان قيس بن سعد أشطاً، والأشط: الذي لا لحية له، وإذا كان الرجل دون البلوغ وليس له لحية، فإنه يسمى أمرداً، لكن الذي بلغ وليس له لحية يسمى: أشطاً.

    قالت الأنصار: نعم السيد قيس ، لبطولته وشهامته، ولكن لا لحية له، فو الله! لو كانت اللحية تُشترى بالدراهم لاشترينا له لحية ليكمل رجلاً.

    وكان الأحنف بن قيس سيد قومه، وكان أعور أحنف دميماً قصيراً كوسجاًً، والكوسج: الذي لا شعر على عارضيه، قال الأصمعي : قال عبد الملك بن عمير : قدم علينا الأحنف الكوفة مع مصعب ، فما رأيت صفة تُذَمُّ إلا رأيتها فيه: كان ضئيلاً صعل الرأس -يعني: صغير الرأس- متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باحق العين -أي: أعور العين- خفيف العارضين، أحنف الرجلين، فكان إذا تكلم جلّى عن نفسه.

    وقد وصف بعض بني تميم من رهط أو من قبيلة الأحنف بن قيس : فقال وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفاً، فلم يذكر حنفه ولا عوره، وذكر كراهية عدم اللحية؛ لأن من لا لحية له، يرى عند العقلاء ناقصاً.

    وقال أبو نعيم : حدثتنا أم داود الوابشية قالت: خاصمت إلى شريح وليس له لحية.

    ذكر عن شريح القاضي قال: وودت أن لي لحية بعشرة آلاف درهم.

    والمقصود من هذه الآثار كلها: أن اللحية نعمة جليلة تفضل الله عز وجل بها على الرجال، فحلق هذه النعمة كفر بها في الحقيقة عند العقلاء، وانتكاس عن سنة مَنْ هديه خير الهدي -صلى الله عليه وآله وسلم- انحطاط على مستوى الكفرة الغربيين وغيرهم من الذين زين لهم سوء أعمالهم، فرأوا أن التمدن والكمال في القضاء على أكبر الفوارق بين الرجل والمرأة، على حدّ قول الشاعر:

    يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحَسَنِ

    الأمر بإعفاء اللحية للوجوب وليس هناك قرينة تصرفه عن الوجوب

    الدليل الأول على الترهيب من عدم امتثال إعفاء اللحية: هو كل آية في القرآن تُرهّب من معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    فهذا هو أعظم الأدلة على وجوب امتثال أوامره.

    ثم تأتي أدلة خاصة في المسألة، مثل المسائل التي نحن بصددها:

    روى ابن عمر رضي الله عنهما -كما في الصحيح-: {أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية} .

    وقال عليه الصلاة والسلام: {أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى}، وفي الحديث الآخر: {جزوا الشوارب، وأعفوا اللحى، وخالفوا اليهود}.

    فهذه كلها صيغ أمر، ووردت بصيغ مختلفة جمعها الإمام النووي رحمه الله تعالى، فحصل منها خمس صيغ: (اعفوا)، (أوفوا)، (أرخوا)، (وفّروا)، وهذا كله للوجوب يفيد وجوب امتثال المأمور به؛ لأنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ويجب القول: بأن حلق اللحية معصية صريحة لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وبعض الناس يفتشون في كتب الفقه عن أي شيء يسند موقفهم بعدما يكون موقفهم في النهاية هو الحاكم على اختياراتهم، فإذا ظفروا بشيء يضعف الحكم المشهور مالوا إليه، واعتصموا بأن خلاف الأمة رحمة، وأن لا إنكار في المسائل الخلافية، وأن هناك علماء قالوا كذا، وعلماء قالوا كذا، ويكون الهوى هو الحاكم في مثل هذه القضية!!

    والذي استطاعوا أن يظفروا به: هو خلاف الأصوليين في صيغة الأمر، هل هي تقتضي الوجوب؟ أم أنها تقتضي الندب؟

    فاعتبروا هذا الخلاف بين العلماء في كتب الأصول مسوّغاً للفرار من الالتزام بإعفاء اللحية، وقالوا: هو سنة وليس واجباً. ولو سلّمنا لهم بأنها سنّة فلماذا يواظبون على تركها؟! هذا إذا لم يشنعوا على القائمين بفعلها والممتثلين لها! فهم يقولون بأفواههم: هي سنة. ومع ذلك ترى عامتهم معرضون عن هذه السنة!

    فيقولون: الأمر الغالب في قوله: {جزوا الشوارب وأعفوا اللحى} هذا أمر للندب، وطالما كان الحال كذلك فإن إباحة الحلق تؤخذ من جهة كون المندوب غير ممكن.

    فعلى هذا الكلام -وهو قولهم: الأمر للندب- يكون إعفاء اللحية وتقصيرها وتنميتها وتركها على حالها، هذا هو مقتضى كل هذه الروايات؛ لأن الأمر هو أمر بالإطالة، لا بمطلق وجود اللحية، فمطلق وجود اللحية هو شيء مفروغ منه، كما سيأتي في الأدلة فيما أن الذين كانوا يقصون اللحى ويقصرونها هم المجوس، اللحى كما يفعل كثير من الناس في هذا الزمان، فالمنهي عنه مخالفة المجوس هو أمر بتوفير اللحية، لا مجرد وجود عينة رمزية تشير إلى وجود لحية في وجه الرجل.

    فحتى لو قالوا: إن الأمر على الندب. فيجب أن نبحث: ما هو الشيء المندوب والمستحب في الحديث؟

    المستحب: هو الإطالة والتوفير فقط، أما أصل وجود اللحية فغير داخل في مثل هذا الاستدلال.

    فالإعفاء والإرخاء والإسدال والتوفير وترك اللحى على إطلاقها، الذي يقابل هذا كله: هو التقصير، لا الحلق والاستئصال.

    والعلماء يقولون: قد يأتي النهي أحياناً بصيغة الأمر؛ لأن النهي: هو طلب الكف عن الفعل. وقد يرد النهي بصيغة الأمر، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (اعفوا)، يعني: اتركوها واعفوها ولا تقصوها.

    فالنهي يستلزم اجتناب الحلق: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال عليه الصلاة والسلام: {ما نهيتكم عنه فاجتنبوه}، فالشيء المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر نهياً عن الشيء المعين المضاد له، فإذا أُمرت بالحركة، فالأمر بالحركة يتضمن النهي عن السكون، وهذا حينما يكون الجزء واحداً.

    كذلك إذا كان الجزء متعدداً، مثل الأمر بالقيام، فإنه يتضمن النهي عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك من الهيئات.

    فالكف عن الجزء لازم للأمر لزوماً لا ينفك عنه، فلا يحصل الأمر إلا بالكف عما يضاده، به لاستحالة اجتماع الضدين.

    وقد أتى ما يشعر بالنهي الصريح، في حديث أبي ريحانة رضي الله عنه قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشر والوشم والنتف ..}.

    يقول القاري في مرقاة المفاتيح: {والنتف} أي: عن نتف النساء لشعورهن من وجوههن، أو نتف اللحية، أو ...بأن ينتف البياض منهما، أو نتف الشعر عند المصيبة.

    فالعلماء لم يكونوا يتخيلون أن الناس سوف يتعدّون المخالفة إلى الإزالة الكاملة كما يحصل الآن، لكن حملوها على أنه نتف الشعر الأبيض من اللحية، حتى لا يظهر الشيب.

    حلق اللحية يعتبر مُثْلة وتشويه للرجولة

    وإذا قلنا: إن حلق اللحية مُثلة -كما ذهب إلى ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره- فنستطيع أن نجزم بأن هناك نهياً صريحاً عن حلق اللحية باعتبارها مُثْلة، كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة}.

    وفي حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين رضي الله عنهما قالا: {ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة}.

    والمُثلة: التشويه بأي أسلوب، سواء كان بحلق الإنسان للحيته، أو بغير ذلك، ويشمل التمثيل بجثث القتلى في الحروب.

    وروى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: إن حلق اللحية مثلة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة.

    فالأمر والنهي جاء في الأحاديث التي فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإعفائها، ثم النهي كما في المثلة والنهي عن النتف، والنهي بصيغة الالتزام، وهي أنه يلزم من الأمر بالشيء الكف عما يضاده.

    الأمر بإعفاء اللحية هو أمر بمخالفة الكفار

    هناك قاعدة معروفة في الشريعة، وهي قاعدة مقررة وراسخة لم يتم التفصيل فيها، وهي: ترغيب الشرع في مخالفة الكفار، والتأكيد على ذلك في أبواب كثيرة جداً من العبادات أو العادات.

    والمقصود: النهي عن التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، لكن الكفار يأكلون ونحن نأكل، وهم يركبون السيارات ونحن نركب، أليس هذا تشبهاً بالكفار؟!

    نقول: لا، إلا فيما يختص بلباس الكفار، مثل القسيس الذي يلبس الثياب المعروفة التي تختص بالكفار، فإذا لبسها المسلم ففي هذه الحالة يقع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: {من تشبه بقوم فهو منهم}، وقوله عليه الصلاة والسلام: {ليس منا من عمل بسنة غيرنا}.

    فهذه القاعدة لها أدلة عظيمة وكثيرة أيضاً، لكن الدليل المباشر في هذه القضية هو ربط قضية تشبه الكفار بحلق اللحية، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى}.

    وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس، فقال: {إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحالهم فخالفوهم}. يقول الحافظ ابن حجر : فإنهم كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها.

    معنى ذلك: أن المجوس الذين أُمرنا بمخالفتهم، كانوا طرفين: منهم من يحلقها، ومنهم من يقصرها ويقصها، فكيف تكون مخالفتهم؟ تكون بالإعفاء والتوفير، كما أمر بثبت ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وفي حديث أبي يمامة ، قال له بعض مشيخة الأنصار: {يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم} والعثانين: اللحى، والسبال: الشوارب، وهو لم يقل: يحلقون. بل قال: يقصون. {يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: كفوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب}.

    وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً: {إن أهل الشرك يعفون سبائلهم ويحفون لحاهم، فخالفوهم: اعفوا اللحى، وأحفوا الشوارب}.

    والتشبه في الظاهر يعكس ما في القلب والباطن من والمحبة، ولذلك نرى من أحب قوماً أُولع بالتشبه بهم في مظهرهم وملبسهم.

    فإنك ترى بعض الفنانين -ولو كان من أفسق الفساق أو من لاعبي الكرة أو شيء من هذا- يخترع تخليعة معنية في ملابسه أو هيئته أو شعره، فتجد من ينقادون وراءه انقياداً كلياً، وينظرون إلى هذا بعين الاستحسان والإقرار، ويغفلون عن أن الأولى بالمسلم أن يربط نفسه بمن جعله الله عز وجل مثله الأعلى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    فمن تشبه بالكفار في حلق اللحى، فهذا يعني أنه استحسن بقلبه ما عليه هؤلاء الناس، وأنه لا يستحسن -بل يستقبح- ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وجميع أئمة المسلمين وعامتهم في كل العصور، حتى أتى علينا هذا الزمان الذي فُتح علينا فيه باب الفتن، ولا سيما من اليهود والنصارى، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعد المسلمون يحسّون بصدى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم}.

    فإن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام كانت له لحية عظيمة وجميلة، وكذلك الصحابة وكذلك السلف، وكذلك الأئمة، ولم يوجد منهم من حلق لحيته في حياته مرة واحدة، بل إن بعض الأمراء ممن لم يكونوا متفقهين في الدين، كانوا إذا أرادوا أن يؤدبوا أحداً من الرعية لخطأ ارتكبه، عاقبوه بحلق لحيته، ثم يركبونه على دابة؛ ليشهروا به بين الناس.

    فإن من الإهانة ومن العقوبة أن تُحلق لحيته، ويركب على دابة، ويطوفون به بين الناس وفي الأسواق، تعييراً له بهذا الهيئة المزرية.

    فالشاهد: أن هذا كان تعييراً عند الناس، وقال بعض العلماء: لا يجوز التعزير بحلق اللحية. ونهى العلماء عن أن يعزر الإمام أحداً من الرعية بحلق لحيته؛ لأن هذا حرام.

    وهناك طوائف من اليهود يتميزون جداً بزيهم الباطل، فلا يمكن أن تجد بينهم رجلاً حالقاً للحيته أو ليس في وجهه لحية، إلا الأمرد الصغير الذي لم تنبت لحيته، لكنك لا ترى -أبداً- يهودياً من هذه الطوائف يحلق لحيته وإن كانوا يوفرون سبالهم!

    فالمخالفة ليست في مجمل الأمر نفسه، بل في تفصيل هذا الأمر، فالقساوسة -مثلاً- يعفون لحاهم، واليهود يعفون لحاهم، والمسلمون يعفون لحاهم، لكن المخالفة تأتي في بعض الجزئيات والتفاصيل، وهو فيما يتعلق بقص الشارب، فهذا وجه المخالفة، وليست المخالفة في حلق اللحية كما قد يفهمه البعض.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964710

    عدد مرات الحفظ

    720716908