إسلام ويب

ضوابط التبديعللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كثيراً من طلبة العلم قد أطلقوا لألسنتهم العنان في تصنيف الناس وتبديعهم وتفسيقهم، وهذا يدل على عدم فقههم لأحكام الشرع، ودلالات النصوص، وضوابط التبديع والتفسيق التي وضعها أهل العلم، ولذا كانت الحاجة ماسة إلى بيان ضوابط التبديع والتفسيق والتكفير؛ فقد كثر الزلل في هذه المسائل.

    1.   

    الحديث عن البدعة

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن هذه العبارة التي نرددها دوماً في خطبة الحاجة وهي قولنا: (أصدق الحديث أو أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) هي عبارة مقصودة، ولا تقال عبثاً، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صدر الأمور والحاجات المهمة.

    يجب أن يكون شعار كل مسلم (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، وينبغي أن يرفع هذا الشعار، وأن يشاع الاستدلال بهذا الشعار، ويدرأ به في نحر كل من يتجاسر على مخالفة هديه أو استحسان البدع التي تخالف هديه صلى الله عليه وسلم.

    ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل النجاة في كلمة مكونة من شقين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا ينجو إنسان إلا إذا حقق هاتين الكلمتين.

    فالأولى: تشمل توحيد الله سبحانه وتعالى، وهو توحيد المعبود.

    والثانية: توحيد الطريق الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى.

    لا إله إلا الله يعني: لا يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده، لا إله حق إلا الله، فإذا قال إنسان: أنا أريد أن أعبد الله وحده، لكن كيف أعبده؟ كيف أعرف الذي يرضيه والذي يسخطه حتى أتجنبه؟

    فلا ينبغي أن ننظر فقط إلى قوله تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، بل وننظر إلى آيات أخرى كقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وقوله تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54]، وغير ذلك من الآيات التي تحتم على المسلم ألا يعبد إلا الله من خلال ما شرع، ولا يعبده بالبدع.

    فهذان التوحيدان لا نجاة إلا بهما: توحيد المعبود، وتوحيد المتبوع صلى الله عليه وسلم، توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فمنذ أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة إلا طريقاً واحداً على رأسه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقد أفتى العلماء بكفر من زعم أن هناك طريقاً إلى الجنة مخالفاً لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته الشريفة، فمن ادعى أن هناك طريقاً إلى النجاة وإلى الجنة يخالف طريق النبي عليه الصلاة والسلام فإنه قد خرج من ملة الإسلام، وكما يقدح الشرك في توحيد العبادة كذلك يقدح الابتداع في توحيد الاتباع، وكما ينافي التوحيد أعمال الشرك -وهي عبادة غير الله أو صرف شيء من العبادة لغير الله- كذلك ينافي ويضاد شهادة أن محمداً رسول الله الأخذ بالبدع وتقديمها على السنن.

    نبدأ هذا البحث ببعض المقدمات اليسيرة التي تتعلق بالبدع؛ لأنه لابد من تمهيد للموضوع الأساسي الذي هو ضوابط التبديع؛ لأنه يحصل خلط في هذا الباب كما يحصل خلط في قضايا التكفير نتيجة عدم إحكام ضوابط التكفير، فكما أن هناك ضوابط للتكفير فكذلك التبديع له ضوابط، ولابد أن نلم بها حتى لا يحصل منا شطط وخروج عن المنهج.

    تعريف البدعة لغة

    البدعة من الناحية اللغوية: أصل مادتها بدع، ويعبر بها عن الاختراع على غير مثال ومنه قوله تبارك وتعالى: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117] يعني: خالقهما على غير مثال سابق لهما، ومنه قوله تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] يعني: لست أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، فلست بدعاً من الرسل.

    ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدع واخترع طريقة لم يسبقه إليها أحد، وتقول: هذا شيء بديع أو أمر بديع، إذا كنت تستحسنه وتريد أن تقول: إنه لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله أو ما يشبهه.

    أما البدعة في المعنى الشرعي فهي: طريقة في الدين مخترعة تنافي الشرعية، ويقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى.

    وعندما توصف البدعة بالمعنى اللغوي لابد من التفريق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فالبدعة بالمعنى اللغوي لا تذم على الإطلاق؛ لأنها تشمل كل ما يخترع على غير مثال سابق، فاختراع أي جهاز مثلاً فإنه يعتبر بدعة، لكن هل هي البدعة المذمومة شرعاً؟ كلا، بل قد تكون واجبة في بعض الأحيان، حسب كونها وسيلة تؤدي إلى مقصود، وإذا كان المقصود مباحاً فهي مباحة، وإذا كان واجباً فهي واجبة، وهذا فيما يتعلق بالبدعة اللغوية.

    تعريف البدعة شرعاً

    البدع الشرعية كلها مذمومة، وهي التي سنناقشها، وليس كلامنا الآن في البدعة من حيث المعنى اللغوي.

    والبدعة كما عرفها الشاطبي في الاعتصام: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى.

    والطريقة والطريق والسنن كلها بمعنى واحد: وهو ما رسم للسلوك عليه.

    قوله: (في الدين) الدين: هو ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من العقائد والعبادات والمعاملات.

    والطرائق في الدين نوعان:

    هناك طريقة لها أصل في الدين، وطريقة ليس لها أصل في الدين، فالطريقة التي لها أصل في الدين ليست مخترعة، فمثلاً العلوم الخادمة للعلوم الشرعية مثل علم النحو.. والصرف.. مفردات اللغة.. أصول الفقه.. مصطلح الحديث، كل هذه طرق جيدة في الدين، السلف لم يدرسوا هذه العلوم بهذه الطريقة المدرسية التي ندرسها الآن، أو التي وجدت بعدهم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة؛ لأن لها أصلاً في الدين.

    فأصل هذه العلوم موجود في الشرع وإن لم توجد في الصدر الأول بنفس الكيفية؛ لأن الصحابة من سليقتهم كانوا فصحاء بلغاء، ولا يمكن أن يلحن الواحد منهم، فلما وقع اللحن وضعت هذه العلوم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة، فهي عبارة عن تسهيل وتخفيف وتيسير لطلبة العلم.

    أما النوع الثاني من الطرائق في الدين فهو: طريقة في الدين لا أصل لها، وهي طريقة في الدين مخترعة.

    فقولنا: (مخترعة) احترازاً من الطريق التي لها أصل في الدين.

    فهي طريقة ابتدعت على غير مثال سابق من الشرع، فهذا معنى مخترعة.

    (تضاهي الشرعية): يعني: أنها تشبه الطريقة الشرعية، فمن المعلوم أن الباطل لا يقبل إلا إذا كان فيه شيء من الحق، فلو أن المبتدع أو المضل أخرج الباطل باطلاً محضاً لا يخالطه حق، فإنه يسهل كشفه ولا ينتفع به أحد، لكن لابد للمبطل أن يخلط الباطل بشيء من الحق حتى تروج بضاعته على الناس، فلذلك عندما نقول: إن البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية بمعنى: أنها تشبه الطريقة الشرعية لكنها في الحقيقة ليست شرعية، فهي مجرد مشابهة، لكن في الحقيقة ليست طريقة شرعية، بل هي تتصادم مع الطريقة الشرعية من أوجه شتى.

    فالبدعة فيها وضع حدود خاصة للتعبدات، مثل رجل يريد أن يعبد الله فينذر أن يصوم، ويظل مع صومه قائماً ضاحياً في الشمس لا يستظل، فوضع كل هذه الكيفيات المخترعة للتعبد بدعة في الدين، ومثل الإنسان الذي يتعبد بالاقتصار على نوع معين من الملبس أو المأكل، فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك.

    كذلك التزام كيفية معينة من ذكر أو عدد معين أو صفة معينة والمحافظة عليها فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، وهكذا ...

    فالمبتدع دائماً يخلط البدعة بشيء من الحق، حتى يموه على الناس، ويسهل إضلالهم بها.

    قوله: (تضاهي الشرعية) أي: أنها طرائق تضاهي الشرعية كما حصل من كفار قريش عندما كانوا يبتدعون في الدين أشياء يزيدونها على ملة إبراهيم عليه السلام ينطبق عليها معنى البدعة، فمثلاً عندما كانوا يعبدون مع الله سبحانه الآلهة الباطلة، كانوا يستدلون على هذه العبادة بقولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    كذلك أيضاً كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهذا الفعل سماه الله تعالى فاحشة في قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28]، ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، فهذا فيه مضاهاة للطريقة الشرعية.

    كذلك كان المتشددون من قريش في الجاهلية يرفضون الخروج إلى عرفات، ويصورون عدم خروجهم إلى عرفات بأنهم يعظمون الحرم، ويقولون: نحن لا نخرج من الحرم تعظيماً للحرم، ويرفضون الخروج إلى عرفات، فهذا أيضاً من بدعهم.

    كذلك من هذه الطرق المبتدعة في الدين ما يدعيه الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن حباً فيه، وهذا من الطرق المبتدعة في الدين.

    قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى)، هذه من أركان تعريف البدعة، فالمبتدع ينظر إلى قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فيظن أن المقصود هو العبادة، لكنه يغفل عن حقيقة أخرى غير استحقاق الله وحده للعبادة، وهي أنه كما نوحد الله بالعبادة كذلك يجب أن نوحد رسوله بالاتباع والاقتداء، فلا نقتدي بغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنعبد الله بما شرع، ولا نعبده بالبدع؛ لأننا إذا تقربنا إلى الله بغير ما شرعه على لسان رسول الله عليه الصلاة والسلام فمعنى ذلك أننا نتهم الشرع بالنقص، وأن الرسول ما استوفى وسعه في نصيحتنا، وأنه كانت هناك أشياء تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار؛ وهو عليه الصلاة والسلام -وحاشاه- قد كتمها ولم يدلنا عليها! فهذا اتهام للشرع بالنقصان.

    قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى) معنى ذلك: أن البدع لا تدخل في العادات؛ لأن الفارق بين العادة والعبادة هو النية، فإذا انضاف إليها نية التقرب إلى الله كانت بدعة.

    مثلاً: إذا كان إنسان لا يأكل اللحم؛ لأنه لا يعجبه أو يؤذيه من الناحية الصحية أو لا يحبه بطبعه فليس عليه الحرج ما دام في نطاق العادات، أما إذا امتنع رجل آخر من اللحم تعبداً، ويقول: أتقرب إلى الله بترك اللحم، فهذا هو الذي يدخل في حد البدعة، والفرق بينهما النية، ولذلك قال الشاطبي في التعريف: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    ذم السلف للبدع والتحذير منها

    الأدلة على ذم البدعة والتحذير منها كثيرة متواترة سواء في القرآن أو في سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما القرآن فإن أكثر الأدلة الآمرة بطاعة الرسول صلى عليه وسلم مقرونة بطاعة الله سبحانه وتعالى.

    أما في السنة فالأحاديث مشهورة، ويكفي قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، فلا يقبل أبداً من أي شخص أن يأتي ببدعة وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، (فكل) صيغة عموم، وفي الحديث الآخر: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا أيضاً صيغة عموم، فكل البدع باطلة مردودة على صاحبها، فلا يليق أن يأتي من يدعي الإسلام ويسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل محدثة بدعة)، ثم يقول: لا، ليست كل محدثة بدعة، ولا كل بدعة ضلالة، بل منها ما هو حسن!

    ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة عليه الصلاة والسلام.

    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.

    وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة.

    وقال الأوزاعي : اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم.

    وعن أيوب السختياني قال: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي. وعنه أيضاً قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة. لماذا؟ لأن الإنسان يتعصب لأول شيخ علّمه، ولأول كتاب قرأه.

    فمن علامات السعادة والتوفيق أن الحدث -وهو الشاب الصغير- إذا تاب وأناب، أن يكون ذلك ابتداء على عالم سني حتى يقتصر على الطريق السوي، ولا يضيع عمره في التجول بين الطوائف المختلفة، فإن من علامات السعادة: أنه منذ البداية وضع قدمه على الطريق الصحيح، ولا يضيع بضاعة العمر بالتجول في الفرق الضالة.

    وقال ابن شوذب : إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها.

    وقال الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى: الطريق إلى الله عز وجل مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين لسنته، كما قال عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    وعن معمر قال: كان طاوس جالساً وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء -بدأ يتكلم في بدعته- فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه وقال: يا بني! أدخل أصبعك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً؛ فإن هذا القلب ضعيف.

    فلا ينبغي أبداً للإنسان أن يعرض نفسه لبلاء لا يطيقه، فإن كنت غير راسخ في العلم فلا تسمح لمبتدع أن يحادثك أو يعرض عليك بدعته، فلعله أن يشوش عليك ولا تملك دفعاً لها، وإذا ملكت لسانك لم تملك قلبك فإنه قد يتأثر بهذه البدع والضلالات خاصة، وإذا كان لديك لسان وجدل فليست البطولة أن تصغي إلى مبتدع ضال، بل البطولة ألا تعرض نفسك أصلاً لهذه الفتنة.

    فهذا طاوس لم يسمع لهذا المبتدع، وقال: إن هذا القلب ضعيف، وما زال يقول: أي بني! اثبت، أي بني! اثبت حتى قام الرجل المعتزلي.

    وعن صالح المري قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه فقال ابن سيرين : إما أن تقوم وإما أن أقوم.

    وعن سلمان بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لـأيوب -هكذا كانوا يسمون أهل البدعة، ما كانوا يسمونهم بالعقلانيين ولا غير ذلك من المسميات الموجودة الآن، لكن كانوا يسمونهم أهل الأهواء قال - لـأيوب السختياني : أكلمك بكلمة قال: لا، ولا نصف كلمة!

    وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً.

    وقال أبو قلابة : لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم أو ينكسوا عليكم ما كنتم تعرفون.

    وعن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها، يعني: يرجع منها.

    وعن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي داود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس، وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري ، فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فتجاوز الجنازة ولم يصل عليها؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء.

    وعن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه -لابد أن المبتدع يشعر بنوع من المذلة- قال: وهو في كتاب الله -يعني: الدليل على هذا في كتاب الله- قالوا: وأين هو في كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:152]؟! قالوا: يا أبا محمد ! هذه لأصحاب العجل خاصة! قال: كلا، اتلوا ما بعدها: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف:152] أي: الكذابين المبتدعين، فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة.

    وعن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.

    وعن سفيان الثوري قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة.

    وعن سعيد قال: مرض سفيان الثوري فبكى في مرضه بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكني مررت على قدري فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه.

    وعن الفضيل بن عياض قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه.

    وعنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.

    وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فكن في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عز وجل عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.

    وعن بشر بن الحارث قال: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي وأنا في السوق، فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكراً أي: حمداً لله الذي أماته!

    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، يعني: أتاكم من الدين ما يكفيكم قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3].

    وقال أيضاً: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع! وعليكم بالعتيق، يعني: القديم.

    وعنه قال: أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول.

    وعن عمر قال: يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين.

    وعنه قال: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تبارك وتعالى.

    وعن محمد بن مسلم قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.

    وقال إبراهيم النخعي : ما أعطاكم الله خيراً أخبئ عنهم، وهم أصحاب رسوله وخيرته من خلقه -يعني: لا يمكن أن يصطفيكم بخير يكون قد حجبه عن الصحابة- فكل خير هم كانوا أولى به، فلا تحسنوا الظن بأنفسكم أنكم أفضل ناصحاً، فهم أصحاب النبي وخيرته من خلقه، أفضل أولياء الله، فلا يمكن أن يكون هناك خير منعوا منه وحزتم أنتم بما ابتدعتم في الدين.

    وروي أن رجلاً قال لـمالك بن أنس : من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في زيادة الخير؟! قال مالك : فإن الله تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    وقال الأوزاعي : بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به.

    وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: قف حيث وقف القوم - أي: السلف- فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا الأقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم فحسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم.

    وقال محمد بن عبد الرحمن لرجل تكلم ببدعته ودعا الناس إليها: هذه البدعة التي تدعو إليها، هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أم لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها، قال: فشيء لا يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟! قال الرجل: فإني أقول قد علموها، قال: أفوسعهم ألا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضراً: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم.

    وعن حذيفة أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ! ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً، قال: والذي نفسي بيده! لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تركت السنة!

    وقال الحسن : لا تجالس صاحب بدعة؛ فإنه يمرض قلبك.

    وقال أبو الجوزاء : لأن أجالس الخنازير أحب إلي من أن أجالس أحداً من أهل الأهواء. لأن الخنزير لن يضره في دينه، فلو جالس الخنزير سيتأذى بنتنه، لكن لن يضله عن هدي النبي عليه السلام، أما أهل الأهواء والبدع فإنهم ينحرفون به عن ذلك.

    وعن سفيان قال: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه لئلا يلقيها في قلوبهم.

    والأدلة كثيرة جداً في ذم البدعة والتنفير من البدعة والمبتدعين بصفة عامة.

    1.   

    أقسام البدع

    تكلمنا في حد البدعة، وفي التنفير منها، وفي ذكر النصوص في ذمها، فما هي الضوابط التي تحكم مسألة الحكم على أحد بالبدعة، وكيفية معاملته وغير ذلك؟

    فالبدعة تنقسم باعتبارات إلى أقسام عدة: بدعة فعلية وبدعة تركية، بدعة كلية وبدعة جزئية، بدعة عادية وبدعة عبادية، بدعة حقيقية وبدعة إضافية.

    البدعة الفعلية والتركية

    البدعة الفعلية والتركية: مبنية على أساس الفعل والترك، فالإنسان قد يترك أشياء أباحها الله له، لكنه يتركها تعبداً كما يفعل الذين ينقطعون للعبادة ويستدلون بقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، فيتركون بعض المباحات تديناً، فهذه من البدع التركية.

    البدعة العملية والاعتقادية

    قسم آخر للبدع: بدع عملية وبدع اعتقادية، والعملية هي التي تكون متعلقة بالعمل، والعمل متعلق بالجوارح، فمثلاً الطواف حول الأضرحة بدعة عملية؛ لأنها متعلقة بالجوارح، والذكر أمام الجنازة بدعة عملية، وغير ذلك من أنواع البدع كالتوسل وغيره من الأشياء المخترعة.

    والبدعة العملية تكون متعلقة بالنية كمن يصلي ركعتين بنية طول العمر أو يصلي صلاة يسمونها مؤنس القبر أو صلاة بر الوالدين وغير ذلك من الصلوات المخترعة التي مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [الأعراف:71]، ومثلها صلاة الأيام: صلاة يوم السبت، صلاة يوم الأحد،.. وهذه كلها موجودة، وهي من البدع العملية.

    أما البدع الاعتقادية فهي: تكون باعتقاد الشيء على خلاف المعروف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا على سبيل المعاندة، ولكن بسبب شبهة، كما يمسح الشيعة -مثلاً- على الرجلين، فلو رأيت شيعياً يتوضأ فستجد أنه إذا وصل إلى القدمين فإنه لا يغسلهما بالماء، وهو لا يلبس جورباً، فيمسح القدم ولا يغسلها! فهذه بدعة اعتقادية، فهو يعتقد أن هذا هو هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وعنده شبهة في ذلك، ومع هذا ينكرون المسح على الخفين بشدة؛ ولذلك العلماء ينصون على هذه المسألة في متون العقيدة؛ لأنها متواترة ومقطوع بصحتها عن النبي عليه السلام، فلذلك أدخلوها في مسائل العقيدة، كما في متن العقيدة الطحاوية: ونرى المسح على الخفين في الحضر والسفر.

    ومن البدع الاعتقادية: بدعة المشبهة والمجسمة والقدرية وغيرهم من فرق الضلال.

    وهناك بدع متنوعة باعتبار الأزمنة والأمكنة والإحرام، كالموالد والأعياد والمواسم والجنائز والأضرحة والضيافة والعبادة والمعاشرة والعادات.

    البدعة الحقيقية والإضافية

    هناك قسم آخر للبدع، وهو أخطر أنواع البدع، وهو سبب المشاكل عموماً بين الناس في باب البدع، وهو قسم البدع الحقيقية والبدع الإضافية، وهذا قسم مهم جداً، فقضيتنا هي موضوع ضوابط التسمية في البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية.

    فالبدعة الحقيقية: هي ما كان الابتداء فيها من جميع وجوهها ليس له أصل، يعني: إذا نظرت للعمل من أي زاوية لا ترى له أصلاً في الشرع، فهو بدعة حقيقة بمعنى أن الابتداع فيها من جميع وجوهها، فهي بدعة محضة ليس فيها جهة تنطبق بها في السنة، وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال، ولذلك سميت بدعة حقيقة؛ لأنها مخترعة على غير مثال سابق، وهي بعيدة عن الشرع، خارجة عنه من كل وصف.

    من أمثلة البدع الحقيقية: بدعة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالرهبانية، وترك التزوج مع وجود الأمور الداعية إليه، وعدم المانع الشرعي منه كرهبانية النصارى، والله عز وجل يقول: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] وهذا استثناء منقطع، والمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.

    ومن هذه البدع: تعذيب النفس بألوان العذاب الشنيع والتمثيل الفضيع، كما يحصل من الهنود في الإحراق بالنار وغير ذلك، وكما يفعله الشيعة الروافض يوم عاشوراء من تعذيب أنفسهم، وإدخال أسياخ الحديد في أجسادهم، وشق أيديهم وصدورهم ورءوسهم حتى تخرج الدماء، فهذه أيضاً من البدع الحقيقية التي لا يمكن أبداً أن تندمج في الدين، ولا يمكن أبداً أن يباح للإنسان أن يعذب نفسه بهذه الطريقة التي يفعلها الشيعة يوم عاشوراء من خدش الرءوس والوجوه، ولطم الخدود، والنياح لقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، فيقيمون هذه المآتم زاعمين أن ذلك يقربهم إلى الله سبحانه تعالى!

    ومن البدع الحقيقية: تحكيم العقل في أخبار القرآن والسنة كما هو معروف في التيارات الاعتزالية.

    ومن البدع الحقيقية: الطواف حول الأضرحة، والوقوف على غير عرفة، وإقامة الهياكل على القبور، وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة، فهذه كلها لا يمكن أبداً من أي جهة أن تندمج بالشرع أو تكون لها شبهة من أدلة الشرع، بل هي بدعة محضة لا يمكن أن يكون لها أصل في الدين، فهذه البدعة الحقيقية.

    أما البدعة الإضافية فهي على خلاف ذلك، فالبدعة الإضافية لها شائبتان:

    إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من هذه الجهة بدعة، والأخرى: ليس لها متعلق في الأدلة إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، فالبدعة الإضافية هي باعتبار من الاعتبارات سنة، وباعتبار آخر بدعة، فهي غير خالصة لأحد الطرفين، ولذلك نسميها البدعة الإضافية يعني: حسب ما تضاف إليه، فهي سنة بالنسبة لإحدى الجهتين، وبدعة بالنسبة للجهة الأخرى، فسنة من هذه الزاوية لأنها مستندة إلى دليل، وبدعة لأنها من الزاوية الأخرى ليست مستندة إلى دليل شرعي ولا إلى حتى شبهة، بل غير مستندة إلى دليل أصلاً، وهذا النوع هو مجال النزاع بين أغلب المتكلمين والمؤلفين في السنن والبدع، ولها أمثلة كثيرة كصلاة الرغائب، وصلاة الليل في النصف من شعبان، وصلاة حفظ الإيمان، وصلاة بر الوالدين، وصلاة مؤنس القبر، وصلاة ليلة يوم عاشوراء، فهذا كله لم يثبت أبداً في السنة بوجه من الوجوه، فلماذا نقول: إنه بدعة إضافية؟

    لأنه تشيبه شائبتان، فالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل ثابت في الشرع، يقول عليه الصلاة والسلام: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) فمن هذه الناحية هم يقولون: نحن نصلي ولا نعبث، ومن جهة أخرى: هذا لم يكن ثابتاً في السنة فهو بدعة من جهة، وسنة من جهة أخرى.

    كذلك بدعة التلحين والتطريب والتغني في الأذان، فهذه بدعة إضافية؛ لأن الأذان في حد ذاته هو سنة مشروعة معروفة، أما باعتبار ما عرض له من التبطيء في كلمات وتلحينها، وإخراجها عن أوضاعها العربية من أجل المحافظة على توقيع الألحان؛ فهي بدعة قبيحة، وهذا لا يحتاج إليه لا في الأذان ولا في قراءة القرآن، فالأذان من حيث كونه أذاناً ليس بدعة، بل هو مشروع، أما من حيث ما أضيف إليه من كيفية فهذا بدعة إضافية.

    ومن البدع الإضافية القراءة الصمدية مائة ألف مرة، يقرءون: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] مائة ألف مرة، ويسمونها: العتاقة الكبرى، أي: أن من قرأها لنفسه أو لغيره يعتق من النار، فهذه بدعة إضافية؛ لأن قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ذكر مشروع معروف كقوله صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن)، وقوله: (من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة)، لكن من حيث تسميتها عتاقة وتركيب هذه الفوائد عليها وتشريعها للناس؛ فهي بدعة ليس لها أصل في الدين.

    ومن البدع الإضافية: النداء بالأذان لصلاة العيدين أو صلاة الكسوف، فإنه لم يثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أذان لصلاة العيدين وصلاة الكسوف، فالأذان من حيث هو أذان يكون مشروعاً، لكن من حيث جعله لصلاة العيدين أو صلاة الكسوف فهو بدعة من هذه الناحية.

    كذلك ختم الصلاة بالطريقة الموجودة الآن، وهي أن المصلين يختمون الصلاة بطريقة معينة كما هو المعروف في بعض المساجد، فهذه الأذكار التي تقال في هذا الموطن في حد ذاتها سنة، لكن البدعة طرأت عليها من حيث الكيفية والألفاظ المبتدعة التي يخترعونها.

    البدعة الكلية والجزئية

    وهناك تقسيم آخر للبدعة وهو: البدعة الكلية والبدعة الجزئية.

    فالبدعة الكلية: هي البدعة التي يكون الخلل الناشئ عنها كلياً في الشريعة، وتتعدى محلها، وتنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، كأن تكون البدعة عبارة عن قانون أو قاعدة نتحاكم إليها، فبالتالي يترتب على هذا التحاكم كثير جداً من المخالفات.

    ومن البدع الكلية: بدعة إنكار الأخبار النبوية مطلقاً، والإقرار بالقرآن الكريم فقط، وهؤلاء يقال لهم: قرآنيون، فهل هذه البدعة متعلقة بمخالفة في قضية واحدة أم أنها قاعدة كلية نتحاكم إليها؟

    بل هي قاعدة يتحكم بها في الشرع، وتلغى بها سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذه بدعة كلية.

    ومنها: بدعة عدم الأخذ بأخبار الآحاد، فهي بدعة كلية يترتب عليها مئات المخالفات الشرعية، بسبب إنكار الأحاديث النبوية.

    ومنها: بدعة إنكار القسم الثالث من السنة، وهو الذي يستقل بتشريع لم يرد في القرآن، فهذه بدعة كلية وليست جزئية، ووجه كون هذه البدعة كلية أنها تشمل ما لا حصر له من فروع الشريعة، ولأن عامة التكاليف مبني عليها.

    فالأمر يرد على المكلف إما من الكتاب وإما من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قلنا: إن كان وارداً في السنة فأكثر السنة آحاد، والأحاديث المتواترة قليلة جداً، وكذلك أحكام السنة التي وردت في القرآن قليلة، وأكثرها زائدة على ما في القرآن.

    فهذا هو الابتداع بعينه أن يتخذ الشخص مثل هذه القواعد الكلية، ويضل بها في مئات الأحكام الشرعية.

    ومن البدع الكلية: بدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله، وهذه العبارة دليلهم في رفض التحكيم، بناءً على أن اللفظ عام لم يلحقه التخصيص، وهم قد أعرضوا عن قوله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35]، وقوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95]، فلم يراعوا أن العام هنا يكون مخصوصاً.

    أما البدعة الجزئية: فهي البدعة التي يكون ضررها جزئياً في بعض الفروع دون بعض، ولا تتعدى محلها، ولا تنتظم غيرها حتى تكون بدعة كلية.

    ومن البدع الجزئية بدعة التغني بالقرآن، وبدعة التلحين في الأذان، فهذه بدعة جزئية؛ لأن ضررها جزئي في موضوع الأذان فقط، ولا تتعدى محلها، ولا تدخل مثلاً في الصلاة، ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، فمن هنا كانت جزئية.

    ومنها: الامتناع عن تناول ما أحل الله من الطعام أو الشراب، فهذه بدعة جزئية.

    البدع في العادات

    هناك بدع في العادات وبدع غير عادية، فيمكن أن تدخل البدع العادية في الأمور العادية مثل الثياب والأكل والشرب والمشي والنوم، فهذه الأمور عادية لا يدخلها الابتداع من جهة كونها عادية، وإنما يدخلها الابتداع من الجهة التعددية، كأن يخالف الوجه المشروع فيها، ويتقرب إلى الله تبارك وتعالى بذلك، كأن يتقرب إنسان إلى الله بترك نوع معين من الملابس أو الطعام أو غير ذلك من الأشياء.

    1.   

    أهم ضوابط التبديع

    البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وبالتالي ينعكس هذا في الحكم على المبتدع نفسه، فبلا شك أن المبتدع بدعة عقائدية أخطر من المبتدع بدعة عملية في الغالب، وكذلك المبتدع بدعة كلية أشد انحرافاً من المبتدع بدعة جزئية، والبدع الحقيقة أخطر من البدعة الإضافية.

    إذاً: ينبغي أن نعرف أن البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وإنما هي تتفاوت في خطورتها حسب ما تؤدي إليه، فهذا أهم ضابط في التبديع، وهو معرفة أقسام البدع.

    لا يجوز التبديع في المسائل الفقهية السائغة

    القضايا التي يختلف فيها العلماء -لاسيما القضايا الفقهية- خلافاً سائغاً لا يجوز الحكم على المخالف فيها بالابتداع، كأن يقع بعض أفاضل العلماء من أئمة الخير والهدى في هذا الزمان في زلة، كمن قال عن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع: هذه بدعة وضلالة! فهذه المسألة لا يجوز أن تندرج في ميزان البدعة على الإطلاق، والخلاف فيها خلاف سائغ، والأمر أهون من ذلك بكثير، فهذه لا تدخل بأي حال في حد البدعة أبداً؛ لأن الخلاف سائغ، والحديث محتمل في تفسيره، فالخلاف الفقهي السائغ لا يمكن أبداً أن تطلق على مخالفك فيه وصف البدعة. والخلاف على ثلاثة أنواع: هناك خلاف مذموم، وخلاف ممدوح، وخلاف سائغ. النوع الأول: الخلاف المذموم، وهو خلاف أهل الأهواء لأهل العلم، وخروجهم عن هدي أهل العلم والسنة، كمخالفتهم لأصول العقيدة أو ما علم من الدين بالضرورة، فهذا خلاف مذموم. النوع الثاني: خلاف ممدوح، وهو خلاف أهل العلم لأهل الأهواء، وهذا خلاف ممدوح. النوع الثالث: الخلاف السائغ، وهو خلاف أهل العلم لأهل العلم بالشروط التي سنذكرها إن شاء الله.

    من ضوابط التبديع أنه لا يجوز التبديع في المسائل الفقهية السائغة

    القضايا التي يختلف فيها العلماء -لاسيما القضايا الفقهية- خلافاً سائغاً لا يجوز الحكم على المخالف فيها بالابتداع، كأن يقع بعض أفاضل العلماء من أئمة الخير والهدى في هذا الزمان في زلة، كمن قال عن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع: هذه بدعة وضلالة! فهذه المسألة لا يجوز أن تندرج في ميزان البدعة على الإطلاق، والخلاف فيها خلاف سائغ، والأمر أهون من ذلك بكثير، فهذه لا تدخل بأي حال في حد البدعة أبداً؛ لأن الخلاف سائغ، والحديث محتمل في تفسيره، فالخلاف الفقهي السائغ لا يمكن أبداً أن تطلق على مخالفك فيه وصف البدعة.

    والخلاف على ثلاثة أنواع:

    هناك خلاف مذموم، وخلاف ممدوح، وخلاف سائغ.

    النوع الأول: الخلاف المذموم، وهو خلاف أهل الأهواء لأهل العلم، وخروجهم عن هدي أهل العلم والسنة، كمخالفتهم لأصول العقيدة أو ما علم من الدين بالضرورة، فهذا خلاف مذموم.

    النوع الثاني: خلاف ممدوح، وهو خلاف أهل العلم لأهل الأهواء، وهذا خلاف ممدوح.

    النوع الثالث: الخلاف السائغ، وهو خلاف أهل العلم لأهل العلم بالشروط التي سنذكرها إن شاء الله.

    1.   

    ضوابط الخلاف السائغ

    خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق

    أول ضابط من ضوابط الخلاف السائغ: خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فالعالم قد يراجع المسألة وهو يريد الحق، لكن خفي عليه الدليل الواضح الذي يحسم المسألة، فهذا خلاف سائغ.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا كانت المسألة نصاً خفي على بعض المجتهدين، وتعذر عليهم علمه، ولو علم به أحدهم لوجب عليه اتباعه، ولكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر، وهو منسوخ أو مخصوص، وهو لم يعلم بالدليل المخصص أو الناسخ أو لم يصح عنده.

    وهذا أغلب خلاف الأئمة رحمهم الله تعالى: الإمام الشافعي والإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة وغيرهم، فلا يظن بواحد منهم أنه يتعمد مخالفة الدليل. بعض الإخوة السلفيين في قرية، وكان بينهم وبين إمامهم خلاف قوي وقع بقدر الله سبحانه وتعالى، وفي أثناء الحوار اتضح أن الإخوة السلفيين هناك لا يريدون أبداً أن يصلوا خلف الإمام الحنفي، ويضيع أحدهم صلاة الجماعة ولا يصلي خلف إمام مذهبه حنفي!

    فلما تناقشنا معهم قال: لأن الحنفي يرد سنة الرسول عليه السلام! فهل يظن بمسلم أن يرد سنة الرسول عليه السلام؟! فهذا الضابط مهم جداً، فإن العلماء قطعاً يريدون الحق، نعم قد يخالف الحق، لكن هو لا يقصد ذلك ولا يتعمده أبداً.

    فالشاهد أن أول الضوابط: خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فهو يقصد الحق وقد يخالف الحق لا عن عمد، لكن عن عذر كخفاء هذا الدليل، أو عدم ظهوره إياه، أو عدم صحته عنده أو تأويله إياه.

    التيسير في المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ

    الضابط الثاني: ما كان من المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ، وقل من يسلم منها حتى من كبراء الأمة، فإنه يسهل فيها، فهناك مسائل دقيقة في تفاصيل القضايا الفقهية، ولا يمكن أبداً أن تتفق الأمة كلها في مثل هذه الدقائق، وقل من يسلم من الخطأ في مثل هذه الفروع حتى من كبراء الأمة.

    قال شيخ الإسلام : ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. لأنه ما من أحد من كبراء الأمة إلا ويختلف مع أخيه من العلماء في بعض الفروع الدقيقة جداً، وهذه معروفة لمن درس الفروع الفقهية، وقرأ الموسوعات الفقهية، فإنه يرى شدة الخلاف بين العلماء في هذه المسائل الدقيقة.

    عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع

    الضابط الثالث: عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع.

    حتى يكون الخلاف سائغاً يجب ألا يخالف نصاً شرعياً صريحاً واضحاً، ولا إجماعاً متيقناً معلوماً، فإذا كانت المسألة نصاً أو إجماعاً فأي خروج عن النص أو الإجماع يعتبر خلافاً غير سائغ، فإذا اجتهد الفقيه في مسألة، وبذل فيها وسعه، فإن خالف غيره من العلماء سواء كانوا سابقين أو معاصرين فالخلاف يكون سائغاً ما لم يكن فيها نص أو إجماع.

    وهذا الضابط مهم جداً، فمثلاً قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:5]، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3] التعبير بكلمة (تحريم) نص في المسألة، ولا يمكن أن يناقش هذا هل هو حرام أم مكروه، فالنص واضح وجلي في أعلى درجات الوضوح في دلالة الألفاظ: (حرمت) (أحل لكم).

    فلا يقبل أبداً مخالفة ما جاء فيه نص التحريم، بخلاف الأدلة التي الظاهر منها هو التحريم، وغير ذلك من الدلالات التي هي أقل وضوحاً من النص، ومثل النص الإجماع، فإن الأمة معصومة أن تجتمع على ضلالة، والإجماع يدخل فيه ما علم من الدين بالضرورة.

    فإن اجتهد الفقيه في مسألة ليس فيها نص ولا إجماع، وبذل فيها وسعه، ولم يترتب عليها مخالفة لإخوانه من العلماء المعاصرين أو السابقين أو اللاحقين؛ فخلافه داخل في دائرة الخلاف السائغ.

    لا يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والاجتهاد

    الضابط الرابع: لا يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والاجتهاد والفقه في الدين.

    لا يمكن أن يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والبصيرة والاجتهاد في الدين، ولا يفتح باب الاجتهاد على الإطلاق لكل شخص من عوام الناس أو طالب علم، فيقول أحدهم: أنا اجتهدت في هذه المسألة، ورأيت فيها بخلاف كلام هذا الإمام، ويعتبر أن هذا الخلاف سائغ! الخلاف السائغ هو الذي يصدر عن أهل العلم وأئمة الاجتهاد والفقه في الدين.

    والخلاف السائغ هو خلاف الأئمة وأهل العلم، ويمكن أن يكون الإمام مجتهداً، ويقصر في الاجتهاد، فلابد أن يبلغ الفقيه وسعه في فهم حكم الشرع، فلو أن إماماً من الأئمة المجتهدين أفتى دون أن يبذل وسعه، فهذا غير سائغ؛ لأن ضابط الاجتهاد: أن يبذل العالم أقصى وسعه في تحري الحق وقصده، فإن خالف ففي الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر).

    لكن إذا لم يجتهد وأفتى بدون بذل الوسع فلا يدخل تحت هذا الحديث، والآن كل من هب ودب يستدل بهذا الحديث على آرائه واجتهاداته، ويظن أنه مأجور حتى لو أتى الأمر من غير بابه ولم يكن مجتهداً، بل حتى ولا طالب علم ولا مجتهد في العلم، ومع ذلك يقول: أقول، ومذهبنا الذي نرجحه! وغير ذلك من العبارات الرنانة، وهؤلاء لا عبرة بكلامهم على الإطلاق، فإنه لا يكون الخلاف سائغاً إلا إذا كان صادراً من أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين.

    ذكر شيخ الإسلام أنواع المجتهدين فقال: بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)، فأنكر عليهم اجتهادهم. فهم اجتهدوا عن غير أهلية، فليس عندهم مؤهلات للاجتهاد، ولذلك أنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقل كما قال في الحديث الآخر: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)، وإنما قال: (قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)، فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا من أهل العلم.

    أن يبذل الفقيه أقصى وسعه في الوصول إلى الحق

    الضابط الخامس: أن يبذل الفقيه أقصى وسعه وغاية جهده في الوصول إلى الحق، فإذا قصر ذم بتقصيره، ومن التقصير عدم طلب الدليل من الكتاب والسنة.

    عدم البغي

    الضابط السادس: لا يكون الخلاف سائغاً إذا صحبه بغي؛ لأن الإنسان إذا كان يبغي على مخالفه فالبغي يعارض قصد الحق، وقد ذكرنا الضابط الأول من ضوابط الخلاف السائغ، وهو خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق.

    فالشخص الذي يريد أن يبغي على مناظره أو على مخالفه يستدل بأدلة للانتصار لرأيه أو مذهبه، فالبغي يتنافى مع قصد الحق، فقاصد الحق لابد أن يكون متجرداً عن الهوى، ولابد أن يقصد الحق، فإذا كان في بحثه أو في أسلوبه بغي فإن البغي يعارض قصد الحق الذي هو من ضوابط الخلاف السائغ، يقول تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران:19].

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والبغي إما تضييع للحق وإما تعد للحد، فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم، فعلم أن موجب التفرق هو ذلك. أي: الذي يحدث التفرق هو البغي، وما هو البغي؟

    له صورتان:

    إما تضييع للحق أي: بترك الواجب، أو تعد للحق بفعل الحرام، والبغي يوجب التفرق بين الناس، فلا يكون الخلاف سائغاً مع البغي، فالبغي يعارض قصد الحق الذي هو من لوازم الخلاف السائغ.

    لا يكون الخلاف سائغاً مع ظهور الأدلة

    الضابط السابع: الخلاف لا يكون سائغاً مع ظهور الأدلة.

    فلابد أن يكون اجتهاد العلماء واختلافهم في المسائل الفرعية التي لم يدل دليل قطعي على حسمها؛ لأن الدليل الظاهر يحسم مادة الخلاف، فإذا كان الخلاف سائغاً قبل ظهور الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد ظهوره؛ وليس هناك تعارض بين هذا وبين الضوابط السابقة؛ لأن العالم معذور في مخالفته للحق -هو يقصد الحق لكن خالفه- ما لم يأته الدليل الصحيح الصريح الذي يحسم الخلاف، فإذا أتى الدليل فهو معذور قبل ذلك، أما إذا ظهر الحق فلم يعد لا يعود الخلاف سائغاً في حقه.

    ولذلك كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فالدليل الظاهر هو يحسم مادة الخلاف، فإذا كان الخلاف سائغاً قبل ظهور الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد ظهوره.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت شدته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول عالم، وقال: ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف شخص الحق لا يجوز له تقليد أحد في سنته.

    فهذه هي ضوابط الخلاف السائغ، وأهمية هذه الضوابط أن الخلاف السائغ لا يتم على أساسه تبديع للمخالف.

    1.   

    مراتب البدع

    تتفاوت مراتب البدع، فالبدعة التي تخالف السنن قد تكون في أمور دقيقة، وقد تكون في أمور جلية وعظيمة، ومن ثم يتفاوت أصحاب البدع قرباً وبعداً عن السنة، فأحياناً يرجع الخلاف بينهم إلى النزاع في الألفاظ والأسماء، ويرجعه البعض الآخر إلى النزاع في المعاني والحقائق، فهناك بدعة لا يكفر أصحابها اتفاقاً، وهناك بدعة يكفر أصحابها اتفاقاً، وهناك بدعة مختلف في تكفير أصحابها، فيوجد تفاوت في مراتب البدع.

    بدعة لا يكفر أصحابها

    البدعة التي لا يكفر أصحابها اتفاقاً مثل بدعة المرجئة أو بدعة الشيعة المفضلة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة، ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبعون تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم المرجئة المفضلة تنفيراً من مقالتهم.

    إذاً: من البدع التي لا يكفر أصحابها اتفاقاً المرجئة والشيعة المفضلة الذين يفضلون علياً على الشيخين.

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما المرجئة فلا تختلف نصوصه -أي نصوص الإمام أحمد - أنه لا يكفرهم، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء، ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم باب الأسماء.

    يعني: في كتب العقيدة يقولون: باب الأسماء، ويشيرون إلى مخالفة المرجئة لأهل السنة في بعض الأسماء، مثل الاختلاف في كلمة (التصديق)، ما المقصود بالتصديق؟ هل هو التصديق الانقيادي أم هو مجرد المعرفة؟ إلى غير ذلك من التفاصيل، فهذا نزاع فقهي، لكنه يتعلق بأصل الدين، ولذلك سمي المنازع فيه مبتدعاً وإن كان لا يكفر.

    ويقول شيخ الإسلام أيضاً : كذلك الشيعة المفضلين لـعلي على أبي بكر، لا يختلف قول الإمام أحمد في أنهم لا يكفرون، فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضاً، وإن كانوا يبدعون.

    وقال أيضاً: السلف والأئمة لم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء.

    بدعة لا خلاف في تكفير أصحابها

    القسم الثاني: بدع لا خلاف في تكفير أصحابها، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء.

    ويقول شيخ الإسلام أيضاً : المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية -وهم المعطلة لصفات الرحمن- الذين ينفون صفات الله سبحانه وتعالى جميعاً، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، فنفي الصفات بهذه الطريقة التي يسلكها الجهمية يئول إلى نفي وجود الله سبحانه وتعالى، ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، يعني: كلام الجهمية أشد عنده من كلام اليهود الذين يقولون: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64]، أو الذين يقولون: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، أو الذين يقولون: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، أو إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] .

    قال غير واحد من الأئمة: إنهم -أي: الجهمية- أكفر من اليهود والنصارى، ولهذا كفروا من يقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن الله ليس على العرش، وإن الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب ونحو ذلك من صفاته.

    وفي هذا الزمان هناك بدع كثيرة جداً ينبغي أيضاً ألا نختلف في تكفير أصحابها، مثل بدعة العلمانية، فهي أخطر البدع الموجودة في هذا الزمان على الإطلاق، وبدعة العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، وعزله في جدران المساجد، وإبدال كل حدود الله فيما يتعلق ببناء المجتمع على أساس الكتاب والسنة.

    فهذه بلا شك بدعة مكفرة، ومن يعتقد هذا بعد أن تقوم عليه الحجة يكون خارجاً من ملة الإسلام، فمن يعتقد فصل الدين عن الحياة، لتكون الحياة بالطريقة التي يعتقدها العالم الغربي الجديد، فهو كافر، ولا يمكن أن يجمع بين الإسلام وبين العلمانية، فالعلمانية تشرق والإسلام يغرب، العلمانية تبيح الربا والفواحش، وتبطل قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبطل إقامة حدود الله وغير ذلك من المضادة الصريحة والمعاندة الواضحة لدين الله سبحانه وتعالى.

    فالعلمانية من البدع المكفرة.

    أما البدع المختلف في تكفير أصحابها فمثل بدعة القدرية الذين يقرون بصفة العلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية والجهمية والخوارج.

    فهناك عن الإمام أحمد روايتان في تكفير هؤلاء، مع أنه وارد عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المثبتين للعلم والخوارج، مع أنه قال: ما أعلم قولاً شراً من الخوارج.

    والجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها الأمة، لكن لا نستطيع أن نغادر هذا الضابط وهو تقسيم البدعة إلى بدعة مكفرة بالاتفاق، وبدعة غير مكفرة بالاتفاق، وبدعة مختلف في تكفير صاحبها، حتى نضيف ضابطاً آخر ومهماً جداً وهو: التفريق بين كفر النوع وكفر العين.

    يعني: كفر النوع لا يستلزم كفر العين، البدعة نفسها تكون كفراً لكن لا يكون الشخص المتلبس بها كافراً، فهذه قاعدة سبق أن سردناها بالتفصيل في بحث الكفر والإيمان لكن نشير إليه.

    فإن أهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم المطلق على أصحاب البدع بالمعصية أو الفسق أو الكفر وبين الحكم على شخص معين ممن ثبت إسلامه بيقين، فالشخص إذا ثبت إسلامه بيقين لا يمكن أن تنفى عنه صفة الإسلام إلا بيقين.

    فمن صدر عنه إحدى هذه البدع لا يمكن الحكم عليه، لا نقول عليه: كافر أو فاسق أو عاص إلا بتوفر شروط، وانتفاء موانع، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبين له مخالفة قوله للسنة؛ وذلك بإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، كمن يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه هذا الوعيد في أحكام الآخرة؛ لأن موضوع التكفير موضوع مرتبط بباب الوعيد؛ لأن التكفير نوع من الوعيد، بل أي فعل يترتب عليه أنه وعيد قد يكون أقل من الكفر، لأن الكفر أشد الأفعال وعيداً.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إني من أعظم الناس ناهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. لأن بعض الناس يعتبرونها بطولة أن يكفر شخصاً بعينه أو يبدعه، وليست بطولة يقول صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك) لا تتكلم إلا بعلم وحجة، لكن تكلم بكلام عام في المواعظ، ودروس العلم، والخطب، وغير ذلك من مقامات الدعوة والترغيب والترهيب، تنفر من البدع بالنصوص الشرعية العامة.

    لكن أن تكفر الشخص بعينه فهذا لا ينبغي أن تحكم عليه بكفر أو بتفسيق أو ابتداع حتى تستوفي شروطاً معينة، وهذا من خصائص القضاء الشرعي، ولا تنازع الأمر أهله، نريد أن نقول: إن موضوع الحكم على كفر النوع هذا لا يكون على المنابر أو في الدروس والخطب، وبأن الأمر يمكن في مثل هذه المحافل أن يتكلم عنه بصفة عامة تنفيراً من البدع ووصف الكفر بأنه كفر وهذا لا حرج على الإطلاق فيه.

    لكن في مقام التأصيل والتقعيد والتنظير ومحاكمة الناس ليست المسألة عبثاً ولا هوى، وإنما ينبغي التحقق والتحري والتدقيق والتثبت، فمن هنا نقبل في الحقيقة هذه الكلمة التي قالها المودودي رحمه الله في كتابه: (نحن دعاة لا قضاة) فالإنسان عليه أن يدعو، لكن القضاء الشرعي والحكم على الناس بأعيانهم هذه ليست وظيفة الدعاة، وهذه الأحكام يترتب عليها أمور عملية، إذا حكمت عليه بالردة يترتب عليه أنه يجب أن يقتل ويفرق بينه وبين زوجته وغيرها من الأحكام الشرعية المعروفة.

    فالقضية يجب أن نفرق بين وظيفة الداعية وبين وظيفة القاضي الشرعي، وقد بايع النبي عليه السلام الصحابة على ألا ننازع الأمر أهله.

    يقول شيخ الإسلام : إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

    إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق يعني: لا تعارض بين العلماء الذين يقولون مثلاً: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر! كما قال أبو حنيفة : من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.

    وقال: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا وأن يلقوا يعني: لا يدفنوا لا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل الإسلام ولا أهل الكتاب أو كما قال، فهذا الكلام في كفر النوع.

    أما كفر العين في الشخص نفسه فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع.

    يقول شيخ الإسلام : إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، الإطلاق أن تقول: من قال كذا فله مثلاً عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو أنه كافر وأنه من أصحاب النار! هذا لا يجوز إلا بنص من وحي، أبداً حتى الكافر الموجود الآن كلينتون ، أو بوش أو أي أحد من الكفار، فهذا لا تقول هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري بخاتمته، وهذا افتئات على حدود الله سبحانه وتعالى وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار.

    يقول شيخ الإسلام : لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، هذه مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن لما تأتي تحاسب شخصاً باسمه: فلان أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك، لماذا؟ سيأتي الجواب.

    كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا مثلاً: (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، تماماً كما لو قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، من قال كذا فهو كافر، من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر.

    هذا هو الحكم من حيث الإطلاق في كلام ابن تيمية ، لكن الشخص المعين فقد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة مثل هذا الشخص الذي قال هذا الفعل سواء كان كفراً أم دون الكفر، فيمكن أن يلغى حكم استحقاقه لهذا الوعيد؛ لأنه ربما يكون تاب: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    فإذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ولا يطلع عليها إلا الله، فيمكن أن يلغى بحسنات ماحية، هو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد، ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله سبحانه وتعالى بمصائب تكفر عنه ما استحقه من الوعيد، ويمكن إن لم يكن هذا ولا هذا ولا ذاك أن يلتغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة يشفع فيه النبي عليه الصلاة والسلام، أو تشفع فيه الملائكة أو يشفع فيه قريب له شهيد، أو يشفع فيه أحد من إخوانه المؤمنين يقول صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة) تعرفون أنواع الشفاعة في الآخرة.

    فيمكن أن يلتغي الوعيد بسبب شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن قال القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فيمكن شخص أسلم مثلاً في أمريكا أو كندا أو في أي مكان من الأرض، وأتى إلى بلاد المسلمين وهو يقول لك: لا توجد حاجة اسمها صلاة، الدين ليس فيه صلاة، لا يوجد في الدين شيء اسمه الصيام!

    يمكن مثلاً ينكر تحريم الخمر الذي هو معلوم من الدين بالضرورة لكن هنا توجد شبهة، فهذا القول بحد ذاته كفر أم ليس بكفر؟ كون شخص يقول: الخمر حلال، أو الفواحش حلال، أو السرقة حلال، أو ينكر الصلاة، أو يجحد الصيام، أو يجحد الحج، قطعاً هذا قوله كفر وتكذيب لما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن هذا الرجل قد يكون صدر منه بسبب أنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان بعيد عن أهل الإسلام، لا يعرف هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فمثل هذا لا يكفر حتى ولو كان قوله كفراً، هو قوله كفر أم ليس بكفر؟ كفر لكن هل يكفر؟ لا ينبغي أبداً أن يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة على يد إمام عالم، وهو مقتنع بأنه عالم.

    إمام عالم يملك الحجة يستطيع أن يدفع عنه جميع الشبهات حتى لا يبقى له ما يدفع الحق أبداً، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، يردد كلام بعض الجهلة الذين ينكرون السنة النبوية كلها أو بعضها أو أقساماً منها، فهو يردد ما قاله هؤلاء الضلال المبتدعون وهو لا يتعلم، رد ما قاله الرسول ولكنه مخدوع بتضليل أهل البدع، فربما يكون لم يسمع النصوص أو سمع ولم تثبت عنده في اعتقاده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.

    ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نفس هذا الموضوع: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً مطلقاً كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه.

    ومثاله: من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول شيخ الإسلام أيضاً في مناسبة أخرى: إن المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، هذا كله كفر، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل الله على رسوله إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع.

    يعني: يقول: كلام الجهمية كفر، لكن الجمهية ليسوا كفاراً، وأغلب مقالاتهم هي من هذا النوع.

    فلذلك وجب التفريق بين كفر النوع وكفر العين، وهذه هي وظيفة القاضي الشرعي أو العالم أو الإمام الذي يستطيع فعلاً إقامة الحجة ومحاسبة الناس والحكم تبعاً لذلك بكفره.

    يقول: ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب تبارك وتعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:

    أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة وإنما يردونها بالتحريف.

    الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، يعني: يلزم من مذهبهم جحد وجود الله، وتعطيل الصانع سبحانه وتعالى، وإن كان منهم من يرى أن هذا لا يلزم يقول: هذا لا ألتزمه، هذا يؤمن بوجود الله.

    فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله.

    الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها.

    فمثلاً فوقية الله سبحانه وتعالى، فهذه الصفة متفق عليها عند كل أهل الملل، اليوم كنت أتكلم مع رجل كافر علماني، فكان وهو يتكلم بكلام يقول: الله ويشير إلى أعلى، كلما يتكلم يقول: الله ويشير إلى فوق، وهو أصلاً لم يتدين بعد بأي دين، لكن هو يتكلم بهذا الكلام، أو بالعبارة الأخرى اللاتينية.

    فهذا مفطور عليه كل أهل الملل، فاليهود والنصارى والمسلمون متفقون على مثل هذه الصفات، الجهمية يخالفون حتى الأشياء التي يتفق عليها أهل الفطر.

    ويقول شيخ الإسلام : وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه وصف الإسلام بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، يعني: معناه الناس إما مؤمن وإما كافر، ليس هناك مرتبة بين المرتبتين أو منزلة بين منزلتين أو ما يسمونه الآن بالتوقف، الناس إما مؤمن أو كافر، حتى المنافق في الدنيا تجب عليه أحكام الإسلام وإن كان في الحقيقة زنديقاً كافراً.

    لكن الناس إما مؤمن وإما كافر لا يوجد أحد يبقى متأرجحاً بين المنزلتين، فالناس إما مؤمن وإما كافر فحتى المسلم إذا تردد بشيء من أفعال الكفر ارتد وعذر بهذه الأعذار كجهل أو تأويل أو إكراه أو غير ذلك فيعني: لا يحكم بكفره، ولم نتوقف فيه، لكن استصحاب الأصل الذي ثبت يقيناً وهو أنه من أهل الإسلام فلا يزول عنه ذلك الوصف بالشك بل يزول بيقين مثله.

    أيضاً هناك عبارة لـشيخ الإسلام يقول فيها: وسبب هذا التنازع -يعني: يقصد تنازع أهل السنة في تكفير الجهمية بأعيانهم- تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً.

    يعني: القول كافر، لكن حال الرجل يجيب علينا: لست بكافر، فهذا تعارض عنده الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، يعني: يوجد في نصوص العموم في الوعيد الذي هو في القرآن والسنة، هم أيضاً أخذوا كلام الأئمة من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، فوقع في هذا التعميم مثل ما وقع في تعميم الوعيد.

    يقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل ما قاله، فمن قال كذا فهو كافر فهذه صفة عامة، لكن هذا اللفظ لا يشمل كل من قاله، فليس كل من قال بالقول يكون كافراً بعينه.

    يقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق معين؛ لأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفيراً معيناً إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.

    يعني: الإمام أحمد مع أنه كان يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، لكن كيف كان موقفه الفعلي من الخلفاء العباسيين المعتزلة؟ كان يرى إمامتهم، ولم يخرج عليهم، وكان يصلي خلفهم، وكان يناديه بأمير المؤمنين.

    والإمام الشافعي رحمه الله لما ناظر بشراً المريسي قال له: كفرت بالله العظيم، ومع ذلك لم يسع في قتله. فإقامة الحد عليه أمر والحكم عليه أمر آخر.

    فهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، ليس هناك تناقض في كلام الأئمة وبالتالي لا ينبغي أن يوجد خلاف في هذه المسألة، فنقول: من قال: كذا فهو كافر، كلام مطلق عام، أما على الأعيان فلا نكفر الأعيان.

    يقول: وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفر بعينه فليقام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.

    يقول شيخ الإسلام : فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:

    أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة، أو أنه على العرش، أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلاً كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث.

    والأصل الثاني: أن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه، إذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

    يقول أيضاً: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به عموماً.

    يعني: ممكن تقول: لعن الله النامصة.. لعن الله من فعل كذا.. لكن أن تأتي للنامصة نفسها، وتقول: أنت ملعونة! لا يجوز ذلك؛ لأنك لا تدري هل استحقت اللعنة أم هناك موانع تحول دون ذلك. يعني: أنت في مقام الترغيب والترهيب وإثبات الحكم العام في الوعيد العام، لكن عند التعيين لا تملك ذلك.

    يقول: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به -أي: باللعن- عموماً، وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من الأسباب التي ضررها يرفع العقوبة عن المذنب، فهذا في حق من له ذنب محقق، ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص.

    لا يجوز لنا أن نقطع لأحد بالجنة إلا بدليل خاص كالعشرة المشهود لهم وغيرهم من الصحابة الذين حكم الله أنهم من أهل الجنة، ولا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، لا يجوز لك أن تقول: فلان بن فلان حتى لو قلت: البابا بولس أو أي واحد من هؤلاء تقول: هو في النار، لا تقول لذلك، لكن تقول: إن مات على كفر فهو في النار، وممكن تقول: فرعون في النار أبو لهب في النار.

    وهكذا الشخص الذي دل الوحي على أنه من أهل النار فيجب أن تحكم بأنه من أهل النار، كذلك في أهل الجنة، لكن المؤمنين نرجو لهم الجنة.

    فلا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم؛ لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب.

    لأنه ممكن أن هذا الشخص يندرج في العمومين، يندرج في عموم نصوص الرحمة لأهل الإسلام، ويندرج في نصوص العذاب لأهل المعاصي والوعيد، فهو داخل في هذا العموم وهذا العموم فالله أعلم بمآله وبمصيره.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    البدعة المختلف في تكفير أصحابها

    القسم الثالث: البدع المختلف في تكفير أصحابها مثل بدعة القدرية الذين يقرون بصفة العلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية والجهمية غير الغلاة والخوارج، فهناك عن الإمام أحمد روايتان في تكفير هؤلاء، وقد ورد عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المثبتين للعلم والخوارج، مع أنه قال: لا أعلم قولاً شراً من الخوارج.

    والجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها الأمة.

    1.   

    التفريق بين كفر النوع وكفر العين

    كفر النوع لا يستلزم كفر العين، فالبدعة نفسها تكون كفراً لكن لا يكون الشخص المتلبس بها كافراً، فأهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم المطلق على أصحاب البدع بالمعصية أو الفسق أو الكفر وبين الحكم على شخص معين ممن ثبت إسلامه بيقين، فالشخص إذا ثبت إسلامه بيقين لا يمكن أن تنفى عنه صفة الإسلام إلا بيقين.

    فمن صدر عنه إحدى هذه البدع لا يمكن الحكم عليه بأن نقول له: كافر أو فاسق أو عاص إلا بتوافر شروط، وانتفاء موانع، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبين له مخالفة قوله للسنة؛ وذلك بإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، كما يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه هذا الوعيد في أحكام الآخرة؛ لأن التكفير نوع من الوعيد، وأي فعل يترتب عليه وعيد فقد يكون أقل من الكفر، لأن الكفر أشد الأفعال وعيداً.

    والآن بعض الناس يعتبرونها بطولة أن يكفروا شخصاً بعينه أو يبدعونه! يقول صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك) فلا تتكلم إلا بعلم وحجة، لكن تكلم بكلام عام في المواعظ، ودروس العلم، والخطب، وغير ذلك من مقامات الدعوة والترغيب والترهيب، فتنفر من البدع بالنصوص الشرعية العامة، لكن أن تكفر الشخص بعينه فهذا لا ينبغي أن تحكم عليه بكفر أو بتفسيق أو ابتداع حتى تستوفي شروطاً معينة، وهذا من خصائص القضاء الشرعي، ولا تنازع الأمر أهله.

    وفي المنابر أو الدروس والخطب ونحوها من المحافل يتكلم عن الكفر أو البدعة بصفة عامة تنفيراً من الكفر والبدع، ويوصف الكفر بأنه كفر، والبدعة بأنها بدعة، ولا حرج على هذا الإطلاق.

    لكن في مقام التأصيل والتقعيد والتنظير ومحاكمة الناس فليست المسألة عبثاً ولا هوى، وإنما ينبغي التحقق والتحري والتدقيق والتثبت، فمن هنا نقبل في الحقيقة هذه الكلمة التي قالها المودودي رحمه الله في كتابه: (نحن دعاة لا قضاة)، فالإنسان عليه أن يدعو، لكن القضاء الشرعي والحكم على الناس بأعيانهم هذه ليست وظيفة الدعاة، وهذه الأحكام يترتب عليها أمور عملية، فإذا حكمت عليه بالردة فيترتب عليه أنه يجب أن يقتل، ويفرق بينه وبين زوجته، وغير ذلك من الأحكام الشرعية المعروفة.

    فيجب أن نفرق بين وظيفة الداعية وبين وظيفة القاضي الشرعي، وقد بايع النبي عليه السلام الصحابة على ألا ننازع الأمر أهله.

    يقول شيخ الإسلام : إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

    إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق يعني: لا تعارض بين العلماء الذين يقولون مثلاً: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر! كما قال أبو حنيفة : من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.

    وقال: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا وأن يلقوا يعني: لا يدفنوا لا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل الإسلام ولا أهل الكتاب أو كما قال، فهذا الكلام في كفر النوع.

    أما كفر العين في الشخص نفسه فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع.

    يقول شيخ الإسلام : إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، الإطلاق أن تقول: من قال كذا فله مثلاً عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو أنه كافر وأنه من أصحاب النار! هذا لا يجوز إلا بنص من وحي، أبداً حتى الكافر الموجود الآن كلينتون ، أو بوش أو أي أحد من الكفار، فهذا لا تقول هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري بخاتمته، وهذا افتئات على حدود الله سبحانه وتعالى وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار.

    يقول شيخ الإسلام : لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، هذه مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن لما تأتي تحاسب شخصاً باسمه: فلان أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك، لماذا؟ سيأتي الجواب.

    كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا مثلاً: (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، تماماً كما لو قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، من قال كذا فهو كافر، من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر.

    هذا هو الحكم من حيث الإطلاق في كلام ابن تيمية ، لكن الشخص المعين فقد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة مثل هذا الشخص الذي قال هذا الفعل سواء كان كفراً أم دون الكفر، فيمكن أن يلغى حكم استحقاقه لهذا الوعيد؛ لأنه ربما يكون تاب: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    فإذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ولا يطلع عليها إلا الله، فيمكن أن يلغى بحسنات ماحية، هو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد، ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله سبحانه وتعالى بمصائب تكفر عنه ما استحقه من الوعيد، ويمكن إن لم يكن هذا ولا هذا ولا ذاك أن يلتغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة يشفع فيه النبي عليه الصلاة والسلام، أو تشفع فيه الملائكة أو يشفع فيه قريب له شهيد، أو يشفع فيه أحد من إخوانه المؤمنين يقول صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة) تعرفون أنواع الشفاعة في الآخرة.

    فيمكن أن يلتغي الوعيد بسبب شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن قال القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فيمكن شخص أسلم مثلاً في أمريكا أو كندا أو في أي مكان من الأرض، وأتى إلى بلاد المسلمين وهو يقول لك: لا توجد حاجة اسمها صلاة، الدين ليس فيه صلاة، لا يوجد في الدين شيء اسمه الصيام!

    يمكن مثلاً ينكر تحريم الخمر الذي هو معلوم من الدين بالضرورة لكن هنا توجد شبهة، فهذا القول بحد ذاته كفر أم ليس بكفر؟ كون شخص يقول: الخمر حلال، أو الفواحش حلال، أو السرقة حلال، أو ينكر الصلاة، أو يجحد الصيام، أو يجحد الحج، قطعاً هذا قوله كفر وتكذيب لما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن هذا الرجل قد يكون صدر منه بسبب أنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان بعيد عن أهل الإسلام، لا يعرف هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فمثل هذا لا يكفر حتى ولو كان قوله كفراً، هو قوله كفر أم ليس بكفر؟ كفر لكن هل يكفر؟ لا ينبغي أبداً أن يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة على يد إمام عالم، وهو مقتنع بأنه عالم.

    إمام عالم يملك الحجة يستطيع أن يدفع عنه جميع الشبهات حتى لا يبقى له ما يدفع الحق أبداً، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، يردد كلام بعض الجهلة الذين ينكرون السنة النبوية كلها أو بعضها أو أقساماً منها، فهو يردد ما قاله هؤلاء الضلال المبتدعون وهو لا يتعلم، رد ما قاله الرسول ولكنه مخدوع بتضليل أهل البدع، فربما يكون لم يسمع النصوص أو سمع ولم تثبت عنده في اعتقاده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.

    ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نفس هذا الموضوع: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً مطلقاً كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه.

    ومثاله: من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول شيخ الإسلام أيضاً في مناسبة أخرى: إن المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، هذا كله كفر، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل الله على رسوله إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع.

    يعني: يقول: كلام الجهمية كفر، لكن الجمهية ليسوا كفاراً، وأغلب مقالاتهم هي من هذا النوع.

    فلذلك وجب التفريق بين كفر النوع وكفر العين، وهذه هي وظيفة القاضي الشرعي أو العالم أو الإمام الذي يستطيع فعلاً إقامة الحجة ومحاسبة الناس والحكم تبعاً لذلك بكفره.

    يقول: ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب تبارك وتعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:

    أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة وإنما يردونها بالتحريف.

    الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، يعني: يلزم من مذهبهم جحد وجود الله، وتعطيل الصانع سبحانه وتعالى، وإن كان منهم من يرى أن هذا لا يلزم يقول: هذا لا ألتزمه، هذا يؤمن بوجود الله.

    فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله.

    الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها.

    فمثلاً فوقية الله سبحانه وتعالى، فهذه الصفة متفق عليها عند كل أهل الملل، اليوم كنت أتكلم مع رجل كافر علماني، فكان وهو يتكلم بكلام يقول: الله ويشير إلى أعلى، كلما يتكلم يقول: الله ويشير إلى فوق، وهو أصلاً لم يتدين بعد بأي دين، لكن هو يتكلم بهذا الكلام، أو بالعبارة الأخرى اللاتينية.

    فهذا مفطور عليه كل أهل الملل، فاليهود والنصارى والمسلمون متفقون على مثل هذه الصفات، الجهمية يخالفون حتى الأشياء التي يتفق عليها أهل الفطر.

    ويقول شيخ الإسلام : وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه وصف الإسلام بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، يعني: معناه الناس إما مؤمن وإما كافر، ليس هناك مرتبة بين المرتبتين أو منزلة بين منزلتين أو ما يسمونه الآن بالتوقف، الناس إما مؤمن أو كافر، حتى المنافق في الدنيا تجب عليه أحكام الإسلام وإن كان في الحقيقة زنديقاً كافراً.

    لكن الناس إما مؤمن وإما كافر لا يوجد أحد يبقى متأرجحاً بين المنزلتين، فالناس إما مؤمن وإما كافر فحتى المسلم إذا تردد بشيء من أفعال الكفر ارتد وعذر بهذه الأعذار كجهل أو تأويل أو إكراه أو غير ذلك فيعني: لا يحكم بكفره، ولم نتوقف فيه، لكن استصحاب الأصل الذي ثبت يقيناً وهو أنه من أهل الإسلام فلا يزول عنه ذلك الوصف بالشك بل يزول بيقين مثله.

    أيضاً هناك عبارة لـشيخ الإسلام يقول فيها: وسبب هذا التنازع -يعني: يقصد تنازع أهل السنة في تكفير الجهمية بأعيانهم- تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً.

    يعني: القول كافر، لكن حال الرجل يجيب علينا: لست بكافر، فهذا تعارض عنده الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، يعني: يوجد في نصوص العموم في الوعيد الذي هو في القرآن والسنة، هم أيضاً أخذوا كلام الأئمة من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، فوقع في هذا التعميم مثل ما وقع في تعميم الوعيد.

    يقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل ما قاله، فمن قال كذا فهو كافر فهذه صفة عامة، لكن هذا اللفظ لا يشمل كل من قاله، فليس كل من قال بالقول يكون كافراً بعينه.

    يقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق معين؛ لأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفيراً معيناً إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.

    يعني: الإمام أحمد مع أنه كان يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، لكن كيف كان موقفه الفعلي من الخلفاء العباسيين المعتزلة؟ كان يرى إمامتهم، ولم يخرج عليهم، وكان يصلي خلفهم، وكان يناديه بأمير المؤمنين.

    والإمام الشافعي رحمه الله لما ناظر بشراً المريسي قال له: كفرت بالله العظيم، ومع ذلك لم يسع في قتله. فإقامة الحد عليه أمر والحكم عليه أمر آخر.

    فهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، ليس هناك تناقض في كلام الأئمة وبالتالي لا ينبغي أن يوجد خلاف في هذه المسألة، فنقول: من قال: كذا فهو كافر، كلام مطلق عام، أما على الأعيان فلا نكفر الأعيان.

    يقول: وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفر بعينه فليقام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.

    يقول شيخ الإسلام : فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:

    أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة، أو أنه على العرش، أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلاً كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث.

    والأصل الثاني: أن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه، إذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

    يقول أيضاً: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به عموماً.

    يعني: ممكن تقول: لعن الله النامصة.. لعن الله من فعل كذا.. لكن أن تأتي للنامصة نفسها، وتقول: أنت ملعونة! لا يجوز ذلك؛ لأنك لا تدري هل استحقت اللعنة أم هناك موانع تحول دون ذلك. يعني: أنت في مقام الترغيب والترهيب وإثبات الحكم العام في الوعيد العام، لكن عند التعيين لا تملك ذلك.

    يقول: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به -أي: باللعن- عموماً، وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من الأسباب التي ضررها يرفع العقوبة عن المذنب، فهذا في حق من له ذنب محقق، ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص.

    لا يجوز لنا أن نقطع لأحد بالجنة إلا بدليل خاص كالعشرة المشهود لهم وغيرهم من الصحابة الذين حكم الله أنهم من أهل الجنة، ولا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، لا يجوز لك أن تقول: فلان بن فلان حتى لو قلت: البابا بولس أو أي واحد من هؤلاء تقول: هو في النار، لا تقول لذلك، لكن تقول: إن مات على كفر فهو في النار، وممكن تقول: فرعون في النار أبو لهب في النار.

    وهكذا الشخص الذي دل الوحي على أنه من أهل النار فيجب أن تحكم بأنه من أهل النار، كذلك في أهل الجنة، لكن المؤمنين نرجو لهم الجنة.

    فلا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم؛ لأنه قد يندرج في العمومين فيستحق الثواب والعقاب.

    لأنه ممكن أن هذا الشخص يندرج في العمومين، يندرج في عموم نصوص الرحمة لأهل الإسلام، ويندرج في نصوص العذاب لأهل المعاصي والوعيد، فهو داخل في هذا العموم وهذا العموم فالله أعلم بمآله وبمصيره.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    كلام شيخ الإسلام في التفريق بين كفر النوع وكفر المعين

    يقول شيخ الإسلام : إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.

    ولا تعارض بين هذا وبين قول بعض العلماء: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر.

    وقال أبو حنيفة : من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.

    وقال بعضهم: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا ويلقوا، ولا يدفنوا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحهم أهل الإسلام ولا أهل الكتاب؛ فهذا الكلام في كفر النوع، أما كفر العين -وهو الشخص نفسه- فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع.

    يقول شيخ الإسلام : ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. والإطلاق مثل أن تقول: من قال كذا فله عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو كافر أو من أصحاب النار فهذا لا يجوز إلا بنص من الوحي، حتى الكافر الموجود الآن مثل كلينتون أو بوش أو أي كافر لا تقول: هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري ما خاتمته، وهذا افتئات على حدود الله سبحانه وتعالى وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار.

    يقول شيخ الإسلام : لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    فهذه الآية مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن عندما تتكلم عن رجل أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك.

    كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا، مثل : (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، مثل قول بعضهم: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.

    قد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة سواء كان هذا الفعل كفراً أم دون الكفر، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    إذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوبها إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يطلع عليها إلا الله.

    ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بحسنات ماحية، فهو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد.

    ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله سبحانه وتعالى بها تكفر عنه ما استحقه من الوعيد.

    وإن لم يكن فعل هذا ولا هذا ولا ذاك فيمكن أن يلغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة من النبي عليه الصلاة والسلام أو الملائكة أو قريب له شهيد أو أحد من إخوانه المؤمنين، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، والشفاعة في الآخرة أنواع.

    ويشترط في التكفير أن يقول القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان جاهلاً لا يكفر، كشخص أسلم -مثلاً- في أمريكا أو كندا أو في أي مكان من الأرض، وأتى إلى بلاد المسلمين وهو يقول: الدين ليس فيه صلاة، ولا يوجد في الدين شيء اسمه الصيام أو ينكر تحريم الخمر أو أي شيء معلوم من الدين بالضرورة، فهذا القول بحد ذاته كفر، لكن هذا الرجل قد يكون صدر منه هذا بسبب أنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان بعيد عن أهل الإسلام، ولا يعرف هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فمثل هذا لا يكفر حتى ولو كان قوله كفراً، ولا ينبغي أن يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة على يد إمام عالم، وهو مقتنع بأنه عالم، فيأتي إمام عالم يملك الحجة، ويستطيع أن يدفع عنه جميع الشبهات، حتى لا يبقى له ما يدفع الحق أبداً، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، فتراه يردد كلام بعض الجهلة الذين ينكرون السنة النبوية كلها أو بعضها أو أقساماً منها، فهو يردد ما قاله هؤلاء الضلال المبتدعون وهو مخدوع بتضليل أهل البدع، فربما يكون لم يسمع بالنصوص أو سمع بعضها ولم تثبت عنده في اعتقاده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نفس هذا الموضوع: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً مطلقاً كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه.

    مثاله: من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويقول شيخ الإسلام أيضاً: إن المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب؛ فلا يكفر كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل الله على رسوله إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع.

    يعني: كلام الجهمية كفر، ولكن الجهمية ليسوا كفاراً، وأغلب مقالاتهم هي من هذا النوع.

    إذاً: يجب التفريق بين كفر النوع وكفر العين، وهذه هي وظيفة القاضي الشرعي أو العالم أو الإمام الذي يستطيع فعلاً إقامة الحجة ومحاسبة الناس والحكم عليهم.

    يقول: ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما الرب تبارك وتعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:

    أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة وإنما يردونها بالتحريف.

    الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، يعني: يلزم من مذهبهم جحد وجود الله، وتعطيل الصانع سبحانه وتعالى، وإن كان منهم من يرى أن هذا لا يلزم، فيقول: هذا لا ألتزمه، ويؤمن بوجود الله، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر إنكار الله.

    الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها، وأهل الفطر السليمة كلها.

    فمثلاً: فوقية الله سبحانه وتعالى، هذه الصفة متفق عليها عند كل أهل الملل، فأنا كنت أتكلم مع رجل كافر علماني، فكان وهو يتكلم بكلام يقول: الله ويشير إلى أعلى، وهو أصلاً لم يتدين بأي دين، وكان يتكلم اللاتينية.

    فصفة الفوقية مفطور عليها كل أهل الملل، فاليهود والنصارى والمسلمون متفقون على مثل هذه الصفات، والجهمية يخالفون حتى الأشياء التي يتفق عليها أهل الفطر.

    ويقول شيخ الإسلام : وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك. يعني: من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه وصف الإسلام بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، فالناس إما مؤمن وإما كافر، وليس هناك مرتبة بين المرتبتين أو منزلة بين منزلتين أو ما يسمونه الآن بالتوقف، الناس إما مؤمن أو كافر، حتى المنافق في الدنيا تجري عليه أحكام الإسلام وإن كان في الحقيقة زنديقاً كافراً، فالمسلم قد يريد بشيء من أفعال الكفر، وقد يعذر بهذه الأعذار كجهل أو تأويل أو إكراه أو غير ذلك، فلا يحكم بكفره، ولا نتوقف فيه، لكن نستصحب الأصل الذي ثبت لنا يقيناً، وهو أنه من أهل الإسلام، فلا يزول عنه ذلك الوصف بالشك، بل يزول بيقين مثله.

    وقال شيخ الإسلام : وسبب هذا التنازع -يعني: تنازع أهل السنة في تكفير الجهمية بأعيانهم- تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً.

    يعني: القول قول كافر، لكن حال الرجل يجيب علينا: لست بكافر، فتعارض الدليلان.

    وهذا مثل من يأخذ بعموم الوعيد في القرآن والسنة، وهم أيضاً أخذوا بعموم كلام الأئمة، مثل قولهم: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.

    ويقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل ما قاله، فمن قال كذا فهو كافر، فهذه صفة عامة، لكن هذا اللفظ لا يشمل كل من قاله، فليس كل من قال بالقول يكون كافراً بعينه، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق معين. لأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفيراً معيناً إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.

    يعني: أن الإمام أحمد مع أنه كان يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، كيف كان موقفه الفعلي من الخلفاء العباسيين المعتزلة؟

    كان يرى إمامتهم، ولم يخرج عليهم، وكان يصلي خلفهم، وكان ينادي الخليفة بأمير المؤمنين.

    والإمام الشافعي رحمه الله لما ناظر بشراً المريسي قال له: كفرت بالله العظيم، ومع ذلك لم يسع في قتله، فإقامة الحد عليه أمر، والحكم عليه أمر آخر.

    فهذه الأقوال والأعمال منه من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، وليس هناك تناقض في كلام الأئمة، وبالتالي لا ينبغي أن يوجد خلاف في هذه المسألة، فنقول: مقولة السلف: من قال كذا فهو كافر، كلام مطلق عام، أما على الأعيان فلا نكفر الأعيان.

    يقول: وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.

    يقول شيخ الإسلام : فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين:

    أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة، أو أنه على العرش، أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلاً؛ كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث.

    والأصل الثاني: أن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه.

    إذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.

    وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض.

    فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

    ويقول أيضاً: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به عموماً، يعني: لك أن تقول: لعن الله النامصة.. لعن الله من فعل كذا.. لكن لا تقول للنامصة نفسها: أنت ملعونة! لا يجوز ذلك؛ لأنك لا تدري هل استحقت اللعنة أم هناك موانع تحول دون ذلك، لكن وأنت في مقام الترغيب والترهيب وإثبات الحكم العام في الوعيد العام؛ لك أن تقول: لعن الله من فعل كذا، لكن عند التعيين لا تملك ذلك.

    ويقول: إن اللعن من باب الوعيد فيحكم به -أي: باللعن- عموماً، وأما المعين فقد يرتفع عنه الوعيد لتوبة صحيحة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو غير ذلك من الأسباب التي ضررها يرفع العقوبة عن المذنب، فهذا في حق من له ذنب محقق، ولهذا لا يشهد لمعين بالجنة إلا بدليل خاص.

    يعني: لا يجوز لنا أن نقطع لأحد بالجنة إلا بدليل خاص كالعشرة المشهود لهم وغيرهم من الصحابة الذين حكم الله أنهم من أهل الجنة، ولا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، فلا يجوز أن تقول مثلاً: البابا بولس -وهو حي- في النار، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار، كما أن لك أن تقول: فرعون في النار، وأبو لهب في النار، فكل من دل الوحي على أنه من أهل النار فيجب أن تحكم بأنه من أهل النار، وكذلك أهل الجنة، لكن المؤمنين نرجو لهم الجنة.

    فلا يشهد على معين بالنار إلا بدليل خاص، ولا يشهد لهم بمجرد الظن من اندراجهم في العموم؛ لأنه قد يندرج هذا الشخص في العمومين، يندرج في عموم نصوص الرحمة لأهل الإسلام، ويندرج في نصوص العذاب لأهل المعاصي والوعيد، فهو داخل في هذا العموم وهذا العموم، فالله أعلم بمآله وبمصيره.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.