إسلام ويب

الإسلام عدو الأصنام [2]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جرت أقلام بعض المنتسبين إلى الإسلام تبيح وتحلل وتفتري وتكذب زوراً باسم الإسلام في قضية هدم تمثالي بوذا. ولقد اتكأ أصحابها في أقاويلهم الباطلة على جملة من الشبه، وظنوا أن باطلهم سينفق، فافتروا على الصحابة الفاتحين، بل وافتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يأت لهدم التماثيل قصداً كما فعلت حركة طالبان حين هدمت التمثالين. ولكن أنى لهم الوصول إلى أغراضهم وألسن العلماء لهم بالمرصاد؟! فلا يصح القول بأن الهدم كان للأصنام المعبودة في مكة أو المدينة أو الجزيرة العربية، وأبقيت التماثيل التي لم تعبد من دون الله.

    1.   

    شبهات المخالفين في هدم الأصنام

    والآن ننتقل إلى الكلام عن شبه القوم في هذه المسألة.

    وفي الحقيقة أنّ هؤلاء أشبهم -للأسف الشديد- بالحرباء، فالأسلوب المتبع عندهم ليس أسلوب العالم أو الباحث النزيه، بل هو الكلام الحاوي نوعاً من الحيل في طمس الحقيقة، وكنا نود أن يكون هناك محامون غير هؤلاء الناس عن التماثيل.

    دعوى ترك الصحابة الفاتحين مصر هدم الأصنام

    يقول أحدهم: المسلمون -ويتكلم بمنتهى الجزم والقطع والحث- عندما دخلوا مصر مع عمرو بن العاص لم يطمسوا التماثيل -وانظر إلى الكلام المحرف-، كان منهم عشرات من الصحابة، كان فيهم البدريون والأنصار وحفاظ القرآن، ومنهم الرجل الذي بثلاثة آلاف ولم يطمسوا تمثالاً قط.

    وسنجيب بالدليل عليه، ونقول له: بل العكس، فمتى ما رأوا تمثالاً أو وثناً استطاعوا هدمه هدموه، فاثبت أنت العكس!

    فعندنا نحن الأسانيد وقد ذكرناها، أما هو فلم يأت بدليل.

    وهذا الدكتور قال كلاماً، وسأقول ولك ولكم الحكم، فمن ضمن الكلام أنه قال -بعدما قال: إن الصحابة دخلوا مصر ولم يطمسوا تمثالاً قط وتأمل هذه الخيبة- قال: لم يطمسوا تمثالاً قط، إنما كان الذي طمس التماثيل هم النصارى الذين دخلوا مصر، فوجدوا الفراعنة قد صنعوا تماثيل، ومن زار منطقة الصعيد والأقصر -خاصة- فهناك معابد مصرية قديمة فيها التمثال بصورته الأصلية، وفيها التمثال مطموساً وجهه ومرسوماً عليه الصليب؛ لأن النصارى لما دخلوا رأوا أن هذه التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها.

    وهذا شيء يخجل، فهو الذي قال هذا الكلام بالحرف، يقول: لأن النصارى لما دخلوا رأوا أن هذه التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها. مع أنه واضح أن النصارى هؤلاء لم يكونوا على الدين الحق؛ لأن النصارى عباد صلبان، ومع ذلك كيف يقال: رأوا التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها؟!

    يقول: وبعض التماثيل مطموس منها الوجه الفرعوني ومركب عليه وجه الإسكندر الأكبر؛ لأن هؤلاء من أتباع الإسكندر فصنعوا هذا، ففكرة تدمير ما كان سابقاً فكرة غير إسلامية فكرة صنعها غير المسلمين.

    ونقول: بل أمر بها الله، وصنعها رسوله عليه الصلاة والسلام، وصنعها إبراهيم ونوح وأنبياء الله أجمعين.

    وإذا أردتم التدليس فهاتوا القضية مجتمعة لنناقش، فالقضية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

    دعوى هدم المسلمين الأصنام المعبودة وتركهم تماثيل الآثار

    ومن مغالطات هؤلاء الحواة الكلمة التي يكررونها دائماً وكل حين، حيث يتكلمون عما عليه الناس باعتباره حجة، فيقولون: المسلمون دخلوا وما فعلوا، وكان المسلمون وما زالت هناك تماثيل ... الخ.

    وكان هناك مسجد بين تمثالين كبيرين في الأقصر -كما أظن- فهدم هذا المسجد، فقالوا: هدم المسجد لأن أيام الملك كان فيها فتن.

    ونحن نقول: لا، بل الذي هدمه هدمه لأنه قال: لا يجوز أن يقام مسجد أمام التمثالين. ثم أعيد بعد ذلك تحديثه.

    فهم يدندنون على أن المسلمين لم يمسوا الأصنام بسوء، وقد علم بالاستقراء أنّ هذا الكلام مزيف، وهذه دعوى زائفة وكذب وتضليل وخداع، فإذا كان العلماء لم يوافقوا الإمام مالكاً رحمه الله تعالى -وهو الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى- في اعتبار أن عمل أهل المدينة حجة كحجة الإجماع فكيف بغير أهل المدينة؟!

    فالمغالطة هنا أنهم يضحكون على الناس، والناس معظمهم عوام لا يفهمون، لكن المتخصصين لا ينطلي عليهم هذا الدجل؛ لأن الأدلة الشرعية لها ترتيب في القرآن، فهناك أدلة متفق عليها، وهناك أدلة مختلف في حجيتها، فالأدلة المتفق عليها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف عليها معروفة، وهي أدلة كثيرة.

    وهذا الأمر ليس من ضمن الأدلة المختلف عليها عمل الناس وواقع الناس، فلا أحد أبداً يستطيع أن يدعي أن الناس معصومون، والبدع كانت قد حصلت في أواخر عهد الصحابة، ونشأت بعد ذلك حركات كثيرة في الإسلام، فالناس غير معصومين.

    ولقد عرضت أمام بعض الفقهاء الكبار في المدينة -أعني علماء التابعين- قضية معينة، فقال أحد الحاضرين: ليس على هذا عمل الناس. فرد عليه أحد الأئمة فقال: أرأيت إن كثر الجهال حتى كانوا هم الحكام، أهم الحجة على السنة؟

    فالحجية -باتفاق- الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإذا أردت أن تقيم دليلاً احصر نفسك في داخل الأدلة الشرعية، حتى الأقل، وهو الأدلة المختلف في حجيتها، ولكن لا تأت بدليل ليس هو من الأدلة الشرعية، فينبغي أن ننتبه إلى هذا، فالقول بأن الناس عملوا، وأن المسلمين عملوا، وأن المسلمين أقروا هذه الأشياء وهي موجودة في بلادهم ولم يمسوها بسوء لا يصح هنا؛ إذا هل المسلمون معصومون كأفراد من الناس؟! فالحجة في إجماع المجتهدين.

    وبعض أولئك وصل به الدجل إلى أن قال: حتى الإمام محمد عبده عندما زار صقلية ورأى هذه التماثيل النصرانية أشاد بها وقال: إنها ليست للعبادة.

    فأنت تأتي برجل متأخر تقدمه على كلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام وكلام السلف الصالح والصحابة! فهذا نوع من الدجل فيه قصد تلبيس بالدليل الشرعي، والدليل الشرعي ليس كلام أي أحد كما يريدون أن يفعلوا، بل الدليل الشرعي إما الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، ثم قد يكون المجتمع بالأدلة المختلف فيها متمسكاً بشيء، أما أن تتشبث بكلام الناس وأفعال الناس فهذا من الدجل في الحقيقة.

    1.   

    موقف الإسلام من التراث

    وهنا أمر مهم جداً ينبغي أن ننتبه له، وهو كلمة قالها وزير خارجية طالبان -وهو وكيل أحمد المتوكلي - بمنتهى الدقة، قال: نحن نقر أن التماثيل جزء من تراث أفغانستان، ولكننا سنتخلص من ذلك الجزء من تراثنا الذي يتعارض مع عقيدتنا.

    كلمة حكيمة في الحقيقة، فصحيح أن ذلك تراث، لكن ذلك التراث سنعمل له تصفية بحيث نبقي ما لا يتعارض مع العقيدة، بل يتوافق معها.

    فوجود هذه الآثار فيه عظة لمن يعتبر، ولذلك أمر الله بالنظر في آثار السابقين لأنها عبرة؛ لأنهم كانوا أشد منا قوة، فلما عتوا عن أمر ربهم نزل بهم العذاب واستأصلهم، فتلك ديارهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً.

    فالتعميم كذلك فيه نوع من الظلم، والموقف واضح للغاية، فالتراث عندنا يفرز، فما يتعارض مع العقيدة يزال، وما لم يتعارض مع العقيدة فلا بأس به، لذلك ترك الصحابة أشياء غير التماثيل، وإلا فلن يعجزوا عن تحطيمها كما سنبين إن شاء الله تعالى.

    ولذلك أعلنت طالبان نفسها أنها لن تدمر الآثار القديمة التي ليست على شكل تماثيل، وأعيد عبارة وزير خارجية طالبان ، يقول: نحن نقر أن التماثيل جزء من تراث أفغانستان، ولكننا سنتخلص من ذلك الجزء من تراثنا الذي يتعارض مع عقيدتنا.

    ومن الأشياء التي لا يعلمها كثير من الناس أن الجزيرة العربية مليئة بالآثار، فنحن نتكلم عن أماكن الآثار كالأقصر وأماكن الفراعنة الكبيرة، بينما في الجزيرة العربية في منطقة ديار ثمود عجائب وعجائب، فديار ثمود -قوم صالح- نفسها موجودة، والذي يذهب من مصر أو الشام إلى الحجاز عن طريق البر يمر وهو على طريق المدينة فيجد السهم يؤدي إلى هذه الأشياء.

    ولقد رأيت بنفسي صوراً لديار ثمود، فالجبال نفسها منحوتة من الداخل -البيوت والسلالم والنوافذ- نحتاً عجيباً يدل على مدى قوة هؤلاء القوم الذين أهلكهم الله سبحانه وتعالى.

    فهذه آية من آيات الله، ولن نتكلم الآن في التفصيل في حكم زيارة هذه الأماكن؛ لأن هناك تفصيلاً فيها، لكننا ننبه على أن هذه الأشياء ما دمرها الصحابة، وهي موجودة، والرسول عليه الصلاة والسلام مر بها، وأمر الصحابة أن لا يمروا بهؤلاء المعذبين إلا أن يكونوا باكين. فهي موجودة وهي آثار، والرسول عليه الصلاة والسلام رآها، ولكن مر عليها بسرعة؛ لأنها ديار أولئك المعذبين، فهي لا تزال شاخصة موجودة في الجزيرة العربية.

    وكذلك بيوت اليهود في خيبر، ولقد دخلتها، فبيوت اليهود في خيبر على أطم عالٍ، وكان هناك ثقب في الأسلاك الشائكة فدفعني الفضول إلى أن أصعد إلى أن وصلت، وهي موجودة حتى الآن في خيبر، ولكن علماء السعودية -جزاهم الله خيراً- يقومون بواجبهم في الاحتياط الشديد من هذه الأشياء، ولذلك هي مهجورة.

    ومما يدل على حرصهم وانتباههم للوسائل التي قد تؤدي إلى محذور أنه حصل في يوم من الأيام أن بعض الناس من أصحاب النوايا الحسنة أتوا إلى بيت الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأعادوا بناءه من جديد بنفس اللبن الطيني الذي كان بني به، وأرادوا بذلك الاهتمام بتراث شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، ونشر هذا الخبر في إحدى الصحف، فالعلماء بمجرد أن سمعوا ذلك أصدروا أمراً بهدم هذا البيت؛ لكي لا يفتح باب الغلو في شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأمروا بأن يتخذ مكانه توسعة للشارع حتى ينسى تماماً موضوع بيت شيخ الإسلام، وممن أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ ابن باز رحمهما الله، وهناك أيضاً فتوى في موضوع دار الأرقم بن أبي الأرقم .

    ومما احتاطوا فيه كذلك موضوع المكان الذي ولد فيه النبي عليه السلام، وهو الآن المكتبة التي هي قريبة من الحرم، فهناك احتياط شديد لعقيدة الناس، والعلماء رأيهم أنه مهما أخذت من احتياطات فالجهال لا يقتنعون، ولعلك ترى بعينيك ما يفعلون أمام المقصورة النبوية، فالسياج من النحاس يتمسحون به، ويغافلون الحارس لكي يأخذوا قبلة، ويتمسحون بثيابهم .. . إلى آخر هذه الأشياء!

    فالغلو أصلاً موجود، والجهل شائع بين الناس، فلابد من الاحتياط في أمر العقيدة ما أمكن.

    وقد كتب فهمي هويدي للأسف الشديد، وأنا لا أعرف دراية فهمي هويدي بالفقه! ودعك من السياسة والتحليلات والكلام كله، فما له وللفقه يتكلم فيه! فهو يضع نفسه في مواضع نسأل الله أن يسامحه فيها، ومن ذلك كلامه على الشيعة، والكلام كله غير صحيح، وكذلك كلامه في موضوع الأصنام حيث يقول كلاماً غريباً، يقول: وبعض الصحابة الذين دخلوا إلى مصر ذهبوا إلى الأهرامات وكتبوا أسماءهم عليها، وكأنه يرى أنهم أصحاب ذكريات، ولم يبق لهم إلا أن يرسموا عليها قلوباً تخترقها أسهم كما يصنع الشباب اليوم!

    1.   

    دعوى العلمانية بطروء الإسلام بعد وجود الأصنام ودحضها

    من الملاحظ في سياق كثير من الكاتبين -وخاصة العلمانيين- أنهم دائماً يكررون عبارة موهمة، كما قال تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30]، يقولون: هذه كانت موجودة قبل دخول الإسلام.

    أي أنها قبل أن يأتي الإسلام كانت موجودة، فهذا الأصل وأنتم أناس طارئون ودينكم كذلك.

    ونقول: إن الإسلام الذي نزل إلى الأرض ليس هو دين محمد عليه الصلاة والسلام فقط، بل الإسلام هو دين البشرية كلها منذ أن أنزل الله آدم إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالإسلام دين شامل، وليس رسالة خاصة بدئت برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام.

    ثم أين روح الغيرة وروح الانتماء للإسلام؟! فالقائل: هذه موجودة قبل أن يأتي إسلامكم إلى بلادنا أو إلى هذه البلاد له روح ليس فيها انتماء للإسلام ولا غيرة ولا حمية، والله المستعان!

    ولو انقلب الأمر وصار المسلمون أهل التمكين وأهل الغلبة على وجه الأرض، فماذا سيفعل هؤلاء الناس؟! إنهم سيقلدون الأغلب والأقوى.

    مضطر أيضاً للإطالة هنا في هذه الجزئية قليلاً، وأبتدئها بترديد قول الشاعر:

    اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ظل قوم ليس يدرون الخبر

    فقضية التوحيد كانت لها أولوية مطلقة عند سلف الأمة، فلذلك عندما فتحوا البلاد كان أول أمر عملوه هو تطهير تلك البلاد المفتوحة من درن الوثنية، فهذا هدف واضح في القرآن، قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] والفتنة هنا هي الشرك.

    والذين يدعون قائلين: لماذا لا تأتون بأدلة من التاريخ على ما صنع الفاتحون؟ نقول لهم: الكلام الحقيقي كلام العلماء الذين هم بحق وحقيقة علماء وليسوا كذبة غاشين.

    إن الصحابة والسلف لما فتحوا بلاد الدنيا كانوا يهتمون بتطهير البلاد من هذه الأوثان، فالإتيان بشواهد تؤيد هذا المعنى -أيضاً- مما يرد ويبطل كلام بعض الناس بأن تحريم الصور - التماثيل- كان في أول الإسلام لقرب العهد بالوثنية، فلما اشتهر الإسلام وتمكنت العقيدة نسخت هذه العلة.

    1.   

    الهوية الوطنية لدى الصحابة وموقفهم بعد الإسلام منها

    وهنا أمر مهم جداً -أيضاً- نحب أن ننبه إليه، وهو متعلق بموضوع الهوية، فالمسلمون الفاتحون الأوائل، سواء أوائل المسلمين الذين دخلوا في الإسلام مثل الصحابة رضي الله تعالى عنهم من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعد ذلك في الدخول إلى الإسلام، أو التابعين، كيف كانوا قبل الدخول في الإسلام؟

    كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، وكانوا كفاراً مشركين إلا القليل، فهؤلاء كانت لهم هوية وطنية، وهوية قومية، وتراث حضاري، وكانوا معتزين جداً باللات والعزى، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لما كان القرآن ينزل بشتم وتسفيه آلهتهم، فكان لهم وطنية وقومية ووثنية وأصنام خاصة بهم، وكانوا يقدسون الأوثان ويعبدونها من دون الله، فهم لهم هوية أيضاً، وهو نفس القاسم المشترك الموجود الآن، لكن لما أتى الإسلام عرفوا أن الإسلام أتى لينسخ ويقضي على ما خالفه.

    ونحن ندخل مع جميع العلمانيين، ونعيش معهم نفس دورهم، وننسى أن الذي يسمونه حضارة إنما ينفخون فيه قائلين: (هذه هي الحضارة).

    وهذه الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فهي كلها إلى زوال، فأي حضارة يقصدون؟! إنهم يقولون: الحضارة والإنسانية مجرد نفخ في أشياء؛ لأن هؤلاء أناس غربيون أفئدتهم خواء وعقولهم فارغة، فهم أحياناً يعظمون أشياء بطريقة تدل على تخلفهم عقلياً، كموضوع الكلاب مثلاً، أي: تعظيم الكلاب. وقد كنت مرة في أمريكا في الطريق العام في الليل تقريباً، ففوجئت بقوات الإطفاء والشرطة والزحام، وكان المرور متوقفاً، وكان الأمر كبيراً جداً، ثم ظهر في آخر الأمر أن ذلك بسبب قط أو كلب صدمته سيارة، ليظل المرور قرابة ساعتين متوقفاً. والناس الذين عاشوا في تلك البلاد يعرفون هذا الأمر، يعرفون اهتمامهم الشديد بموضوع الحيوانات والرفق بالحيوان، ويراد منهم أن يعملوا شيئاً اسمه الرفق بالإنسان، أي: الإنسان المسلم الذي يعذبونه في شتى بقاع الأرض.

    فعندهم أشياء سخيفة يبالغون فيها، ومن ذلك أنهم يورثون الملايين للكلاب، فالكلب يرث، ويحرم المورث أولاده، فهؤلاء أناس انتكسوا في العقول والقلوب، ولا يصلحون أن يكونوا قدوة على الإطلاق، فالوجه الحقيقي للغرب -الوجه القبيح- ينبغي أن يكشف لهؤلاء المخدوعين بالغرب بالصورة التي هم عليها.

    وإذا كان الإسلام قد أبطل الشرائع السماوية السابقة فكيف لا يبطل الأديان الباطلة والوثنية، فالإسلام يأتي بكل خط فاصل في حياة كل من ينتمي إليه، بحيث يفترق المستقبل عن الماضي تماماً، بخط فاصل، ومحطة فاصلة بين الماضي وبين الحاضر، فهكذا كل المسلمين الصادقين كانوا يفصلون بين الماضي والحاضر إذا دخلوا في الإسلام.

    1.   

    مواقف الفاتحين المسلمين من الأصنام

    جاء في (معجم البلدان) أنه لما غلب عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب على ناحية سجستان في أيام عثمان رضي الله عنه سار إلى الدوار، فحاصرهم في جبل الزون، وكان على الزون صنم من ذهب، فقطع يديه، وقطعه المسلمون وكسروه.

    والقائد الفاتح محمد بن القاسم رحمه الله تعالى لما فتح بلاد السند حصل أنه في أثناء فتح إحدى مدن تلك البلاد علم أن في المدينة معبداً يقدسه الهندوس، وأن أهل المدينة يعتقدون أن مدينتهم ستفتح على يد جنود يسقطون العلم المثبت فوق المعبد، فقرر ابن القاسم الاستفادة من هذا الاعتقاد، فوجه المنجنيق الضخم إلى ذلك المعبد، وأمر قائد المنجنيق جعوبة السلمي بضرب ذلك العلم، ووعده بعشرة آلاف درهم جائزة له إذا أصاب الهدف، ونجح القائد، وتم ضرب العلم ودك المعبد، فهاج الكفار وخرجوا، فناهضهم المسلمون حتى هزموهم وردوهم.

    فهذا -أيضاً- بلغة العولمة عدوان على التراث الإنساني.

    والقائد محمود الغزنوي الذي عاش في نهاية القرن الرابع، وقال عنه ابن كثير رحمه الله: الملك الكبير المجاهد الغازي. وكان يحب العلماء والمحدثين، ويحب أهل الخير والدين- حينما غزا الهند كسر صنمهم الأكبر سنة أربعمائة وست عشرة من الهجرة، رغم أن عابدي هذا الصنم دفعوا له وبذلوا له وزنه ذهباً من أجل أن لا يهدم هذا الوثن، ومع ذلك هدمه رحمه الله تعالى.

    وذكر ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس: أن أهل بلخ كان لهم صنم بناه بنو شهر، فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ.

    وكذلك ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من تحطيم الأصنام والأوثان في عصره، وهو أمر معروف مشهور.

    ويروي ابن كثير قصة فتح سمرقند بقيادة قتيبة بن مسلم فيقول: واقترب من المدينة العظمى التي بالصغد -وهي سمرقند- فنصب عليها المجانيق فرماها بها، وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من بخارى وخوارزم فقاتلوا أهل الصغد قتالاً شديداً، فأرسل إليه غورك ملك الصغد : إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي -يعني المسلمين الذين انضموا إليه- فاخرج إلي في العرب.

    فغضب عند ذلك قتيبة ، وميز العرب من العجم، وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب، وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة، ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة -أي: فتحة- فسدها الترك بغرار الدخن، وقام رجل منهم فوقها. فجعل يشتم قتيبة ، فرماه رجل من المسلمين فقلع عينه حتى خرجت من قفاه، فلم يلبث أن مات قبحه الله، فأعطى قتيبة للذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم -أيضاً- ثلمة، وصعد المسلمون فوقها، وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب ، فقالت الترك لـقتيبة : ارجع عنا يومك هذا، ونحن نصالحك غداً. فرجع عنهم، فصالحوه من الغد على ألفي ألف ومائة ألف يحملونها إليه كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب -وفي رواية: مائة ألف من الرقيق، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجداً ويوضع له فيه منبر يخطب عليه ويتغدى ويخرج، فأجابوه إلى ذلك.

    فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال، وذلك بعد أن بنى المسجد، ووضع فيه المنبر، فصلى في المسجد وخطب وتغدى، وأُتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا وتباكوا، وقال المجوس: إن فيها أصناماً قديمة من أحرقها هلك.

    أي أن هذه الآلهة قادرة على ضر من يؤذيها، فلو حرقتها ستموت وستمسك آلهتنا بسوء.

    قال: فتصارخوا وتباكوا، وقال المجوس: إن فيها أصناماً قديمة من أحرقها هلك. وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لـقتيبة : إني لك ناصح -يعني: إني خائف عليك-. فقام قتيبة ، وأخذ في يده شعلة نار وقال: أنا أحرقها بيدي، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. ثم قام إليها وهو يكبر الله عز وجل وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان بها من الذهب خمسين ألف مثقال من ذهب.

    فالشاهد أن قتيبة بن مسلم القائد الفاتح أحرق أصنامهم، فأين هذا من الذين يقولون: هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك؟!

    ونحن نرى كيف كانت عزة المسلم في ذلك الزمان، وننظر اليوم إلى التمسح والتزلف على أعتاب الغرب والشرق!

    قال ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته: ولما فتحت أرض فارس وجدوا فيها كتباً كثيرة، فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن: اطرحوها في الماء؛ فإن يكن ما فيها هدىً فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفاناه الله. فطرحوها في الماء أو في النار، وذهبت علوم الفرس فيه دون أن تصل إلينا.

    فإذا كان هذا في شأن الكتب فكيف بالأصنام والمعبودات؟!

    1.   

    ردود على شبهات المخالفين في هدم الأصنام

    الرد على دعوى عدم عبادة التماثيل في عصرنا

    وقولهم: إنها ليست ذريعة للشرك ولا أحد يعبدها، غير صحيح؛ إذ إنه معروف جداً أن بوذا يعبد، والصنم يعبد، ولقد سمعت من أحد الإخوة من حلوان أن حديقة حلوان -التي أقامتها اليابان- فيها تماثيل بوذا ، وإنه تأتي مجموعات من اليابانيين لتعبد هذه التماثيل، فهم يعبدون الأصنام والتماثيل حقيقة، فهي معبودة بالفعل، فهي مثل اللات والعزى ومناة بالنسبة للعرب.

    الرد على دعوى ما ترك المسلمون هدمه من التماثيل

    أما الأشياء التي تركها المسلمون ولم يهدموها فهي -كما يقول بعض العلماء- على أقسام:

    الأول: ما كان من هذه التماثيل داخلاً في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، أي: حصل صلح واتفاق بين المسلمين وبين أهل هذه البلاد من الكفار فتركوا لهم تماثيلهم وأوثانهم وصلبانهم بشرط عدم إظهارها.

    فالإسلام يصبغ المجتمع بصبغة الله صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138]، والإسلام يحرص على الظاهر العام، فالظاهر لا يكون فيه ما يناقض شريعة الإسلام.

    فأقروا على ما كان داخل معابدهم بشرط أن يكون عن صلح وعهد، فالمسلمون يحترمون عهودهم ولا يحترمون الأوثان، فهم يحترمون شرع الله الذي يلزمهم باحترام العهود والمواثيق، فما كان في الداخل وغير ظاهر لا ينكر عليهم، ولا يمس بسوء.

    ففي الشروط العمرية -المعروفة- على أهل الذمة: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً في كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، وأن لا نخرج صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين...إلى آخره.

    القسم الثاني: أن تكون هذه التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجز المسلمون عن هدمها وإزالتها، فهناك تماثيل هائلة منحوتة في الصخور وفي الجبال لا يستطاع إزالتها أو تغييرها، ولذلك يقول ابن خلدون في مقدمته: إن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان. يعني التي تستغرق قروناً أحياناً لكي تبنى، مثل الصنمين في باميان في أفغانستان، فقد بنيا في قرنين، يتعاقبون على نحتها مائتي سنة. وفي مدينة ميلانو في إيطاليا توجد كنيسة هناك مشهورة بنيت في خمسمائة سنة! وكان على قمتها صنم من الذهب وضعوه فطمس ، لكن ليس المسلمون الذين طمسوه، وإنما جاءت عصابة المافيا بالطيارة فسرقته.

    وهذه الأشياء المنحوتة العظيمة تجعل بعض الناس يفترض أن الجن هي التي صنعت لهم هذه التماثيل من صعوبة نحت الجرانيت، فالجرانيت ينحتونه كتلة واحدة كما هو معروف، فـابن خلدون يشير إلى هذا، يقول: إن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان. قال: لذلك نجد آثاراً كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء؛ هذا كلام ابن خلدون في مقدمته.

    وذكر مثالاً أن الرشيد عزم على هدم إيوان كسرى ، فشرع في ذلك، وجمع الأيدي، واتخذ الفئوس، وأصلاه بالنار، وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.

    وذكر أيضاً أن المأمون أراد أن يهدم الأهرام في مصر فجمع الفعلة ولم يقدر.

    وما يقال من أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ترك أصنام مصر كأبي الهول وغيره فذلك غير صحيح، إذ لم يثبت أنها لم تكن مطمورة بالأتربة، وهذا شيء معروف جداً، يدل عليه موضوع النشاط المحموم في استخراج التماثيل منذ قرن أو قرن ونصف في مصر لما نشأت عملية البحث عن هذه الآثار.

    ففي مصر قامت الحملة الفرنسية في الأهرامات، وحين ترى صورة أبي الهول ترى أن أبا الهول ليس كاملاً، والصور الموجودة مرسومة بخط اليد منذ زمن، فأبو الهول كان لا تزال أجزاء منه مخفية تحت الرمل، فإما أن الصحابة لم يروا هذه التماثيل، وإما أنهم رأوا هذه الأصنام ولم يقدروا على تحطيمها، وهذا عذر يعذرون به؛ لأن طالبان لما حاولت تحطيم هذه الأصنام كيف حطمتها؟ أعدت الديناميت والمتفجرات والمدافع وأشياء حديثة جداً، فكيف بعصر كان السلاح هو القوس والسيف والرمح ونحو هذه الأشياء؟ فهل سيقدرون على أن يحطموا هذه الأشياء؟ وهل كل بلاد يفتحونها يظلون فيها لكي يشتغلوا بهذا ويتركوا امتداد النور لآفاق الأرض؟! إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر عمرو بن العاص رضي الله عنه على سرية لكسر بعض أصنام العرب، فكيف يدعي هؤلاء الناس أن عمراً أقر الأصنام اعتقاداً منه بجواز تركها؟!

    والجواب: لا؛ إذ يمكن أن يكون تركها عجزاً عن ذلك، لكن اعتقاد هذا افتراء شديد على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، ولو قيل: إن هذا رأي لـعمرو بن العاص فأسوتنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعروف التفصيل في قول الصحابي، فقول الصحابي الذي يحتج به هو ما لم يخالف قول النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك يحتمل أنها كانت مطمورة تحت الأرض، أو مغمورة بالرمال ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، فمعمل أبي سنبل ألم يكن مطموراً بالرمال مع التماثيل والأصنام إلى ما قبل قرن أو نصف قرن تقريباً؟!

    وهذا المقريزي المتوفى سنة (745هـ) يقول في الخطب في الجزء الأول: إن أبا الهول مغمور تحت الرمال -أي: في وقت المقريزي - لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي. وهذا بخلاف الحال اليوم.

    و الزركلي سئل عن الأهرام وأبي الهول ونحوهما: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟

    فقال: كان أكثرها مغموراً بالرمال، ولاسيما أبا الهول. وهذا في كتاب عن شبه جزيرة العرب.

    فمن التطاول على خير القرون أن يفترى عليهم ويزعم ذلك الزعم على هذا النطاق.

    الرد على دعوى هدم ما يعبد من التماثيل دون ما سواه

    وشبهة أن التماثيل التي تحطم هي ما عبد من دون الله يرد عليها بأن سد الذرائع من أصول الشريعة أو من أدلة الشريعة، خاصة في باب التوحيد، فتحريمها من باب سد الذرائع.

    كذلك حديث جبريل عليه السلام لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقطع التمثال الذي في بيته، وما كان للعبادة بلا شك.

    ثم إن هذه التماثيل -كما قلنا- معبودة بالفعل، فهي تعبد بالفعل وتقدس، وكذلك تعظيم التمثال بطريقة عجيبة عندما يكون ارتفاعه يساوي سبعة عشر طابقاً، فتخيل تمثالاً بهذه الضخامة! أليس هذا نوعاً من التعظيم لما ينبغي أن يحقر؟! فاتخاذ صنم بهذا الحجم الضخم أليس فيه نوع من التعظيم له؟ بل هو تعظيم بلا شك، فلا شك أن هذا جاء استفزازاً لأي موحد.

    والدليل على تقديسهم وعبادتهم لها غضب هؤلاء البوذيين، حتى إنهم أحرقوا المصاحف -لعنهم الله- ثأراً لإلههم ولمعبودهم.

    أما قول البعض: إن هذه الأشياء لا تشكل خطراً على المسلمين فإننا نقول: فلماذا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتحطيم الأصنام وكل ما يعبد؟! ونقول: هذا خطر على التوحيد، والمسلمون لا يخاطبون بالتوحيد أهل ملتهم فقط، وإنما كل البشرية.

    وبعضهم يقول: إن التمثال الحرام هو الذي صنعه المسلمون.

    ونقول: وهل هناك مسلم يصنع أصناماً؟! والأصنام التي حطمها الرسول عليه الصلاة والسلام هل كان واحد منها من صنع المسلمين؟! فهي من وضع الجاهليين.

    الرد على دعوى تحطيم الأصنام لحداثة عهد الناس بالشرك

    أما القول بأن التحطيم كان أولاً لحدوث عهد الناس بالشرك فقائلوه لا يعرفون أن يتصرفوا في الأحاديث، فيقولون: هذا كان في الأول سداً للذريعة؛ لأن الناس كانوا لا يزالون حديثي عهد بالتوحيد، فلما استقر التوحيد وقويت عقيدة الناس أبيح حدوث هذه الأشياء.

    ونقول: أين الناسخ؟ هاتوا دليلاً واحداً فقط على النسخ، ولا يوجد.

    1.   

    كلام العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في التماثيل

    وهنا أسوق كلام فخر الديار المصرية العلامة أبي الأشبال أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فله كلام كأنه يعيش معنا في هذه الأيام، وله كلام في تعليقه على مسند الإمام أحمد .

    وانظر إلى روح الكلام والحمية والغيرة من عالم جليل، هو من أعظم علماء مصر، وهو من أعظم علماء الأزهر، وعالم جليل في مستوى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله نفاخر به الدنيا.

    يقول: وفي عصرنا هذا كنا نسمع عن أناس كبار ينسبون إلى العلم ممن لم ندرك أن نسمع منهم أنهم يذهبون إلى جواز التصوير كله -بما فيه التماثيل الملعونة- تقرباً إلى السادة الذين يريدون أن يقيموا التماثيل تذكاراً لآبائهم المفسدين، وأنصارهم العتاة أو المنافقين، ثم تقرباً إلى العقائد الوثنية الأوروبية التي ضُربت على مصر وعلى بلاد الإسلام من أعداء الإسلام الغاصبين، وتبعهم في ذلك المقلدون والدهماء أتباع كل ناعق، حتى امتلأت بلاد المسلمين بمظاهر الوثنية السافرة من بناء الأوثان والأنصاب وتعظيمها وتبجيلها بوضع الأزاهير والرياحين عليها والتقدم بين يديها بمظاهر الوثنية الكاملة، حتى بوضع النيران أحياناً عندها، وكان من حجة أولئك الذين شرعوا لهم هذا المنكر أول الأمر أن تأولوا النصوص بربطها بعلة لم يذكرها الشارع، ولم يجعلها مناط التحريم، هي -فيما بلغنا- أن التحريم إنما كان أول الأمر لقرب عهد الناس بالوثنية، أما الآن وقد مضى على ذلك دهر طويل فقد ذهبت علة التحريم، ولا يخشى على الناس أن يعودوا لعبادة الأوثان.

    ونسي هؤلاء ما هو بين أيديهم من مظاهر الوثنية الحقة بالتقرب إلى القبور وأصحابها، واللجوء إليها عند الكروب والشدائد، وأن الوثنية عادت إلى التغلغل في القلوب دون أن يشعر أصحابها، بل نسوا نصوص الأحاديث الصريحة في التحريم وعلة التحريم، وكنا نعجب لهذا التفكير العقيم والاجتهاد الملتوي، وكنا نظنهم اخترعوا معنى لم يسبقوا إليه وإن كان باطلاً ظاهراً بطلانه، حتى كشفنا بعد ذلك أنهم كانوا في باطلهم مقلدين، وفي اجتهادهم واستنباطهم سابقين، فرأينا الإمام الحافظ الحجة ابن دقيق العيد رحمه الله المتوفى سنة (702هـ) يحكي مثل قولهم، ويرده أبلغ رد وبأقوى حجة في كتابه (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) الجزء الأول، (ص:959-960) بتحقيق الأخ الشيخ حامد الفقي ومراجعتنا.

    وفي شرح حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) .

    فقال ابن دقيق العيد : وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، وهذا عندنا باطل قطعاً؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (المشبهون بخلق الله) وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله.

    ثم قال الشيخ أحمد شاكر معقباً على كلام ابن دقيق العيد : هذا ما قال ابن دقيق العيد منذ أكثر من سبعين وستمائة سنة يرد على قوم تلاعبوا بهذه النصوص في عصره أو قبل عصره، ثم يأتي هؤلاء المفتون المضللون وأتباعهم المقلدون أو الملحدون الهدامون يعيدونها جذعة ويلعبون بنصوص الأحاديث كما لعب أولئكم من قبل، ثم كان من أثر هذه الفتاوى الجاهلية أن ملئت بلادنا بمظاهر الوثنية كاملة، فنصبت التماثيل وملئت بها البلاد تكريماً لذكرى من نسبت إليه وتعظيما، ثم يقولون لنا: إنها لم يقصد بها التعظيم، ثم ازدادوا كفراً ووثنية فصنعوا الأنصاب ورفعوها تكريماً لمن صنعت لذكراهم، وليست الأنصاب مما يدخل في التصوير حتى يصلح لهم تأويلهم، إنما هي وثنية كاملة صرف نهى الله عنها في كتابه بالنص الصريح الذي لا يحتمل التأويل.

    وكان من أثر هذه الفتاوى الجاهلية أن صنعت الدولة -وهي تزعم أنها دولة إسلامية في أمة إسلامية- ما سمته مدرسة الفنون الجميلة.

    وهي في العهد الملكي كان اسمها مدرسة الفنون الجميلة أو كلية الفنون الجميلة، صنعت معهداً للفجور الكامل الواضح.

    ثم بعدما ذكر بعض الأشياء السيئة مما يحدث في التصاوير في هذه الكلية قال: يقولون: إن هذا فن. لعنهم الله ولعن من رضي هذا منهم أو سكت عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    1.   

    تشبث المخالفين بالمصالح والمفاسد وموقفنا منه

    ومن الشبهات كلامهم على قضية المصالح والمفاسد، وهذه المسألة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقبل الكلام فيه، أما القول بأن الإسلام لا يحرم التماثيل وأن المسلمين أقروا ذلك فكل هذا دجل في دجل، لكن كون الدعوة تقتضي أن نتمهل وأن ننتظر، ويستدلون بقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] فهذه عملية اجتهاد في المصالح والمفاسد، هذه وهي المنطقة المباحة فقط.

    أما أنهم يحاولون أن يغيروا عقيدة المسلمين تجاه الأصنام فهذا عدوان سافر على الشريعة، ونحن لا نريد الموضوع أن يتحول من تحطيم الأصنام إلى تحطيم الشيوخ والعلماء؛ لأن أعداء الإسلام حين يستدرجون العلماء أو يخدعونهم في مثل هذه المواقف إنما هم في كل حالة يكسبون الموقف، فهم يعرفون أن هذه المسائل يمكن أن تهبط هبوطاً حاداً بشعبية الداعية أو العالم المؤثر، فهم في الحالتين كاسبون، فلو حطموا العالم كسبوا، ولو أن العالم ساعد على الحفاظ على الأصنام لكسبوا أيضاً.

    فنحن لابد لنا من حسن الظن بالشيوخ، وحسن الظن يقتضي اعتبار الإعلان وسيلة غير آمنة في نقل وجهات نظر الشيوخ، وكم دلس الإعلام على الشيوخ، فالأصل هو حرمة الشيوخ والدعاة واحترامهم، إلا الذي نسمعه بأنفسنا يتكلم دون أن يكون هناك أحد يهدده أو يضغط عليه ويتبرع بتلوين الكلام، وهؤلاء غالباً ليسوا شخصيات رسمية، وإنما هم متطفلون على العلم.

    فالشاهد أن العلماء يجب حسن الظن بهم، والتأكد من صحة نسبة الكلام إلى أحدهم.

    وهنا أمثل بمثال: فـالقرضاوي تكلم ووضح موقفه وقال: لماذا تفترون علي؟ وقال: لقد ذهبت وكان وكان.

    أعلن أن تسعين في المائة حطمت فعلاً من حجم التمثالين، فقال: أنا سأذهب لكي أتناصح مع الإخوة لحل مشاكل إخواننا الأفغان ومعاناة الفقر وكذا وكذا .. . إلى آخر هذه الأشياء.

    فهذا ما قاله، وهو أنه يعرف أنه غير معقول أن يذهب ليدافع عن أصنام.

    فلسنا مع بعض الشباب الذين أطلقوا ألسنتهم بكلام بشع جداً ما كان ينبغي أن يقال.

    وعلى أي الأحوال فنحن نفرق بين الحكم والفتوى، فالحكم حكم الشرع الذي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة، والفتوى تطبيق الحكم على الواقع.

    مثلاً: عندما نسأل عن أكل الميتة نقول: ما حكم أكل الميتة؟ والجواب: حرام.

    لكن عندما نسأل عن حالات معينة، كما لو أن الجائع لم يأكل من الميتة فسوف يموت فإنا نقول له: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، فهذه حالة ضرورة، فهنا لا نقول له: مباح أن تأكل بل نقول له: واجب عليك أن تأكل من الميتة. فانتقل الأمر من حرام إلى واجب لحفظ حياته.

    فالشاهد أن هذا من مرونة الشريعة، وأن قاعدة الشريعة أن التكليف منوط بالاستطاعة، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، والمسلمون تطرأ عليهم حالات معينة يصعب وضعهم فيها، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يمر بالصحابة وهم يعذبون في مكة فيقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، وهو رسول الله المؤيد بالوحي، فما استطاع أن ينقذ هؤلاء المستضعفين، بل هو نفسه صلى الله عليه وسلم بقي في مكة والأصنام حول الكعبة، وبقيت إلى تأريخ مكة.

    فإذاً هناك فرق بين الحكم الشرعي الذي تكلمنا عنه، والفتوى هي التطبيق لهذا الحكم على الواقع، فالكلام على المصلحة الدينية هو القنطرة الوحيدة التي يمكن أن نلتقي فيها مع هؤلاء القوم.

    وبعض المتكلمين -وهو غير باحث- قال: إننا بهذا العمل فتحنا باباً لمفسدة عظيمة، فهو نظر إلى المفاسد في زعمه، ونحن نقول: مادام أنه يتكلم على مصالح ومفاسد فلا بد من أن نتأكد من المصالح ونعطي كل شيء حجمه حين نتكلم على المفاسد والمصالح، فهذه المنطقة هي الوحيدة المباح لنا فيها أن نتكلم، ما دام الكلام فيها عن المصلحة الشرعية ودرء المفاسد وسد الذريعة لئلا ينال المسلمين نفس الضرر؛ فليس من مصلحة المسلمين الدخول في أمر يعود بمنكر أكبر، ففي بعض الأماكن أو بعض البلاد لو هدم أحد صنماً فإنه سيبنى أحسن منه وأكبر منه، فالنظر في عواقب الأمور، ووزن الأمور بميزان الشرع، راجع لأهل العلم الذين يحسنون ضبط الأمور.

    بيان المصالح والمفاسد الواقعة في الحادثة

    والمفاسد التي ذكروها هي أن هذا يثير الاحتكاكات الطائفية بين الهندوس والمسلمين، سواء في سيرلانكا أو الهند أو الصين أو تايلاند أو غيرها، وبعدما تم تأليب الغربيين علينا يبدأ تأليب الشرق كله على المسلمين، وأن ذلك يؤدي لإهانة المصحف الشريف، كما حصل في بعض التظاهرات أن هؤلاء البوذيين أحرقوا المصحف الشريف لعنهم الله.

    ومن أضراره تحويل الأنظار عن الانتفاضة في الأقصى، أو تشويه سمعة الإسلام عالمياً، أو ترسيخ الحصار الظالم ضد الطالبان من جديد وعزلها عن المحيط الإسلامي والدولي، فهذا الكلام في المفاسد.

    أما الكلام الآخر الذي هو التراث البشري والإنساني فقد وضحنا الموقف منه.

    أما المصالح فأعظم مصلحة على الإطلاق هي الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، والذين يقولون: إن هذه الأفعال يمكن أن يكون فيها تشويه لسمعة الإسلام فذلك في حق المغفلين أو الجهلة، أما إنسان عنده بصيص من النور أو الفطرة فشأنه هو العكس، إذ هذه الأمور يمكن أن تكون بوابة يدخل منها إلى الإسلام ليسمع، فمن الممكن أن يكون هناك نوع من المصلحة، خاصة في حق الذين يعبدون هذه الأصنام؛ إذ يرد السؤال حينها: لماذا لم يدافع بوذا عن نفسه؟ فيمكن أن يثوب بعض هؤلاء البوذيين إلى رشدهم عندما يرون معبودهم تحول إلى أنقاض، فيعلمون أنه حجارة لا تضر ولا تنفع، بدليل أنه بقي صامتاً جامداً لا يدافع عن نفسه، فيبحثون عن الإله الحق النافع الضار الحي الذي لا يموت.

    يمكن أن يكون ذلك فعلاً؛ لأن البشرية الآن مسوقة كالقطيع، فكل الذي تريده أمريكا هو الذي يؤمل فيه، فكأن البشرية كانت بحاجة إلى منبه يوقظها من غفلتها، وذلك أشبه ما يكون بالعلاج بالصدمات الكهربائية، لكي يفيق الناس قليلاً، فالناس الغارقون في هذه الوثنية الماشون وراء الغرب ينظرون إلى كل شيء بعين أمريكا وبميزان أمريكا وبميزان الغرب، فيعلمون بذلك أن الغرب ليس قدوة ولا يصلح أن يكون قدوة، والغرب ما عرف الإنصاف أو العدل.

    وأعتقد أن الطالبان قد رأوا أنهم ممكنون، والله سبحانه وتعالى يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فما داموا ممكنين في بلادهم -إذ عندهم تسعون في المائة من مساحة أفغانستان- فما الذي يمنعهم من أن يهدموا الصنم، خاصة أنهم في كل الحالات ليسوا مرضياً عنهم، فأمريكا لو كانت تقدر على أذيتهم بأكثر مما فعلت آذتهم، ولكن قد بلغت الغاية التي تستطيعها.

    فهذه البلد حطمت أولاً -أو أريد تدميرها- خلال الحكم الشيوعي، ثم بعد ذلك العالم الغربي الذي كان يعدهم أيام الحرب مع الاتحاد السوفياتي الشيوعي قلب الكفة عليهم، فليست هناك خسارة أكثر مما حصل، فيمكن أن تكون وجهة نظرهم أنهم ممكنون وفي بلدهم، وهذه أمور داخلية، وليس لأحد حق في أن يتدخل في الشئون الداخلية، فربما كانت هذه بعض الأشياء التي استندوا إليها، والله تعالى أعلم.

    فالمسلمون إذا كانوا في حالة ضعف لا يستطيعون إزالة هذه الأصنام، أو كان يترتب على إزالتها سب لله وسب للرسول عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك من الشركيات، فإنه يدخل هذا في باب المصلحة.

    فقاعدة المصالح والمفاسد معروفة في الشريعة فلا نطيل في تفصيلها.

    دعوى أولوية الانتفاع بثمن الأصنام

    أما القول بأنهم ما داموا قد غلبوا عليها فكان الأولى أن يبيعوها ويأخذوا قيمتها فذلك باطل، فالرسول صلى الله عليه وسلم (نهى عن ثمن الأصنام)، وحرم ثمن الأصنام.

    أما الخسائر وفقدان ما يترتب على ذلك من مصالح فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28]يقول ابن إسحاق : وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها .. . إلخ، فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28].

    فالتوكل على الله سبحانه وتعالى والاجتهاد في فتح أبواب الرزق سبب في إغناء الله تعالى للمسلمين، وقد يقوم جماعة من الخبراء والمختصين فيبتكرون أشياء تعود بأموال كثيرة في مثل هذا الأمر، ولا نقول: اعملوا مثل اليهود. فاليهود لأنهم يهود قامت دولتهم اللقيطة ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا، باعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس، يفكر أحدهم كيف يقدر على أن يصل لأعمال بديلة.

    دعوى تذكير بقاء الأصنام بنعمة الهداية

    ومن التأويلات الغريبة لبعض هؤلاء الفضائيين قول أحدهم: المفترض أن نترك هذه التماثيل؛ لأنها تذكر المسلمين بنعمة الإسلام، لنرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام!

    تأويل عجيب جداً، وإذا كان كذلك فقد كان أولى بالرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يكسر اللات والعزى ومن غيرهما الأصنام لكي تبقى عبرة يتذكر بها الناس نعمة الإسلام، ونرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام.

    ونقول لهم: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    دعوى قياس التماثيل على الدمى

    وهناك أقاويل أخرى، كقياس بعضهم التماثيل على دمى البنات، ولعب الأطفال، وهذا كلام لا أعتقد أنه يستحق أن نتوقف معه لنبطله. ومثله أن يقال: كما يجوز الكفر في حالة الإكراه يجوز الكفر في حالة الاختيار، وهذا نوع من الدجل أيضاً ، فهم قاسوا نفس التماثيل التي ورد النهي الشديد عنها بالدمى التي خصها الشارع من المنهي عنه كما خص حالة الإكراه بجواز الكفر.

    دعوى قياس التمثيل على الدمى

    وهناك أقاويل أخرى، كقياس بعضهم التماثيل على دمى البنات، ولعب الأطفال، وهذا كلام لا أعتقد أنه يستحق أن نتوقف معه لنبطله.

    ومثله أن يقال: كما يجوز الكفر في حالة الإكراه يجوز الكفر في حالة الاختيار، وهذا نوع من الدجل أيضاً ، فهم قاسوا نفس التماثيل التي ورد النهي الشديد عنها بالدمى التي خصها الشارع من المنهي عنه كما خص حالة الإكراه بجواز الكفر.

    1.   

    وقفات مع التداعي العالمي تجاه الحادثة وقضايا المسلمين

    الصمت العالمي وتدمير مسجد البابري

    أخيراً نقف قليلاً مع طالبان، وإن كان عندنا مشكلة، وهي أن الاستيثاق صعب جداً؛ لأن المصادر الموثقة التي يمكن أن نتلقى منها معلومات موثقة أمرها صعب جداً، خاصة أن طالبان معزولة، ويبدو أنهم عزلوا أنفسهم عن العالم أكثر، فوسائل التعرف على حقيقة موقفهم في الحقيقة أمر صعب جداً، ولذلك فالإنسان دائماً يشك في الكلام الكثير والدندنة على موضوع تعليم النساء وأنه حرام عند طالبان، ومن الصعب أن يصدق؛ لأن المتكلمين يدعون أن الإسلام يحرم تعليم المرأة، وهذا غير صحيح، ومن المؤكد أنهم وضعوا للأمر ضوابط، وفيها كلام كثير، والقرضاوي قد ناقش هذه المسألة بالتفصيل، وليس هنا مكانها، ونحن ليست قضيتنا أن ندافع عن طالبان؛ لأن معلوماتنا غير ميسرة، وعلى أقل تقدير فمن الأمور الواضحة أنهم في ذلك ينطلقون من منطلق شرعي.

    وفي نفس الوقت نقول: إن موضوع العدوان على التراث البشري وغير ذلك من الكلام الذي لا يساوي شيئاً ليس المعني فيه الطالبان وحدها، وليس هناك داع للكيل بمائة مكيال بالنسبة للمسلمين، لكن أين كانت الأمم المتحدة وأين كانت الوفود، وأين كان هذا الاستنصار الذي حصل من أجل صنمين، ذلك الاستنصار الذي استفز قسيساً حتى قال: لماذا تقدسون الحجر ولا تقدسون البشر؟ كان يقول لهم: أنتم تقدسون الحجر وتقدسون البقر ولا تقدسون البشر! فهذا كلام قسيس، يعني: والبشر لا يقدس.

    وأقول: كل هذه الحمية والغيرة والوفود والبركان الجاهلي الثائر أين كانت عندما هدم الهندوس المسجد البابري في الهند بحجة أنه بني على أنقاض مسقط رأس إلهي مرام ؟ وقالوا: هذا إلهنا ولد في المكان الذي بني فيه المسجد؟! فانظر إلى الوثنية والعقول التافهة؟!

    علماً أن زعيم الهندوس الذي تزعم حركة تدمير المسجد أسلم، وأعلن أنه راغب في أن يكفر عن كل ما مضى منه في حق الإسلام أو في حق بيت الله سبحانه وتعالى، فهذه آية من آيات الله عز وجل، والإسلام دائماً يأتي بالبشائر.

    الموقف العالمي من صنيع اليهود

    والمسجد الأقصى لما أحرقه اليهود في سنة تسعة وستين كان مما أحرق تماماً منبر صلاح الدين الأيوبي ، الذي أنشأه حين فتح القدس رحمه الله.

    واليهود في فلسطين هدموا عشرات المساجد، وحولوا بعض المساجد إلى حانات وإلى متاحف وإلى أماكن فساد وإلى مجامع للقمامة، فأين كانت هذه الوفود وهذه الثورة؟!

    وفي فلسطين محيت أربعمائة قرية من الخريطة تماماً وتناساها الجميع، وغيرت الدولة اللقيطة -ولا تزال- الطابع التأريخي والديمغرافي لمدينة القدس عن طريق الحفريات والأنفاق وكأن ذلك شيء لا قيمة له!

    ثم بعد ذلك يأتي أحد من المسلمين ليحث العالم الغربي على التدخل العسكري ضد طالبان لكي ينقذ هذين الصنمين، فانظر إلى المأساة التي وصلنا إليها!

    ذكر مواقف أخرى من تهديم التراث

    وفي أثناء الثورة الثقافية في الصين دمر الشيوعيون (90%) من التراث الكونفشيوسي؛ لأن الشيوعيين كانوا ملاحدة ضد الدين، ومن المعلوم أن الدين الكونفشيوسي شركي، فدمر الشيوعيون -انطلاقاً من أن هذا يتعارض مع عقيدتهم الشيوعية- (90%) من التراث الكونفشيوسي.

    وفي كمبوديا حصل نفس الشيء، وعمل هتلر أشياء قريبة من ذلك، ونابليون هو الذي كسر أنف أبي الهول، وقصف الجامع الأزهر وحوله إلى اصطبل للخيول، أليس نابليون اتبع الحرية والإخاء والمساواة والرقي والحضارة؟!

    الموقف العالمي من تهديم مساجد أفغانستان والبوسنة

    والبريطانيون أنفسهم في أفغانستان هدموا مسجد (مصلى حسن) سنة (1886م)، وهو مسجد يعود إلى القرن الخامس عشر، ولم يعد هذا عدواناً على التراث!

    وقد هدم الصرب في البوسنة كثيراً من المساجد، فقد تم قصف ثمانمائة أثر إسلامي في البوسنة لطمس الهوية الإسلامية في البوسنة على يد الصرب.

    والروس عندما تمردوا أخيراً على الشيوعية حطموا تمثال لينين وتماثيل ضخمة للينين ، فقد كان الروس الشيوعيون في كثير من بلاد العالم يعبرون عن تحررهم وانعتاقهم من الشيوعية عن طريق تحطيم تماثيل لينين ؛ لأنها رمز لشيء معين.

    الإيرانيون لماذا حطموا تماثيل الشاه؟ لأنه هدم لرموز الماضي.

    الموقف العالمي من سفك دماء مسلمي العراق

    وهذا كولن باول الذي حطم العراق وقتل الأطفال والنساء يدعي أن تحطيم التمثالين وحشية وهمجية وجريمة في حق البشرية، فكيف بالذي عمله في العراق؟

    أليس ذلك وحشية وهمجية وبربرية؟!

    وكذلك تدمير مساجد السنة في إيران، فأين أصحاب الحمية وأين هذه المنظمات؟!

    واليهود تحت أعين الأمم المتحدة قصفوا الآثار الرومانية والإسلامية في بعلبك والقرى الجنوبية في لبنان، وأين القتل البطيء المستمر لمسلمي العراق والغارات المتتابعة على العراق إلى الآن لإزالتها من الخارطة؟

    والصنم حين يضرب بالبارود هل يحس؟! إن الصنم ثابت في حاله لا يشعر بالبرد ولا يجوع ولا يمرض ولا يموت؛ لأنه جماد.

    لكن المسلمين في العراق وفي البلاد المحاصرة يحسون ويشعرون، فلماذا القتل البطيء لهم ومحاصرتهم في كل مكان؟! إنه جزاء من يأبى الركوع لأمريكا وللغرب.

    1.   

    القانون الدولي شريعة الغاب

    والقانون الدولي حينما يتعارض مع الشرع الإلهي فهو المقدم، وكل هذا أكاذيب يتستر الغرب وراءها لإهلاك الشعوب، والمنطق الذي يمشي عليه الغرب هو: (الحق هو القوة)، فما دمت قادراً على أن تعمل أي شيء فهذا هو الحق!

    في حين أن الإسلام يعتمد على منطق قوة الحق، ولذلك فإن المسلمين يثبتون على الحق، ويعلنون الحق ويتمسكون بالحق، حتى ولو كانوا ضعفاء مادياً، أما الغرب فعندهم حق القوة، فما دمت قوياً فلك أن تقهر الضعيف، فهي شريعة الغاب كما هو معلوم. وقد قال الله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].

    ولا ننتظر من الغرب غير هذا العداء، والذي يتوقع أنهم سيرضون عنا يوماً من الأيام فهو واهم؛ لأن القرآن قد قطع فقال: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    فالكلام الذي يتردد الآن تسميم خطير جداً لعقائد الناس بمعاني العولمة والتراث البشري ومهادنة الشركيات واحترام الأديان.

    وإننا نحترم حقوق أهل الأديان التي شرعها الإسلام، لكن كيف نحترم من يعبد الأصنام أو يعبد المسيح عليه الصلاة والسلام؟! كيف نحترمه وهو مطالب أصلاً برسالة محمد والإيمان به عليه الصلاة والسلام.

    فإذا كان الالتزام بالقانون الدولي والأعراف الدولية يقودك إلى الخروج من ملة الإسلام فأيهما تختار؟!

    إن من المناقضات أن كل شعوب العالم -تقريباً- تأكل اللحوم، فلما جاء عيد الأضحى قامت قيامة ممثلة أوروبية فاجرة، فقادت حملة ضد الوحشية والقسوة ضد الحيوان -كما تزعم- فأصبحت الوحشية والقسوة من سمات المسلمين لأنهم يذبحون الأضاحي! لكن أين هي من المذابح التي تقام للمسلمين في كل مكان؟!

    لقد أصبحت أفغانستان دولة منسية إلا في العقوبات الدولية، بهذا السجع: (أفغانستان الدولة المنسية إلا في العقوبات الدولية) فنصف شعب الأفغان يتضور جوعاً، وإحصائيات الأمم المتحدة تقول: كل يوم يموت أربعمائة طفل من البرد. وهم يعانون أيضاً من الجفاف، فمنذ ثلاث أو أربع سنوات لم تنزل قطرة ماء واحدة على أفغانستان، والحصار مشدد عليها، فنقول لهؤلاء: الإنسان الحي الذي يحس ويجوع ويمرض ويعاني أليس هو نفسه داخلاً في التراث؟! أليس له قيمة بحيث تخفف عنه هذه الضغوط.

    فاليونسكو كانت مستعدة أن تنفق أموالاً كثيرة لكي تحفر الجبل وتنقل التمثالين إلى مكان آخر لحفظهما.

    أليس الواجب هو أن تنفق هذه الأموال على الجياع والمساكين في أفغانستان؟!

    1.   

    مرد الأحكام في القضايا الدولية

    إن من الكلمات التي قالها أحد الدعاة الأفاضل قوله: يجب أن تحاكم كل دولة من خلال مرجعيتها التي تؤمن بها.

    يعني: أنا مسلم فحاكمني إلى الإسلام؛ لأن هذه الوسيلة الوحيدة لإقناعي، وليس بقهري، إذ يمكن تحت القهر أن أقول كلاماً غير هذا، لكن أنا مسلم ملتزم بمقتضى الكتاب والسنة، وبفهم السلف.

    فيجب أن تحاكم كل دولة من خلال مرجعيتها التي تؤمن بها لا حسب مرجعيات أخرى مخالفة، أما الاستناد إلى آراء قلة من العلماء المعاصرين الذين سلط الإعلام المنحاز ضد الإسلام الأضواء عليهم، فهذا غير ملزم، فالعلمانيون يقولون: لقد قال فلان وفلان.

    والرد عندنا في الإسلام واضح جداً، فليس عندنا فاتيكان، ولا كهنوت، ولا صكوك غفران، ولا أناس معهم مفاتيح الجنة، ولا بابا يحل ويحرم ما يشاء، بل عندنا الكتاب والسنة حكم على الجميع، وعندنا كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام مالك .

    1.   

    الأدب مع العلماء والدعاة إلى الله تعالى

    وهنا أذكر إخواني بأنه لا يحق لأحد أن يطيل لسانه على العلماء أو الدعاة؛ لأننا لم نسمع منهم مباشرة، بل العكس، فنحن أحسنا الظن، وقلنا: إنه ليس معقولاً أن عالماً يشد الرحال لكي يدافع ويشفع لتنجو الأصنام، ولا أظن هذا، وحسن الظن واجب، إلا إذا أتى شيء يقيني، ونحن جربنا على الإعلام التدليس على الشيوخ والعلماء كثيراً.

    فالكلام بأن العلماء يذهبون لكي يقولوا كذا وكذا صعب جداً أن نصدقه، خاصة مفتي الجمهورية، فصعب جداً أن نصدق أنه ذهب لكي يقول ذلك، ومن المؤكد أنه ذهب لكي يقول: إن الوقت غير مناسب لمصلحة المسلمين، وإن هذا من باب سد الذرائع حتى لا تحصل أذية للمسلمين واضطهاد لهم مثلاً. أو: أنتم ما زلتم في مرحلة ضعف. وهذا مقتضى حسن الظن.

    وقد اطلعت على كلام يقول: إن المفتي قال إنه ذهب إلى أفغانستان لإقناع حركة طالبان بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.. . إلى آخره.

    وحين نحسن الظن لن نخسر شيئا، بل نحافظ على علمائنا، فمن الضروري أن لا نساهم في تحطيم العلماء، فالعلماء يحطمون بذلك كقدوة، فصعب جداً أن نصدق أن عالماً أو فقيهاً يخالف كل هذه الأدلة التي ذكرناها.

    1.   

    اتهامات بحق حكومة طالبان وردها

    في القضايا الإسلامية كل واحد يعطي نفسه الحق في الكلام.

    فبعضهم قال: إن الذي عملته طالبان صح شرعاً، لكن هم لهم هدف سياسي، فلأنهم معزولون الآن عالمياً، أرادوا أن يلفتوا الأنظار لأجل أن يعترف بهم العالم .. . إلى آخر هذا الكلام.

    وبعضهم أساء الظن وقال: إن هذا صرف للأنظار عن قضايا المسلمين، أو إعطاء اليهود مبرراً لأجل أن يهدموا المسجد الأقصى في المقابل.. . إلى آخر هذا الكلام، فكل هذا سوء ظن في الحقيقة.

    وبعضهم قال: هذا حق يراد به باطل. فتدخلوا في النيات.

    وقائل: هذه عبارة عن رسالة سياسية من أفغانستان.

    ونقول: ليكن الافتراض الأول، فليكن أن لها هدفاً سياسياً أو تكتيكاً سياسياً، فمن المعروف أن من حق كل دولة أن تمارس ممارسة ذات مصلحة خاصة بها من أجل قضاياها، فإذا أرادوا بالفعل شد أنظار العالم لتسليط الأضواء على بلادهم المنسية التي قتلها سابقاً الروس والشيوعيون ويخلفهم الآن الحصار؛ فماذا يعيبهم؟!

    ومع ذلك نقول: هذه هي الطريقة الغربية في التفكير؛ لأنهم لا يؤمنون بالله ولا بالرسل، فالغرب ومن تبعهم -فضلاً عن وثنيي الشرق- في أي ظاهرة دينية يأخذون منها البعد الإيماني أو البعد الديني، فلا يقرون بالبعد الديني في أي عمل يقوم به المسلم، بل يفسرونها تفسيراً مادياً، فيفسرون حركة دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة بأنها كانت لأجل الأوضاع الاقتصادية والطبقية في مكة، فهو تفسير مادي.

    وكل العالم يقاطع طالبان، ولا يزال يعترف بالحكومة التي لا تكاد تسيطر على أي شيء في أفغانستان، حتى منظمة المؤتمر الإسلامي لا تعترف بطالبان، وإنما تعترف بها - كما أظن- باكستان والإمارات فحسب.

    وكان هذا لأن رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي كانت بيد إيران، ومعروف العداء الشديد بين طالبان وبين إيران، فلم يفكر أحد في أن يتعامل معهم إلا من خلال هذا الضغط.

    والمسألة كتكتيك سياسي ما المانع منها؟ أهي حلال لغيرهم وحرام عليهم؟! فلو كان هناك بعد سياسي لهذه القضية، فما الذي ينكر عليهم في هذا الأمر ؟!

    وهناك موضوع آخر في قضية أفغانستان هو موضوع المخدرات، إذ يقول بعض الناس: إن أولئك أهل مخدرات، فأولى بطالبان أن يحرموا المخدرات قبل الإقدام على هدم التماثيل!

    ونقول: أي دولة في العالم ليس فيها مخدرات؟ فأمريكا نفسها أم المخدرات، والعالم مليء بالمخدرات في كل مكان، ولا يوجد بلد -تقربياً- يخلو من هذا الأمر؛ لكن هنا إشارة عابرة، فالأمم المتحدة نفسها أعلنت مؤخراً أن مسئوليها في مجال مكافحة المخدرات في أفغانستان فوجئوا بنتائج دراسة حول وضع المخدرات في أفغانستان، حيث حصل انخفاض هائل في زراعة المخدرات بعد المرسوم الذي أصدره الملا محمد عمر زعيم طالبان بتحريم زراعة المخدرات والاتجار بها ومعاقبة من تثبت مخالفته.

    فبعد أن كان هناك سبعون ألف هكتار مزروعة بالمخدرات بقي منها سبعة وعشرون هكتاراً مزروعة بالمخدرات في إحدى وخمسين مديرية، فهذه الإحصائية والمسح الذي عملته الأمم المتحدة نفسها بخبراء يتبعونها.

    فهذه الإحصائيات أعتقد أنها تكشف الكلام عن هذا الموضوع.

    1.   

    وجوب توحيد الله تعالى والكفر بالطاغوت لسلامة الإسلام

    وأخيراً نقول: إن أصل الأصول هو توحيد الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يسلم إلا من سلم توحيده لله عز وجل، فكل مسلم كي يسلم له إسلامه وتوحيده لابد له من أمرين: أن يؤمن بالله وحده لا شريك له، ثانياً: أن يكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256] التي هي (لا إله إلا الله).

    ومن الكفر بالطاغوت تكفير المشركين كالبوذيين والهندوس واليهود والنصارى وغيرهم وخلع معبوداتهم، وإزالتها عند القدرة عليها، والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]

    فجمعت البراءة بين أمرين: (إنا برآء منكم) براءة من نفس الكفار (ومما تعبدون من دون الله) أي: البراءة من أصنامهم ومعبوداتهم.

    فهذا ما تيسر من الكلام في هذه القضية.

    1.   

    الرد على الكاتب فهمي هويدي

    ومن المؤسف أن هناك مقالة لـفهمي هويدي -هداه الله- في الثالث عشر من مارس عام (2001م) في (قضايا وآراء) في صحيفة الأهرام تقريباً، ففي الفقرة الثالثة يقول: يكاد المرء يجد تشابهاً بين مشهد جموع الوهابيين وهم يوارون الأضرحة والقبور والأشجار التي كان يتبرك بها المسلمون في نجد وبين محاولة تحطيم التماثيل البوذية في أفغانستان الآن، فالأولون اعتبروا الأضرحة والأشجار من أمور الشرك باعتبار أن المسلمين كانوا يتوسلون بها إلى الله، والآخرون اعتبروا التماثيل أصناماً من رموز الشرك أيضا.

    فهو يتكلم بغضب بأن ما يجري في أفغانستان هو حلقة في مسلسل بدأ في الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، وليس هذا فحسب، بل يقول: إن هناك تشابهاً بين الفكر الطالباني وبين الفكر السلفي الشائع. وللأسف هذا كلام غير صحيح.

    وأقول: السلفية ليست فكراً، بل هي منهج ملزم لكل مسلم، فالسلفية ليست جماعة ولا تنظيماً ولا حزباً، السلفية هي منهج لفهم الإسلام -القرآن والسنة- بفهم السلف، فما يزعمه هذا الصحفي من أن هناك تشابهاً بين السلفيين والطالبان غير صحيح، بل أوجه الاختلاف كبيرة جداً، ولأول مرة يتفق -تقريباً- السلفيون مع الطالبان في هذه القضية، وقد رحب بها السلفيون وعلماؤهم في كل مكان، ففي هذه الجزئية فكر مركب، لكن ما عدا ذلك فالمؤاخذات كثيرة جداً، وليس الموضوع مناسباً لأن نتكلم بالتفصيل.

    والذي ذهبوا إلى أفغانستان أيام الحرب والجهاد يعرفون الفرق الشاسع بين الأفغان جملة والاتجاه السلفي، فالفروق شديدة جداً في موضوع المذهبية والتعصب للمذهب الحنفي، وموضوع الأضرحة ونحو ذلك، فهم هدوا التمثالين لكن هناك أضرحة تعبد من دون الله، وهناك شركيات معروفة؛ فهذا نوع من الدجل الصحفي أن هناك نوعاً من التوافق بين الاتجاهين، فهذا من مجازفاته، ولن ننشغل بالرد عليه، ولكن نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية لنا ولسائر المسلمين، ونكتفي بهذا القدر.