إسلام ويب

شرح حديث أبي هريرة في النذرللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، ويسوء أمره إذا كان على سبيل المعاوضة، وكأن العبد لا يفعل طاعة يتقرب بها إلى ربه إلا إذا أعطاه ربه ما يريد، وهذا هو البخل بعينه، فأنى للعبد أن يعامل ربه بهذه المعاملة، فلا جرم أن ذهب بعض العلماء إلى حرمة هذا النوع من النذر. ومع ذلك فإذا وقع النذر فإنه يجب الوفاء به.

    1.   

    حكم النذر

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال الله عز وجل: لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أقدره عليه، ولكنه شيء أستخرج به من البخيل، يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل).

    وفي رواية: (يؤتيني عليه ما لم يكن آتاني من قبل)، رواه الإمام أحمد ، وهو صحيح على شرط الشيخين كما ذكر الألباني .

    هذا الحديث يدل بمجموع ألفاظه كما في الرواية الأخرى: (ما لم يكن آتاني من قبل)، يدل على أن النذر لا يشرع عقده، بل هو مكروه، وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال بذلك أقوام، يعني: أن قلة من العلماء قالوا: إنه حرام، إلا أن قوله تبارك وتعالى: (استخرج به من البخيل) يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاص بنذر المجازاة أو المعاوضة، دون نذر الابتداء والتبرر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع؛ لأن النذر مجرد إنسان يتعبد ويتقرب قربةً محضة لله تبارك وتعالى بالقيام أو بالصدقة أو بالصلاة أو بذبح أو بأي شيء من العبادات التي يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى، وهذا لا يدخل في باب الكراهة؛ لأن هذه عبادة محضة.

    وثواب النذر فوق ثواب التطوع؛ لأنه يجب الوفاء به، فهو يثاب عليه، وفي كلتا الحالتين متى عقد أو متى نذر الإنسان نذراً وجب عليه الإتيان به، حتى لو أنشأ هذا النذر المكروه الذي هو نذر المعاوضة أو نذر المجازاة، فهذا النذر الذي هو قربةٌ محضة هو المراد؛ لقوله تبارك وتعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، أي: يوفون بالنذر الذي هو قربة محضة.

    1.   

    حكم نذر المعاوضة

    أما النوع الذي تكلمنا عنه آنفاً وهو نذر المعاوضة، فهو كقول الإنسان: لئن شفى الله مريضي لأفعلن كذا، أو: لئن حصل كذا لأذبحن كذا، فهذا داخل في الكراهة، وهذا مرفوض كما بينا.

    ومن العلماء من قال بتحريمه؛ لأنه لا يخلو من سوء أدب مع الله تبارك وتعالى، فإنه إن لم يشف الله مريضك فماذا ستفعل؟! لن تتصدق! وإذا لم ينجح ابنك في الامتحان لن تصوم! فهذا فيه سوء أدب مع الله، ومن أجل ذلك حرمه بعضهم.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تبارك وتعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة، ومما افترض عليهم، فسماهم الله أبراراً: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان:5] * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6] * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]. أي: فسماهم الله أبراراً؛ لأنهم كانوا ينذرون طاعة الله تبارك وتعالى من هذه الأنواع التي افترضها عليهم كالصلاة والصيام والزكاة والحج وما إلى ذلك، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة، وقال الحافظ رحمه الله قبل ذلك: وجزم القرطبي في (المفهم) بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة، فقال: هذا النهي -يعني: النهي عن النذر- محله أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي فعلي صدقةٌ كذا، ووجه الكراهة: أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى. فكونه علق هذا النذر أو العبادة كالصيام أو الصلاة والصدقة أوالنسك أو الذبح أو أي شيء من هذا، كونه علقه على حصول غرض من الأغراض دل على أنه لم يخلص فيه، ولم يمحض النية ولم يخلصها صافية لمجرد التعبد فقط لأجل الله تبارك وتعالى، وإنما يريد المجازاة، يعني: إن رزقه الله كذا فسوف يفعل كذا، وإن شفى الله مريضه فسوف يفعل كذا، هذا هو الذي يحمل عليه ما ورد في النهي عن النذر.

    يقول الحافظ : هذا النهي محله أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي فعليَّ صدقةٌ كذا، ووجه الكراهة: أنه لما وقف فعل القربة المذكرة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، فيوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل؛ فإنه لا يخرج شيئاً إلا بعوض عاجل، يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: (إن النذر لا يؤخر شيئاً من قضاء الله، ولا يدفع شيئاً من قضاء الله، وإنما يستخرج به من البخيل). أي: أن هذه عادة البخيل لا يبذل إلا إذا حصل على عوض عاجل، وغالباً يكون العوض أكثر وأكبر مما تطيب به نفسه، فلذلك إنما الحديث بهذه الصفة، فيقول هذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: (وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه)، يعني: لولا النذر لما أخرج شيئاً، وقد ينظم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض.

    وهناك محذور آخر في نذر المعاوضة ونذر المجازاة، وهو: أنه ربما توهم الجاهل أنه لن يحصل له شفاء إلا إذا نذر ولن ينجح في الامتحان إلا إذا نذر، فإذا انضم إلى ذلك الاعتقاد أن الله تبارك وتعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، فهذا هو المعنى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث أيضاً: (فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً) فإذا انضاف إلى معنى المشاركة والمجازاة والمعاوضة وعدم تمحض النية للتقرب إلى الله بالنذر اعتقاد وتوهم الشخص الجاهل أن النذر يغير من قدر الله، أو أن الله لا يفعل ذلك إلا إذا نذر، فهذا أبطله أيضاً الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: (فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً)، فالحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح، ويقصد بالحالة الأولى: أنه يسلك مسلك المعاوضة، يعني: أنه إذا شفى الله مريضه أوفى بنذره، وإذا لم يشف مريضه لا يتصدق بما علقه على شفائه، فهذه الحالة تقرب من الكفر، والحالة الثانية يقول القرطبي : إنها خطأ، ففيها تخاذل خاطئ نتيجة عدم معرفته بهذا الحديث، وعدم ففقه لهذا المعنى؛ لأنه يظن أن هذا الأمر لا يحصل إلا إذا نذر.