إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية - تأملات في سورة القمرللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتعرض سورة القمر لعرض قضايا العقيدة ببيان عنت المشركين ومشاقتهم بعد رؤيتهم دلائل القدرة بانشقاق القمر، كما تعرض طرفاً من أخبار الأمم السابقة المكذبة ومآلها، خاتمة ذلك بذكر ما يمتلك كفار قريش من أسباب القوة المادية التي أعلن الله تعالى أنها لن تنفع أصحابها حين تنزل بهم الهزيمة وينزل بهم قضاء الله في نصرة عباده الموحدين.

    1.   

    ذكر نسبة سورة القمر وآيها وموضوعها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا -بحمد الله- هو الدرس الرابع، وسنقف خلاله مع سورة مكية، وهي سورة القمر، وعدد آيها خمس وخمسون آية، وهي سورة مكية تعنى بما تعنى به السورة المكية عادة من الكلام في أصول العقيدة الثلاثة: إثبات الإلهية للرب جل وعلا، وإثبات الرسالة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وذكر البعث والنشور.

    فالقضايا التي تتناولها السور المكية التي نحن بصدد الوقوف معها في تفسير الجزء السابع والعشرين من كتاب الله الكريم تتشابه تشابهاً كثيراً؛ لأنها تعنى بقضايا واحدة، وعلى ذلك سبقت دروس مشابهة لها، وقد جرت العادة في الدرس بترك ذكر ما اشتهرت معرفته وكثر الحديث عنه؛ لاشتهاره ولعلم الطالب به، وسنحاول أن نذكر ما ليس بظاهر بقدر الإمكان، ونبقى مقصرين كيفما حاولنا، والله المستعان على أن ينفع بهذا القليل وأن يبارك فيه، وأن يكتب لنا ولكم العون والتوفيق والسداد، والإخلاص من قبل ومن بعد.

    هذه السورة اسمها سورة القمر، وسميت بهذا الاسم لذكر القمر فيها، قال الله جل وعلا في صدرها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، والقمر آية من آيات الله، ويقال له مع الشمس: القمران للتغليب؛ لأن العرب إذا ثنت اختارت أحد ما ثنتهما ثم تذكرهما باسم يجمعهما، فتقول: القمران للشمس والقمر؛ لأن القمر مذكر والشمس لفظها مؤنث، فلا يقولون: الشمسان، ولكن يقولون: القمران، ويقولون: المكتان لمكة والمدينة؛ لأن مكة عند الجمهور أفضل من المدينة.

    ويقولون: العمران في حق الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ لأن (عمر) اسم مفرد تمكن تثنيته و(أبو بكر) مركب تركيباً إضافياً، فلا تمكن تثنيته، فلذلك قالوا: العمران للشيخين الجليلين: أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.

    1.   

    ذكر ما ورد في القراءة بالقمر في الجمع والأعياد

    وهذه السورة هي إحدى السور التي كان يصلي بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أخرى في بعض المناسبات، وقد اشتهر في الصحيح والسنن من ذلك ثلاث:

    الأولى: قرن عليه الصلاة والسلام بين (سبح) والغاشية، وكان يقرأ بهما في الجمع والأعياد، وقد وافق يوم جمعة في حياته صلى الله عليه وسلم يوم عيد، فصلى بهم العيد بـ(سبح) والغاشية، ثم لما جاءت صلاة الجمعة صلى بهم بـ(سبح) والغاشية، ولم يكن بينهما صلاة.

    الثانية: كان يقرن عليه الصلاة والسلام في فجر الجمعة غالباً بين (ألم تنزيل) السجدة، وبين سورة الإنسان.

    الثالثة: كان يقرن في الجمع والأعياد عليه الصلاة السلام، بـ(ق) و(اقتربت)، كما روى مسلم في الصحيح وأصحاب السنن من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرن بين سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، وبين سورة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]).

    وبهذا يتضح أن سورة القمر إحدى القرائن الثلاث لنبينا عليه الصلاة والسلام التي قرن بها في صلواته.

    وقد قال العلماء: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرن بين (ق) و(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) في الجمع والأعياد والمحافل الكبار.

    فهذا ما يتعلق بما تقتضيه فضيلة السور أولاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر...)

    قال الله جل وعلا: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:1-5].

    الخطاب هنا في الأصل لكفار مكة، والقضية المراد إثباتها هي قضية البعث والنشور، ولن يكون بعث ونشور حتى تكون القيامة، ولن تكون قيامة كبرى حتى تكون قيامة صغرى، والقيامة الصغرى بالنسبة للفرد الواحد هي موته، فمن مات قامت قيامته، ثم القيامة الكبرى، ثم الساعة، والساعة تطلق على قيام الناس مرة أخرى.

    فالله جل وعلا يخبر بقرب الساعة، حيث قال تبارك وتعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1].

    فالله جل وعلا هو الذي خلق الساعة، وهو الذي خلق القيامة، وإذا كان -جل وعلا- هو الذي خلقها، وهو أعلم بها متى تكون، فقد أخبر جل وعلا بأنها اقتربت، فهذا من أعظم الأدلة -وكفى به دليلاً- على أن الساعة اقتربت، ولا يلجأ لدليل خارج القرآن إلا من باب الاستئناس، فأعظم الأدلة على أن الساعة اقتربت قول الله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ .

    وطالب العلم منظم في أدلته، يسرد من القرآن ما هو ظاهر، ثم ينتقل إلى سرد السنة، ثم ينتقل إلى أقوال الصحابة وإجماع الأمة، وهكذا، ولكن يبدأ بالأصل العظيم وهو القرآن، ولذلك نقول: إن الساعة اقتربت بدليل أن الله قال: اقْتَرَبَتِ .

    وأما الأدلة غير هذا الدليل فهي كثيرة، فمن الأدلة العقلية على ذلك أن هذه الأمة هي آخر الأمم ونبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فليس بعد ذلك إلا أن تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.

    والمقصود من هذا المثال أننا لو فرضنا أن هذين الإصبعين يشيران إلى الجدول الزمني؛ فإن الفارق بين مبعثه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة من الزمن كالفارق بين أعلى السبابة وأعلى الوسطى، فهما يكادان يتقاربان في الطول، وهذا كله يدل على اقتراب الساعة، ولذلك عبر عنها القرآن بقوله: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء:1]، وقال في آية أوضح: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، فعبر الله بـ (أتى) لتحقق وقوعه، وهذا شيء، ولقرب وقوعه، وهذا شيء آخر.

    أشراط الساعة

    وللساعة أشراط مع أنه أخفى الله تبارك وتعالى وقتها، قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187].

    والمقطوع به أنها لا تقوم إلا يوم جمعة، ولكن الله جل وعلا جعل لها أشراطاً وعلامات، وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بهذه الأشراط والعلامات، وقد سأل جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: (أخبرني عن الساعة؟) وجبريل يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم وقت الساعة، ولكن هذا من باب تعليم الناس، فقال: (أخبرني عن الساعة؟) والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن جبريل لا يعلم، ويعلم أن هذا هو جبريل، وإن كان في غير هيئته التي خلقه الله عليها، فلذلك قال له: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: علمي وعلمك فيها سواء، فلا أنا ولا أنت نعلم متى تكون الساعة.

    ولكن الله جعل لها أشراطاً وعلامات، قال الله في كتابه: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا[محمد:18]، أي: علاماتها.

    فالعلماء رحمهم الله تقصوا القرآن، وتقصوا السنة والآثار الصحيحة، فتبين لهم أن هناك أشراطاً اصطلح على تسميتها بعلامات صغرى، وأخرى اصطلح على تسميتها بعلامات كبرى، والعلامات الكبرى تأتي منتظمة بعضها وراء بعض، وتبدأ من ظهور المهدي حتى قيام الساعة، وما قبل ذلك قد يكون بطيئاً، والله جل وعلا أعلم.

    فمن العلامات التي تدل على قرب الساعة مبعثه صلى الله عليه وسلم كما بينا في الحديث، وقد ذكر عليه الصلاة السلام أحاديث تدل على قرب الساعة، منها فتح بيت المقدس، وهذا قد وقع، ومنها مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفتح باب الفتنة، ومنها قوله عليه الصلاة السلام -كما في الصحيحين-: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجار تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) وبصرى هي الآن محافظة حوران في سوريا غير بعيدة عن دمشق، والنار التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وقعت عام (654هـ) أي في أواسط القرن السابع، حيث خرجت نار من المدينة من جهة الحرة الشرقية عند حرة بني قريظة، فرآها من كان في مدينة حوران في سوريا، ووقع صدق ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك حرص العلماء على تدوين هذه الحادثة؛ لأن فيها دليلاً على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر العلماء -كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية وغيره- أن كثيراً من طلبة العلم آنذاك ممن هم في القرى النائية حول المدينة كانوا يكتبون ويحررون الكتب ويقرءون على ضوء تلك النار، وقد سبقها رجفات وزلزلة شديدة، قال بعض من شهد تلك النار: إن ارتفاعها في أول ظهورها كان كعلو ثلاث منارات، ولا ندري كيف كانت المنارة آنذاك، ولا شك في أن فيها شيئاً من الارتفاع، ثم أخذت تزيد، واستمرت أياماً عديدة.

    والذي نقصده ونعنيه في سياق هذا الخبر ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من قرب قيام الساعة، وهو -عليه الصلاة والسلام- عندنا وعند كل مؤمن صادق مصدوق لا شك في ذلك، صادق فيما يقول، مصدوق فيما يقال له صلوات الله وسلامه عليه.

    ومن أشراط الساعة أيضاً، ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من أن الساعة لن تقوم حتى تكلم السباع الإنس، وأصل الحديث -فيما رواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بسند صحيح- (أن أعرابياً كان يرعى الغنم، وبينما هو يرعاها جاء ذئب فانتزع شاة منه، فتبعه الراعي واستطاع أن يأخذ الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه وقال: اتق الله، رزق ساقه الله إلي تنزعه مني! فتعجب الأعرابي وقال: سبحان الله! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب: أعجب منه محمد صلى الله عليه وسلم في يثرب يحدث الناس بأخبار من سبقه، فقام الأعرابي وأخذ غنمه فقدم المدينة، ثم وضع غنمه في زاوية من زواياها، ثم دخل المسجد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنودي في الناس بأن الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس أمر النبي عليه الصلاة والسلام الأعرابي أن يقول لهم القصة كلها، فقالها الأعرابي، فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه).

    وهذا سيقع كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم، إن متنا قبله أو شهدناه، فأياً كان الأمر فنحن نؤمن بكل خبر صح عن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذه الأشراط كلها قد تكون ممهدة للساعة، أما أعظم الأشراط الذي يؤذن بقرب الساعة حقاً فهو خروج المهدي ، والمهدي رجل من ذرية نبينا صلى الله عليه وسلم يخرج في آخر الزمان، واسمه على اسم رسول الله محمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي الهاشمي ، فهو حسني لأنه من ذرية الحسن ، وعلوي لأنه من ذرية علي ، وفاطمي نسبة إلى فاطمة ، وهاشمي لأن علياً من بني هاشم، وجده لأمه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحسن من فاطمة ، وفاطمة أبوها رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.

    فهذا الرجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفي زمنه يخرج الدجال فيقتتلان، وفي قمة الصراع بينهما ينزل عيسى ابن مريم فيصبح ثاني الأشراط الكبرى بعد خروج المهدي ، والدجال شاب قطط أعور العين اليمنى أحمر كأن عينه عنبة طافية، كتب الله له شيئاً من السلطان فتنة للناس، قال عليه الصلاة والسلام: (ما من فتنة من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من الدجال

    ) وقال عليه الصلاة والسلام: (أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنه لا محالة خارج فيكم، فإن يخرج وأنا بين أظهركم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج وأنا ميت فكل حجيج نفسه)، ثم أوصى صلى الله عليه وسلم بقراءة أوائل سورة الكهف؛ لأن الله أخبر في أوائل سورة الكهف بأن أولئك الفتية عصمهم الله من الطاغية في زمانهم، فمن يقرأ هذه السورة ويحفظ أولها يعصم من الطاغية الدجال .

    وفي حياة الدجال ينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مطأطئاً رأسه كأنه تنزل منه قطرات ماء، وليست قطرات ماء، ولكن يظهر لمن رآه أنه توضأ لتوه، فينزل ومعه حربه فيقتل الدجال ، فإذا قتل الدجال أسلم الناس، فيمكث عليه الصلاة والسلام لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (طوبى للناس العيش بعد عيسى ابن مريم؛ فإنه في حياته ينزع الله حمة كل ذي حمة) أي: شر كل ذي شر، ثم يمكث عيسى ما شاء الله، وقد ورد أنه يمكث سبع سنين، وورد غير ذلك، ثم بعد ذلك يبدأ الأمر في النقصان حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت لا يقبل الله جل وعلا توبة أحد كائناً من كان، قال الله جل وعلا: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا[الأنعام:158]، ثم يبدأ الناس يتناقصون دينيناً، حتى يأتي ذو السويقتين من أرض الحبشة فيهدم الكعبة وينزعها حجراً حجراً، ويسلبها كنوزها، ثم بعد ذلك يأخذ الإيمان في التلاشي، ويرفع القرآن في ليلة، ثم يبقى شرار خلق الله أعاذنا الله وإياكم من تلك الحقبة، ثم يأمر الله ملكاً يقال له: إسرافيل أن ينفخ فينفخ، فهذه نفخة الصعق الأولى، وهي الساعة التي حذر الله جل وعلا عباده.

    فهذا معنى قول الله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ[القمر:1].

    ذكر حادثة انشقاق القمر

    قال تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، والقمر آية من آيات الله، وهو مسير بأمر الله في غدوه ورواحه، وشروقه وغروبه، وطلوعه ومغيبه، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية طلب القرشيون منه آية، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر، فانفلق القمر بأمر الله فلقتين حتى رأى الناس حراء الجبل المعروف في مكة بين الفلقتين، وفي بعض الروايات أنهم كانوا في منى، وفي بعضها أنهم كانوا في مكة، فقال صلى الله عليه وسلم، وكان بجواره أبو بكر : (اشهدوا) فهذه حجة أقامها الله على القرشيين على قرب قيام الساعة، وعلى صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القرشيين لبعض: لا يغرنكم سحر ابن أبي كبشة، إنما سحر أعينكم، فإذا كان السفار -أي: المسافرون- في غير مكة، فاسألوهم إن كانوا رأوا القمر، فإنه إن قدر على سحركم لا يقدر على سحر غيركم، فلما أقبل السفار من كل وجه سألوهم فقالوا: نعم، شهدنا القمر قد انفلق فلقتين، مع ذلك كله لم يؤمنوا، ولم يؤمن إلا من كتب الله الإيمان، ولذلك الله جل وعلا قال: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5]، وقولهم: سحركم ابن أبي كبشة؛ لأن أبا كبشة هو زوج حليمة ، فهو أب للنبي عليه الصلاة والسلام من الرضاعة، فقول القرشيين: لا يغرنكم سحر ابن أبي كبشة يقصدون النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن نسبوه إلى أبيه من الرضاعة، ولم ينسبوه إلى أبيه من النسب.

    وهذه الآية إحدى معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك في أن للنبي عليه الصلاة والسلام معجزات كثيرة لا تعد ولا تحصى، بل قال الإمام الشافعي رحمه الله: إنه ما أعطي نبي نوعاً من المعجزات إلا وأعطي النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

    قال شوقي :

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    أي: إذا كان عيسى كلم ميتاً، فإنك أحييت أمة من الموت.

    ونجد العلماء عند معجزة عيسى وإحيائه للموتى يقولون: إذا كان عيسى قد أحيا الموتى فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد حن له الجذع، وموات الجذع في الأصل أعظم من موات الميت، وأياً كان فلا يحسن التفضيل بين الرسل بهذه الطريقة.

    بيان عنت المشركين

    ثم قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:2]، فلما قال لهم السفار: إننا رأينا القمر منفلقاً، قالوا: ما زاد الأمر شيئاً؛ هذا سحر محمد مستمر علينا وعليكم، وما زالت الأمور عندهم في لبس وظنون؛ لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا.

    ثم قال جل وعلا: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:3].

    معنى قوله تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ، أي: كل أمر في الدنيا سيكشف، وسينتهي إلى جلاء، قال طرفة بن العبد :

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود

    فمهما حاول الإنسان أن يخفي شيئاً فإنه سيتضح، وكل الأمور إذا صبرت عليها ستنتهي بك إلى خير أو إلى شر، هذا إذا أخذت الآية بعمومها.

    أما إذا أخذت الآية بخصوصها، فإن المعنى كما -قال العلماء-: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ أي: أن أمر المسلمين إلى الجنة، وأمر الكفار إلى النار، فأمر أهل الخير إلى خير، وأمر أهل الشر إلى شر.

    والآية تحتمل المعنيين، وفي قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين ينزل المعنى على كلا المعنيين.

    ثم قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4].

    قلنا: إن هؤلاء القرشيين جاءتهم من الآيات الكثيرة، ولكن الله لم يكتب لهم الهداية، فما تغني عنهم الآيات، كما قال الله: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101]، وقد كان عبد الله بن أبي بن سلول يحضر الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول أخلص الناس وأصفح الناس وأعلم الناس، فيستمع الخطبة كلها، ثم يخرج من المسجد كما دخل لم يتعظ بكلام سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فاحمد الله تبارك وتعالى على نعمة الهداية؛ وإذ لا توجد نعمة أعظم من نعمة الهداية أبداً؛ لأن النعم قسمان: نعمة خلق وإيجاد، ونعمة هداية وإرشاد.

    يقول الله عز وجل: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم...)

    ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر:6].

    أي: أعرض عنهم إعراضاً رفيقاً، وبعض العلماء يقول: إن مثل هذه الآيات منسوخ بآية السيف، وآية السيف في سورة التوبة: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].

    ويبدأ خطاب جديد: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:6-7].

    والداعي هنا هو إسرافيل.

    بيان معنى النُكْر والنُكُر والمنكر

    (نُكُر)، و(نُكْر)، و(منكر).

    فأما نكُر -بضم الكاف- فلم ترد في القرآن إلا في هذه السورة: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ .

    وأما (نُكْر) فقد وردت ثلاث مرات بسكون الكاف.

    وأما (منكر) فقد وردت تقريباً ثلاث عشرة مرة.

    والفرق بينها أن (نُكُر) و(نُكْر) بالضم والسكون بمعنى واحد، وإذا كان التغيير في قلب الكلمة فغالباً لا يضير ذلك، ويضير أحياناً.

    والمنكر ضد المعروف، وهو الباطل الذي هو ضد الحق، أي: الشيء غير المشروع الذي لم يأذن به الله، والذي لم يأذن به الله شرعاً يسمى منكراً، قال الله عن هذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، وقال الله: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2] أي: باطلاً.

    أما النُكْر فهو الشيء العظيم الذي تفزغ منه الأنفس، ولا يلزم أن يكون باطلاً، وقد يكون عين الحق، وسنأخذ الآيات التي ورد فيها النُكُر والنُكْر.

    فأولها: الآية التي بين أيدينا: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ أي: إلى شيء عظيم، وهو الحشر، والحشر حق ليس بباطل، ولكنه أمر يشيب له الغلمان، ويشيب له الصبيان، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:2]، فهو أمر مهول، فعبر الله عنه بنُكُر.

    و(نُكْر) إذا جاءت بالسكون تكون أخف، ومثال ذلك في القرآن أن الله ذكر قصة موسى مع الخضر، فلما قتل الخضر الصبي الغلام قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74]، فمعنى (نُكْر): شيء مهول يتعجب منه الإنسان، ولكن فعل الخضر كان حقا؛ لأنه قال وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، أي: فعله عن أمر الله.

    وأخبر الله جل وعلا عن الملك الصالح ذي القرنين بأنه قال جل وعلا له: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف:86-87]، أي: عذاباً مهولاً مخوفاً، وتعذيب الله لأهل الكفر حق وليس بباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خشعاً أبصارهم...)

    ثم قال تعالى: خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ [القمر:7].

    (الأَجْدَاثِ) هي القبور.

    وقوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) هذه آية القمر، ولكن الله قال في القارعة: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:4]، فيكون الناس كالفراش المبثوث يوم القيامة، فشبههم الله مرة بالجراد ومرة بالفراش، والفراش والجراد ضدان؛ لأن الجراد منتظم في سيره، أما الفراش فطائش يموج بعضه في بعض حول النار حتى يتساقط فيها، ففرق بين الجراد وبين الفراش، ولكن الله جل وعلا قال عنهم: إنهم فراش، وقال عنهم: إنهم جراد، ووظيفة العالِم هنا أن يجمع بين الآيتين؛ لأنه ينبغي تصديق الآيتين، ولكن العلم أن تجمع بينهما، ويجمع بينهما بأن نقول: إن الناس أول ما يخرجون يخرجون كالفراش لا يدرون أين يذهبون؛ لأنهم لم يبعثوا من قبل، فيموج بعضهم في بعض كما قال الله جل وعلا، لا يدرون أين يذهبون، فإذا تكلم إسرافيل ونادى تركوا هذا الموج وانتظموا وتبعوا الداعي الذي هو إسرافيل، فانتقلوا من حالة كونهم كالفراش، إلى حالة كونهم كالجراد، فحالتهم كالجراد المقصود بها الكثرة والانتظام، وحالتهم كالفراش المقصود بها الاضطراب، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ [طه:108]، يعني: لا أحد يزيغ ميمنة ولا ميسرة.

    والجراد يأتي منتظماً إلى أرض خضراء، وتسمى مجموعة الجراد عند العرب الرجل، يقولون: رجل جراد، أي: مجموعة جراد، وقد جاء في الحديث: (إن الله أنزل على أيوب رجل جراد من ذهب)، فالجراد المجتمع يسمى رجلاً، والطير المجتمع يسمى سرباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مهطعين إلى الداع...)

    ثم قال تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8]، مفهوم الآية أنه على المؤمنين يوم يسير.

    وهذا مفهوم وليس منطوقاً؛ لأن المنطوق هو أن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر.

    فهذا كله ذكره الله لإثبات أمر عقدي، وهو البعث والنشور، والمخاطب به في الأصل كفار مكة.

    1.   

    ذكر خبر نوح عليه السلام وقومه

    ذكر ما قاله وفعله قوم نوح

    ثم بعد ذلك ضرب الله جل وعلا لهم أمثلة في أربع أمم سابقة: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم صالح، وقوم لوط.

    فهؤلاء أمم سبقت، وذكر الله بعد ذلك قوم فرعون، فأصبحوا خمس أمم.

    ثم قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9].

    قوله تعالى: (عَبْدَنَا) مركب من كلمتين: (عبد) و(نا) الدالة على الفاعلين، ويراد بها التعظيم، والمقصود بها هنا الله، فالإضافة هنا إضافة تشريف، وكلمة (عَبْدَنَا) أرفع مقام إضافة في القرآن؛ وذلك لأن العبودية أعظم مطلوب من العبد، وإذا أضيفت هذه العبودية إلى الله؛ فقد وصل الإنسان إلى الشرف العظيم، وقد نعت بها بصورة الإفراد نوح، وذكر الله بها أيوب فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ [ص:41]، وذكر بها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، وقال تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص:45]، والذي يعنينا أنها من أرفع المقامات.

    قال تعالى: وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9] إنك إذا كنت تقرأ القرآن بالعربية الصحيحة فإنك تقف على كلمة (مجنون) ثم تقول: (وازدجر)؛ لأن كفار قوم نوح ما قالوا: مجنون وازدجر، بل قالوا: مجنون، ولم يقولوا كلمة (ازدجر).

    فالواو في (وَازْدُجِرَ) عاطفة على (قالوا) لا على (مجنون)، أي: قالوا مجنون بألسنتهم، وازدجروه بفعلهم، والذي يتأمل قراءة الشيخ سعود الشريم وفقه الله يجده يقرأ هكذا: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ [القمر:9] ويقف، ثم يقول: وَازْدُجِرَ [القمر:9]، وهذا من العلم بكلام الله تبارك وتعالى، وأنا لا أقول إن الوصل لا يجوز، ولكنني أتكلم عن مراسي العلم العالية، ولا أتكلم عما هو جائز وغير جائز؛ لأنهم ازدجروه بفعلهم، وقالوا: مجنون بألسنتهم؛ حتى لا يفهم أن (ازدجر) معطوفة على (مجنون).

    ذكر دعوة نوح عليه السلام على قومه

    قال تعالى:فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10].

    قوله تعالى: (مَغْلُوبٌ) أي: مضطهد. (فَانْتَصِرْ) سأل الله النصرة، وكانت له دعوة، فقالها مرة واحدة، ولذلك جاء في حديث الشفاعة أنه لما يقول له الناس يوم القيامة: اشفع لنا عند ربك، فيقول: قد كانت لي دعوة فقلتها، فعجلت بها على قومي.

    وينبغي أن تفهم جيداً أن الله جل وعلا لما خلق آدم خلقه وذريته على الفطرة، فبقي الناس مؤمنين إلى أن جاء قوم نوح فاتخذوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحاً، فكان نوح أول الرسل.

    فالناس من آدم إلى نوح لم يكونوا كفاراً ومؤمنين، بل كانوا كلهم مؤمنين، قال الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة:213] أي: على دين واحد، وتقدير الآية: (فاختلفوا) فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213].

    وعندما غُلِب نوح وآذاه قومه دعا الله، فلما دعا الله أنزل الله الماء من السماء فأغرق أهل الأرض، فلما أغرق أهل الأرض حمل نوح المؤمنين الذين معه في السفينة، فمات كل من على ظهر الأرض، إلا من كان على ظهر السفينة مع نوح.

    وهذا هو التطهير الثاني، لأن التطهير الأول كان في بداية الخلق، والتطهير الثاني كان بدعوة نوح، حيث قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27]، فلو أتى الآن إنسان وقال: سأدعو الله بألا يذر على الأرض كافراً، فهذا لا يجوز؛ لأن الأحاديث دلت على أن الكفر والإيمان يبقيان إلى قيام الساعة، فأنت تسأل الله مالا يكون، لكن الله أخبر نوحاً بأنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فهو يعرف أنه لن يؤمن أحد، فدعا عليهم، فأهلك الله الكفار، والذين كانوا مع نوح في السفينة هم المؤمنون، فكل من على ظهر الأرض اليوم من ذرية نوح ومن كان معه على السفينة، قال الله جل وعلا: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41]، و(ذرية) هنا ليست بمعنى الأبناء، وإنما بمعنى الآباء والأجداد؛ لأن الذين حُمِلوا مع نوح ليسوا أبناءنا، لأننا نحن المخاطبون بالقرآن، وإنما الذين حملوا مع نوح هم آباؤنا، والله يقول لكفار قريش ولمن يقرأ القرآن: وَآيَةٌ لَهُمْ [يس:41] أي: لكل من يقرأ القرآن أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41]، و(الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) سفينة نوح.

    فقوله: (ذُرِّيَّتَهُمْ) يعني: آباءنا وأجدادنا الذين كانوا مع نوح في السفينة، و(ذرية) تأتي بمعنى الأبناء، وهو الأكثر، وتأتي بمعنى الآباء، وهذا من دلائلها في القرآن.

    ذكر إنجاء الله نوحاً ومن معه

    قال الله تعالى: وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12]

    لما دعا نوح ربه أنزل الله الماء من السماء، ونكاية بقوم نوح أمر الله الأرض بأن تخرج ما فيها من ماء، فانفجرت الأرض أربعين يوماً تخرج عيونها، والسماء تمطر.

    (فَالْتَقَى الْمَاءُ) أي: جنس الماء، أي: ماء السماء وماء الأرض.

    قال تعالى: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13].

    قوله تعالى: (ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) يحتمل عشرات المعاني، والمراد هنا السفينة؛ لأن الله قال في آية أخرى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:15].

    وأيسر شيء تفسر به القرآن أن تفسر القرآن بالقرآن، فلما قال الله تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:15] عرفنا أن ذات الألواح والدسر هي السفينة.

    قال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14].

    قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي: على مرأى منا ومنظر ورعاية.

    وقوله: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ببناء لما لم يسم فاعله، والذي (كُفِرَ) هو نوح، والذين كفروا هم قومه، والذي كذب هو نوح، والذين كذبوا هم قوم نوح، فالله قال: (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) أي: جزاء للمكذوب وللمغلوب وللذي دعا، وهو نوح عليه الصلاة والسلام.

    ثم يقول بعض المؤرخين: إنه لما هبطت به السفينة أراد أن يتأكد، فأرسل حمامة تخبره عن الحياة في الأرض، فذهبت الحمامة ورجعت ومعها غصن زيتون؛ لتثبت له أن الحياة كائنة في الأرض، فلذلك جعلت جميع الأمم اليوم من الحمامة وغصن الزيتون رمزاً للسلام، فهذا هو المعنى السياسي لما تراه اليوم من الغصن والزيتون، وسواء صح الخبر أو لم يصح فهذا أمر لا يتعلق به كفر ولا إيمان ولا جنة ولا نار.

    1.   

    ذكر خبر عاد

    ثم ذكر الله جل وعلا بعد ذلك خبر عاد فقال جل وعلا: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر:18-19]، هذا اليوم النحس كان يوم أربعاء بالنسبة لهم، ووصفه الله جل وعلا هنا بأنه مستمر، ولكن لم يذكر مدة استمراره، وقد ذكر تعالى مدة استمراره في الحاقة، قال تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا[الحاقة:7].

    قال تعالى: تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ[القمر:20]،

    قوله تعالى: (تَنزِعُ النَّاسَ) المراد بها الريح.

    وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) وقال في سورة الحاقة: كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ[الحاقة:7]، ففي الحاقة جاء بالتأنيث، وهنا ذكر النخل بالتذكير، فقال: (مُنْقَعِرٍ) ولم يقل: منقعرة.

    والنخل جمع يذكر ويؤنث، وهذا تخريج، ولكن التخريج الأصح أن يقال: إن كلمة (نخل) فيها لفظ ومعنى، فلفظها مذكر ومعناها مؤنث، فلما قال الله: أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ[القمر:20] عمد إلى اللفظ، ولما قال في الحاقة: كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ[الحاقة:7] عمد إلى المعنى.

    1.   

    ذكر خبر ثمود

    ثم ذكر الله جل وعلا قوم صالح، وقوم صالح وقوم عاد يتفقان في كونهم عرباً، فعاد وثمود كانوا عرباً، وكذلك قوم شعيب وقوم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد نبي عربي غير هؤلاء الأربعة: صالح، وقد أرسل إلى قوم ثمود، وشعيب، وقد أرسل إلى أصحاب الأيكة إلى مدين، وهود، وقد أرسل إلى عاد، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقد أرسل إلى الناس كافة، وهؤلاء الأربعة هم الأنبياء من العرب فقط، أما غيرهم فليسوا من العرب.

    وقوم صالح كانوا يسكنون الحجر، والله يقول: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [الحجر:76]، يعني: في طريق ظاهرة إلى الآن باقية.

    قال تعالى: فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر:24].

    وقالوا عنه أنه: أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [القمر:25].

    قوله تعالى عنهم: (كذاب أشر)، أي: أن هناك كذاباً يكذب ليفر من معضلة، وهناك كذاباً أشراً، وهو الذي يكذب لينال أمراً عظيماً يترفع به على الناس.

    ومثال الأول أن تدخل الدار فتجد في الفناء رجلاً غريباً، فتقبض عليه فتسأله: ماذا تريد؟ ويكون قد أراد السرقة، فلما رآك خاف، فيقول لك: أنا صديق لابنك، أو يقول: أنا ممن يوصلون فواتير الكهرباء أتيت لأضع هنا فواتير الكهرباء، أو يقول أي شيء يتخلص به منك، فهذا كذب ليخلص نفسه؛ لأن هناك شيئاً يدعوه للكذب، حتى يخرج من مأزق وقع فيه.

    فقوم ثمود يقولون عن نبي الله صالح نحن نحترمك ونقدرك، كما قال تعالى عنهم: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62]، فهم يقولون: نحترمك ونجلك ونقدرك، ولم تكن في معضلة حتى تكذب علينا وتزعم أنك رسول؛ فإنك لا تزعم أنك رسول إلا لأنك تريد أن تتصدر وتعلو علينا، فأنت -بزعمهم- كذاب أشر، قال الله: سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ [القمر:26]، والسين في قوله (سَيَعْلَمُونَ) للمستقبل القريب.

    قال تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ [القمر:27].

    قوله تعالى: (فِتْنَةً لَهُمْ) أي: اختبار.

    وقد طلب قوم صالح آية فأعطاهم الله الناقة، وقال لهم صالح: هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]، فكانت هذه الناقة تظهر وتغيب، فإذا ظهرت شربت البئر كله، وإذا غابت أتى قوم ثمود فشربوا الماء، ويذهبون إلى الناقة فيحلبونها، قال تعالى: وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر:28]، فقوله: (مُحْتَضَرٌ) بالضاد، بمعنى أن كل قوم يحضرونه.

    وقوله تعالى: (كُلُّ شِرْبٍ) أي: كل حظ وقسمة من الماء يحضرها صاحبها إن كانت للناقة وإن كانت لهم.

    قال تعالى: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [القمر:29].

    قوله تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ) هو قدار بن سالف ، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه أشقى الأولين، والحديث صحيح، ولكن هل كان عقره للناقة برضا منهم أو بعدم رضا؟

    والجواب أنه كان برضا منهم؛ لقوله تعالى (فنادوا).

    وفي سورة الشمس: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا [الشمس:11-14]، فأسند الفعل إلى الجماعة ولم يسنده إلى الفرد، وأخبر تعالى في سورة القمر بأن الذي عقرها واحد، فقال: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ، والجمع بين الآيتين أنه عقرها برضاً منهم، وبهذا تستقيم الأدلة.

    وأقول: استحضار الآيات عند التفسير مهم، ولذلك يروى أن الحجاج بن يوسف على طغيانه كان يقدر على استحضار القرآن، فقد جاءته امرأة ذات يوم فقالت له: أيها الأمير! اعف عن ولدي؛ فالذي حذف (كلا) من النصف الأول من القرآن إنه لبريء، فمكث دقيقتين يستحضر القرآن، ثم قال: اطلقوا ابنها.

    فالقرآن ثلاثون جزءاً، وليس في الخمسة عشر جزءاً الأولى كلها حرف (كلا)، والجزء السادس عشر يبدأ بسورة الكهف، وفي قصة الخضر مع موسى في قوله تعالى: قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67] يبدأ الجزء السادس عشر، وبعدها في مريم، يقول تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ [مريم:77-79]، ثم تأتي (كلا) كثير في الأجزاء الأخيرة من القرآن.

    فالحجاج استحضر القرآن كله، وهذا فضل من الله، وهذا من أعظم ما يعينك على تفسير الآيات، فإذا جاء معنى اجمع ما يناسبه من القرآن حتى تستطيع الحكم على الآية.

    فالله هنا عبر بالمفرد وعبر في الشمس بالجمع، والجمع بينهما أن يكون القوم اختاروا هذا الرجل فقام بما يريدون أن يعملوا به، فَتَعَاطَى فَعَقَرَ [القمر:29].

    1.   

    ذكر خبر قوم لوط

    ثم ذكر الله جل وعلا قوم لوط، والذي يعنينا في قوم لوط أن الله عذبهم بأن جعل قريتهم عاليها سافلها؛ لأن الله يعذب بجنس العمل، ففرعون قال: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، فمات غرقاً في الأنهار التي يزعم أنه يملكها.

    وقوم لوط مع الشرك بالله جاءوا بالفاحشة العظيمة، وهي إتيان الذكران من العالمين، وإتيان الذكران قلب للفطرة، فعاملهم الله في العذاب بجنس المعصية، فقلب عليهم الديار، والأمم التي قبلهم مثل عاد وثمود عذبت بالصيحة، ولم تعذب بالقلب، قال الله: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [الحجر:74]، فقلب الله عليهم الأرض التي كانوا يسكنونها بجنس المعصية التي كانوا عليها عياذاً بالله، وهي إتيان الذكران من العالمين.

    وقال الله في قصة لوط: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر:34]، وقد أخذ العلماء من هذه الآية فضيلة السحر، وهي واردة كثيراً، والسحر من أفضل الأوقات.

    1.   

    ذكر خبر آل فرعون

    ثم قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:41-42]، والعرب أحياناً تطلق الجمع وتريد المثنى، فـ(النُّذُرُ) وهم موسى وهارون، فلو جاء إنسان وقال إن الله يقول: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، وما جاءهم إلا رسول، فإنه يجاب بأن التكذيب بواحد كالتكذيب بالكل.

    فإن قال: كيف تقول في قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر:41]: إن المقصود بـ(النذر) موسى وهارون، فلماذا لا يكون المقصود الرسل كلهم؟

    فالجواب أن الله تعالى قال: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) والذين حصل منهم المجيء إليه هما اثنان فقط، ولو قال تعالى: كذبت قوم فرعون النذر، لقلنا: المراد جميع الرسل.

    كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:42]

    وقوله تعالى: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا هذه الآيات هي تسع، والله يقول: فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النمل:12].

    وهي على النحو الآتي: قال الله: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130] فهذه واحدة، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130] وهذه الثانية.

    وقال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، وهذه خمس، فصارت سبعاً.

    ويد موسى والآية الكبرى، وهي العصا، فهذه تسع آيات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم...)

    ثم قال الله عوداً على بدء يخاطب كفار قريش: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر:43].

    قوله تعالى: (أُوْلَئِكُمْ) يعود على جميع الأمم التي ذكرها الله في السورة.

    فالله الآن يقول للقرشيين: إما أن تقولوا: نحن كفار أفضل من أولئك الأقوام، فلذلك لا يعذبنا الله.

    وإما أن تقولوا بأن لكم براءة في الزبر، والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، والمراد اللوح المحفوظ.

    والمقصود أن عندكم شهادة بأن الله لن يعذبكم، وأنه لكم براءة من الله.

    والحالة الثانية: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر:44]، وهذه هي التي اتكئوا عليها، حيث كانوا يعتزون بقوتهم.

    فالاثنتين الأوليين باطلتان، ولم يقلهما القرشيون، فلم يقولوا: نحن أفضل، ولم يقولوا: عندنا براءة، ولكن كانوا يعتزون بجمعهم، فقال الله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45].

    ولما أنزلت هذه الآية جعل الصحابة يقول بعضهم لبعض: أي جمع وأي دبر؟! حتى جاء يوم بدر، وهذا خطاب لكل من يتعجل من الشباب، فالدين يحتاج إلى صبر، والله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ولا يوجد بناء يقوم في يوم وليلة، فالصحابة عندما أنزل الله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، جعلوا وهم في مكة يقولون: أي جمع وأي حرب؟! لا يوجد دلالة على أي شيء. ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بدر، فخرج عليه الصلاة والسلام في درع يثب فيها ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، فقال سعد بن أبي وقاص وعمر وغيرهما من الصحابة: فعرفنا تأويلها يومئذ. فهزم الجمع وولوا الدبر كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    بيان أنواع الغيب الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم

    ويتفرع على هذا أن الغيب الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: غيب يتعلّق بالأمم السابقة وقع من قبل، وإنما أخبر عنه، كإخباره عن أهل الكهف ويوسف عليه السالم وغيرهم.

    الثاني: غيب أخبر عنه ووقع في حياته، مثل إخباره بأنه: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، فقد وقع في حياته.

    الثالث: غيب أخبر عنه ووقعَ بعد وفاته، كإخباره عليه الصلاة ولسلام عن فتح بيت المقدس، وهلاك كِسرى وهلاك قيصر وغير ذلك.

    هذا ما تيسر إيراده حول كتاب ربنا جل وعلا في سورة القمر، أسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق والعون والهداية.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010656046

    عدد مرات الحفظ

    721990433