إسلام ويب

نور التوحيدللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوحيد أهم وأعظم وأجل ما بعث الله به الأنبياء وأرسل من أجله المرسلين، وهو أول الأمر وآخره، وما انقسم الناس إلا به، ولا اقتتلوا إلا من أجله، فبه الدخول في الإسلام، وبتركه الخروج من الملة، ولم يقم سوق الجنة والنار إلا من أجله، فأمره عظيم، وتركه خطر جسيم، والعذاب على ذلك أليم.

    1.   

    الحديث عن الله تعالى هو أعظم الحديث

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، واخرج المرعى فجعله غثاء أحوى.

    واشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، وأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت, ما عبدناك حق عبادتك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ما عرفنا قدرك، وما قدرناك حق قدرك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت تعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وأنت الله لا إله إلا أنت العزيز الجبار، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الخير كله بيديك والشر ليس إليك، مصير كل أحد إليك، ورزق كل أحد عليك.

    سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت رددت موسى إلى أمه، وأرجعت يوسف إلى أبيه، ونجيت إبراهيم، وأغثت ذا النون، وجمعت ليعقوب بنيه.

    سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أمرتنا فلم نأتمر، ونهيتنا فلم ننزجر، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.

    سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت لا نستطيع أن نأخذ إلا ما أعطيتنا، ولا أن نتقي إلا ما وقيتنا, أنت خالقنا ورازقنا وربنا ومولانا لا إله إلا أنت.

    سبحانك اللهم وبحمدك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، خلقتنا ولا قدرة لنا، ورزقتنا ولا قوة لنا، وهديتنا إلى الإسلام من غير أن نسألك، فلا تحرمنا اللهم الجنة ونحن نسألك.

    سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت حنت إليك قلوبنا، واشتاقت إلى لقائك أفئدتنا، نسألك اللهم بعز جلالك وكمال جمالك أن تغفر لنا في الدنيا والآخرة.

    أيها الإخوة المؤمنون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أما بعد:

    فهذه موعظة قبل أن تكون محاضرة، وتذكرة قبل أن تكون بياناً، وتقرب إلى الله جل وعلا قبل أن يكون درساً، جعلنا عنوانها: نور التوحيد.

    ولقد تأصل في قلوب العارفين، والأئمة المهديين، وعقول المنصفين من المؤمنين، تأصل عند هؤلاء جميعاً أنه لا شيء أعظم من الحديث عن الله تبارك وتعالى، وبما أن ربنا جل جلاله وعز شأنه لا يعدله شيء، فإن الحديث عن الله تبارك وتعالى لا يعدله شيء أبداً، قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] .

    1.   

    أنواع العلوم والكلام عليها

    أيها المؤمنون! الحديث عن الرب تبارك وتعالى حديث تحبه قلوب المؤمنين، فبه البلغة والموعظة والذكرى، ونور التوحيد، وكما قلنا: إنما هي موعظة وبلغة إلى الرب تبارك وتعالى.

    قال الإمام يحيى بن عمار أحد المحدثين رحمه الله تعالى: العلوم خمسة:

    علم هو حياة الدين، وهو علم التوحيد.

    وعلم هو قوت الدين، وهو العظة والذكر.

    وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفقه.

    وعلم هو داء الدين، وهو ذكر أخبار ما وقع بين السلف.

    وعلم هو هلاك الدين، وهو علم الكلام.

    وهذا التأصيل العلمي من هذا المحدث ظاهر الصحة بلا ريب، فإن علم الكلام يخرج الإنسان مما أراده الله جل وعلا منه، فينشغل بأقوال الفلاسفة، وتنظير أهل المنطق، ويخوض ميمنة وميسرة في عالم الفكر المتأرجح بعيداً عن هدي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم, وكفى بذلك خيبة وخسراناً.

    وأما الاشتغال بإخبار السلف الصالح وما وقع بينهم رحمة الله تعالى عليهم جميعاً، فإنه يقسي القلب، ويجعل من المرء القاصر البعيد زماناً ومكاناً عن أولئك الأخيار يجعله من حيث لا يدري حكماً بين أئمة مهديين, وصحابة مرضيين، وأتباع لهم في الدين سابقة لا تلحق، ومثل هذا يقسي القلب، وحسب المؤمن أن يستمع إلى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: إني لأرجو الله أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله جل وعلا فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ [الأعراف:43] .

    وقوله: وعلم هو دواء الدين وهو علم الفقه؛ ذلك أن الإنسان أحوج ما يكون إلى أن يعلم الحلال والحرام؛ حتى يستبين له الحرام والمكروه فيجتنبه، ويستبين له المباح فيخير فيه، ويستبين له المسنون فيسابق إليه، ويستبين له الواجب فيأتيه راضياً بقضاء الله جل وعلا وقدره، مستسلماً لأمر الله تبارك وتعالى ونهيه.

    ثم قال رحمة الله: وعلم هو قوت الدين وهو العظة والذكر؛ ذلك أن المؤمن مهما بلغ حاله، وصلح عمله، هو في حاجة إلى أن يذكّر ويوعظ، ولذلك قال الله جل وعلا لنبيه: وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63] .

    وقال العرباض بن سارية رضي الله عنه: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منه القلوب، وذرفت منها العيون) .

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس : (أن موسى عليه السلام وقف خطيباً يعظ في بني إسرائيل، حتى إذا رقت القلوب وذرفت العيون...) إلى نهاية الحديث.

    والمقصود: أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى الوعظ والتذكير، وهذا هو الذي سماه المحدث يحيى بن عمار : قوت القلوب.

    1.   

    علم التوحيد هو حياة الدين

    وقال في أول الأمر رحمة الله: علم هو حياة الدين ألا وهو علم التوحيد.

    ولا ريب أن التوحيد هو حياة الدين كله؛ لأنه أول شيء يدخل به المرء الملة، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ؛ لأنه لا يدخل امرؤ في الدين، ولا يجري عليه أحكام الشرع ويطالب بأمر وينتهي عن نهي، حتى يقيم التوحيد أولاً، فجعل الله جل وعلا القول بالتوحيد والنطق به والاعتقاد به المدخل الأعظم لدينه تبارك وتعالى، كما جعل في الخاتمة أن من كان آخر كلامه الاعتقاد بالتوحيد والتلفظ به كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، قال صلوات الله وسلامه عليه: (من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) .

    وعلى النقيض من ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشرك بالله جل وعلا أعظم الكبائر وأعظم السيئات، كما أن توحيد الله جل وعلا أعظم الحسنات بلا ريب، قال صلى الله عليه وسلم وقد سأله عبد الله بن مسعود : يا نبي الله أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وقد خلقك) .

    ولقد نعى الله على أهل الإشراك من اليهود والنصارى، وكفار قريش وسائر الكفرة، أنهم جعلوا لله جل وعلا شريكاً, أو زعموا لله ولداً وصاحبة, أواتخذوا مع الله تبارك وتعالى نداً، كل ذلك نعى الله جل وعلا على من صنعه أعظم النعي، ويؤكد هذا أن الله ما بعث نبياً ولا رسولاً إلا وجعل التوحيد أعظم ما يدعون به أممهم، ولهذا كانت الخصومة قائمة ما بين الأمم وبين رسلهم في قضية توحيد الله وإفراده تبارك وتعالى بالعبادة.

    قال صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (أتدري ماحق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) .

    ويؤكد هذا أن الله ما بعث نبياً ولا رسولاً إلا وألزمه هذا.

    قال العلماء رحمهم الله عند تفسير قول الله جل وعلا : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45] قالوا: يروى عن ابن عباس وغيره : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى المسجد الأقصى تقدم جبريل فأذن ثم أقام، ثم أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالنبيين إماماً، فصلى خلفه النبيون والمرسلون سبعة صفوف، ثلاثة منهم من صفوف المرسلين، وأربعة من الأنبياء، خلفه مباشرة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى عليهم أجمعين صلوات الله جل وعلا وسلامه.

    فلما انفتل صلى الله عليه وسلم من صلاته قال لهم: إن الله قد أوحى إلي أن أسألكم: هل أرسلكم الله جل وعلا أن يعبد أحد غير الله؟ فقال له أنبياء الله ورسله وهم شهداء على ما أوكل الله جل وعلا إليهم، قالوا: إن الله جل وعلا أوحى إلينا أن ندعو بدعوة واحدة: أن لا إله إلا الله، وأن ما يدعون من دونه باطل) فاتفقت كلمة الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم على أن دين الخلائق كلهم الذي يقبله الله جل وعلا منهم هو توحيده تبارك وتعالى، وإفراده بالعبادة جل وعلا وحده دون سواه.

    قال ابن القيم رحمه الله:

    هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيدُ الأديانِ

    هو دينُ آدم والملائك قبله هو دين نوحٍ صاحبِ الطوفانِ

    هو دينُ إبراهيم وابنيهِ معاً وبهِ نجا من لفحة النيرانِ

    وبهِ فدا الله الذبيح من البلا لما فداهُ بأعظم القربانِ

    هو دينُ يحيى مع أبيه وأمهِ نِعم الصبيُ وحبذا الشيخانِ

    وكمال دين الله شرع محمدٍ صلى عليهِ مُنزل القرآن.

    فالرسل أجمعون والأنبياء معهم والصالحون والأخيار على هذا الطريق إلى أن يلقوا الله؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من أحد صرفاً ولا عدلاً حتى يقيم توحيده تبارك وتعالى.

    1.   

    وصية الرسل لمن بعدهم بالفرار من الشرك

    ولهذا كانت عناية الرسل والأنبياء والصالحين من بعدهم عند الموت أنهم يوصون من بعدهم بأن يفروا من الشرك، وأن يلتزموا توحيد الله بالعبادة، وإفراده جل وعلا بالعبادة دون سواه؛ لعلم أولئك الأخيار والمتقون الأبرار أنه لا ينفع عند الله جل وعلا عمل ما لم يقيم العبد قولاً ومعنى ولفظاً وعقيدة توحيد الرب تبارك وتعالى، قال سبحانه: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133]، اللهم آمنا بمثل ما آمنوا به.

    وما أكد أولئك الأبرار والمتقون الأخيار على هذا الأمر إلا لعلمهم ويقينهم أن أعظم الأمر وأجل السيئات وأكبرها الذي لا يغفره الله جل وعلا أن يجعل أحد من المخلوقين مخلوقاً غيره لله تبارك وتعالى نداً.

    ولهذا أثنى الله جل وعلى على ذاته العلية في كتابه، وعرف خلقه تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته حتى يعبدوه على بينة من الأمر، وأخبرهم جل وعلا بكمال قدرته وعظيم صنعته وجلال مشيئته وبلغة حكمته؛ حتى لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حجة لمحتج في أن الله جل وعلا لم يبين لهم كثيراً من أسماءه وصفاته، وإنما بينها الله حتى تقوم الحجة على العباد، وينقطع عذر أهل الأعذار، ويعلم كل أحد أن الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، يقول سبحانه ناعياً على من اتخذ مع الله جل وعلا نداً: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت:10-12] .

    ولا يقدر على هذا إلا الله، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على كمال صنعته، وعظيم وحدانيته، وجلال ألوهيته، فلا رب غيره ولا إله سواه، ولذلك كان التوحيد نور يقذفه الله جل وعلا ويلقيه في قلب من يشاء، يقول الله جل وعلا: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] .

    نسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياكم لنوره.

    أيها المؤمنون! هذا هو التوحيد على وجه الإجمال: إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة وحده دون سواه، وقد بينا أنه أول ما طالبت به الرسل أممهم، وأعظم ما ختم به المتقون وصاياهم، وأن: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) وبه يدخل المرء إلى دين الرب تبارك وتعالى، وهو الخصومة التي قامت بين الرسل وأممهم على رسل الله أفضل الصلاة والسلام.

    1.   

    لوازم التوحيد

    من أعظم لوازم التوحيد محبة الله تعالى

    وينبغي أن يعلم أن لهذا التوحيد لوازم، ولهذا التوحيد نور يقذفه الله في القلوب، ومن أعظم لوازم توحيد الرب تبارك وتعالى: محبته جل وعلا محبة لا يقارن بها محبة غيره كائناً من كان، قال الله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] .

    فبين جل وعلا أن صفات عباده المتقين وأولياءه المؤمنين عظيم المحبة لربهم تبارك وتعالى، وليس العجيب أن يحب العبد ربه، ولكن المؤمل والفوز والسعادة أن يحب الرب عبده، وإن عبداً أحبه الله لن تمسه النار أبداً.

    قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18] قال الله جل وعلا جواباً عليهم: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18] .

    قال العلماء في تفسيرها: لو كانوا أحباء الله لما عذبهم، وقد جاء في الأثر الصحيح: (إن الله لا يلقي حبيبه في النار) .

    وهذا لا يقع من أفراد الناس وآحاد العوام أنهم يعذبون من يحبون، فكيف يقع من رب العالمين الرحمن الرحيم جل شأنه وعز ثناءه؟!

    والمقصود: أن محبة الرب تبارك وتعالى تكون أولاً بمحبة العبد لربه جل وعلا، ومحبة العبد لربه هي المنزلة التي شمر إليها العاملون، وتنافس فيها أولياء الله المتقون، وتسابق فيها على مر الدهور وكر العصور الصالحون السابقون، فمحبته جل وعلا تنال بأداء الفرائض على أكمل وجه، ثم بإتيان النوافل، وفي الحديث القدسي الصحيح: (ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها) .

    وهذه الأربع كلهن كناية عن كمال التوفيق من رب العالمين جل جلاله، وإذا أحب الله عبداً وفقه في الدنيا والآخرة، ورزقه الشهادة عند الموت، ورزقه التوفيق وحسن الاختيار في طرائقه إلى الله جل وعلا، وألهمه الله الصبر على المحذور، وبين الله جل وعلا له الحرام فيتقيه، والواجب فيأتيه، والسنن فيسابق إليها، وأضاء الله جل وعلا له طريقه، وأنار الله جل وعلا له مسلكه، وساقه الله جل وعلا إليه سوقاً جميلاً.

    ومحبة الله قال العلماء: إنما تنال بأن يحرص الإنسان على اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأخلاقه صلوات الله وسلامه عليه، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] .

    فمن أكبر الدلائل وأجل القرائن على أن العبد يحب الله: حرصه على إتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم أينما كانت وحيثما نزلت، فيتلبس بها في المنشط والمكره، والعسر واليسر، ويسابق في ذلك قرناءه وخلانه ومن يراهم من الناس؛ رجاء ما عند الله جل وعلا من الخير، لأنه لا يعدل بالفوز بمحبة الرب تبارك وتعالى شيئاً.

    والعبد إذا أحب الله جل وعلا كان مهيئاً إلى أن يحبه الرب تبارك وتعالى، وهذا أعظم لوازم توحيد الله، فإذا وقر في الإنسان محبة الله جل وعلا وفق، ودل ذلك على أنه معظم لله موحد لربه سبحانه وتعالى، وهذه منزلة كلٌّ يدعيها، وكلنا يطلبها، ولكن الحياة ميدان عمل ومركب شامل يتسابق فيه الأخيار.

    فتسابقوا أيها المؤمنون والمؤمنات! إلى ما يقربكم من الرب تبارك وتعالى, فائتوا بالفرائض بلا توان، وتسابقوا في النوافل؛ عل الله جل وعلا أن يحبكم، فإن محبة الله جل وعلا منزلة وأي منزلة، وهي أعظم ما يطلبه الطالبون، وأجل ما يسعى إليه المؤملون؛ لأنها من أعظم نور يقذفه الله جل وعلا في قلوب الموحدين من عباده.

    التوحيد سبب للنجاة في الآخرة

    ومن لوازم التوحيد: أن تعلم أنه بالتوحيد ينج العبد في الدنيا والآخرة، فلا منجي أعظم من التوحيد، فتوحيد الله جل وعلا في القلب، وحسن الظن به تبارك وتعالى، وصدق التوكل عليه، مع حسن الاعتماد عليه جل وعلا في كل أمر، هو من أعظم المنجيات، والرب تبارك وتعالى له أولياء وأعداء، وأولياءه وأعداءه كلهم يقر أن الله جل وعلا هو المفزع عند حلول الكرب، قال الله جل وعلا: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65].

    وإنما التفرقة بين أولياء الله وأعداءه عند عدم حلول الكرب، فإن أولياء الله -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- يحبون ربهم في كل آن وحين، ويلجئون إليه جل وعلا في السراء والضراء، ويحمدونه على السراء، ويلجئون إليه في الضراء.

    وأما أعداء الله فهم على أقسام عدة لكن لا يقال عدو: إلا لمن كفر بالله أصلاً, ولم يدخل الدين، ولم يؤمن بالله جل وعلا.

    فهؤلاء رغم صنيعهم هذا إذا وقعوا في الكرب وحلت بهم النازلة وداهمهم الخطب لجئوا إلى الله جل وعلا، قال الله جل وعلا يصور حالهم: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12] .

    وأما أولياء الله المتقون فهم يفزعون إلى ربهم جل وعلا في كل آنٍ وحين، والتوحيد مستقر في قلوبهم في البر والبحر، وفي العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وفي السراء والضراء، وهم في المساجد وخارجها، وما بين أهلهم وعند أقرانهم، وفي كل مكان يحلونه وكل زمان يدور عليهم، والتوحيد باق في قلوبهم، ويعلمون أنه لا ملجأ من الله جل وعلا إلا إليه.

    وقد حققه يونس لفظاً وحالاً ومقالاً: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فاستجاب الله دعاءه، وأحسن الله عاقبته، وكشف الله كربه, وآمن له قومه، وقدمه الله جل وعلا أعظم تقديم، وذكره في الكتاب الكريم إلي يوم الدين.

    فقدم توحيد الله جل وعلا وهو يستغيث بربه صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سنن الأخيار وطرائق الأبرار.

    وكما أن التوحيد منجي في الدنيا فهو منجي في الآخرة، يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح وغيره: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق، ينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، فيقول الرب جل وعلا له: يا هذا! أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: أتنكر مما ترى شيئاً؟ يقول: لا يا رب! فيقول الله جل وعلا له: إن لك عندنا بطاقة، فيقول: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فيقول الحي الذي لا إله إلا هو: في البطاقة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقول الرجل: يا رب! وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟)، قال صلوات الله وسلامه عليه مخبراً وهو لا ينطق عن الهوى, قال: (فتوضع السجلات في كفه وتوضع البطاقة في كفه، فطاشت السجلات ورجحت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) .

    قال العلماء رحمهم الله في شرح هذا الحديث: هذا دليل عظيم على أن هذا الرجل وإن كان فرداً قد حقق التوحيد في قلبه أعظم تحقيق، وآمن حقاً أنه لا إله إلا الله، وأنه لا ملجأ من الرب تبارك وتعالى إلا إليه، وهذه منازل في القلوب يتفاوت الناس فيها.

    ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (إن رجل ممن كان قبلكم أوصى بنيه: أنني إذا مت فحرقوني، ثم ذروا رمادي في الفلاة والهواء، ففعل بنوه مثل الذي أوصى، فجمع الله جل وعلا ما تفرق منه، ثم أقامه بين يديه، فقال له ربه جل وعلا وهو أعلم: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! مخافتك وخشيتك، فغفر الله جل وعلا له)، مع أن العمل الذي صنعه باطل باتفاق المسلمين، لكن صلحت نيته وعظمت خشيته من الرب تبارك وتعالى، فحقق بنيته ما لم يحققه بعمله، والله جل وعلا يقول: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9].

    وتوحيد الله جل وعلا مكمنه القلوب تطوى عليه الأفئدة، وتكنه الصدور، ويوم القيامة يتبين من بكى ممن تباكى، قال الله جل وعلا: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42-43].

    يدعى قوم إلى السجود كما أمر الله في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقبل الناس على ثلاثة طوائف: قوم يرفضون البتة, وهذا والعياذ بالله صنيع أهل الكفر.

    وقوم يقبلون تصنعاً ورياء.

    وقوم يقبلون تقرباً إلى الله جل وعلا.

    فإذا كان يوم القيامة وكشف الرب جل وعلا عن ساقه خر أهل الموقف سجداً، وهم على ثلاثة طوائف:

    أما أهل الكفر فلا يسجدون أصلاً.

    وأما أهل الإيمان جعلنا الله وإياكم منهم، فيسجدون ويمكنون من السجود، وهذا من دلالة قبول الله لسجودهم في الدنيا.

    وآخرون -أعاذنا الله وإياكم- يهمون أن يسجدوا فيجعل الله جل وعلا أظهرهم طبقاً واحداً، فلا يتمكنون من السجود، فهؤلاء المنافقون الذين كانوا يسجدون لغير الله في الدنيا. نعوذ بالله من الخذلان والحرمان.

    التوحيد منجاة للعبد في الدنيا

    أيها المؤمنون! كما أن التوحيد من أعظم المنجيات في الدنيا والآخرة، فإن توحيد الله جل وعلا من أعظم ما يحقق به المرء مقصوده في الدنيا والآخرة، وإذا كانت الجنة تنال بالتوحيد فمن باب أولى أن ينال ما في الدنيا من أماني وغايات بتوحيد الرب تبارك وتعالى، وإذا كانت الجنة تنال بتوحيد الله، فإنما أماني الدنيا أهون وأقل شأناً من نعيم الجنة، فدل ذلك عقلاً ونقلاً على أن كل غايات الدنيا تنال إذا أذن الله جل وعلا بتوحيد الرب تبارك وتعالى، وللعلماء في تفسير قول الله جل وعلا على لسان نبيه يوسف قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] أوجه منها:

    أن يوسف عليه الصلاة والسلام استعجل الخروج والفرج، فقال للغلام الذي غلب على ظنه أنه سينجو: اذكرني عند ربك، أي: عند الملك، فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] أي: فعل يوسف خلاف الأولى، واتخذ سبباً وان كان مشروعاً إلا أنه كان لا ينبغي له وهو نبي أن يصنع ذلك، فقال الله جل وعلا: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] .

    وهذا كما قلت: أحد أوجه التفسير، وبعض العلماء يرده، لكننا نستأنس به هنا ولا نجزم به، والغاية من ذلك أن تعلم أن كل مطلوب إنما يتحقق مع الأخذ بالأسباب بصدق التوكل على الله الواحد الغلاب.

    إذا كان المؤمن يعلم يقيناً أنما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن الله جل وعلا يقول: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] .

    وان الله جل وعلا انطق الصبي في مهده حتى يبين براءة جريج رحمه الله كما في حديث جريج في الصحيح.

    والمقصود من هذا كله: أن الإنسان إذا حسن ظنه بالله جل وعلا، وعظم يقينه بالرب تبارك وتعالى، يسر الله جل وعلا له الأسباب التي تحقق له مطلوبه، ولم يكله الله جل وعلا لا إلى نفسه -أي: إلى نفس الرجل- ولا إلى غيره، وإذا أراد الله بعد رحمه نجاه الله جل وعلا من كل سوء, وهيئ الله جل وعلا له أسباب التمكين، ألم يقل الله عن ذي القرنين : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف:83-84].

    فالفاعل يعود إلى الرب جل جلاله، ولولا تمكين الله له لما استطاع أن يخطوا في الأرض خطوة واحدة، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف:84-85].

    فهيأ الله جل وعلا له الأسباب، ثم هداه الرب تبارك وتعالى لأن يأخذ بالأسباب حتى بلغ أقصى الشرق وأقصى الغرب، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.

    والمقصود جملة: أن توحيد الله جل وعلا به تتحقق الغايات، ويحصل المأمول، وهذا الذي ينبغي على المرء تحقيقه في قلبه قبل أن يحققه بجوارحه وفي ملأ الناس.

    والعبد يبتلى ويختبر كما اختبر كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه لما كان ما كان من أمره في غزوة جيش العسرة، لما مُنع بقدرة الله من الذهاب مع الجيش، فكانت الأيام التي أجل النبي صلى الله عليه وسلم كلامه معه، وأرجى أمره إلى الله، فجاءه رسول من ملك الروم، وهذا كله ابتلاء واختبار، يقول فيه ملك الروم: إنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك فألحق بنا نصلك, فقدم التوكل على الله على مغريات الدنيا، ونجح في الابتلاء، وأخذ الخطاب وألقاه في التنور فاحترق، فما هي إلا أيام معدودات وليالي متتابعات وإذا بمناد يناديه يا كعب بن مالك ! أبشر قد فرج الله جل وعلا عنك.

    وهذا كله من تحقيق التوحيد والاعتماد على رب العالمين جل جلاله، والله جل وعلا يبتلي ويختبر؛ حتى لا يصل إلى غاياته ولا إلى مراده الشرعي إلا من ابتلاه الله جل وعلا وامتحنه وخلص منه كما يخلص الذهب من كير الحديد.

    1.   

    من كمال التوحيد الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى

    أيها المؤمنون! ألا وإن من كمال التوحيد: أن تعلموا أن لله جل وعلا الأسماء الحسنى والصفات العلى، قال سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]، ويتحرر من هذا أمران:

    أولهما: أن من أعظم الدلالة على تحقيق التوحيد دعاء الرب تبارك وتعالى في كل آن وحين؛ دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء بالحال ودعاء بالمقال.

    فقد وقف نبيكم صلى الله عليه وسلم وليس بينه وبين فراق الدنيا إلا بضعة أشهر، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن الأجل قريب، وأن الرحيل قد حان؛ لأن الله أنزل عليه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، فوقف وليس بينه وبين الموت إلا قرابة سبعين يوماً أو أكثر، وقف صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء يدعو الله جل وعلا في يوم عرفة, قال من رآه يدعو صلوات الله وسلامة عليه: رافعاً يديه كاستطعام المسكين صلوات الله وسلامة عليه، يدعو الله بلسانه ويدعو الله بحاله صلوات الله وسلامه عليه, فحقق التوحيد، وهو الدعاء هنا عبادة ومسألة، مقالاً وحالاً صلوات الله وسلامه عليه, ولا غرو في ذلك ولا عجب فهو عليه الصلاة والسلام إمام الموحدين، وسيد المتقين، عليه من ربه أفضل صلاة وأتم تسليم.

    فتحقيق هذا الأمر على كل آن وحين، وإظهارك لله جل وعلا فقرك ومسكنتك وحاجتك، إصرارك على الاستغفار، ومداومتك على السؤال، كل ذلك من أسباب قربك من الله جل وعلا.

    ومن قرائن توحيدك لربك سبحانه وتعالى: عقدك لأناملك بالتسبيح، فتذكر الله وتهلله، ثم بين الفينة والفينة تقطع ذكرك بسؤال الرب جل وعلا من خيري الدنيا والآخرة، تقول كما قال الله في نعت الأخيار: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    وتتذكر ذنباً سابقاً فتذرف عيناك ويجل قلبك، وتزدلف إلى الله بأن يستر عليك في الدنيا والآخرة، وتذكر قريباً لك قد مات ولت أيامه وخلا زمانه فتسأل الله جل وعلا له؛ لعلمك أن الله جل وعلا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.

    وكم انتفع مقبور من دعاء حي على وجه الأرض، لا ما يصنع كثير من الناس اليوم في بعض البلدان من أنه يذهب إلى أهل القبور يرجو منهم نفعاً أو ضراً، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

    والمقصود من ذلك: إذا تحقق عند العبد أن الله جل وعلا هو القادر، فإنه سيكثر من الدعاء والإلحاح على رب العالمين، وكلما ضعف يقين العبد بأن الله هو القادر قل دعاؤه، ونبضت مسألته، وقل التجاؤه إلى الله وسؤاله ربه تبارك وتعالى، وهذه كلها قرائن تبين للعبد أين هو من مقام توحيد رب العالمين جل جلاله.

    هذا الذي يتحرر أولاً من مسألة الأسماء والصفات.

    أما الذي يتحرر آخراً: فاعلم يا أخي! أن وجه الله جل وعلا أعظم الوجوه وأكرمها، وأن اسمه تبارك وتعالى أعظم الأسماء وأحسنها، وأن صفاته جل وعلا أعظم الصفات وأجلها، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وله جل وعلا صفات جلال وصفات جمال، فمن صفات جلاله جل وعلا وكماله أنه الحي الذي لا يموت، فأذل الله بالموت كل مخلوق، وأهان به الكياسرة والقياصرة، والملوك والأمراء، والأغنياء والفقراء وأهل المسكنة، والأنبياء والمرسلين، والأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] .

    فهو جل وعلا الملك الواحد المدبر المتصرف، يقول صلى الله عليه وسلم في دعاءه: (أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت، والأنس والجن يموتون).

    ومن علم أن الله أذل عبادة بالقهر علم أن العزة الكاملة للرب تبارك وتعالى، بل ما من صفة كمال إلا والله جل وعلا له هذه الصفة، وما من صفة نقص إلا والله جل وعلا منزه عنها كل التنزه، فهو جل وعلا وتقدس، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3] .

    وتنزه فلم يتخذ صاحبه ولا ولداً، ولما قالت النصارى في ربها جل جلاله: إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود: إن عزيز ابن الله، وقال القرشيون عن الملائكة: بنات الله، بيّن الله جل وعلا أن هذا من أعظم الفرية وأجل الكفر، وأنه أمر ترتج له الجبال وترجف له الأرض، قال الله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:88-91] .

    ثم قال جل وعلا يربي قلوب عباده، ويصفي أفئدة أولياءه، ويبين لخلقه جميعاً كمال غناه: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:92] .

    يتخذ الولد من يحتاج إلى المعين، ومن يحتاج إلى النصير، ومن يحتاج إلى من يسليه، ومن يحتاج إلى من يعضده، ولذلك فنعمة الولد عنصر كمال في المخلوق، لكن الله جل وعلا غني عن كل هذا، ولهذا قال سبحانه: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:92] لماذا يا ربنا؟ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [مريم:93]، وكل من ألفاظ العموم، فالملائكة والأنبياء والمرسلون، والجن والأنس وغيرهم ممن نعلم ومما لا نعلم إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93].

    فلا يأتون وفق مشيئتهم، بل الله خلقهم وهو الذي يعلم عددهم، وهو الذي جبلهم على أن يأتوا بين يديه، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95].

    ومثل هذه الآيات من وعيد القرآن وقوارعه، يرجف لها قلب المؤمن، وتجعله على بينه من ربه، يخشى لقاء الله تبارك وتعالى، وبمثل هذا توعظ قلوب المؤمنين.

    وإن من أعظم أخطاءنا في صحوتنا المباركة أن يلجأ الناس إلى الأناشيد أو المسارح أو التمثيليات يريدون أن يغيروا بها أفئدة الناس، فلا يغير القلب إلا كلام الرب تبارك وتعالى، ثم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقد يرخص بعض العلماء باتخاذها في مواطن وسائل ترفيه مباحة، قد يقول هذا بعض الفضلاء من العلماء، لكن ينبغي على المؤمن أن يجعل قلبه لا يتأثر بشيء أعظم من كلام الله، ولا يقبل شيئاً أعظم بعد كلام الله من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ألم يقل الله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6]؟!

    ألم يقل الله جل وعلا: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]؟!

    فالمؤمن ذو القلب الحي يطمئن قلبه إذا ذكر الرب تبارك وتعالى.

    جعلنا الله وإياكم ممن تطمئن قلوبهم بذكره سبحانه.

    من صفات الله تعالى أنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد

    كما أن من صفات جلاله جل وعلا: أنه تبارك وتعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد, فيدبر الأمور، ويصرف الدهور، ويحكم ما يشاء، ولا ينازعه أحد كائن من كان في سلطانه.

    ففي السماء عرشه، وفي كل مكان رحمته وعلمه وسلطانه، فهو جل وعلا يقول عن ذاته العلية: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] .

    قال أهل الفضل من العلماء: يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويستر عيباً، ويغني فقيراً، ويجبر كسيراً، ويقيم دولة، ويهلك أخرى، ويحي عبداً، ويميت آخر، فيحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وهذا كله من التوحيد الدال على كمال قدرته تبارك وتعالى.

    وقد خرجت بلقيس من أرض اليمن إلى أرض فلسطين خوفاً على ملكها، فمنحها الله جل وعلا الهداية، فهذا لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى، وهو يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]، وهذا كله من كمال صفات الجلال له سبحانه وتعالى.

    وأما صفات الجمال: فإن من أعظمها صفة الرحمة، قال الله جل وعلا يخاطب نبيه في قرآنه الذي يتلى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49]، قال بعض السلف: هذه أرجى آية في كتاب الله جل.

    من صفات الله أنه أرحم الراحمين

    فمن صفات جماله جل جلاله: أنه أرحم من سئل، وأكرم من أعطى، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب كتاباً فهو عنده تحت العرش: أن رحمتي غلبت غضبي، أو أن رحمتي تسبق غضبي) .

    والمؤمن إذا علم أن الله جل وعلا أرحم الراحمين علم بداهة أنه لا يهلك على الله إلا هالك، فلا يستقر عياذاً بالله في النار إلا من شقيت طينته، وساءت سريرته، وخبث معدنه، ولم يرد ما عند الله جل وعلا من الفضل، وإن كان قد أظهره للناس عياذاً بالله، على أن العاقل المؤمن الذي يرجو رحمة الله، يتخذ الأسباب التي تجعله قريب من رحمة الله يقول سبحانه: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    فتوحيد الله هو ذروة الإحسان، وهو أعظم أسباب نزول الرحمة على العبد، ثم رحمة من حولنا من الناس: رحمتك لزوجتك، رحمتك لأولادك، رحمتك لجيرانك، رحمتك لمن تحت يديك في العمل في منزلك، أو من تحت يديك من موظفيك وأجرائك وعمالك ومن جعلهم الله جل وعلا تحت يديك, رحمتك لصغير عندما يسألك، وللجار عندما يطلبك، ولعامة المؤمنين عندما تكون لهم حوائج عندك، تصنعها وأنت تحتسب هذا الصنيع عند أرحم الراحمين جل جلالة، هذا من أعظم الدلائل على أن التوحيد مستقر في قلبك؛ لأنك إذا وحدت الله علمت له نعوت الجمال، وإذا علمت أن لله نعوت الجمال علمت أن من أعظم نعوت جماله جل وعلا صفة الرحمة، فإذا علمت أن من نعوت جماله صفة الرحمة سعيت إلى أن يرحمك الله جل وعلا وعلى أن يغيثك، يقول صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    وقال صلوات لله وسلامه عليه: (الراحمون يرحمهم الله)، ويقول عليه الصلاة السلام: (ألا أخبركم وأنبائكم بأهل النار؟ كل جعضري جواض مستكبر)؛ لأنه لا توحيد كامل في قلبه، فيعنف هذا ويقسو على هذا، ويرد زوجته ولا يبيت إلا وقد أغضب أهله وأغضب أبنائه، وعق أمة أو عق أباه، أو صنع ما صنع بممن حوله، ثم يسأل لله جل وعلا الرحمة! والله جل وعلا ابتلاه واختبره بما علمه إياه، فلم ينجح في الابتلاء.

    وأعظم ما يقربك إلى الله في صفة الرحمة رحمتك بوالديك؛ لأن الله جل وعلا لم يجعل لأحد من الخلق كلهم حق عليك أعظم من حق والديك، فحقهما عظيم مسطور في الكتاب ومسطور في السنة، وهما سبيلان عظيمان بأن تنزل عليك رحمة الرب تبارك وتعالى.

    من أسباب رحمة الله كثرة الاستغفار

    كما أنه ينبغي أن يعلم أن من أسباب رحمة لله جل وعلا: كثرة الاستغفار، يقول جل وعلا على لسان نبيه صالح: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46] ، فكثرة الاستغفار من أعظم أسباب أن تنزل على العبد رحمة الله جل وعلا.

    1.   

    من صفات الله تعالى اللطف بعباده

    ومن صفات جماله جل وعلا: صفة اللطف، وأنه جل وعلا لطيف بعباده، وقد قال العلماء: إن قدر الله لا ينفك عن لطفه، أو أن لطف لله لا ينفك عن قدرة.

    فما من قدر ينزل على العبد إلا وفيه لطف من الله علمه العبد أو لم يعلمه، فعلى قدر تقبل العبد ورضاه بقدر الله يكون بعد ذلك توالي نعم لله بلطفه على عبده.

    فهذا نبي لله يوسف أخرج من كنف أبيه المحب، ورمي في غيابة الجب، فهذا المقدور صحبه لطف لله أن الله جل وعلا أخرجه من غيابة الجب وأسكنه ردهات القصور، ثم ابتلي وأدخل السجن، وهذا المقدور رزقه الله جل وعلا معه لطفاً آخر أن كان سبباً في أنه يلتحق بالغلامين فيروا الرؤيا، ثم يكون تعبيره ثم يكون هذا اللطف سبباً في خروجه من السجن، وسبباً في حوزته على كرسي الوزارة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما حكى الله عنه: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100] .

    فمن صفات جماله جل وعلا: لطفه تبارك وتعالى بخلقه علم هذا من علمه وجهل هذا من جهله.

    ومن صفات جماله جل وعلا: نصرته جل وعلا لأوليائه، والنصرة غير اللطف وإنما تأتي بعدها، وقد نصر الله جل وعلا بجماله وجلاله كثيراً من خلقه ممن حققوا التوحيد على أكمل وجه، وهذا باب مستفيض، كنصرته تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الغار وفي غيره، ونصرته جل وعلا لكليمه موسى، ونصرته لـيوشع بن نون ، وغير ذلك من أولياء لله الذين نصرهم الله جل وعلا في أكثر المواطن.

    1.   

    الأمور التي تخدش التوحيد

    خاتمة المطاف أيها المؤمنون أن نقول:

    مما يخدش التوحيد الرياء

    إن التوحيد من أعظم العطايا، ومع ذلك فهناك ما يخدشه: ومن أعظم ما يخدشه أو قد يذهبه: الرياء، عافانا الله جل وعلا وإياكم منه، وهو الشرك الأصغر الذي يدب في هذه الأمة كدبيب النمل، والنبي صلى الله عليه وسلم ارشد أمته أن تستغفر لله جل وعلا، وقد أثر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في السعي بين الصفاء والمروة: رب اغفر وارحم والطف وتكرم وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

    فيدخل في قوله رضي الله عنه وعن أبيه: إنك تعلم ما لا نعلم، قضيه ما يصنعه الإنسان رياء أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله، ولا شك أن المؤمن محتاج في كل آن وحين إلى أن يجدد نيته ويقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم) .

    مما يخدش التوحيد الغلو في الصالحين

    الأمر الثاني مما يخدش فيه: قال بعض العلماء رحمهم الله كلمة في هذا الباب جامعه مانعه قال:

    إن من أعظم أوديه الباطل: الغلو في الأفاضل.

    فيأتي الإنسان إلى عبد يرى عليه أمارات الصلاح من العلماء أو الدعاة أو الناصحين أو العباد أو ما أشبه ذلك، أو من الأنبياء المرسلين كل بدرجاته, أو من آل البيت أو من غيرهم فيغلو فيه غلواً يخرج الغالي من دين الله جل وعلا، أو على الأقل يخدش في دينه، ويخدش في توحيده، ويقلل من كمال عبوديته للرب تبارك وتعالى.

    وما رأيته من أحد فيه خير فلا تمدحه وهو يسمعك، فإن كان فيمن تراه خير فثق أن الله جل وعلا لن يضيعه، وإن كان الذي تراه ليس فيه خير فثق أنه لن يخفى على الله، فلا تشغل نفسك به ولا تغلو في أي أحد تراه: إما لجمال صوت، أو لمظهر بكاء، أو لبلاغه لسان، أو ما أشبه ذلك، فأحب بقدر وأبغض بقدر، فالأمور مطوية، والموعد الله، والانصراف إلى الجنة أو إلى النار, جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة.

    والمقصود: أن من أعظم أوديه الباطل: الغلو في الأفاضل.

    وأنتم تعلمون أن كثيراً أو بعضاً من طوائف المسلمين إنما ضلت وهلكت وبعضهم خرج من الدين بغلوهم في آحاد المؤمنين، وغلوهم في الأفاضل حتى بلغوا بهم منازل لم يعطها الله جل وعلا أحداً من الخلق، ثم نافسوا في أئمتهم منازل الرب, وهذا كله بدءوا به درجة درجة حتى انتهى بهم الأمر إلى ما وصلوا إليه، أعاذنا الله وإياكم من الغلو في الدين.

    والمقصود أن المؤمن لا يعظم إلا ربه، وينظر إلى الخلق نظرة إنصاف، يقول: هذا ما أعلم، أو لا أعلم إلا خيراً، نسأل الله جل وعلا لفلان القبول، ولا يثني عليه أمام ملأ من الناس، ولا يبالغ في السلام عليه ولا في تعظيمه خاصة في المساجد؛ لأنها إنما بنيت وشرعت وأسست لأن يعظم الله جل وعلا وحده دون سواه.

    هذان أمران مهمان فيما يخدش توحيد العبد لربه تبارك وتعالى.

    مما يخدش التوحيد الجهل بالرب تعالى

    ومما يخدش التوحيد: الجهل بالرب تبارك وتعالى فيريد الإنسان أن يحسن فيسيء من حيث أراد الإحسان، فجهله بالعلم الشرعي يجعله يتلفظ ألفاظاً ويقول أقوالاً يحسب أنها صحيحة وهي بعيده عما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ولهذا فالعلم الشرعي تجلو به الشبهات كما أن اليقين والإيمان بالله تزاح به الشبهات.

    بلغنا الله وإياكم من الخير كله، عاجله وآجله, ووقانا الله وإياكم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه.

    وقد قلت في مقدمه كلامي: إنها هي موعظة أقرب منها إلى أن تكون محاضرة، وبلغة أقرب منها إلى أن تكون درساً، ولعل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم، ويستر علينا وعليكم في الدنيا والآخرة..

    سبحان رب العزة عما يصفون، وسلا م على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010707027

    عدد مرات الحفظ

    721995740