إسلام ويب

كيف وأين يتربى الرجال؟ [1]للشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله الخلق وجعلهم ذكوراً وإناثاً، وميز الذكور عن الإناث بصفات خَلْقية، وهناك صنف من الذكور تميزوا بأخلاق وقيم، وصفات وشيم، رفعتهم رتبة على بني جنسهم من الذكور، وهم الذين سماهم الله رجالاً، وهؤلاء الرجال لا يمكن أن يصيروا كذلك، إلا إذا تربوا في المساجد التي هي مصانع الرجال، ومنها يتخرج الأبطال.

    1.   

    تربية الرجال في القرآن (سورة النور أنموذجاً)

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي خلق عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم،

    وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده؛ فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، وصلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قبل الشروع في الحديث عن مواطن تربية الرجال أو عن مصانع الرجال، نستعرض آيات من كتاب الله عز وجل أشارت إلى هذا الموضوع بإسهاب، وبينت الجانب السلبي والإيجابي بالنسبة لتربية الرجال.

    يقول الله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:35-36].

    تحدثت الآية الأولى عن نور الله في قلب المؤمن، وكيف ينمو ويترعرع هذا النور، وما شبهه بالنسبة لما يشاهده البشر في عالم الكون، وإن كان طائفة من العلماء قد ذهبوا في تفسير هذه الآية إلى أن المراد هنا: نور الله عز وجل الذي هو اسم من أسمائه، وصفة من صفاته، لكن ذلك بعيد؛ لأن نور الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يشبه أي شيء من المخلوقات، فالذي أميل إليه في هذه الآية: أن المراد بهذا النور المذكور هو نور الإيمان الذي يقذفه الله عز وجل في قلب المؤمن.

    وقد جاءت هذه الآية بعد إسهاب طويل، وشرح مفصل عن الفاحشة، وعن أسبابها ووسائلها، وقطع الطرق الموصلة إليها، ابتداء من أول سورة النور: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1]، إلى آخر آية من المقطع الأول من هذه السورة: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34].

    وأنت ترى في الآية التي هي المطلع للسورة سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ، والآية التي هي الخاتمة لهذا الجزء من هذه السورة: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ، وما بين هاتين الآيتين، تربية عظيمة على الأخلاق والفضيلة، ومحاربة فريدة للرذيلة وفاحشة الزنا التي هي أعظم الفواحش التي يفعلها الناس فيما بينهم!

    وقد تحدثت الآيات بإيجاز بسيط عن الحدود، ثم عن الحديث عن الفاحشة، وعدم إنكار هذا الحديث، وعدم وجود رادع يقابل هذا الحديث، ثم تحدثت بعد ذلك عن الاختلاط الذي أصبح الآن لوثة عصرية! ثم تحدثت -بعد ذلك- عن النظر وعن غض البصر، ثم تحدثت بعد ذلك عن الزواج الذي يعتبر الحصن الحصين لهذا الإنسان، فحينما يتزوج يكون في مأمن -بإذن الله عز وجل- من هذه الفاحشة.

    فهذه تربية خلقية عظيمة، ومهما بذل المربون، وعلماء الاجتماع والأخلاق، فلا يمكن أن يصلوا إلى جزء منها.

    تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض)

    يقول تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35]، المراد بالنور هنا: نور الإيمان الذي يقذفه الله عز وجل في قلب المؤمن، أي: أن الذين لا يتأثرون بهذه المغريات التي تسبب الفاحشة والجريمة في المجتمع، هم الذين عصم الله عز وجل قلوبهم بالنور، فقال: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، وهذا يؤيد هذا المعنى الذي اخترناه؛ لأن نور الله لا يشبه بمخلوق من المخلوقات، ويؤيد هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (القلوب أربعة -ثم ذكر من هذه القلوب- قلب فيه مثل السراج يزهر) ، ويقصد بذلك عليه الصلاة والسلام نور الإيمان.

    ونتعرض بإيجاز لمعنى هذه الآية التي هي آية النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ حتى نصل إلى ما نريد.

    اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أي: نوره في قلب المؤمن.

    مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور:35] المشكاة: هي الكوة في الجدار التي لا تنفذ من الخلف، وتعكس الضوء إلى الأمام.

    فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35] المراد بالمصباح: السراج.

    الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [النور:35] الزجاج هو الأجسام الشفافة التي تشف عما وراءها، وتعكس الضوء بقوة.

    الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [النور:35] الكوكب الدري: هو النجم المضيء في السماء، مأخوذ من الدَرّ: وهو الدفع، أو من الدُرّ: وهو اللمعان.

    ثم يقول الله عز وجل في وصف هذا السراج: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35] أي: ليست بالشرقية فحسب، وليست بالغربية فحسب، بل هي شرقية غربية، أي: أن هذه الزيتونة تصيبها الشمس وقت الشروق وتصيبها وقت الغروب؛ فيكون أصفى لزيتها وأنقى له، وحينئذٍ يكاد هذا الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار.

    يقول الله عز وجل: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] أي: نور السراج، مع نور الكوة التي تعكس الضوء، مع نور الزجاجة، مع نور زيت هذه الزيتونة الذي يكاد أن يضيء ولو لم تمسسه نار!

    الإسلام دين الوسطية والاعتدال

    بعض علماء العصر ذهبوا في تفسير هذه الآية مذهباً آخر، فقالوا: هذا يحكي الملة المحمدية، فإنها ليست بشرقية وليست بغربية، لا تستمد منهجها من الشرق ولا من الغرب، ولكنها تستمد منهجها من الله عز وجل، ولربما يصلح هذا المعنى، خصوصاً في هذه الفترة التي شعر العالم الإسلامي فيها بالتبعية إما للشرق أو للغرب، ودين الإسلام -كما نعرف عن كل مناهجه وجزئياته وكلياته- دين وسط بين طرفي نقيض، فإذا كانت هذه الأنظمة المعاصرة تميل إما إلى اليمين أو إلى اليسار -كما اصطلح عليه علماء العصر- فإن ملة محمد صلى الله عليه وسلم ملة قائمة بذاتها ليست بالشرقية وليست بالغربية، وإنما هي ملة معتدلة بين طرفي نقيض، وهذا شيء مشاهد في دين الله عز وجل الذي هو دين الإسلام، فإنه لا يخضع للشرق ولا للغرب، كما أنه يكون دائماً وسطاً بين أنظمة الشرق وأنظمة الغرب.

    على سبيل المثال: الغرب لم يضع نظاماً للمال أبداً! بل أطلق الحرية لهذا الإنسان، فله أن يكسب المال من الحلال أو من الحرام، من الربا أو من أي طريق آخر، وليس في المال حقوق ولا نفقات، ولا واجبات ولا زكاة.

    وجاء الشرق بملة مضادة لهذه الملة فقال: إن المال ليس ملكاً لهذا الإنسان بمفرده، وإنما هو ملك للدولة ولجميع الناس.

    وكلاهما انحرف وأخطأ، فإن الله عز وجل هو الذي أباح الملكية الفردية لهذا الإنسان، وجعل ذلك مطلباً من مطالب هذا الإنسان، وشرع قيوداً لكسب المال ولإنفاق المال.

    وأيضاً: نجد أن الصوفية المعاصرة تقدس الروح وتهتم بها، وتهمل الجسد، وتقابلها الشيوعية الملحدة، فهي تقدس الجسد، وتهمل الروح، وأما الإسلام فإنه يعتني بالروح والجسد معاً، ويتوازن في معاملتهما.

    وعلى هذا فقس في جميع الأنظمة القائمة، ولذلك فإن ملة الإسلام ليست شرقية ولا غربية وإنما هي دين وسط؛ ولذلك يقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، سواء كانت في الجغرافية، أو في الأفكار، أو في العبادات، أو في المعاملات، أو في أي شيء.

    1.   

    أين يتربى الرجال؟

    هذا القلب الذي اتصف بهذه الصفات المذكورة في الآية، ضرب الله عز وجل له المثل بأقوى نور عرفه الإنسان وقت نزول الآية، والله تعالى لا يخاطب الناس بما لا يعلمون، فلا يعدو علم الإنسان -قديماً- بالنسبة للأضواء اللامعة من أن يرى سراجاً في كوة غير نافذة، وعليه زجاجة، وهذه الزجاجة لامعة مضيئة تعكس الضوء كاملاً، ويوقد هذا السراج من زيتونة لا شرقية ولا غربية.

    هذا الخبر يثير تساؤلاً في نفس الإنسان، لا سيما من يبحث عن الحق، وهو أن هذا قلب طاهر وعظيم! فأين يوجد هذا القلب؟ وأين يتربى هذا القلب؟ وأين ينشأ؟ وأين يولد؟ وأين مكانه؟

    والجواب في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36]، ومن هنا نعرف كيف يتربى الرجال؟ وأين يتربى الرجال؟ وأين يولد الرجال؟

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37], وعلى هذا يقول المفسرون في قول الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أنها متعلقة بـ(يوقد)، وفي قراءة سبعية: (توقد)، أي: هذا النور يوقد في بيوت أمر الله عز وجل أن ترفع وتُعظم وتقام وتنظف وتطهر، وهي المساجد على رأي جمهور العلماء.

    وعلى هذا: فإن المساجد هي مكان ولادة هذا النور، ونشأة هذا الإيمان، وتربية هؤلاء الرجال، ولعل ذلك يقابل ما مر في أول الآية حينما ذكر الله عز وجل الفاحشة، ومواطنها، وأسبابها، ووسائلها، ومقتضياتها، من النظر الحرام، والاختلاط الحرام، والحديث عن الجريمة والفاحشة الذي يسهل الوصول إليها، ويجعلها مألوفة تقبلها الآذان، ثم تتحدث عنها الألسن وتلوكها، ثم يصدق الفرج ذلك أو يكذبه؛ لعل هذا النور الذي ذكره الله عز وجل في المساجد يقابل تلك المواطن التي تنتشر فيها الفاحشة، وعلى هذا فإن من أراد التحصين لنفسه ولأمته ولنشئه، فعليه أن يربي هذا النشء في المسجد، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36]، قال بعض المفسرين: (في بيوت) هي: متعلقة بـ(يسبح)، أي: يسبح له في بيوت رجال.

    فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ أي: أمر وأوجب، ووصى وفرض؛ ولذلك فإن بناء المساجد أمر مرغب فيه، سواء في الآيات أو في الأحاديث النبوية، كما في الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، وهذه المساجد هي بيوت الله عز وجل، ويجب أن تصان من كل ما لا يليق بها من الكلام الحرام، والعمل الحرام، وأحاديث الدنيا، وما أشبه ذلك مما يجب أن تنزه عنه المساجد.

    وحينما تكون المساجد بهذا المستوى وهذا القدر فإنها تربي هؤلاء الرجال؛ ولذلك يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ) ، والمراد بالغدو أول النهار، والمراد بالآصال آخر النهار، أي أن المؤمنين في مداومة واستمرار على طاعة الله وذكره وتسبيحه؛ ولذلك فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل قلبه معلق بالمساجد)، أي: دائماً ينتظر الصلاة، ويلازم المساجد، ويراقب مواعيد الصلاة والأذان، فقلبه معلق بالمسجد دائماً، كلما انتهى من صلاة ينتظر الصلاة الأخرى؛ فهذا من السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أي: في يوم القيامة.

    1.   

    معاني الرجولة وصفات الرجال

    تبين من الآية أن المقصود بـ(رجال) أهل المساجد، ومن يتربون في المساجد، وكلمة (رجال) لم ترد في القرآن العظيم إلا في ثلاثة مواضع، وكل موضع من هذه المواضع يدل على الثناء.

    الموضع الأول: في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37].

    الثاني: في قول الله تعالى عن الأنبياء الذين هم صفوة البشرية: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء:7].

    الثالث: عند ذكر المجاهدين في سبيل الله، وهم الذين حققوا البيعة بينهم وبين الله عز وجل؛ فسماهم الله تعالى رجالاً، فقال: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [الأحزاب:23].

    الرجال المستكملون سمات الرجولة

    كلمة (رجال) تعطينا معنيين اثنين:

    المعنى الأول: الذكورة، أي: أنهم ليسوا بنساء، فإن الرجل خلاف المرأة، والرجل يقابل المرأة والمرأة تقابل الرجل، وهذا هو المتبادر إلى أذهان كل الناس؛ مثل أن نقول: صلاة الجماعة واجبة على الرجال وليست بواجبة على النساء.

    المعنى الثاني: وهو المعنى الأعظم والأشمل، وهو أن الرجال هم الذين يحققون ويثبتون معنى الرجولة الحقة، فليس كل ذكر يكون رجلاً، فكم من الذكور من تنازل عن رجولته؟ وكم من الذكور من لم يصل بعد إلى دور الرجال؟! لأن كلمة (رجال) في الآيات الثلاث التي ذكرناها تعني الذين اكتملت فيهم سمات الرجولة وصفات الرجال، وحققوا معنى الرجولة، فهم الرجال حقاً! وهذا الشيء يشاهده الخاصة والعامة، فإذا أعجبك ولدك قلت له: أنت رجل؛ مع أنك تعرف أنه رجل، لكنك في الحقيقة تقصد بقولك له: رجل، أي: حققت معنى الرجولة، واكتملت فيك صفات الرجال.

    وعلى هذا فإنك إذا أردت أن تمدح أحد الناس، فإنك تقول: فلان رجل! مع أن الناس يعرفون أنه رجل وليس بأنثى، لكنك تقصد بذلك أن صفات الرجال قد توافرت فيه، وهذا هو المعنى المقصود في هذه الآية، فليس معنى (رجال) ذكوراً، ولكن معناها: رجال استوفوا كل صفات الرجال، واستكملوا كل أخلاق الرجال، فهم أبعد الناس عن الأنوثة!

    ترفع الرجال عن التخنث والتشبه بالنساء

    فهذه الكلمة لا يستحقها إلا أهل المساجد وعباد الله عز وجل، ونأسف جداً لأن كثيراً من أشباه الرجال لم يصلوا إلى الرجولة الحقيقية بعد، بل هم لا يفكرون في ذلك ولا يريدونه، وهذا شيء نشاهده في أوساط (أشباه الرجال!)، ممن تحولوا عن رجولتهم في عصرنا هذا، فأصبحوا يسابقون البنات إلى الموضات، حتى لبسوا الذهب والحرير، وضيقوا ملابسهم، وغيروا مشيتهم، ولبسوا الشعر الصناعي، ولربما يرققون أصواتهم كالمرأة، وهذا يعتبر حدثاً عجيباً في تاريخ البشرية، وإن كان قد ورد أن هؤلاء أشباه الرجال سوف يأتون في زمن متأخر كما ورد في أثر أنا لا أعرف صحته، لكن له شاهد من الواقع.

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثه الرسول صلى الله عليه وسلم عما يحدث في آخر الزمان، فاستغرب عمر ما سيحدث؛ لأنه شيء لا يقبله العقل لولا أنه خبر من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر ! ترك القوم الطريق) أي: سيتركون الطريق (وخدمهم أبناء فارس -ونحن نقول الآن: وبنات فارس- وتزين الرجل منهم بزينة المرأة لزوجها، يتأولون كتاب الله، يقولون: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ [الأعراف:32])، وهذا أمر نشاهده في الواقع، فإن الذين نزلوا عن مستوى الرجولة يتأولون ذلك، وهم في كثير من الأحيان قد لا يعرفون من القرآن إلا هذه الآية، فيقولون: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ، فهؤلاء يجب أن نلغيهم من قائمة الرجال! لكن لا ندري أين نضعهم؟! لأنهم لم يصلوا بعد إلى الأنوثة المكتملة! وهؤلاء أمرهم أعجب من أن تترجل المرأة، ولو أن المرأة أرادت أن تتشبه بالرجل، ما كان ذلك كتشبه الرجل بالمرأة؛ لأن المرأة تريد أن تعلو درجة! فإن الله عز وجل يقول: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، ويقول: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36]، مما يدل على أن الرجل أعلى درجة من المرأة، لكن حينما يريد الرجل أن يهبط إلى هذه الدرجة، يصبح الأمر عجيباً وغريباً، ولذلك يقول الشاعر:

    وما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب

    أي: أن المرأة عندما تترجل، فليس هذا بعجيب، لكن الرجل أو الشاب حينما يتأنث يصبح الأمر عجيباً؛ إذ كيف يتنازل عن حق من حقوقه، وميزة من ميزاته التي اختصه الله بها؟!

    المهم أن كلمة (الرجال) تعطينا هذا المعنى المكتمل، وتعطينا هذه الحقيقة الواضحة، ولذا فإن أي إنسان -بعد أن يفهم معنى كلمة رجال وما يتميزون به- يتطلع إلى المواطن التي يتربى فيها هؤلاء الرجال، حتى لا يكون من أشباه النساء، وحتى يكون من الرجال الذين اكتملت رجولتهم وتمت شخصيتهم فلم يتنازلوا عن شيء منها أبداً، بل هم يتطلعون إلى مستوىً أعلى، فلو تيسر لهم أن يكونوا فوق مستوى الرجال فلن يبخلوا على أنفسهم بالتقدم!

    المساجد مواطن تربية الرجال

    ننتقل إلى الموطن الذي يتربى فيه الرجال، والله عز وجل قد ذكر أين يتربى الرجال فقال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37].

    ومن هنا نعرف أن النور الذي ذكره الله عز وجل هو النور الذي اهتدى به هؤلاء الرجال، فعرفوا الله عز وجل به، وعرفوا مكانتهم في هذه الحياة، وعرفوا وزنهم وقيمتهم؛ لذلك فهم لا يبغون بها حولاً، ولا يرغبون عنها بدلاً.

    هؤلاء الرجال الذين نشئوا في المسجد، فهم من أبناء المساجد، وقلوبهم معلقة بالمساجد، يتصفون بثلاث صفات: أولاً: هم يسبحون الله عز وجل في كل حال من أحوالهم، ويعظمون الله كما يليق بجلاله وعظمته.

    ثانياً: هم رجال.

    لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن طاعة الله

    ثالثاً: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

    ومن العجيب أن لهم تجارة، وأن لهم أموالاً، وأن لهم مصالح، لكن هذه المصالح، وهذه الأموال التي بأيدي هؤلاء الرجال الذين عرفوا الله عز وجل حق المعرفة، وآمنوا به حق الإيمان؛ لم تلههم، فهم لم يضعوا هذا المال وهذه المصالح في قلوبهم كما يضعها (أشباه الرجال) لكنهم يضعونها في أيديهم، ويضعون خشية الله عز وجل ومراقبته ومحبته في سويداء القلوب.

    إذاً: هم رجال ليسوا عالة على غيرهم، كما يظن بعض الناس أن معنى قوله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:37] أنه ليست لهم تجارة، وليس لهم بيع، وليست لهم مصالح دنيوية، لا. فالمسلم مطالب أن يعمر الحياة، وأن يعمل للحياة، وألا يكون عالة على غيره، وأن يكون عضواً فعالاً في هذا المجتمع، وأن يقدم الخدمات لنفسه ولأهله وذويه ولأمته، وأن يكون عنصراً نشيطاً حياً، لكن يجب عليه ألا يضع شيئاً من ذلك في قلبه! بل يجب أن يفرغ قلبه لخشية الله عز وجل وللحياة الآخرة، وعليه أن يضع هذه الأشياء في يده.

    هذا هو المعنى المفهوم من قوله تعالى: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: لهم تجارة، ولهم بيع، ولهم دكاكين، ولهم مصانع، ولهم متاجر، ولهم أعمال، لكن هذه الأشياء كلها يعتبرونها وسيلة وليست بغاية، أما لو انزووا في زاوية من زوايا الحياة، وأصبحوا عالة على المجتمع، وأصبح غيرهم ينفق عليهم، وأصبحوا يتركون دفة الحياة يديرها من لا خلاق له ولا دين له، فإن هذا سوف يُحدث خللاً في المجتمع، فينتشر الفساد، وتنتشر المعاملات المحرمة كالربا، وتفسد الحياة كما هو حاصل في عصرنا الحاضر في بعض الأماكن.

    هؤلاء الرجال لهم تجارة، ولهم بيع، والدليل على ذلك: أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ذات يوم بالسوق، وكان الناس قد فتحوا دكاكينهم يبيعون ويشترون، فإذا بالمنادي ينادي: حي على الصلاة! حي على الفلاح! وكان أحدهم قد رفع الميزان بيده لكي يزن البضاعة، فرمى بالميزان على الأرض، وأغلق الدكان، ومشى إلى المسجد، فقال الصحابي: انظر يا أخي! هؤلاء هم الذين قال الله عز وجل فيهم: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).

    ليسوا عالة على غيرهم في الحياة

    أما الذين يقبعون في زاوية من زوايا الحياة، ويصبحون عالة على غيرهم، ويظنون أن الدين رهبانية وانزواء! وأنه لا يسمح للمسلم بأن يزاول أي مهنة من المهن، أو أي صنعة من الصنعائع! حتى ظن بعض الناس أن شيئاً من هذه الصناعات يؤثر على السمعة وعلى الشرف؛ إذا اتجه الناس هذا الاتجاه، فإنهم قد خالفوا الشرع واتجهوا خلاف الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه!

    (جاء ثلاثة نفر إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لإحدى زوجاته: ماذا يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في السر؟ فأخبرتهم بعمله في السر، وأنه يعمل للدنيا وللآخرة، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء! فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقالة هؤلاء غضب غضباً شديداً، ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس! أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    وقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة الرجال العقلاء العلماء الذين كانوا يوجهون النصائح إلى قارون ، وهو الرجل الذي تنكر لله عز وجل، ونسي النعمة والمنعم! فكانوا يوجهون له النصائح بأن يستغل هذه الثروة وهذا المال فيما يرضي الله عز وجل، فكان من نصائحهم: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [القصص:77]، قال بعض المفسرين: أي: خذ من الدنيا بنصيب، لكن لا تجعل الدنيا أكبر همك. وهذه الوصية التي يجب أن نقدمها دائماً لمن أراد أن يصل إلى مصاف الرجال.

    إذاً: هذه هي الصفة الثالثة من صفات هؤلاء الرجال: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]، فيشتغل للدنيا ويشتغل للآخرة، لكن عليه أن يضع كل واحدة في موضعها المناسب، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، وبحيث لا ترتفع إحداهما على كفة الأخرى.

    خشية هؤلاء الرجال وخوفهم من يوم القيامة

    هؤلاء الرجال أهل الصلاح والاستقامة، عرفوا الله عز وجل حق المعرفة، وعبدوه حق العبادة، وكان المتوقع لمثل هؤلاء أن يطمئنوا ولا يخافوا؛ لأن الخوف يجب أن يكون من قوم يعيثون في الأرض فساداً، ويدمرون الأفكار والأخلاق، لكن العجب أن هؤلاء الذين هم في طاعة مستمرة لله عز وجل، وقد وصلوا إلى درجة الرجال، وشغلوا حياتهم بتسبيح الله عز وجل، وكانت لهم تجارة؛ وضعوها في أكفهم، وقدموا خشية الله على كل المصالح الدنيوية؛ يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار!

    ومن هنا على المسلم أن يأخذ درساً من هؤلاء، فمهما بلغ من الصلاح والتقى والإيمان والخشية لله عز وجل وتطبيق أوامر الله، فيجب عليه أن يكون خائفاً دائماً، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (إنه لا يأمن غداً إلا من خاف وحذر في هذا اليوم).

    وجاء في الأثر: من فعل الذنب وهو يضحك، دخل النار وهو يبكي!

    المؤمن مهما يقدم من الطاعات والحسنات والخير، فإن عليه أن يكون خائفاً على الدوام، لا لأن الله عز وجل سوف يهضمه شيئاً من عمله، فإن الله عز وجل يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [طه:112]، ولكنه يخشى من سوء الخاتمة.. يخشى ألا يتقبل الله عز وجل منه هذا العمل.. يخشى الرياء أو السمعة وغيرهما من مفسدات الأعمال.. يخشى ألا يكون قد أدى كل الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه؛ لذلك فهو من الذين: يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    يوم القيامة يوم عظيم يجعل الولدان شيباً، يقول الله عز وجل عن الصالحين: يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [الإنسان:7]، ويقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:10]؛ ولذلك فإن هؤلاء لا يلامون أن يخافوا؛ لأنه يوم تقفز فيه القلوب عن مواطنها من شدة الخوف إلى الحناجر، وهو يوم يرتفع فيه البصر من شدة الذعر والخوف إلى أعلى الرأس، وكأنه قد تحول من مكانه من شدة الخوف! وهذا الشيء نشاهده حينما نخاف من أي أمر من الأمور المخيفة، أما أولئك فإنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا، إنما كانت توصف لها وصفاً.

    فالقلوب تتقلب، أي: تؤمن بأشياء ما كانت تؤمن بها من قبل، وهذه قلوب الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل.

    فالخوف صفة من صفات الرجال، وقد ورد وصفهم بالخوف في سورة المؤمنون في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، لما سمعت عائشة رضي الله عنها هذه الآية من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله! (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون الفواحش فيخافون؟ قال: لا، بل هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخشون ألا يتقبل الله ذلك منهم).

    إذا كان هؤلاء المؤمنون يخافون -وهم في غاية الإيمان والتقى والصلاح والاستقامة- فمن باب أولى أن يخاف أولئك المفسدون في الأرض من أصحاب الجرائم والكفر والإلحاد والطغيان والكبرياء، الذين ساموا المسلمين سوء العذاب، والذين طعنوا في دين الله، وشوهوا دين الإسلام أمام ضعاف الإيمان، وصالوا وجالوا وأفسدوا، وفعلوا ما فعلوا من الفواحش، وتركوا ما تركوا من الواجبات، لكنهم في غمرة الحياة الدنيا، ولذة العيش ومتاع الحياة؛ أصبحوا آمنين مطمئنين، ولكنهم سوف يخافون حينما يأمن الصالحون، وحينما ينجي الله المؤمنين من الفزع الأكبر وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]، يومئذ يخاف أولئك ويطمئن هؤلاء.

    هذه هي صفات هؤلاء الرجال: يسبحون، وهم رجال اشتملوا على معنى الرجولة، (ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وأيضاً: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).

    هؤلاء الرجال يعبدون الله رغباً ورهباً ومحبة

    نعود مرة أخرى إلى قوله تعالى: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) لنستعرض رأي طائفة من غلاة الصوفية في أيامنا الحاضرة:

    غلاة الصوفية يقولون: نحن لا نعبد الله خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته! ولا نبالي بالجنة ولا بالنار، وإنما نعبد الله محبة لله!

    وبعضهم يقول: إني أذوب في محبة الله!

    وهذا ليس هو الاعتقاد الصحيح، فهو كذب وافتراء، فأنا وأنت وكل مؤمن يجب أن نعبد الله محبة له، وخوفاً من عذابه، وطمعاً في جنته، وهؤلاء صفوة الرجال يقول الله عز وجل عنهم: يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37].

    بل إن هناك أفضل من هؤلاء، وهم المرسلون عليهم الصلاة والسلام.. لما ذكر الله عز وجل بعضهم بأسمائهم وصفاتهم في سورة الأنبياء قال عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    إذاً: الإنسان يعبد ربه محبة له، وخوفاً من عذابه، وطمعاً في جنته.

    والله لولا جنة الله التي نرجوها وعذاب الله الذي نحذره ونخافه ما كنا بهذا المستوى، لكننا نعبد الله عز وجل محبة ورغبة ورهبة، وهذا هو منهج المؤمنين، (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).

    1.   

    التربية بعيداً عن المسجد سبب الانحراف

    الرجال لا يتربون إلا في المسجد، المسجد الذي يتعاهد الطفل منذ بداية تمييزه، منذ سن السابعة: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع)، الطفل حين يختلط بالصالحين، ويأخذ من أخلاقهم وسلوكهم، ويحضر مجالس العلم، ويعرف الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم حق المعرفة، ويعرف دين الإسلام بالأدلة، ويعرف كيف يعبد ربه، وكيف يخشى الله سبحانه وتعالى، ويجلس في حلق القرآن يقرأ ويتلو كتاب الله ويحفظه؛ حينئذٍ سوف يخرج رجلاً.

    أما تربيته على خلاف هذه التربية فهذا هو ما أحدث الخلل في هذه الأمة الإسلامية، فالآن يتربى كثير من أبناء المسلمين بعيداً عن المساجد، لا يعرف أحدهم الطريق الموصلة إلى المسجد، ولربما لا يصلي إلا صلاة الجمعة أو بعض الصلوات! ولربما لا يدخل المسجد إلا حينما يموت فيقدم لتصلى عليه صلاة الجنازة!

    هذا واقع مشاهد لا أحد ينكره، لكن الخطر سيكون قبل أن يقف هؤلاء الناس للحساب بين يدي الله عز وجل، والنتيجة خطيرة في الدنيا قبل الآخرة. هؤلاء الذين يتربون بعيداً عن المسجد، قد يتربون بين الأفلام والمواخير، ومراكز الشراب والبارات، والمحرمات، والعاهرات، والرقص، والغناء، لا نريد أن نستعرض هذه كلها، لكن أولئك هم الذين أصبحوا الآن يفسدون في الأرض.. هم الذين أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين.. هم الذين يسعون الآن ليجروا عاراً على أمتهم لا ينسى إلى يوم القيامة.. هم الذين سوف يحلون قومهم دار البوار .. هم الذين يصفون هذا الإسلام بالتأخر، والرجعية، والتخلف، وأن هذه الأمة متخلفة، ويصفون المرأة المسلمة بالتأخر والتخلف، وينادونها إلى التحرر، ويزعمون أنهم أصحاب حقوقها، والمدافعون عنها وعن حريتها، والله يعلم أنهم لا يريدون بذلك إلا سوءاً وفساداً، يريدون أن تنحل المرأة وتنحرف؛ ليصطادوها في الماء العكر، ولتصبح لقمة سائغة بين أيديهم.

    هم ينادون بهذه الحرية الكافرة الملحدة الآثمة الغاشمة في وقت أصبح فيه أعداء الإسلام الكفرة قد سئموا من أوضاعهم المنحرفة، فصاروا ينادون المرأة في بلادهم بأن تعود إلى الحشمة والكرامة والمحافظة! فهؤلاء جاءوا ليبدءوا من حيث ينتهي الناس، هؤلاء هم الذين تربوا بعيداً عن المسجد.

    ولربما تطور الأمر بالنسبة لهم، فنسمع من أخبارهم ما يدمي القلب ويذيبه كمداً كالطعن في الإسلام، لا يكفيهم أن تتحرر المرأة -كما يزعمون- أو أن تنحرف، بل لا يقر لهم قرار إلا وهم يرون الأمة الإسلامية تعيش في المؤخرة، ولا يكفيهم هذا التخلف وهذا التقهقر الذي أصاب الأمة الإسلامية، وهذا النوع من البشر قد يتجرءون على دين الإسلام فيكونون من أئمة الكفر الذين أمر الله عز وجل بأن نقاتلهم في أي مكان نجدهم: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ [التوبة:12].

    ولربما يتجرءون أكثر من ذلك فيطعنون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبار الحداثيين منا ببعيد، ولربما يتجرءون على الله عز وجل فيقولون كلاماً لا ينبغي لمسلم أن يقوله حتى على سبيل الحكاية! فلماذا هذا كله؟

    لأنهم ليسوا من الرجال الذين تربوا في أحضان المسجد، وعرفوا الله عز وجل، بل لربما أن الرقابة الأبوية أو ما فوق الأبوية قد تساهلت في تربية هؤلاء، أو لربما أن هؤلاء غسلت أدمغتهم في بلاد الشرق أو بلاد الغرب، ونجح أعداء الإسلام في إفساد هؤلاء، فأرادوا أن يحققوا الفكرة التي تدور في أذهانهم، وهم يقولون: إنكم لا تستطيعون قطع شجرة الإسلام إلا بغصن من أغصانها!! ويقصدون بهذه الكلمة: ربوا من أبناء المسلمين من يقوم بهدم الإسلام!

    لكننا مطمئنون على شجرة الإسلام، وهذه الخفافيش والصراصير لن تؤثر فيها أبداً؛ لأن هذا نور الله عز وجل ودين الله الذي سوف يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ونحن مطمئنون إلى وعد الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، لكننا خائفون على الأمة من أن يتسلم شيئاً من مقاليد الأمور فيها نوع من هؤلاء الذين لا يعتبرون أشباه رجال، ولكنهم دون ذلك!

    1.   

    تحقق حديث حذيفة بن اليمان في الفتن

    روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حديثاً عجيباً أراه اليوم يتحقق في هؤلاء الذين يحسبون على الإسلام، ويحملون الأسماء الإسلامية: أحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وسعد وسعيد، وهم أكبر عدو وألد عدو للإسلام! ولو كان الإسلام يحارب كما في الجاهلية الأولى بـأبي جهل وأبي لهب لكان الأمر سهلاً! لكنه يحارب بهؤلاء الذين يحملون الهويات الإسلامية، والأسماء الإسلامية، وتربوا في بيوت المسلمين، وهم من أسر إسلامية عريقة، ومع ذلك فهم أخطر على الإسلام من أبي جهل وأبي لهب في وقتهم، وأخطر على الإسلام من أعداء الإسلام الذين يأتون من الخارج!!

    يقول حذيفة : (كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: قوم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا) كيف ذلك؟

    لو أردنا الآن أن نحصر ما كتبه المتمسلمون أو المنسوبون إلى الإسلام في الصحف وفي المجلات وفي المؤلفات من الطعن في الإسلام، ثم ننظر ما كتبه الأعداء الذين يأتون من الخارج، لوجدنا أن الأول أضعاف مضاعفة بالنسبة للثاني! بل وجدنا ممن يعتز بكفره وبجاهليته من غير المسلمين، من يثني على الإسلام! مع أننا لا نحتاج إلى ثنائهم، حتى قال برنارد شو : إن محمداً لو بعث اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة!! فهذه كلمة يقولها رجل كافر يهودي، وتلك مقالات يقولها أناس يحسبون على الإسلام.

    فالأمر خطير، والمصيبة داخل البيت! ولو كان العدو من الخارج لكان من السهل أن تحمى البلاد بالحصون، وأن يقف كل مسلم أمام داره ليحمي هذا البيت، ولكن المصيبة كما قال الشاعر:

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    فهذا مثل ضربناه لقوم يحسبون ويعدون من الرجال وما هم برجال! وقوم أيضاً يحسبون على الإسلام والإسلام منهم براء! وإنني لا أنسى حينما سمعت رجلاً ممن يعيش في أقرب المرافق المقدسة يقول مقالته المشهورة: منذ نزول سورة تبت ووجود الهاشمي -يقصد محمداً صلى الله عليه وسلم- أصبح العالم في تأخر! ثم يثني على أم جميل زوجة أبي لهب إلى غير ذلك.

    1.   

    أثر المسجد في تخريج الرجال

    لا نريد أن نطيل الكلام حول الذين لم يتربوا في المسجد؛ لأنكم سمعتم كثيراً من أخبارهم، لكن المهم: لماذا وصلوا إلى هذا المستوى؟

    لأنهم ليسوا من الرجال الذين تربوا في المساجد، فلو تعلقت قلوبهم بالمساجد لأصبحوا رجالاً بكل ما تعنيه الكلمة، ولما كانوا على هذا المستوى.

    فأين أبناء المساجد؟ وأين الرجال الذين يتربون في المساجد؟

    هم موجودون والحمد لله، وهم هؤلاء الشباب الذين تتمثل فيهم الصحوة الإسلامية، ونعتز بهم، والذين هم مثل يحتذى به -والحمد لله- في صلاحهم واستقامتهم؛ هؤلاء هم أبناء المساجد، وهم الرجال الذين يقول الله عز وجل عنهم: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ [النور:36-37]، وإذا أردت أن تجد برهاناً على ما أقول فاذهب إلى ساحة أفغانستان، والله لقد رأيت هذه الساحة فعجبت كثيراً! وقلت: أين ذهبت العصبيات القومية والإقليمية والشعوبية؟ فإنك لا تجد جنسية من جنسيات البلاد الإسلامية إلا وتجدها في تلك الساحة! حتى أبناء النعيم.. أبناء هذه البلاد ودول الخليج الذين عاشوا بين الثلاجات والمكيفات، والذين كان الناس يظنون أنهم لا يستطيعون تحمل مثل تلك المسئوليات، ووعورة الطريق، وشظف العيش، والحر والبرد، إلى غير ذلك.. تراهم يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، وإذا أردت دليلاً على ذلك فاسأل الخطوط السعودية: كم يسافر يومياً من هنا إلى أرض أفغانستان؟!

    سأذكر لكم قصة شاب من هذه البلدة الطيبة -عنيزة- لا يتجاوز عمره العشرين، ذهب إلى هناك، واستبسل حتى استشهد وهو يقول: الله أكبر! فلم يكمل كلمة: الله أكبر حتى جاءته شظية وهو يطوق مطار جلال آباد حتى اقتلعت رأسه! فجاءني أخوه، وظننت أن أخاه سوف يقول لي: كيف غررتم بأخي؟ فإذا به يقول: أبشرك أن أخي استشهد؛ فقلت: الحمد لله رب العالمين. فقال: وأنا سوف أذهب لأستشهد هناك، قلت: لا يا أخي! المصيبة جديدة، انتظر، قال: سأقدم الآن كل ما أملك من مالي في سبيل الله حتى يأذن الله لي بالذهاب لأكون شهيداً هناك.

    الشاهد أن هذه تربية المساجد، وأما تلك فهي تربية غير المساجد.

    والله إن من ذهب إلى تلك البلاد يرى العجب العجاب! ويرى شباب المسلمين يتسابقون إلى الحراسة في وقت الثلوج التي يتجمد فيها الإنسان قطعة من الثلج على رءوس الجبال في ظلام الليل بين العدو الحاقد الذي يريد أن يقضي على هذه الأمة لو تمكن من ذلك! ومع ذلك يتسابقون إلى الشهادة وإلى الجهاد وإلى الحراسة؛ لأنهم تربوا في المسجد؛ ولأنهم قد تحملوا هذه المسئولية، وأدركوها من خلال المسجد، فكان ذلك الإيمان -الذي ولد في المسجد وترعرع في المسجد- كما أخبر الله عز وجل: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور:35]، فمن خلال الزيت الذي أشعل في هذا السراج أصبحوا لا شرقيين ولا غربيين، ولكنهم أمة مسلمة؛ ولذا خاب ظن الذين يظنون أنهم قد وضعوا حواجز سياسية، وطبيعية وإقليمية، وشعوبية، وقومية بين المسلمين، وأنهم قد قطّعوا أوصال المسلمين، وحولوا الأمة الإسلامية إلى دويلات، هؤلاء الذين يظنون أنهم قد غرسوا حب القومية والشعوبية في نفوس هؤلاء الشباب؛ خاب ظنهم وهم يتتبعون أخبار أفغانستان، وكيف ينفر شباب الأمة العربية والإسلامية خفافاً وثقالاً يجاهدون في سبيل الله مع العجم الذين لا تربطهم بهم رابطة نسب ولا رابطة وطن، ولكن تربطهم بهم رابطة الدين والعقيدة.

    هذا دليل من الواقع، وهذا نموذج من الواقع بالنسبة لرجال المساجد.

    رسالة المسجد في عهد السلف

    لو رجعنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا ما هو أعجب من ذلك! نجد رجالاً رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسجد، وعرفوا رسالة المسجد، لكن رسالة المسجد في أيامنا الحاضرة عند كثير من الناس أن تصلي وتخرج، وإذا تأخرت قليلاً سوف يغلق عليك المسجد، وبعد الصلاة ببضع دقائق تجد المسجد مغلقاً.

    هذه ليست رسالة المسجد، بل رسالة المسجد أن يكون المسجد قطب رحى الحياة، وأن يكون المسجد كل شيء كما كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرسة عسكرية، وكان مجلس شورى، وكان مسجد عبادة، وكان مقر اعتكاف، وكان ملتقىً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كان الرجل من الغرباء يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عنه، فيعقل بعيره عند باب المسجد، ثم يدخل فكأنه دخل في قاعدة عسكرية لا يخرج منها إلا وقد علم كل أمور دينه ودنياه، وعرف كيف يحارب عدوه؟

    هذا هو المسجد الذي يتربى فيه الرجال؛ ولذلك فإن لنا أملاً في الله عز وجل أن يؤدي المسجد هذه الرسالة، لاسيما ونحن نرى حلق الذكر ومجالس العلم بدأت تعود إلى المساجد.

    ولو تأملنا في سير السلف من الصحابة ومن بعدهم لرأينا كيف كان أثر المسجد في تخريج الرجال، ولأخذنا درساً لا ينسى من أولئك الرجال الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.

    فهذا أسامة بن زيد حينما كان عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، يجهزه الرسول صلى الله عليه وسلم ليقود جيشاً إلى بلاد الشام في أحلك عصور الإسلام وأشدها وأخطرها! وفي هذا الجيش كبار الصحابة كـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة! وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير هذا الجيش، ويحقق معجزة في فترة من أشد فترات تاريخ الأمة الإسلامية اضطراباً، وهي أيام الردة.

    نماذج من رجال المساجد

    خبيب بن عدي رضي الله عنه وقع أسيراً في أيدي المشركين، وفرح المشركون كثيراً حينما وقع خبيب في الأسر؛ لأنهم يريدون أن يتلذذوا ويتمتعوا بقتله، وتقطيع أجزائه، فخرجوا به خارج الحرم -احتراماً للحرم- ونصبوا له المشنقة، فبدءوا يساومونه على دينه، حتى قالوا له: أتود أن محمداً في مكانك هنا؟ قال: والله ما أود أن محمداً في مكانه تصيبه شوكة وأني في أهلي!

    وفشلت كل مساوماتهم معه، فرفعوه على المشنقة، وصاروا يمزقون جسده تمزيقاً، وهو لا ينصرف عن دينه، وكان يتوجه إلى الله عز وجل في أشد معاناته، ويقول: اللهم! أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    فهذا نموذج من نماذج رجال المسجد.

    وهذا قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه كان من القادة في بلاد الشرق، وممن تربى في المسجد، وهو الذي فتح بلاد ما وراء النهر، وهي تشمل الآن مناطق كثيرة من بلاد أفغانستان وجزءاً من روسيا؛ سأل جنوده: أي بلد أمامي الآن؟ قالوا: بلاد الصين، قال: والله لا أرجع إلى بلدي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين، وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وآخذ الجزية! (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، فبلغ الخبر إلى ملك الصين، فأرسل تراباً وصحافاً من ذهب وأموالاً طائلة إلى قتيبة ، وقال: هذه صحاف من الذهب فيها تربة يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه هي الجزية كل سنة تصل إلى قتيبة ولا يأتي إلى بلادنا.

    وهذا عقبة بن نافع بالجهة الغربية كان يسابق الشمس على مطالعها، ويفتح بلاد الله وينشر فيها الإسلام، يقول المؤرخون: لما وصل إلى القيروان، كانت غابة موحشة، وكان كل الفاتحين يرجعون دونها في تونس، فأراد أن يبني مدينة القيروان لتكون مركزاً للعالم الإسلامي في شمال إفريقيا، قيل له: أيها القائد يرحمك الله! هذه أرض يعجز عنها كل الفاتحين، فهي غابات موحشة مأسدة مخيفة، فوقف على حافة الغابة بإيمانه يخاطب الوحوش -مع أن الوحوش لا تفقه كلام الرجال، لكن الله سبحانه وتعالى قد يوقع رعب المؤمنين حتى في قلوب الوحوش- فقال: أيتها الوحوش! نحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم جئنا لننشر الإسلام هنا، يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها وتخلي الغابة لـعقبة بن نافع.

    وبعد أن بنى مدينة القيروان واصل سيره ليقف بقدمي فرسه على المحيط الأطلسي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً من البشر لخضته إليه بفرسي هذه! ثم بعد ذلك يرجع بعد أن أوصل الفتح الإسلامي إلى تلك البلاد.

    ليس غريباً أن يربي المسجد مثل هؤلاء، ومثل خالد بن الوليد ، ومثل أبي عبيدة بن الجراح ، وغيرهم من الرجال، كما أنه ليس غريباً أيضاً أن تربي المواخير ودور الدعارة والفساد هؤلاء الذين أصبحوا يقودون أممهم إلى الهاوية وإلى الدمار!

    إذاً: ليس هناك سبيل إلى صلاح هذه الأمة إلا أن ترجع إلى المسجد، وتربي أبناءها في المسجد، وتعاد للمسجد رسالته التي سلبت منه، ويستعيد مهمته الكبرى التي أنيطت به، وإلا فإن الأمر خطير؛ ولذلك فنحن نتطلع دائماً وأبداً إلى هؤلاء الرجال الذين يقول الله عز وجل عنهم: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:36-37].

    أثر الابتعاد عن المسجد

    نلقي نظرة عابرة إلى النوع الآخر، فبعد أن عرفنا الرجال وموطنهم، ومواقع وجودهم، وأماكن تربيتهم، ثم عرفنا بعد ذلك المثل الذي ضربه الله عز وجل لهؤلاء؛ ننظر بعد ذلك إلى نوعين من البشر، ليسوا من الرجال، وهذان النوعان أحدهما بحسن نية أو بسوء نية فعل ما فعل، وهو يزعم الإسلام، وهو إما أن يكون منافقاً أو متستراً، وإما أن يكون مرتداً وهو لا يدري أنه مرتد، وإما أن يكون علمانياً يريد أن يجعل ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ويريد أن يتستر بهذا الدين، فيصلي ويصوم ويحج، لكنه أبعد الناس عن الإسلام، ويطعن في الإسلام وهو يزعم الإسلام: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204]، أو لعله قد التبس عليه الأمر، فظن أن الدين لا يتعدى المسجد والعبادة، وأن الحياة يجب أن تسير بغير الدين.

    لقد ضرب الله عز وجل لهؤلاء مثلاً بعد ذكر الرجال ومواطنهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [النور:39] لهم أعمال صالحة لكنها كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39].

    حينما يسير الإنسان في شدة الحر في الصحراء الواسعة المستوية القيعة يرى أمامه إذا عطش شيئاً يتسرب بين السماء والأرض وكأنه واد يسيل ماء، وهو عطشان، ويريد أن يبحث عن الماء؛ فيركض وراء هذا الذي يظنه ماءً وهو ليس بماء وإنما هو سراب، وكلما دنا منه ابتعد هذا السراب حتى يهلك دونه.

    فهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن يظن أنه يحسن صنعاً وهو يسيء صنعاً، وإن من هؤلاء من أحدثوا في دين الله ما لم يشرعه الله، وأصبحوا يعبدون الله على غير بصيرة وعلى غير المنهج القويم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه، ويدخلون في هذا الدين البدع التي يسمونها حسنة! فكلما أدخلوا في دين الله بدعة خرجت منه سنة لتحل محلها هذه البدعة؛ لأن المجال محدود، حتى يصل بهم ذلك إلى الشرك بالله عز وجل، فقد عبدت القبور، وطاف بها الناس، وتمسحوا بها، فهؤلاء داخلون في هذه الآية دخولاً أولياً، فتكون أعمالهم: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39]؛ لأن العمل لا يقبل عند الله عز وجل إلا بثلاثة شروط: إيمان، وإخلاص، ومتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فإن معنى لا إله إلا الله: الإيمان والإخلاص، ومعنى محمد رسول الله: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: هؤلاء الذين يريدون أن يدخلوا في دين الله عز وجل كل ما أعجبهم، الإسلام منهم براء؛ فدين الله كامل قبل أن يأتي هؤلاء منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، آخر آية من القرآن أنزلها الله عز وجل على قول بعض المفسرين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، أما أن يصبح هذا الدين وعاءً يتسع لكل ما أعجب الإنسان من عبادة فلا، يقول الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، والأصل في العبادات الحظر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

    1.   

    حكم العمل الصالح بدون إيمان

    هناك نوع آخر من البشر.. وهم الذين يقول الله عز وجل فيهم: أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [النور:39]، يؤدون الطاعات لكن بغير هدف الإيمان، يتصدق أحدهم فيقول: هذه عاطفة، ويساعد الفقير فيقول: هذه إنسانية، وهكذا..

    ويسمون هذه الأشياء بأسماء جذابة، لكن قلوبهم خراب من الإيمان؛ فلذلك أصبحت أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ، ولكن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، فهذه الأعمال -بالرغم من أنها فاسدة- ما دامت تنفع الناس فلها وزن عند الله عز وجل، لكن وزنها في الدنيا لا في الآخرة؛ ولذلك فإن صاحبها لا يغادر الدنيا حتى يأخذ جزاءه كاملاً، ويقدم على الله عز وجل بدون حسنات، ولذلك يقول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] أي: بعمل الآخرة، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15]، أي: في الحياة الدنيا، وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، أي: في الحياة الدنيا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ [هود:16]؛ لأن العمل غير صحيح؛ فهو غير مقبول، مادمت تنفق بدافع إنسانية، وتنفق بدافع رياء وسمعة؛ وليثني عليك الناس، ولذلك فإن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: رجل شجاع استشهد في سبيل الله، ورجل عالم بذل العلم، ورجل صاحب مال كان ينفق في كل طرق الخير، لكن لما فسدت النية، وفسد القصد؛ صاروا أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)

    هناك نوع آخر يعرف أنه يسيء صنعاً، ولا زال يراكم سيئات خلف سيئات، ومظالم وطغياناً وكفراً وترك واجبات، وكلما عن في نفسه معصية من المعاصي فعلها، حتى يصبح كما وصفه الله عز وجل بقوله: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40].

    لو أن واحداً منا نزل في بحر عميق لجي -كثير الماء- ثم كانت هناك أمواج تضرب الماء فتحركه لتخفي ضوء الشمس، وكان فوق هذه الأمواج أمواج ثانية تتضارب فتخفي ضوء الشمس، ثم فوق ذلك سحاب يحول بين الشمس وبين البحر؛ فإن هذا الإنسان في قعر البحر لا يستطيع أن ينظر إلى أقرب الأعضاء إليه وهي يده إذا أخرج يده لم يكد يراها فضلاً عن رؤيتها.

    هذا المثل ضربه الله عز وجل لأصحاب الكبائر والسيئات والكفر والطغيان، الذين يجعلون حياتهم من أولها إلى آخرها سيئات تتعاقب، ومعاصي وآثاماً وإجراماً يركب بعضها على بعض حتى يصبح هذا القلب مظلماً، فيكون خلاف القلب الذي تربى في المسجد، وخلاف القلب الذي عرف الله عز وجل حق المعرفة، فإذا كان قلب ذلك الإنسان يشبه سراجاً في كوة غير نافذة في الجدار، وعلى السراج زجاجة، والزجاجة كأنها كوكب دري، يوقد مصباحها من زيتونة ليست بشرقية ولا غربية؛ فيكون القلب مضيئاً، أما ذلك القلب فكأنه يعيش في قعر بحر عميق، فيه أمواج، وفيه ظلمات، وفوق هذا سحب تحجب عنه الشمس، فالفرق بعيد بين هؤلاء وأولئك! أولئك أهل المساجد المؤمنون الصالحون الأتقياء، وهؤلاء الكفرة الفجرة الذين يجدون حسابهم عند الله عز وجل.

    1.   

    قوله سبحانه: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)

    ختم الله عز وجل هذا المقطع من هذه السورة بقوله: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40]، حتى لا يظن الناس أن النور يكتسب بالذكاء أو يكتسب بالأمجاد، فذاك ابن الأكرمين يجب أن يكون أقرب الناس إلى الله، لا، هذه منة من الله عز وجل، وفضل يعطيه الله عز وجل من يشاء من عباده، وليس في ذلك دليل للجبرية الذين يقولون: الإنسان مجبور على أعماله! لا. فالإنسان له إرادة، لكن مادام الله عز وجل لم يمنح هذا الإنسان نوراً، فلا يمكن أن يحصل على النور، ولو كان ابن الأكرمين، ولو كان من قريش!

    فهذا النور ما اهتدى إليه أبو جهل ، ولا أبو لهب ، ولا أبو طالب، واهتدى إليه بلال ، وصهيب ، وعمار وفقراء المسلمين؛ لأن هذا النور يمنحه الله عز وجل لمن يشاء من عباده؛ ولذلك يقول الله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ).

    المسجد هو قطب رحى الحياة، ومن أراد لنفسه ولذريته الصلاح والاستقامة، ليكونوا رجال المستقبل، وليكونوا بُناة المستقبل المشرق؛ فعليه أن يربيهم في المسجد، في حلق الذكر، ومجالس العلم، حتى يخالطوا الصالحين، ويؤدوا الواجبات.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.