إسلام ويب

من هم الرجال؟للشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للرجولة معنيان: الأول: الذكورة التي هي ضد الأنوثة، أما الثاني فالمقصود به أولئك الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.

    1.   

    حقيقة الرجال في كتاب الله عز وجل

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي يجمع القلوب ويؤلف بينها، قال تعالى: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، أما بعد:

    فإن عنوان الكلام لو أجبنا عنه بأي جواب لنازعنا عليه الناس؛ لأن أصحاب الفن يقولون: نحن الرجال. ولأن أصحاب اللهو واللعب يقولون: نحن الرجال. ولأن أصحاب المال والثراء يقولون: نحن الرجال. وهكذا كل يزعم أنه هو الذي على مستوى الرجولة الحقة، لكن نحن لن نخبر عن أنفسنا أو عن أحد من الناس بأننا نحن الرجال أو هم الرجال، بل ندع القرآن هو الذي يجيب على هذا السؤال: من هم الرجال؟ ومن هذا المنطلق نريد أن نتحدث لنعرف حقيقة الرجال، ولنزن الناس بهذا الميزان، فمن كان على هذا المستوى فهو في مستوى الرجولة، ومن كان دون ذلك فهو لم يصل بعد إلى مستواها، وبإمكانه أن يصل إلى هذا المستوى.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض)

    يقول الله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] وفي قراءة: (الله نَوَّرَ السموات والأرض)، وفي قراءة ثالثة: (الله منور السموات والأرض) مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:35-37].

    المراد بالنور في قوله تعالى: الله نور السموات والأرض

    اختلف المفسرون في معنى الآية الأولى: (الله نور السموات والأرض) فمنهم من قال: إن المراد بهذا النور هو صفة من صفات الله عز وجل واسم من أسمائه، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن)، والنور لا شك أنه من أسماء الله عز وجل وصفاته، ولكننا نميل إلى غير هذا الرأي؛ لأن مثل هذا الرأي يؤدي إلى شيء من التشبيه؛ لأننا حينما نقول: إن المراد بالنور هنا هو اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله فهذا لا يصلح على مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن صفات الله عز وجل وأسماءه لا يشبهها شيء، والله تعالى يقول: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ)، اللهم إلا إذا قلنا: إن هناك انفصالاً بين النور المذكور في أول الآية وبين ما جاء في وسط الآية، فيكون قوله تعالى الله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو النور الحق الذي هو اسم من أسمائه، وقوله: (مثل نوره) هذا لا شك أنه مخلوق؛ لأن الله تعالى شبهه بمشكاة فيها مصباح، وأسماء الله عز وجل وصفاته لا يشابهها شيء.

    والرأي الذي نميل إليه أن المراد بهذه الآية هو النور المخلوق، شبه الله عز وجل نور الإيمان الذي يقذفه في قلب العبد المؤمن بأقوى نور عرفه الإنسان وقت نزول الآية، حيث قال: (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ).

    تشبيه الله عز وجل لنوره بمشكاة فيها مصباح ووجه التشبيه في ذلك

    قوله: (كمشكاة) المشكاة هي الكوة في الجدار التي لا تنفذ إلى الوراء؛ لأنها تعكس النور إلى الأمام، هذه هي المشكاة، أو المراد بالمشكاة فتيل السراج.

    قوله: (فِيهَا مِصْبَاحٌ) المصباح معناه السراج.

    (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) والزجاجة هي الأجسام الشفافة التي تشف عما وراءها؛ لأنها تزيد الضوء ضياءً.

    قوله: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) الكوكب معناه: النجم، أو النجم الكبير، وفي قراءة سبعية (دريء) بالهمز، من الدرء، ومعناها: قذف الأنوار القوية.

    ثم وصف الله عز وجل السراج مرة أخرى فقال: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) أي: والذي يوقد هو السراج، والشجرة المباركة هنا هي شجرة الزيتون.

    ثم وصف الله عز وجل شجرة الزيتون التي يؤخذ منها الزيت الذي يوضع في هذا السراج بالذات، حيث يقول: (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) والشرقية هي الشجرة التي تصيبها الشمس في وقت الشروق، والغربية هي الشجرة التي تصيبها الشمس في وقت الغروب، لكن هذه الشجرة ليست شرقية فحسب، وليست غربية فحسب، لكنها شرقية غربية، أي أن شجرة الزيتون إذا طلعت الشمس أصابتها في وقت الشروق، ولا تغيب عن الشمس حتى تغرب فتصيبها في وقت الغروب؛ لأنها شجرة منفصلة عن غيرها، فيحسن زيتها ويحسن ثمرها، فيصبح زيتها لماعاً، بحيث لو نظرت إليه لرأيت كأنه يضيء دون أن تمسه النار، فكيف إذا وضع في السراج ومسته النار؟!

    ثم وصف الله عز وجل هذا الزيت بقوله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)، فالنور الأول هو نور الكوة غير النافذة التي تعكس الضوء، مع نور آخر وهو نور الزجاجة، مع نور السراج الذي وضع فيه زيت شجرة الزيتون التي ليست بشرقية فقط ولا غربية فقط لكنها شرقية غربية، فهذه أنوار شديدة.

    وهذا هو المشبه به، فأين المشبه؟ المشبه هو قلب المؤمن، أو الإيمان الذي يقذفه الله عز وجل في قلب المؤمن.

    فتقدير هذه الآية: مثل نور الله عز وجل المخلوق الذي وضع في قلب المؤمن حتى يعرف به الحلال من الحرام، والضار من النافع، والخير من الشر، كمثل نور ذلك المصباح الذي وضع في كوة غير نافذة، ووضعت عليه زجاجة وأشعل فيه زيت زيتونة ليست شرقية فحسب ولا غربية فحسب، ولكنها شرقية غربية.

    هذا هو المشبه وهذا المشبه به، ووجه الشبه هو اللمعان الشديد.

    1.   

    تحديد مكان تخرج الرجال ووجه علاقة الآية بالتي قبلها

    يقول عز وجل في الآية الثانية: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... [النور:36]، يقول علماء التفسير: هذا جواب استفهام بياني، كأن سائلا يسأل ويقول: أين يوجد هذا الإيمان العظيم الذي هو كسراج يضيء بهذه الأوصاف المذكورة؟ فالله تعالى أجاب على هذا السؤال فقال: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) ومن هنا نعرف أين يتربى الرجال، وأين يولد الإيمان، وأين يترعرع الإيمان، وأين ينمو، كل هذا (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) وهذه البيوت هي المساجد.

    قوله: (أذن الله أن ترفع) أي: تبنى وتشيد, وليس المعنى أن تزخرف وتوضع فيها الكتابات التي تلهي الناس، أو الفرش المزخرفة أو الألوان المزخرفة التي عمد إليها الناس في أيامنا الحاضرة، حتى لقد عددت في مسجد واحد قريب أكثر من ثلاثمائة قنديل يُضيء، وليس فيه إلا عشرة رجال يصلون، وهذا خلاف المألوف.

    فهذه البيوت هي المساجد، وقد أذنَ الله تعالى أن ترفع حقيقة بناءً وتنظيفاً وتشييداً وتطهيراً واحتراماً وتقديساً، فلا يكون فيها لغو ولا لعب ولا كلام من كلام الدنيا، ولا بيع ولا شراء ولا إنشاد ضالة، ولا أي شيء من هذه الأشياء التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها، وإنما ترفع بذكر الله عز وجل وتطهر لتصبح صالحة للصلاة، ولذلك من علامات الساعة أن يتباهى الناس بالمساجد، فيقال: مسجدنا أجمل من مسجدكم. بينما لا يقال: مسجدنا أكثر جماعة من مسجدكم. وكذلك يقال مسجدنا أكثر زخرفة من مسجدكم، ومسجدنا أفضل فرشاً وأحسن ألواناً من مسجدكم. وهكذا.

    أما الإسلام فإنه ينظر إلى الكيف لا إلى الكم، وإلى الحقيقة لا إلى الصورة، ولذلك الله تعالى قال: ( أَنْ تُرْفَعَ ) والمراد بها الرفعة الحسية المعقولة، والرفعة المعنوية الحقيقية.

    قوله: (في بيوت) يقول المفسرون: هذه جملة متعلقة بقوله ( يوقد ) أي: يوقد هذا الإيمان وينشأ هذا الإيمان ويترعرع هذا الإيمان في هذه المساجد التي أذان الله أن ترفع.

    قوله: ( وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهْ ) هذه هي الرفعة المعنوية.

    ثم بين بعد ذلك التربية الحقيقية والمكان المناسب لهذه التربية فقال: ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) والمراد بالتسبيح هنا الصلاة؛ لأن التسبيح كثيراً ما يذكر في القرآن والمراد به الصلوات الخمس، وإن كان يطلق أيضاً على ذكر الله عز وجل عامة.

    قوله: ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) الغدو: هو أول النهار.

    والآصال: آخر النهار. فالغدو صلاة الفجر؛ لأن الغدو يبدأ من نصف الليل إلى نصف النهار، والأصيل يبدأ من نصف النهار إلى نصف الليل، ولو نظرت إلى نصف الليل الأخير ونصف النهار الأول فإنه ليس فيهما إلا صلاة واحدة وهي صلاة الفجر، وكأن صلاة الفجر أصبحت تساوي الصلوات الأربع الأخرى، بل جعلت صلاة الفجر في كفة؛ لأنها تقع في وقت الغدو، وجعلت الصلوات الأربع -الظهر والعصر والمغرب والعشاء- كلها في كفة أخرى؛ لأنها تقع في وقت الأصيل كلها، ثم قدمت صلاة الفجر على الصلوات الأربع، مما يدل على أهمية صلاة الفجر. ولا نرى في المساجد من المسلمين في صلاة الفجر إلا قليلاً! أليست صلاة الفجر هي التي يقول الله عز وجل عنها: وَقُرْآنَ الْفَجْر [الإسراء:78] أي: وأمدح قرآن الفجر. إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78]، أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. ويقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى هذه الآية: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيصعد الذين كانوا فيكم فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون)، أي: في صلاة العصر وصلاة والفجر. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما فيهما -أي: العشاء والفجر- لأتوهما ولو حبواً)، وأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله).

    1.   

    معنى قوله تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة ...

    قوله تعالى: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... [النور:37].

    قوله: (رجال) هذه الكلمة لها معنيان: الأول معروف، والثاني لا يعرفه إلا القليل من الناس، والمقصود هنا الاثنان جميعاً.

    المعنى الأول: كلمة رجل ضد الأنثى، تقول: هذا رجل وهذه امرأة. وهذا المعنى يعرفه كل الناس.

    المعنى الثاني: أن كلمة رجل تدل على تعظيم هذا الجنس من الرجال، ولذلك لا ترد أو قل أن ترد كلمة (رجال) في القرآن أو في السنة إلا وتدل على معنىً آخر غير معنى الذكورية زيادة على معنى الذكورية، مثلاً: ابنك أعجبك عمله فتقول له: أنت رجل. فأنت لا تقصد بقولك: (أنت رجل) ضد الأنثى، لا؛ لأنه يعرف أنه رجل، وأنت تعرف قبل ذلك أنه رجل، لكنك تقصد بذلك أنه قد اكتملت فيه معنى الرجولة فأصبح في مستوى الرجال، ولذلك قوله: ( رجال ) هنا ليس معناها ذكوراً فقط، وإن كانت تعطينا معنىً وحكماً شرعياً بأن صلاة الجماعة لا تجب على الإناث وإنما تجب على الذكور فقط، لكن كلمة (رجال) تعطينا معنىً آخر، وهو أنه قد استكملوا صفات الرجولة فأصبحوا في مستوى الرجال وفي مصاف الرجال حقاً، ولذلك لم ترد إلا نادراً كلمة (رجال) في القرآن كهذه؛ لأنها مدحت أهل المساجد فقالت: (رجال) وفي ذكر الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً [يوسف:109]، وفي ذكر المجاهدين في سبيل الله: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، ووردت في صفة أهل الأعراف: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ [الأعراف:46]، وهذه كلها تدل على تعظيم ورفع مستوى هؤلاء الرجال، أي: ليسوا ذكوراً فحسب ولكنهم رجال، ولذلك جاءت بلفظ التنكير، والتنكير دائماً يدل إما على التحقير أو على التعظيم، والمراد به هنا التعظيم.

    إذاً قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ ) أي: ذكور وصلوا إلى مستوى الرجال حقاً، فأصبحوا يستحقون كلمة (رجال) التي لا يستحقها كثير من الناس.

    1.   

    صفات الرجال الذين تربوا في المساجد

    ما هي صفات هؤلاء الرجال؟ انظر إلى صفات هؤلاء الرجال، لعل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم وممن يربي أولاده حتى يكونوا في هذا المستوى من الرجولة.

    أولاً: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).

    ثانياً: ( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) هاتان صفتان لهؤلاء الرجال في الدنيا، أما جزاؤهم في الآخرة فيقول سبحانه عنه: لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النور:38].

    عدم انشغالهم بالدنيا عن ربهم وطاعته وذكره

    الصفة الأولى: ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ).

    يقول المفسرون: إن هؤلاء الرجال لهم تجارة ولهم بيع وشراء وأموال ومصانع ومتاجر ومزارع، لكنهم يضعونها في أيديهم، ويضعون الحياة الآخرة في قلوبهم، ولذلك لما رأى أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المسلمين كان قد رفع الميزان في يده يزن البضاعة للمشتري، فلما سمع المؤذن يقول: (الله أكبر) وضع الميزان دون أن يكمل الوزن، ثم هرول إلى المسجد وأغلق دكانه، فقال: (هؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]).

    ولا يظنن أحد أن المراد بهؤلاء أنهم قوم يعيشون عالة على الناس ويتكففون الناس، وأنهم يعيشون على أوساخ الناس وفتات الصدقة، لا، ولكنهم قوم لهم أعمال، إلا أنهم جعلوا هذه الأعمال المادية الدنيوية في أيديهم والآخرة في قلوبهم، ولذلك وصفهم الله عز وجل بهذه الصفات: ( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ).

    أيها الأخ الكريم! نحن الآن نعيش على طرفي نقيض في هذه الحياة، فمن الناس من أغرق في المادية إغراقاً كاملاً وأهمل الروح، وهذا يتمثل في الإلحاد والشيوعية الحاقدة الكافرة، فقدسوا المادة وأهملوا الروح، وأصبحت المادة هي منتهى أمنياتهم.

    وهناك آخرون أوغلوا في الروحانية وألغوا المادة إلغاءً نهائياً، وصار دينهم، أما دين الإسلام فإنه يوجب على المسلم أن تكون له صنعة وأن تكون له تجارة وأن تكون له وسيلة كسب، لكن هذه كلها لا تلهيه عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك الله تعالى جعلنا -أمة المسلمين- أمة وسطاً بين طرفي نقيض، فلسنا بالأمة المادية التي تقدس المادة وتعبد المادة ولا تعترف إلا بها، ولا بالصوفية التي تهمل الجسد وتقدس الروح، ولكننا أمة كما يقول الله عز وجل: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).

    وهنا كلمة نقولها لإخواننا التجار: اصدقوا في المعاملة، وتعاملوا مع الناس بأمانة وصدق، واكسبوا هذا المال من الحلال، وأنفقوه في وجوه الخير، واحذروا كسب الحرام، واحذروا أن تلهيكم هذه الأموال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحينئذٍ أبشروا فإن الله عز وجل قال للرجل الغني الشاكر الذي فتح الله له كنوز الدنيا: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30]، كما قال للرجل الفقير الصابر: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44].

    وعلى هذا نقول: هؤلاء الرجال لهم تجارة، ولكن تجارتهم في أيديهم وليست في قلوبهم، فإذا دخل أحدهم في الصلاة وقال: (الله أكبر)، لا تأتي هذه التجارة في مخيلته، فلا يبيع ولا يشتري ولا يأخذ ولا يعطي وهو يصلي، بل هو واقف بين يدي الله عز وجل كما أمر الله عز وجل، لكنه حينما ينصرف من صلاته فإنه الرجل الذي يتعامل مع الناس بأمانة وصدق، والتاجر الصدوق له أجره عند الله عز وجل، وهنا مدح الله المؤمنين وهم أصحاب تجارة فقال: ( لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ )، والفرق بين التجارة والبيع أن التجارة هي التي تكون بالإيراد والاستيراد والبيع الإجمالي، أما البيع فالمراد به البيع الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.

    خوفهم من يوم القيامة

    الصفة الثانية: ( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ).

    إن الناظر إلى واقع الناس اليوم -مقارنة بما في هذه الآية- يجد الفرق البعيد الواضح، قوم تربوا في المساجد وقلوبهم معلقة بالمساجد، ولا يعرفون أي طريق إلا طريق الجنة، ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم هم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وفي المقابل هناك قومٌ يفسقون ويفسدون ويركبون كل المناكر، ولا يتركون معصية من معاصي الله عز وجل إلا ويركبونها، ثم تجدهم يضحكون بملء أفواههم، الصنف الأول قوم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهؤلاء في غفلة لا ينتبه أحدهم إلا حينما يأتي ملك الموت ليجلس عند رأسه ويقول: (أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله) أما الصنف الأول فإنه كما أخبر الله عز وجل عنهم أنهم يخشون الله عز وجل ويبيتون لربهم سجداً وقياماً ويخافون من النار ويقولون: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ [الفرقان:65] ولذلك من خاف أدلج، يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إنه لا يأمن غداً إلا من خاف وحذر في هذا اليوم.

    أما الذين يلهون ويلعبون ويضحكون ويسرحون ويمرحون دون قيود ودون ضوابط لا ينتبه أحدهم إلا في ساعة الموت، فالويل لهؤلاء إن لم ينتبهوا قبل ذلك.

    وهنا يقول الله عز وجل عن هؤلاء المتقين: ( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) هذه ناحية.

    الناحية الأخرى التي يجب أن نفهمها من هذه الآية: أن غلاة الصوفية يقول قائلهم: أنا أعبد الله لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته. وكيف تعبد الله؟ قال: أعبد الله محبة له. وهذه كلمة يقولها غلاة الصوفية، كما كانت تقول رابعة العدوية : والله ما عبدت الله خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته وإنما عبدته محبة له.

    فهذه كلمة ساقطة؛ فالمؤمنون الرجال الذين تربوا في المساجد يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، بل أعظم من هؤلاء المرسلون عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرهم الله عز وجل في سورة الأنبياء قال في آخر قصصهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء:90] (رغباً ورهباً) أي: رغبة مما عند الله من المثوبة، وخوفاً فيما عند الله عز وجل من العذاب. هذه هي صفة المؤمن، ونحن نعبد الله محبة له، لكن -أيضاً- نعبده خوفاً من ناره وطمعاً في جنته، ولذلك الله تعالى يقول عن هؤلاء الأتقياء الصالحين: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).

    قوله: ( يخافون يوماً ) ما هو هذا اليوم؟ هو يوم القيامة الذي يغفل عنه كثير من الناس، فلا يتصورون ساعة القدوم على الله، ولا يتصورون ساعة الموت، ولا يتصورون ساعة القبر، ولا يتصورون يوم يقوم الناس لرب العالمين، ولا يتصورون يوم تتطاير الصحف فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، ولا يتصورون الوزن الذي يقول الله عز وجل عنه: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف:8]، ولا يتصورون الصراط الذي يقول الله عز وجل عنه ويقسم على ذلك: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:71-72]، هنا الله تعالى ذكر صفات المؤمنين الذين تربوا في المساجد.

    قوله: (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) ما معنى: (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ)؟ أي: من شدة الخوف يضطرب القلب حتى يتحرك بشدة، فينتقل من مكانه إلى الحنجرة. وهذا هو معنى قوله تعالى: إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ [غافر:18]، وذلك من شدة الخوف، فانظر -يا أخي- حينما تخاف أو حينما يزعجك أمر كيف يضطرب قلبك بسرعة حتى ينسد النفس؟!

    إذاً يتقلب القلب في ذلك المكان وفي ذلك الزمان حتى يصل إلى الحنجرة، والأبصار -أيضاً- تتقلب فتقفز من أماكنها إلى أعلى الرأس، وهذا شيء نشاهده حينما يصاب الإنسان بذعر، يرتفع بصره إلى السماء، وكأن البصر قد قفز من مكانه إلى أعلى الرأس، هذه هي صفات المؤمنين الذين تربوا في المساجد، رجال يسبحون الله دائماً وأبداً ويخافون من الله عز وجل.

    1.   

    جزاء الرجال الذين تربوا في المساجد عند الله

    أما الجزاء والنتيجة والثمرة لهذا الخوف فيقول الله: لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النور:38]، فالله تعالى كريم لا يضيع عمل عامل منا من ذكر أو أنثى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8]. ولذلك الله تعالى يقول: (لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أي: يجازيهم بالحسنات ويتجاوز عن السيئات، والسيئات المراد بها هنا الصغائر، أما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة، ولكن لو قدم هذا الإنسان على الله عز وجل بملء الأرض خطايا وهو على ملة التوحيد ولا يشرك مع الله عز وجل أحداً كائناً من كان، ولا يكون هناك في قلبه ند لله عز وجل فإنه يقدم على رب رحيم غفور، يقول عز وجل في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، وهذا من فضل الله عز وجل، وهذا دليل على أهمية التوحيد في حياة الناس، فإذا صلح التوحيد صلحت الأعمال بعد ذلك كلها، لكن إذا اختل جانب التوحيد ولو اختلالاً يسيراً فإننا نخاف على المخل حينئذ، فاهتم بالتوحيد أخي الكريم، ولا تصرف نوعاً من العبادة لغير الله كائناً من كان هذا المخلوق، ولو كان أفضل البرية محمداً صلى الله عليه وسلم، ولذلك أقول: إن علينا أن ننزه الله عز وجل تنزيهاً كاملاً، وأنا آسف كثيراً لما نراه من اتجاه طائفة كثيرة من المسلمين إلى أصحاب الأضرحة والقبور، وأصبحت الأضرحة يطاف بها ويتمسح بها وتسأل منها الحاجات من دون الله عز وجل، وتقرب لها القرابين وتنذر لها النذور وتصرف الأموال وتذرف الدموع حولها، ويطوف الناس بها كما يطوفون حول الكعبة، وهذا موجود في جل بلاد الإسلام، ونشكر الله عز وجل، فبلدتنا حماها الله عز وجل بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، نسأل الله أن يجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، حفظها الله عز وجل بسببه، ولذلك فإن أهل العالم المتحضر الآن يسألون أصحاب القبور ويطوفون حول قبورهم كما يطوف المسلمون حول الكعبة المشرفة، ولا يرى ذلك إلا من يسافر خارج هذه البلاد المباركة.

    ولكني أقول: هناك وسائل يسيرة وقليلة بدأت الآن تغزو مساجدنا وبيوتنا نريد أن ننزه المسلمين منها، وعلى سبيل المثال: نجد في بعض المساجد مكتوباً (الله، محمد)، ولو قلنا لواحد من الناس الجهال -لا أقصد العقلاء-: لماذا هذا الفعل؟ لقال: أنتم لا تحبون الرسول صلى الله عليه وسلم. نقول: والله ما دفعنا إلى هذا القول إلا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي دعانا إلى التوحيد، وقضى ثلاثة عشرة سنة وهو يقول للناس (قولوا: لا إله إلا الله)، أما أن نضع اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار اسم الله عز وجل سواء بسواء دون أن نرفع أحدهما على الآخر فإن هذا أخشى أن يكون وسيلة في يوم من الأيام إلى البدعة أو الشرك.

    وهناك أناس كثيرون يقولون: يا الله. يا رسول الله. وأخشى من هذه المعلقات التي تعلق في المسجد وفيها (الله) و(محمد) بجوارها أن يأتي يوم من الأيام يضاف إليها (ياء) كما يصنع أصحاب المذاهب الهدامة الذين يعبدون الرسول صلى الله عليه وسلم، وايم الله لو بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فينا اليوم لقطع رءوس هؤلاء قبل أن يقطع رءوس الملاحدة والفسقة والعصاة؛ لأن الشرك أمره خطير، ولإن التوحيد هو مفتاح الجنة، ولا يدخل الجنة إلا موحد, فقد حرم الله على النار من قال: (لا اله إلا الله).

    قوله: ( لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي: فيعطيهم الله أكثر مما عملوا. ولذلك يقدم المرء يوم القيامة على الله عز وجل فيجد أعمالاً كالجبال قد سجلت في صحائف أعماله, فيقول: والله -يا رب- ما عملت هذه الأعمال. فيقول: بلى، كنت تفعل كذا، وكنت تقضي حاجات الناس، وكنت ... إلى آخره.

    فلا تحقر من المعروف شيئاً ولو أن يلقى المسلم أخاه المسلم بوجه طليق, فإن هذه تحسب حسنة له يجدها يوم يقدم على الله عز وجل.

    قوله: ( لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) هذا هو مثل المؤمنين، وهؤلاء هم الأتقياء الذين تربوا في المساجد.

    1.   

    المخالفون للتربية المسجدية

    المخدوعون

    يقول تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ... [النور:39] هذا القسم مخدوع يظن أنه يعمل الصالحات، لكن عمله لا يقبل عند الله لأحد ثلاثة أسباب: إما أن هذا العمل يفقد الإيمان, أو أن هذا العمل يفقد الإخلاص لله عز وجل، أو أنه يفقد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن أي عمل لا تتوافر فيه هذه الشروط الثلاثة -إيمان، وإخلاص، ومتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم- لا يقبل عند الله عز وجل، وهذا هو العمل الصالح الخالص الذي يقوم على قاعدة الإيمان.

    قد يقدم المرء كل ماله ويفتح به المدارس والمستشفيات ويبني القناطر والترع والجسور، ويقدم كل أفعال الخير للناس، لكنه يقدم ذلك بدافع الإنسانية، وقد يصوم ويصلي ويؤدي الواجبات، لكنه غير مؤمن في قرارة نفسه وغير مقتنع بالدين من أصله، وقد يؤدي أعمالاً نعجز نحن أن نؤدي جزءاً منها، لكنها لا تبدأ ولا تنتهي بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كلما أعجبه شيء من هذه الأعمال فعله، ونسي أن الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، فكلما أعجبه شيء من العبادات فعله، وهكذا حتى إذا قدم على الله لا يجد شيئاً من هذه الأعمال أبداً.

    فما هو مثل هذه الرجل الذي لا يقوم عمله على الإخلاص والمتابعة والإيمان؟ مثله كمثل إنسان كان يسير في صحراء فعطش وليس معه ماء، وكان في شدة القيظ والحر، فرأى من بعيد شيئاً كالماء على سطح الأرض يسميه أهل اللغة (السراب) وسمي السراب لأنه يتسرب كما يتسرب الماء، وإذا كان ممتداً بين السماء والأرض يسمونه (الآل) فصار يركض وراء هذا السراب, وكلما قرب من هذا السراب ابتعد هذا السراب، حتى يهلك دون هذا السراب، حتى السراب لم يجده فضلاً عن أن يجد الماء, هذا هو المثل الذي ضربه الله عز وجل لمن عمله ظاهره الخير وباطنه الفساد. فيكون العمل فاسداً ولو كان ظاهره الخير إذا فقد أحد ثلاثة شروط: الإيمان بالله عز وجل، والإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم, فبدون هذه الشروط يكون العمل كالسراب، وفي آية أخرى قال الله عز وجل: كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [إبراهيم:18] فلو هبت الريح على رماد فإنها لا تترك منه ذرة واحدة.

    قوله: (بقيعة) أي: أرض مستوية.

    قوله: (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) أي: ولا سراباً. أما في يوم القيامة فأعماله هذه يجدها، قال سبحانه: ( ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) أي: لم يظلمه الله. لكن عمله كان فاسداً؛ لأنه لا يقوم على قاعدة الإيمان والإخلاص والمتابعة، والله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، فأرسل المرسلين ليكونوا قدوة للبشر، ولينذروهم وليبشروهم.

    وهذا المثل ضربه الله عز وجل للذي لا يأخذ منهجه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما أخذ منهجه من آبائه وأجداده، أو من مجتمعه ولو كان المجتمع منحلاً أو فاسداً، قال الله عنهم وعن رسولهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:23-24].

    إذاً المسلم يأخذ دينه من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن العلماء الموثوقين الذين يثق بإيمانهم ودينهم، وليحذر التقليد، خاصة في أصول دينه؛ لأنه حينما يقلد في أصول دينه يسير على منهج آبائه وأجداده، وقد يضل الطريق من هذه الناحية، فيكون عمله -نسأل الله العافية والسلامة- كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

    المفسدون العصاة

    هناك نوع آخر فاسد وعمله فاسد، ويعرف أن عمله فاسد، ومع ذلك يضع السيئة تلو السيئة والكبيرة فوق الصغيرة والأكبر من الكبيرة فوق الكبيرة، ولربما يمرق من الدين نعوذ بالله؛ لأن الله تعالى يقول: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] فتراه يترك الواجبات ويرتكب كل المحرمات وهو يعرف ذلك، هذا ضرب الله عز وجل له مثلاً آخر غير مثل الرجل الأول، قال عز وجل: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ [النور:40]، فلو أن واحداً منا غاص في بحر عميق كثير الماء عظيم اللجة، وكان البحر مضطرباً بالأمواج، وكان فوق هذه الأمواج أمواج أُخر، وكان فوق الأمواج الثانية سحاب وهو في قعر البحر فإنه يصبح وكأنه في أشد ما يكون من الظلام، بحيث لو رفع يده وهي أقرب أعضائه إليه لينظر إليها لم يرها، هذا هو المشبه به، والمشبه هو صاحب الكبائر الذي ركب كل الذنوب -نعوذ بالله- وأدبر عن الله عز وجل، وترك الواجبات وفعل المحرمات، إذا قدم على الله عز وجل لا يجد إلا ظلاماً في ظلام، إلا أن يعود إلى ربه قبل أن تعاجله المنية.

    1.   

    الفرق بين رجال المساجد ورواد محاضن الفساد

    إن أي قوم يتربون بعيدين عن المسجد فإن عاقبتهم وخيمة، وأي قوم يتربون في المساجد فهم الرجال الذين سيخلصون هذه الأمة في مستقبلها القريب والبعيد من أزمات كثيرة، ولذلك أقول: لا سبيل إلى إصلاح أبنائنا وإصلاح الأجيال القادمة والأمم اللاحقة إلا أن يتربى هؤلاء الشباب في المساجد في حلق الذكر ومجالس العلم، يتلون كتاب الله عز وجل ويتدارسونه فيما بينهم، ويحضرون الصلوات الخمس، ويقفون أمام الرجال العقلاء، ويعرفون الله عز وجل حق المعرفة، ويتصورون ساعة الوقوف بين يدي الله عز وجل، وحينئذٍ سيكون هؤلاء رجالاً. أما لو ربينا أبناءنا في أماكن أخرى أمام الأفلام والمحرمات والمواخير ودور الفساد والخمر وما أشبه ذلك فستنشأ ناشئة لا تعرف الله عز وجل، ولا تعرف حق الآباء ولا حق الأهل ولا العشيرة، ولا حق الوطن، ولا حق المستقبل، ولا حق الأجيال اللاحقة.

    فالشباب الذين يتربون في المساجد هم الذين يعمرون هذه الحياة، ولذلك فإنه يلزم أي واحد منا أن يربي أولاده في المسجد، وأن يأخذهم معه إلى المسجد حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (مروا أبناءكم للصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).

    1.   

    نماذج من شباب ورجال المساجد

    المساجد هي التي ربت الرجال، اقرأ تاريخ البشرية بصفة عامة، واقرأ تاريخ الإسلام بصفة خاصة لتعرف كيف ربى الإسلام الرجال، شباب في سن المراهقة، لكن كانت عقولهم ومستوياتهم فوق عقول الرجال في أيامنا الحاضرة، فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه حب رسول الله وابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاد الجيش إلى بلاد الشام وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقد جهز هذا الجيش صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف أبو بكر وعمر هل يسير هذا الجيش إلى بلاد الشام أو يبقى، فـعمر رضي الله عنه يرى أن يبقى هذا الجيش لحراسة المدينة، وأبو بكر يرى أن يذهب هذا الجيش تحقيقاً لتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، وفعلاً يسير هذا الجيش ويظهر قوةً للأمة الإسلامية، ويبين للرومان أن الأمة الإسلامية بالرغم من وفاة رسولها صلى الله عليه وسلم أنها ما زالت بخير، وأنها أرسلت هذا الجيش الجرار إلى بلاد الشام من المدينة، ويقوده رجل لا يتجاوز الثامنة عشر من عمره.

    وهذا محمد بن القاسم رحمة الله عليه رجل في السابعة عشرة من عمره قاد جيشاً إلى بلاد السند، وفتح لنا شبه القارة الهندية التي تعتبر الآن من أكثر بلاد الإسلام كثافة، فتحها هذا الشاب وهو لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره.

    ومن هؤلاء الرجال عقبة بن نافع رضي الله عنه، الرجل الذي كان يقود جيشاً في شمال أفريقية، ويسابق الشمس على مطالعها، ويصل بجيشه إلى تونس الحالية، وعندما أراد أن يبني مدينة القيروان لتكون قاعدة للمسلمين في شمال أفريقية أتى إليه أهل تلك البلاد وقالوا له: يرحمك الله أيها الأمير! هنا غابات رجع الفاتحون دونها, فلن تستطيع أن تبني فيها مدينة القيروان. فيقول لهم: لابد من أن أبني فيها مدينة القيروان. ويقف على جانب الغابة ويخاطب الوحوش ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جئنا هنا لننشر الإسلام. يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها تخلي الغابة لـعقبة بن نافع ليقيم عليها مدينة القيروان.

    ثم يسير هذا البطل المؤمن ابن المسجد متجهاً إلى جهة الغرب حتى يغرز قوائم فرسه في مياه المحيط الأطلسي ويقول: لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً لخضته إليه على فرسي. وينشر الإسلام في شمال أفريقية ويستشهد هناك.

    أما قتيبة بن مسلم فإنه اتجه شرقاً, ففتح بلاد ما وراء النهر وتوغل فيها، ثم سأل أصحابه ذات يوم وقال: أي بلد أمامنا؟ فقالوا: يرحمك الله هذه بلاد الصين. فقال: والله لا أرجع إلى أهلي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين, وأضع وسم المسلمين على الصينيين, وأفرض عليهم الجزية. ثم تصل الأخبار إلى ملك الصين, فيخاف من قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه, ويرسل صحافاً من الذهب قد ملئت بتراب الصين ويرسل أبناءه الأربعة ويرسل الجزية ويقول: هذه تربة الصين ليبر قتيبة بقسمه ويطأها وهو في مكانه, وهذه هي الجزية، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم وسم العرب. ثم يعود قتيبة بن مسلم إلى بلاده بعد أن نشر الإسلام في أقصى الشرق.

    1.   

    أهمية المسجد في تخريج الرجال

    المساجد مازالت -ولن تزال- وستبقى بإذن الله تربي الرجال حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى ما أحدثته المساجد في أيامنا الحاضرة, فهذه الصحوة الإسلامية المباركة العارمة التي أصبحت تقض على العدو مضجعه، فلا ينام من الليل إلا قليلاً, هؤلاء هم من إنتاج المساجد, أما إنتاج الأماكن الأخرى فلا أريد أن أذكره؛ لأن له مكاناً آخر.

    إذاً المساجد هي بيوت الله, والرجال لا يتربون تربية حقة إلا في المساجد, والذين نشئوا في المساجد وعلقت قلوبهم بالمساجد هم خير البشرية، وهم الذين سيعيدون لهذه الأمة مجدها وعزتها وكرامتها، ويوم أعرض الناس عن المساجد مدة طويلة من الزمن، وقبل أن تكون هذه الصحوة الإسلامية المباركة رأينا المصائب تترى وتتوالى على هذه الأمة، فأصبحت بلاد المسلمين تتساقط بأيدي الكافرين حصناً بعد حصن، وبلداً بعد بلد، ودولة بعد دولة، وتقسم بلاد المسلمين بمقدار ما أعرض الناس عن هذه المساجد، ويوم يعود الناس إلى هذه المساجد يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.

    1.   

    ضرورة تربية النشء في المساجد والتحذير من التفريط عن ذلك

    الأمانة التي بين أيدينا عظيمة، والله عز وجل سائلنا عن هذه الأمانة، ألا وهي الذرية، وهذه الذرية إذا تربت في المساجد فسنجني ثمارها بالبر والصلة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن الولد الصالح يستفيد منه أبوه في حياته بالبر ويستفيد منه أيضاً بعد موته، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وفي الآخرة، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21]، والمؤمنون هم الذين يفعلون الأسباب، وذلك بأن يربوا هذه الذرية وفق المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وفي المسجد بصفة خاصة، ثم يمدون أكف الضراعة لله عز وجل ويقولون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    أما النوع الآخر الذي يفرط في هذه الأمانة وينشغل بمتاع الحياة الدنيا عن تربية هذا النشء فإن أخوف ما أخاف عليه أن يجني ثمار هذا التفريط عما قريب، فيكون العقوق وتكون القطيعة، وأتوقع أن يكون هذا الولد مصيبةً على أبويه، أما في الحياة الآخرة فإنها المصيبة الكبرى، يوم يوقف هذا الولد وتوقف تلك البنت وهذا الأب وتلك الأم بين يدي الله عز وجل أحكم الحاكمين ويقول الولد لربه: يا رب! زد أبي هذا عذاباً ضعفاً من النار؛ فإنه خانني فلم يحسن تربيتي.

    أخي الكريم! الرجال لا يتربون إلا في المساجد، فعلينا أن نبذل كل ما في وسعنا وطاقتنا لننشئ أولاداً صالحين تقر بهم أعيننا في الحياة الدنيا، وتقر بهم عيون المجتمع، وحينئذٍ فإن الله عز وجل بمقدار ما يقدمه هذا النشء الصالح الذي ربيناه في المسجد سيكتب لنا الحسنات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    ألا فلنكن من الذين قال الله عز وجل فيهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].

    والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27-28]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فلنحفظ هذا النشء، ولنصن هذه الذرية من قرناء السوء، ومن هذا الفساد العريض الذي انتشر في المجتمعات الإسلامية، ولنحفظهم من الأفلام والمحرمات، ومن اللهو واللعب، ولنتق الله عز وجل في هذه الأمانة.

    1.   

    الأسئلة

    البطاقة التعريفية للشيخ عبد الله الجلالي

    السؤال: نريد من فضيلة الشيخ عبد الله أن يقدم لنا بطاقته الشخصية؟

    الجواب: أخوكم عبد الله الجلالي، تخرجت من كلية الشريعة عام (1981م)، ودرست في المعاهد العلمية، والآن أدرس في جامعة الإمام أحياناً في القصيم في كلية الشريعة، وما عندي أكثر من هذا.

    المحافظة على الفرائض وترك المنكرات خير عظيم في الرجل

    السؤال: أنا شاب ملتزم والحمد لله، ولكنني كسول في النوافل، فأنا قليل القراءة للقرآن الكريم، وقليل القيام في الليل، وقليل الصيام من النوافل، فهل أنا من الرجال مع وجود هذه العيوب، رغم أنني أصلي وأصوم ونسبة المعاصي قليلة ولله الحمد؟

    الجواب: الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ... ) إلى آخر الحديث، فالفرائض إذا أديناها نرجو من الله عز وجل خيراً، ولا نعتمد على عملنا وإنما نعتمد على رحمة الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، أما النوافل فإنها تزيد الإنسان قرباً من الله عز وجل، ولذلك -كما في الحديث القدسي- يقول الله عز وجل: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) أسأل الله لي ولك -يا أخي- الثبات ما دمت تؤدي الفرائض وبعض النوافل، ولكن زد من النوافل بقدر الاستطاعة؛ لأن هذه النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة، فإذا حاسب الله عز وجل عبده يوم القيامة ونقصت الأعمال قال الله عز وجل: (انظروا هل لعبدي من تطوع؟) فتطوع الصلاة تكمل به فرائض الصلاة يوم القيامة، وتطوع الحج يكمل به فريضة الحج يوم القيامة، وتطوع الصوم يكمل به فرض الصيام يوم القيامة، وهكذا سائر النوافل.

    أقول: يا أخي! إن رأس الإيمان هو خشية الله عز وجل ما دمت قد تركت المنكرات وأديت الواجبات، لكن علينا أن نسابق إلى الخيرات ونسارع إليها؛ فإن الله تعالى يقول: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] والخيرات يدخل فيها الفرائض والنوافل، ونسابق الناس إليها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوفانا وإياكم على ملة التوحيد؛ لأن من مات لا يشرك بالله شيئاً مع ما يؤديه من الفرائض وكان قد تخلص من حقوق الناس نرجو له الخير عند الله سبحانه وتعالى.

    حقيقة المؤمن بين الدنيا والآخرة

    السؤال: إن الرجال الذين يتربون في المساجد هم من المؤمنين، لكن هل يعني هذا أنهم يمكن أن يبتعدوا عن واقع الحياة والناس خارج المسجد؟

    الجواب: هنا ذكر الله تعالى الرجال وقال: لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:37]، والعلماء والمفسرون ذكروا معنيين لهذه الآية: فبعضهم قالوا: ليست لهم تجارة وليست لهم أعمال. على حد قول الشاعر:

    على لاحب لا يهتدى بمنـاره

    أي: ليس له منار يهتدى به. وجمهور المفسرين على أن لهم تجارة، ويؤيد هذا الرأي سبب النزول، أو قول بعض الصحابة حينما رأى الصحابة وهم يغلقون متاجرهم ويهرولون إلى المسجد قال: (في هؤلاء نزل قول الله عز وجل: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37]).

    وعلى هذا نقول: إن هؤلاء لهم تجارة، لكن هذه التجارة لم تلههم عن ذكر الله عز وجل، أما أن ينعزل المسلم عن المجتمع فلا، لا ينعزل عن المجتمع، وإنما المسلم يتعامل مع الناس في حدود ما أباح الله عز وجل، لكن هذا التعامل لا يجوز أن يشغله عن ذكر الله عز وجل، فإن شغله عن ذكر الله عز وجل أصبح هذا التعامل حراماً لا لذاته وإنما لما ترتب عليه، ولذلك نعرف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب أموال، وأصحاب متاجر، وأصحاب أعمال، كـعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، لكن هذه الأعمال كانوا يتخذونها قربة إلى الله عز وجل، ولذلك يقول الله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:17-18]، فدل على أن الأتقى قد يكون صاحب مال، والأتقى هو أفضل الناس وأكثرهم تقوى.

    إن التجرد من الحياة الدنيا أمر غير مطلوب في شرع الله عز وجل، ونحن نعرف قصة الصحابة الثلاثة رضي الله عنهم الذين فكروا في شيء من التنطع في الدين فجاءوا إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوا عن عمله في السر، فلما أخبروا قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم غضب وقام خطيباً وقال: (أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    إذاً الرهبانية في الإسلام والانقطاع للعبادة وترك العمل هذا أمر غير مقبول، فالمسلم كما وصفه الله عز وجل بقوله وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، ونعرف الوصايا التي قدمها العقلاء لـقارون -ولو قبلها لكان خيراً له- حيث حكى الله قولهم: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77].

    إذاً نقول لهؤلاء الناس: اشتغلوا في الدنيا بقدر الاستطاعة، لكن اشتغلوا للآخرة فوق ذلك، واجعلوا الدنيا في أكفكم والآخرة في قلوبكم. أما أن تطغى وتزيد أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، أو أن يتخذ الإنسان هذه الدنيا وسيلة لمعصية الله عز وجل فهذا الذي لا يصح من المؤمن، لكن إذا اتخذها وسيلة لطاعة الله عز وجل ومطية لحياة أفضل فهذه هي صفة المؤمن.

    كيفية تذوق طعم الإيمان

    السؤال: إنني ملتزم منذ مدة طويلة ولله الحمد، ولكنني لم أتذوق حلاوة الإيمان حتى الآن، فكيف يتم ذلك؟

    الجواب: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاًً)، فما دمت قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً فأنت ذقت طعم الإيمان، والإيمان ليس طعماً يذاق ويشعر الإنسان أو كل الناس بطعمه، الإيمان في الحقيقة لذة لا تساويها أي لذة في هذه الحياة، ونعمة لا تساويها أي نعمة، ولكني أقول: ما دمت -يا أخي- قد بدأت الطريق إلى الله عز وجل، وسرت سيرة حميدة فلابد من أن تذوق طعم الإيمان، وإني أخشى من أنك لم تلتزم كل الالتزام؛ لأنك حينئذ لو التزمت كل الالتزام لذقت طعم الإيمان.

    والحقيقة أن طعم الإيمان يدركه المؤمن، وطعم الإيمان هو هذه السعادة وهذه اللذة التي يشعر بها الإنسان داخل نفسه، وإن كان في مصائب خارج نفسه، وهي التي يقول الله عز وجل عنها: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] ويقول عنها سبحانه وتعالى: وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

    ويقول عنها ابن تيمية رحمة الله عليه: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. ويقصد بجنة الدنيا لذة الإيمان.

    ويقول عنها إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة الإيمان لجالدونا عليها بالسيوف.

    هذه اللذة تدركها يا أخي، فأنت تشعر بالراحة والطمأنينة، بل تشعر بالخلود؛ لأن غير المؤمن لا يشعر بالخلود، فهو يعتبر أن الموت هو النهاية، أما أنت -أيها المؤمن- فإنك تعتبر الموت هو البداية وليس النهاية، وتؤمن بقضاء الله وقدره، فإذا أصابتك مصيبة لا تجد جزعاً في نفسك؛ لأنك مؤمن، أما ذلك البعيد فإنه لا يستطيع أن يتحمل أي مصيبة من المصائب؛ لأنه لا يجد لذة الإيمان، وإذا أردت الدليل على ذلك فاقرأ أخبار العالم الذي تجرد من لذة الإيمان، كيف أصبح الانتحار عندهم يسجل بالثانية والدقيقة في هذا العالم؛ لأنهم لم يذوقوا بعض طعم ولذة الإيمان، أسأل الله أن يذيقني وإياك والمسلمين كافة طعم الإيمان.

    حقيقة البطل بين الماضي والحاضر

    السؤال: كنا عندما تذكر البطولة والبطل لا تنصرف العقول إلا إلى حمزة وخالد وعلي وأسامة وأمثالهم، واليوم أصبحت العقول تنصرف إلى أبطال المصارعة والملاكمة والكرة، فما الفرق بين بطولة هؤلاء وبطولة أولئك؟

    الجواب: الحقيقة أنه ليس هناك تقارب حتى يكون هناك فرق، وأن الفساد الذي بدأ يصور لنا البطولة في هذا النوع من أصحاب الملاكمة وغيرها إنما هو بسبب فساد في الأذواق وانحراف في الفطرة، حتى أصبحنا لا نتصور معنى البطولة، كما أصبحنا لا نتصور معنى الرجولة، وعلى هذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأن الأمانة سوف تفقد حتى يقال للرجل: ما أحلمه ما أعظمه وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان؛ لأن الموازين والمعايير والمقاييس قد اختلت في أيامنا الحاضرة، فأصبحت هناك موازين ومقاييس غير الموازين والمقاييس التي يجب أن يأخذ بها الناس، لكن في إمكان الناس بأن يقرءوا تاريخهم الحق فيعرفوا من هو البطل ومن هم الرجال، ليعرفوا بعد ذلك الفرق بين البطل في الماضي والبطل في الحاضر.

    التحذير من قضاء الفراغ في الحرام والدعوة إلى استغلال الفراغ في المباح

    السؤال: نريد إسداء نصيحة للشباب، خاصة في شأن الأيام التي تعتبر أيام إجازة مدرسية، وقد يستغلها بعض الشباب في اللهو الذي أدخلوا عليه كلمة (بريء) فما معنى بريء؟ وهل هناك بريء وغير بريء؟

    الجواب: نعم هناك بريء وهناك غير بريء، بريء من الله وبريء من الدين، وهناك شيء غير بريء.

    والحق أن الفراغ من أكبر العوامل التي تضر بالناس وبالشباب بصفة خاصة، كما قال الشاعر:

    إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

    والذي حدث اليوم هو أن هناك فراغاً وأن هناك شباباً وهناك جدة، فأصبحت هذه الأشياء تستغل فيما لا يرضي الله عز وجل، سيما عند غفلة المصلحين والموجهين والمربين.

    إن عشرات الآلف، بل مئات الآلاف من شباب المسلمين يذهبون اليوم إلى بلاد لا تعرف الله ولا تعرف الدين ولا تعرف الخلق ولا تعرف أي شيء من ذلك، ويكون الزحام على الطيران وعلى دوائر الجوازات على أشده، والمصيبة أن هناك خدمات تقدم لهؤلاء الشباب وتسهيلات وتخفيضات ودعايات ليُذهب بهم إلى تلك البلاد الكافرة، ولقد رأيت بعيني الشاب يتأبط الشابة في المطعم وفي السوق وأمام الناس دون حياء من الله عز وجل أو خجل من الناس، وهؤلاء الشباب هم من أبناء المسلمين، يرتدي أحدهم الشماغ والثوب والعقال ولا يبالي وكأنها زوجته، ولربما يخجل من أن يمسك يد زوجته أمام الناس، وهذا يحدث في مثل هذه الإجازات، وكثير من شبابنا يرقبون عقارب الساعة ينتظرون مثل هذه الفرص، وهذه من أكبر البلايا.

    فالشباب المؤمن لا يعرف الفراغ، فحياته كلها مشغولة فيما يرضي الله عز وجل، وهناك فرص يجب أن يستغلها هؤلاء الشباب قبل أن يستغلها العدو لينفذ من خلالها إلى عقول هؤلاء الشباب، المكتبات الآن تعرض شتى أنواع العلوم والمعارف، وتشتكي إلى الله قلة الرواد، وكذلك مدارس تحفيظ القرآن، فنحن لا نريد أن نحجز الناس عن أماكن الترفيه، لكن نقول: يجب أن يكون في حدود المباح، أما إذا وصل الأمر إلى المحرم فهنا يكون الخطر.

    وأنا أدعو إخواني المؤمنين إلى أن يتفقدوا شبابهم وأولادهم، وأن يُربوهم التربية الطيبة، وأن يختاروا لهم الرفقة الصالحة، وحينئذٍ سيكون ذلك كله -بإذن الله- حماية وصيانة لهؤلاء الشباب عن هذه الأشياء الخطيرة التي أشرت إلى شيء منها، والله المستعان.

    حقيقة الخشوع في الصلاة

    السؤال: ورد عن عمر أنه كان يجهز الجيش وهو في صلاته، فكيف نجمع بين هذا وما عرف عنهم رضي الله عنهم من الخشوع؟

    الجواب: لا شك أن الخشوع هو لب الصلاة، والله تعالى يقول: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]، ولا أدري هل يصح هذا القول عن عمر أو لا يصح؟ ولو صح هذا القول عن عمر فيكفي أن عمر رضي الله عنه إنما يشتغل في الصلاة بما يرضي الله عز وجل، أما نحن فنشتغل بأعمالنا وحاجاتنا وببيعنا وشرائنا، هذا هو الذي يحدث كثيراً لدى كثير من الناس، لكني أشك في صحة ذلك عن عمر ؛ لأن هذه الصلاة لا يجوز أن يكون فيها شيء غير الصلاة، بحيث يتصور هذا الواقف بين يدي الله عز وجل عظمة الموقف، فيتصور هذه العظمة فلا يفكر في أي شيء غير هذه الصلاة.

    حكم من يخرج بأهله إلى المحلات التجارية لشراء حاجاتهم

    السؤال: ما الحكم في الظاهرة التي نشاهدها في هذه الأيام، عندما يأخذ الرجل زوجته أو أخته أو بنته إلى المحلات التجارية، وإن كان بزعمه أنها مغطاة، مع ما ينتشر في هذه المحلات من الأسباب التي تعرضها للفتنة؟

    الجواب: هذا خير من الذي يترك زوجته أو أخته أو ابنته تذهب إلى المحلات التجارية لوحدها، وخير من هذا وذاك الذي يقضي حاجة أهله وهم في بيوتهم.

    وعلى كلٍ فالعصر الذي نعيشه اليوم عصر فتنة، والمسلم مطالب بأن يتقي هذه الفتنة، والله تعالى يقول للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] ويقول عن الرجال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34] ومعنى ذلك أن الرجل مطالب بأن يحضر كل حاجات أهله، حتى لا يضطر أهله إلى الخروج من المنزل إلى مكان آخر، لكن يتسامح في هذا الخروج إذا كان يخرج معها محرمها وهي محجبة ولا ترى فتناً تعترض سبيلها، ولا تدخل المحلات التجارية التي لربما تؤدي إلى أن تستهين بالاختلاط بالرجال، فإذا وجدت كل هذه الاحتياطات فالأمر أسهل.

    حكم العادة السرية ونصيحة لمن يمارسها

    السؤال: بعض الشباب يمارس العادة السرية، فما هي نصيحتكم لهؤلاء الشباب عافانا الله وإياهم؟

    الجواب: لا شك أن العادة السرية مما نهى الله عز وجل عنه، فالله تعالى يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7]، فقد حدد الله عز وجل الإباحة في أمرين: الزوجة وملك اليمين، وما سوى ذلك فقد عد الله تعالى فاعله من العادين، أي: متعدياً لحدود الله عز وجل.

    والعادة السرية من التعدي لحدود الله عز وجل، لكن لا شك أنها أخف من الزنا، فلو رأى أنه سيقع في الزنا لا محالة في أي لحظة من اللحظات، وأراد أن يخرج هذا الماء بهذه الطريقة لكان أسهل؛ لأنه ارتكب أخف الضررين، لكن العادة السرية -كما يقول العلماء- لا شك أنها محرمة ومنهي عنها، ومضرة بالصحة وبالعقل أيضاً، ومضرة بالحياة التناسلية، وتؤدي إلى إفساد هذا الماء الذي يجب أن يكون لإنتاج الذرية الصالحة، وعلى هذا فإنها منهي عنها، فمن ابتلي بها فعليه أن يبادر بالتوبة، وأن يأخذ بالاحتياطات، وأهم هذه الاحتياطات هي الزواج، فالله عز وجل لما ذكر الزنا في سورة النور وذكر أسبابه، ذكر ما يحول بين المسلم وبين الزنا، وذكر آخرها وأهمها بقوله: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، ولذلك ندعو الذي ابتلي بهذه العادة إلى الزواج والمبادرة إليه؛ لأنه يعتبر حصانة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج).

    الآثار المترتبة على كثرة تكاليف الزواج

    السؤال: نود الحديث عن تكاليف الزواج؛ حيث وإن المتزوج يكلفه الزواج إلى مائة وعشرين ألف ريال، وأنا أرغب في الزواج، ولكن ليس عندي هذا المبلغ، فلعل الله أن يهدي آباء البنات الذين حالوا بيننا وبين الحلال؟

    الجواب: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أكثرهن بركة أيسرهن مئونة)، قوله: (أكثرهن بركة) أي: المرأة التي مهرها قليل تكون كثيرة البركة. وبالمفهوم أن المرأة التي مهرها كثير تكون قليلة البركة، وهذا ما نشاهده، فالزوج الذي يستدين أموالاً كثيرة ليتزوج ثم يتزوج فإنه يعيش مع هذه المرأة ويشعر بأنها عبء ثقيل عليه؛ لأنها كانت سبباً في هذه الديون وهذه الالتزامات والقروض التي أصحبت في ذمته، ولعل هذه من أكبر الأشياء التي نشاهدها.

    أما الطلاق فإنه من خلال تتبعنا لأحوال الناس نجد أنه يكثر بمقدار ما تكثر مئونة الزواج، فالذين يتزوجون في الفنادق الراقية ويذبحون الأنعام الكثيرة لا تبقى زوجاتهم معهم كثيراً، والذين يحصلون على المرأة بتكاليف أقل وأسهل غالباً يوفقون في زواجهم، ولذلك أقول: علينا أن نتعاون في هذا الأمر؛ لأنه ليس هناك إلا طريقان: طريق حلال وطريق حرام، فالطريق الحلال هو الزواج، والطريق الحرام هو الزنا، والطريق الحلال يحتاج إلى تعاون الناس أجمعين ليقع الزواج، اسيما ونحن في فترة كثرت فيها الفتن والمغريات، وعرضت المرأة أمام الناس، فأصبحت من أكبر المشاكل التي تعترض سبيل الناس وسبيل الشباب العزاب بصفة خاصة.

    ففي الطائرة تعرض المرأة، وفي المحلات التجارية وفي غير ذلك، فهذه الفتنة لا يقضي عليها إلا الزواج، بحيث يستغني الإنسان بالحلال عن الحرام، وبالتعدد أيضاً، فنحن ندعو المسلمين إلى التعدد بمقدار ما تتوافر النساء، ندعوهم إلى زيادة عدد النساء؛ لأن حكمة الله عز وجل تقتضي ذلك، سيما في هذه الأيام المتأخرة؛ لأن نسبة النساء والبنات في الولادة أكثر من الأولاد، إضافة إلى عزوف كثير من شبابنا عن الزواج، إضافة إلى تزوج كثير من شبابنا من الخارج، إضافة إلى أسباب كثيرة، مثل كثرة القتل في صفوف الرجال بسبب الحروب، ولذلك نقول: الزواج سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة المرسلين من قبله، ولابد من أن نتعاون في إقامة هذه السنة، وأفضل طريق نتعاون فيه هو تخفيف هذه المهور.

    وفي الحقيقة أنا أخالف الذين يقولون: إن المهور كثيرة. لأني أرى كثيراً من الشباب يملك الواحد منهم سيارة قيمتها تساوي قيمة وتكاليف الزواج، لكني أقول أيضاً: على الآباء أن يخففوا هذه التكاليف، سيما الأموال الضائعة التي نشاهدها في بعض البيئات من إقامة الموائد الضخمة التي يرمى فيها اللحم للكلاب وجزء كبير من العالم الإسلامي اليوم يموت جوعاً، وهذا من الإسراف الذي حرم الله عز وجل، والتبذير الذي يقول الله عز وجل عنه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] أما لو كان المال يعود إلى حلي للمرأة وملابس أو أشياء تستفيد منها المرأة لكان الأمر أسهل، أما وقد عاد الأمر إلى موائد وإسراف وبذخ ومكابرة فإن هذا يصبح خطيراً.

    أما ما أشار إليه السائل بأن تكاليف الزواج قد تصل إلى مائة وعشرين ألفاً فهذا من المصائب ومن البلايا، وأنا أحذر الولي الذي يريد أن يجعل زواج ابنته أو موليته بمائة وعشرين ألفاً أو أكثر أو أقل، أحذره وأخاف عليه أن يفشل هذا الزواج، فترد عليه بنته عما قريب وهي مثقلة بالأولاد الذين يحولون بينها وبين زواج آخر، لتصبح مطلقة في بيته، أقول: علينا أن نتقي الله عز وجل، وأن نخفف المهور والتكاليف، وأن نسن في المجتمع سنة حسنة، حتى يكون لنا أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأدعو العقلاء ورؤساء القبائل المسئولين وأصحاب الحل والعقد ومن يستطيع أن يتدخل في مثل هذه الأمور أن يقفوا أمام هذا النهم وهذه الشدة في تكاليف الزواج، حتى يتمكن كل الشباب من الزواج، وحينئذ نسلم من كثير من هذه الفتن التي غزيت بها بلادنا وغزي بها مجتمعنا، والله المستعان.