إسلام ويب

أثر الذنوب والمعاصيللشيخ : عبد الله الجلالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للذنوب آثار وخيمة على الفرد والمجتمع، فما نزل بلاء، ولا منع عطاء إلا بذنب، وما حلّ قحط إلا بذنب، ولا وقعت نكبة إلا بذنب، ولا خيم ذل على أمة من الأمم إلا بسبب الذنوب، فاتق الله أخي المسلم! وخلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها عل الله أن يرفع عنك وعن أمتك البلاء.

    1.   

    مقدمة عن أثر المعاصي على الأمم

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي ينذر ويعذر، ويبين لنا أسباب الخير والسعادة وأسباب البلاء والشقاوة، حتى لا نضل السبيل، هو الذي ذكر عز وجل النار في سورة الرحمن وما فيها من العذاب ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]؛ لأن بيان العذاب في الدنيا نعمة من الله عز وجل.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحكم الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين أجمعين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، وجزاه خير ما يجزي به نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.

    وبعد:

    إن للذنوب خطورة في حياة البشرية، وذلك شيء نجده في القرآن العظيم، قال الله عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ [العنكبوت:40].

    وحينما يذكر الله عز وجل عقوبة أمة من الأمم في القرآن العظيم يقول بعد ذلك: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83] أي: وقوعها على ظالمي هذه الأمة ليس بعيداً. ولولا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة لحل بها البلاء العام، ولكن الله سبحانه وتعالى قد وضع في عنق كل فرد من أفراد هذه الأمة مسئولية تبليغ هذا الدين جيلاً بعد جيل، فاستجاب الله عز وجل دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يهلك أمته جميعاً.

    أما المعاصي فإنها محارم الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (وحد حدوداً فلا تعتدوها) والله عز وجل يغار على محارمه أكثر مما يغار أي واحد منا على محارمه؛ لأن الله عز وجل له غيرة أعظم من غيرة أي واحد منا على محارمه، ولكن الله سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    أيها الأخ الكريم! من هنا يجب علينا أن نقف ملياً في قصص القرآن العظيم؛ لنرى ماذا فعل الله عز وجل بالظالمين وأصحاب المعاصي والملاحدة والطغاة والمتجبرين الذين عتوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد.

    ولقد سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه أعربياً فقال: يا أعرابي! أين الله؟ فقال الأعرابي: بالمرصاد. فقال عثمان: (والله لقد سمعتها من فم هذا الأعرابي ولها وقع ).

    من هذا المنطلق يجب علينا أن نقف لنرى ماذا فعل كثير من الناس في حدود الله ومحارم الله وفرائضه وواجباته، لقد تعدى عليها كثير منهم، والله تعالى يسدل عليهم ستره، ويرغد عليهم رزقه، ويسبغ عليهم خيراته؛ لأن الله تعالى لطيف بعباده وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61].

    1.   

    الآثار المترتبة على اتخاذ الفيء دولاً

    أخي الكريم! موضوع حديثنا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له ما يقويه من أحاديث أخرى ومن الواقع، فيأخذ درجة القبول، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور، وظهر الزنا، وأكرم الرجل مخافة شره، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، وزلزلة، وخسفاً، ومسخاً، وقذفاً وآيات تتابع كنظامٍ بالٍ انقطع سلكه فتتابع) ، وفي حديث آخر: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء).

    نتحدث عن هذه الخصال لنرى مدى مطابقتها لواقعنا، وهل في هذه الأمة من تجرأ على هذه الأمور؟! وما هي النتيجة؟!

    قوله: ( إذا اتخذ الفيء دولاً ) الفيء في اللغة: هو ما يؤخذ من العدو، وفي الشرع: هو ما يؤخذ من العدو بدون قتال.

    ثم صار الفيء يطلق على كل أموال المسلمين العامة، فصار بيت مال المسلمين يسمى فيئاً؛ لأنه يعتبر مصرفاً من مصارف الفيء، كما قال الله عز وجل: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الحشر:7] وقال في الآية التي قبلها: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [الحشر:6].

    وإذا كان الفيء بيت مال المسلمين، فإن لبيت مال المسلمين الحرمة أعظم من أي مال من أموال الناس؛ لأن مال واحد من الناس يخص ذلك الواحد، ولربما يعفو عن حقه في يوم من الأيام، لكن بالنسبة لبيت مال المسلمين فإنه يتعلق به كل واحد من هؤلاء المسلمين الذين لهم حق ولهم صلة في هذا المال، فالتعدي على بيت مال المسلمين يعتبر من أكبر المعاصي التي تسبب سخط الله عز وجل أياً كان هذا التعدي، ولذلك فإن اتخاذ الفيء دولاً والتلاعب به بحيث يصبح دولة بين الأغنياء من الناس يعتبر سبباً من أسباب البلاء والفتنة.

    1.   

    الآثار المترتبة على جعل الأمانة مغنماً

    قوله: ( والأمانة مغنماً ) الأمانة هي ما استودعه الإنسان مما يجب حفظه من أموال المسلمين، والأمانة وإن كانت في معناها الاصطلاحي الشرعي أعم من ذلك لأن الله تعالى يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا [الأحزاب:72] وهي مسئولية التكليف أياً كانت هذه الأمانة، لكنها قد تطلق على المال المودع عند بعض الناس ليحفظه وليتحمل مسئوليته أمام الله عز وجل، فإذا اتخذت الأمانة مغنماً بحيث يصبح هذا الأمين الذي يأتمنه الناس على شيء من أموالهم يعتبرها فرصة ويعتبرها غنيمة ليتلاعب بهذا المال فذلك بلاء عظيم.

    والأمانة هي أول ما نفقد من ديننا، كما جاء في الحديث: (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة) إذا وجد ذلك كان ذلك إيذاناً بعقوبة من الله عز وجل، والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58] فالأمانة مسئولية عظيمة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأشفقن منها، وتحملها هذا الإنسان وسوف يسأل عنها، ومن هذه الأمانة أموال المسلمين التي يؤتمن عليها هذا الإنسان، فيتحمل مسئوليتها أمام الله عز وجل.

    1.   

    الآثار المترتبة على جعل الزكاة مغرماً

    قوله: ( والزكاة مغرماً ) الزكاة في اللغة: النماء والطهارة. وفي الشرع: هي جزء من المال فرضه الله عز وجل في أموال الأغنياء يقدمونه للفقراء قربة لله عز وجل، وهذه الزكاة أمرها عظيم، والدليل على عظم أمرها أن الله تعالى قرنها بالشرك حيث قال: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت:6-7] وقد قرنها أيضاً بالصلاة في مواضع كثيرة، فيندر أن تمر بنا آية من آيات الصلاة إلا وتذكر الزكاة بعدها، كما أنها طهارة للمزكي وللمال وللمجتمع، فالمجتمع الذي تؤدى زكاته مجتمع طاهر نظيف، لا توجد فيه اللصوصية ولا الخيانات ولا السطو ولا السرقة؛ لأن هذه الظواهر السلبية غالباً ما توجد في المجتمعات المحتاجة المضطرة.

    ولذلك لما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل يحيى بن سعيد إلى أفريقيا ليجبي الزكاة، فجمع أموالاً عظيمة من الزكاة، وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز : إن الإسلام قد أغنى الناس ولم نجد أحداً يأخذ الزكاة. فكتب جواباً قال فيه: اشتر بها رقاباً وأعتقهم في سبيل الله.

    ولذلك تقول الإحصائيات الرسمية في عصور الإسلام الأولى خلال أربعمائة سنة: إنه لم تقطع فيها إلا أربع أيدي فقط، على اتساع العالم الإسلامي الذي يمتد من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.

    ما السر في ذلك؟ السر في ذلك هو أن الإسلام رفع مستوى الناس، سواءٌ أكان من الناحية الاقتصادية، أم من الناحية الثقافية والعلمية، أم مما أشبه ذلك، وعرفهم بالله عز وجل حق المعرفة، ولذلك فإن الزكاة تعتبر زكاة حقيقية؛ لأنها تطهر المجتمع من التحاسد والتباغض والتنافر وغيرها من الأمراض، كما تطهر الفرد من الشح، وتزكي المال وتزيده وتنميه.

    أما إذا أصبحت الزكاة مغرماً وخسارة، بحيث إذا طولب هذا الإنسان بهذه الزكاة كأنه يطالب بأن يحمل جبلاً على ظهره، وصارت ثقيلة على النفوس، فمثل هؤلاء الناس حببت إليهم الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة.

    ولربما يزيد هذا المال عند هؤلاء فتعجز الأرقام عن حصره أو تكاد، وتعجز البنوك عن استيعابه أو تقارب، ثم إذا بأحدهم يحسب هذا المال العظيم ثم يحسب زكاته العظيمة بمقدار عظمة هذا المال، ثم يغلبه الشح والنفس الأمارة بالسوء، فتصبح هذه الزكاة كأنها غرامة عليه، فيؤديها بثقل وتبرم، ولربما يمنعها فلا يعطيها مستحقها فتزل به القدم، كما فعل الله عز وجل بذلك المنافق الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً. فقال: قليل تؤدي شكره خير لك من كثير لا تطيقه. ثم يأتي مرة أخرى ويقول: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً. فيقول: يا فلان! أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفس محمد بيده لو أردت أن تسير معي جبال الدنيا ذهباً لسارت. فيأتي في الثالثة ويقول: يا رسول الله! والله لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم! ارزقه مالاً. قال: فاتخذ غنماً فنمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى بها، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين يأخذان الصدقة من هذا المنافق فقال: والله ما هذه إلا جزية) فأنزل الله عز وجل في هذا المنافق وأمثاله قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75] وكلما جاءت كلمة (منهم) في سورة التوبة فالمراد بها المنافقون؛ لأن الله تعالى لم يكشفهم بأسمائهم وإنما أتى في شأنهم بضمير الغائب (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:76-77].

    واليوم نخاف على كثير من أرباب الأموال الكثيرة؛ لأنهم حينما يحسبون هذه الأموال والممتلكات ثم ينظرون إلى ربع عشرها فيرونه مالاً عظيماً يضنون بالزكاة ويتخذونها مغرماً، ولذلك من العجيب في مثل هذا الوقت الذي فاض فيه المال أنه يوجد في قارة أفريقيا مائتان وخمسون مليوناً من الناس يهددهم الموت بالمجاعة، وأنا رأيت بعيني أناساً يتساقطون على الأرض من الجوع في بلاد ليس بيننا وبينها إلا هذا البحر، ونحن عندنا -والحمد لله- من الأموال ما نعرفه جميعاً.

    ولو أننا اقتصدنا في بذخنا وموائدنا شيئاً قليلاً لأغنينا إخواننا المسلمين الذين تسلط عليهم الكفرة بتنصيرهم وتكفيرهم وتهويدهم بسبب لقمة العيش، خبزة يرسم عليها الصليب ولا يأكلها هذا الإنسان الجائع الفقير إلا بعد أن يرى الصليب بعينيه.

    أكثر من عشرة ملايين من المسلمين تنصروا في أندونيسيا بسبب عدم اهتمام المسلمين بهؤلاء المسلمين في أندونيسيا وغيرها، لقد تنصر كثير من المسلمين في أندونيسيا، وفي أفريقيا وفي جنوب شرق آسيا وفي مناطق كثيرة، ولو أن المسلمين أدوا زكاة أموالهم بهذه النسبة اليسيرة لأغنوا أولئك الفقراء عن أعدائهم الذين لا يقدمون لهم لقمة العيش إلا بثمن، وهذا الثمن أن يتنازل كثير منهم عن عقيدته ودينه.

    أيها الأخ الكريم! دعت الكنيسة إلى التبرع فجمعت مليار دولار في يوم واحد، واليوم تقوم جمعيات كبيرة متناثرة في العالم الإسلامي لتجمع شيئاً من المال في أيام فلا تحصل على معشار هذا المبلغ الذي جمع في يوم واحد على يد الكنيسة، وتصور هذا المليار كم ينصر؟ ولماذا اختاروا ملياراً بالذات؟ لأن عدد المسلمين مليار مسلم، فقال بعضهم لبعض: نجمع مليار دولار لننصِّر بها ملياراً من المسلمين. أي: كل المسلمين. ولذلك كان من تخطيطهم أن تصبح قارة أفريقيا كلها نصرانية خلال عشر سنوات، ولكن الله من ورائهم محيط، قال عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251].

    إضافة إلى أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأمر واجب مطلوب، فهي أيضاً ضمان لهؤلاء المسلمين من أن ينحرفوا عن دينهم، ومن حكمة الله عز وجل أن تسقط الشيوعية، وكنا ننتظر ذلك منذ أمد؛ لأنها قالت: إنها سوف تضع على هذه الأرض جنة أحسن من الجنة التي يعد الله الناس بها في الآخرة. مع أنهم لا يؤمنون بالله ولا بالجنة ولا بالآخرة، ثم إذا بها تتساقط تحت أقدام المسلمين والحمد لله.

    إذاً ليس هناك إلا الإسلام الذي سوف يسد الحاجة ويرد الحق إلى نصابه، ويعتبر سقوط الشيوعية من الأمور المتوقعة؛ لأن الله عز وجل يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد:17].

    وبقي أولئك الذين يقدمون الدرهم والدينار لحرف أبناء المسلمين عن دينهم، فما على هذه الأمة إلا أن تجتهد في الدعوة، وأن تقدم هذا المال في سبيل الله، حتى لا تكون الزكاة مغرماً، أما إذا أصبحت الزكاة مغرماً -أي: ثقيلة على النفوس وغرامة شديدة حينئذ- فلربما يبخل الإنسان بالزكاة فيغضب الله عز وجل فينقطع المطر فيهلك الحرث والنسل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).

    فالزكاة أمرها عظيم، ليست فقط ركناً من أركان الإسلام، لكنها إضافة إلى ذلك هي ضمان للفقراء، وحماية لهذا الدين، وضمان وحماية لبقاء الأمة الإسلامية على الأرض، بحيث يشعر هؤلاء الفقراء بحقهم، ولو تعدت هذه الزكاة الحدود السياسية فذهبت إلى أفريقيا، وذهبت إلى جنوب شرق آسيا حسب هذه الحاجة. والحمد لله على أنه في بلادنا أصبح الفقراء فيها يضاهون الأغنياء.

    ولقد رأيت قصر رئيس جمهورية دولة يزيد سكانها على مائة مليون يوجد من فقرائنا هنا من يملك قصراً أكبر من قصر ذلك الرئيس، وفيه من الأثاث أعظم من أثاث قصر ذلك الرئيس.

    ارتفع -والحمد لله- هنا مستوى المعيشة، وأصبح الفقراء ملوكاً في أيامنا الحاضرة، ولكن لا ننسى إخواناً لنا تربطنا بهم رابطة العقيدة، يقول الله عز وجل: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    1.   

    ظاهرة تعلم العلم لغير الدين وما يترتب على ذلك

    قوله صلى الله عليه وسلم: ( وتعلم لغير الدين ) من أسباب العذاب أن يطلب العلم لغير الدين.

    وهذه معجزة عجيبة، فما كان في العصور الأولى أحد يفكر أن يفهم معنى: (وتعلم لغير الدين)؛ لأنهم كانوا لا يطلبونه إلا للدين ورضا الله عز وجل ولمعرفة الله ولعبادة الله، ثم حدث حدث خطير فتعلم لغير الدين، وأصبحت هناك منافسة على الشهادات وحب البروز والظهور، والتنافس على الوظائف والمراكز، وأصبح كثير منهم يتعلم حتى علم الشرع لغير الدين، وإذا قيل له: لماذا؟ قال: أريد أن أؤمن مستقبلي وأؤمن حياتي. ويقصد بحياته ومستقبله الحياة الدنيا.

    السعي للحياة الدنيا أمر مطلوب، أما أن يتخذ طلب العلم الشرعي الذي به يعرف الله ويعبد الله عز وجل لهدف من أهداف الدنيا فيعتبر ذلك بداية النهاية، وأعرف رجالاً كثيرين درسوا في كليات الشريعة ودرجوا في هذه الحياة منذ عشرات السنين، وكنا نظن أنهم سوف يغيرون وجه التاريخ حينما يكونون رجال علم وأصحاب مناصب إلى غير ذلك، وسيعيدون الإصلاح للأمة، وإذا بهم يقفون عند حد الوظيفة، ثم لا يفكر أحدهم إلا في ترقية، أو في مرتبة، أو في سمعة، أو في شرف، وذلك أخطر ما يكون على هذا الإنسان، يقول عليه الصلاة والسلام: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لِدِينِه).

    أيها الأخ الكريم! إذا تعلم لغير الدين، وإذا ذاب علماء المسلمين في المجتمع، وإذا أصبح الناس يتنافسون في الشهادات، وإذا أصبح طالب العلم يطلب العلم ليباري العلماء أو ليماري السفهاء فإن الأمر خطير.

    أخي! إذا عرفت شريعة الله عز وجل من خلال جامعة أو كلية أو مدرسة فإن عليك أن تبلغ ما عرفته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (بلغوا عني ولو آية) (رب مبلغ أوعى من سامع)، أما أن ينتهي الأمر بهذا الإنسان الذي أمضى سنوات طوالاً من عمره في العلم إلى أن يذوب في المجتمع فلا نرى له أثراً، ولربما لا تمضي عليه إلا مدة وجيزة حتى ينسى كل ما تعلمه من شرع الله عز وجل؛ لأنه لم يتحرك بهذا العلم، وكذلك تراه يشاهد الأمم وهي تتهاوى في الحضيض بسبب الجهل والمعاصي، ثم لا نسمع له صوتاً يقول فيه كلمة الحق، بالرغم من أنه خريج كلية الشريعة، أو أصول الدين، أو نال شهادة الماجستير في هذا المستوى، أو ما فوق ذلك من الدكتوراه أو غيرها من الشهادات العملاقة التي يتسابق ويتنافس عليها الناس، ثم حين تعلم لغير هذا الدين أصبحت بركة هذا العلم مسلوبة، وأصبح هذا العلم لم ينتفع به حتى صاحبه، أو لربما انتفع به بمفرده بحيث لا يستفيد منه هؤلاء الناس، وهذا العلم سيكون حجة على هذا الإنسان يوم القيامة.

    إذا تعلم لغير الدين فإن ذلك يعتبر بادرة من بوادر العذاب من الله عز وجل.

    فلا تعجب -أيها الأخ- وأنت ترى هذه الجامعات الإسلامية في العالم وهي لا تحصى في عددها، وتنتج سنوياً الأعداد الهائلة من هؤلاء الشباب المثقفين ثقافة إسلامية، والمتعلمين علماً شرعياً، ثم لا نرى من يعتلي هذه المنابر ليقول كلمة الحق لهؤلاء الناس إلا الندرة القليلة مما جعلهم محط أنظار الناس، فأصبحوا معرضين لأشياء كثيرة.

    نحن نطالب جميع العلماء ونطالب الذين عرفوا شرع الله عز وجل أن يبلغوا هذا الدين تبليغاً كاملاً، أما إذا كان هدفهم فقط هو الدنيا فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة ثلاثة، رجل قرأ القرآن وحفظه وعلمه غيره، لكنه لغير الله، فهذا يوقفه الله عز وجل بين يديه يوم القيامة فيسأله، ثم يأمر به فيسحب إلى النار نعوذ بالله من ذلك.

    إذاً لا بد من إخلاص النية لله عز وجل، والله تعالى يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282].

    1.   

    الآثار المترتبة على طاعة الرجل لزوجته مقابل عقوق أمه

    قوله: ( وأطاع الرجل زوجته وعق أمه) هل يوجد في المسلمين من يفعل مثل هذا؟! هذه الأم التي حملتك داخل جوفها وهناً على وهن، ثم وضعتك وهناً على وهن، ثم أرضعتك مدة من الزمن، ثم إذا بها تسهر ليلها مع نهارها من أجل راحتك ومصلحتك، ثم بعد هذا كله تقدم عليها الزوجة! حينما يقع مثل ذلك فهذه بداية العقوبة، وحينما نقول ذلك لا نتغافل عن حق الزوجة، فللزوجة حق كما أن للوالدين حقاً، إلا أن حق الزوجة لا يطغى على حق الوالدين، فالله عز وجل يقرن حق الوالدين بحقه مباشرة، فيقول: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14] ويقول سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24].

    1.   

    تحذير الأبناء من إبعاد الآباء وإدناء الأصدقاء

    قوله: ( وأدنى صديقه وأقصى أباه ) عجيب أن يحدث مثل هذا! كم من هؤلاء الشباب الذين لم يعرفوا بعد قدر الأبوة وفضلها، والذين لم يصيروا بعد آباءً لأنهم مازالوا أبناءً، والذين لا يعترفون بهذا الحق لذويه! ومن يقدم صديقه على أبيه؟! ولذلك تجد أن طائفة من هؤلاء الشباب الذين ابتلوا بهذه الفتنة يندر أن تجده مع أبيه، وإنما دائماً وأبداً مع صديقه، ولربما يكون ذلك الصديق منحرفاً، وهذه تعتبر بلية كبرى، الأب المربي العطوف صاحب النعمة قبل الحمل وبعد الحمل، وقبل الولادة وبعد الولادة هل نقدم عليه الصديق؟!

    الصديق له حق، ولكنه لا يأتي إلا بعد درجة بعيدة من حقوق الوالدين، أما أن يدني صديقه ويجفو أباه ليصبح الصديق في نظره أعظم وأعلى درجة من ذلك الأب فهذه تعتبر من بداية العقوبة ومن البلايا والفتن.

    وبر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وبر الوالدين دين وقرض يقدمه ذلك الولد ليجني ثماره حينما يكون أباً، إن حسناً فحسناً وإن قبيحاً فقبيحاً، يقول عليه الصلاة والسلام: (بروا بآبائكم تبركم أبناؤكم) ولذلك نشاهد ذلك في الواقع، فالأبناء البررة الذين أدوا حقوق الوالدين يمن الله عليهم بأولاد بررة صالحين يؤدون حقهم.

    ولذلك فإني أقول: لا بد أن نرعى هذا الحق من حقوق الله عز وجل وهو بر الوالدين وصلة الرحم، فالله تعالى يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] ونقرأ في الحديث قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم طريق الخروج من باب الغار ولم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله عز وجل بصالح أعمالهم، لم يتوسلوا بالمخلوق؛ لأن التوسل بالمخلوق شرعاً لا يجوز، والتوسل بالأعمال الصالحة جائز ومطلوب، فهذا أحدهم يقول: (إنه كان لي والدان، وإنه نأى بي المرعى ذات يوم فجئت بغبوقهما فوجدتهما نائمين، فأمسكت بالقدح الذي فيه اللبن ووقفت على رأسيهما طوال الليل ولم أغبق قبلهما أهلي ولم أوقظهما حتى استيقظا قرب الفجر فناولتهما اللبن فشربا، اللهم! إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة قليلاً.

    فكما أن الأعمال الصالحة تنجي الإنسان من عذاب الله عز وجل يوم القيامة فهي تخلص الناس من مخاوف الحياة الدنيا ومخاطرها، ولذلك يقول الله عز وجل: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر:61] وكم من الناس من وقع في مشكلة فخلصه الله عز وجل بسبب طاعة، أما إذا أدنى الرجل صديقه وجفا أباه فإن ذلك يكون سبباً من أسباب العقوبة، نعوذ بالله.

    1.   

    التحذير من اتخاذ المساجد لغير ما أعدت له

    قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( وظهرت الأصوات في المساجد ) المساجد بيوت الله يجب أن تعظم وأن تحترم، فلا يجوز أن يكون فيها شيء غير ذكر الله وما قرب إليه، أما أن تصبح المساجد سوقاً للبيع والشراء والمزاد، وما أشبه ذلك من أحاديث الناس التي لا تقربهم من الله عز وجل، أو تكون ميداناً للغو واللعب والسباب والنزاع والخصام والشجار، أو تكون مرتعاً للجهال والعابثين فإن ذلك يعتبر ظهوراً للأصوات في المساجد، وظهور الأصوات في المساجد يعتبر سبباً من أسباب عقوبة الله عز وجل.

    1.   

    الآثار المترتبة على انتشار الخمور وشربها

    يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والعلامات: ( وشربت الخمور ) فمن هذه الخصال الخمس عشرة شرب الخمور، والخمر ما خامر العقل وغطاه، والإنسان مطالب أن يواجه هذه الحياة مواجهة حقيقية بعقله، ومن أجل ذلك منح الله عز وجل هذا الإنسان العقل، ولذلك نجد أن العقل محترم، والخطاب دائماً يتوجه إلى العقل، يقول عز وجل: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4] ويقول سبحانه: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [البقرة:269] وأولو الألباب هم أصحاب العقول.

    من هنا كان العقل هو مناط التفكير، وكان الإنسان أفضل مخلوقات الله عز وجل على الإطلاق بهذا العقل، فقد فضل الله بني آدم وكرمهم وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً.

    لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان

    أي: لولا العقل لكان الأسد أفضل من الإنسان؛ لأن الأسد أقوى من الإنسان. والفيل أكبر جسداً من الإنسان، لكن تجد هذا الإنسان بعقله يسيطر على هذه المخلوقات كلها بإرادة الله عز وجل، ولولا وجود العقل لما شرع التكليف، فالعقل هو مناط التكليف، وبهذا العقل يحاسب الإنسان وحده يوم القيامة دون هذه البهائم التي أصبحت في خدمة الإنسان.

    ثم يأتي إنسان ليتعدى على هذا العقل بما حرم الله، وقد حرم الله عز وجل الخمر وكل ما خامر العقل وغطاه، والخمر من أكبر البلايا التي حلت بهذه الأمة، ولذلك تجد أن هذه الخمرة الخبيثة عالج القرآن أمرها علاجاً طويلاً، وتدرج في تحريمها تدرجاً مكيناً، حتى يقتلعها من قلوب الناس، وكان هذا التدرج في التحريم على أربع مراحل:

    الأولى: قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل:67] هذه إشارة.

    ثم جاءت المرحلة الثانية يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219].

    ثم جاءت المرحلة الثالثة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43].

    فحرمت الخمر في بعض المواقع وفي بعض الأوقات ليكون تمهيداً للحكم النهائي الكريم، وهي المرحلة الرابعة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90-91] فقالوا: (انتهينا انتهينا) ولما نزلت الآية الأخيرة كانت كئوس الخمر عند شفاه بعض هؤلاء الناس فأراقوها اتباعاً وخضوعاً واستسلاماً لأمر الله عز وجل، وكان بعضهم قد شرب الخمر فأدخل أصبعه في فاه ليستقيء ما شربه، بل زيادة على ذلك سألوا عن مصير الذين ماتوا وفي أجوافهم شيء من الخمر قبل أن تحرم، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [المائدة:93] يعني: قبل التحريم إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:93].

    أيها الأخ الكريم! هكذا تستجيب النفوس المؤمنة لأوامر الله فوراً، فلا تقدم على أمر الله عز وجل أي شهوة أو رغبة أو هوى، ثم يدور الفلك دورته ويعيد الزمان سيرته، وتخلف خلوف ينتشر فيها الخمر في أيامنا الحاضرة، ومن العجيب أن المروجين لها يحببونها إلى الناس ويسمونها مشروبات روحية.

    فما معنى روحية؟ أي أنها تطرب الروح وتؤنسها. ولذلك يقولون في بعض الأحيان: ممنوع تناول المشروبات الروحية. قاتلها الله وقاتل من سماها مشروبات روحية، كيف تكون روحية؟! هي ضد الروح، وضد الخلق، وضد العقل، لكنها سميت مشروبات روحية كما سمي الغناء في أيامنا الحاضرة فناً، وكما سمي الربا اقتصاداً، وكما سمي النفاق مجاملة، وكما سمي الكذب دبلوماسية، وهكذا، أصبحت المحرمات تغير أسماؤها مع بقاء حقائقها؛ لأجل تلطيفها وتحبيبها إلى النفوس الخبيثة.

    فليس الغناء فناً، وليس الربا اقتصاداً، وليست الخمر مشروبات روحية، لكن لا تعجب، فنحن اليوم نعيش فترة من آخر فترات التاريخ في حياة البشرية، فقد تنتشر فيها الخمر، ولربما توضع في ثلاجات البيوت، تراها النساء ويراها الأطفال، ليشب الطفل وهو يشك في تحريمها أو يعتبرها من أطيب الطيبات.

    لا تعجب وأنت تسير في أرض الله الواسعة في جل العالم الإسلامي فترى اللافتات واللوحات تقول: هذا ضار. أو ما أشبه ذلك، لا تعجب حينما ترى الخمر توزع على الركاب مجاناً على متن الهواء في كل طيران العالم إلا في طيران بلادنا -والحمد لله- أسأل الله أن يحفظها.

    المشركون الأولون كانوا إذا ركبوا على سطح الماء دعوا الله مخلصين له الدين، أما هؤلاء فلا أظن إلا أن الإيمان بالله عز وجل قد فقد من قلوبهم، أو من قلوب كثير منهم، فيعصون الله على متن الهواء بين السماء والأرض، على بعد آلاف الأمتار من الأرض، فتشرب الخمور وتعرض المضيفة التي ليس لها شرط إلا أن تكون جميلة وقادرة على فتنة الناس، تسرح شعرها، وتلبس الملابس القصيرة إلى ما فوق الركبة، وتختلط بالركاب في الطائرات، وتوزع البسمات على الناس، ولربما لا يحصل ذلك إلا لركاب الدرجة الأولى الذين يدفعون أجرة أكثر، أما الدرجة السياحية فإنهم لا يستحقون مثل هذا، إلى غير ذلك.

    أيها الأخ! إذا شربت الخمور بجميع أنواعها فقد آذن هذا العالم بخراب، صحيح أن المخدرات تجد مكافحة اليوم، وتستحق أن تكون لها مكافحة، حتى الأمم الكافرة والدول الكافرة تعاقب على تناول المخدرات، وهذا يجب أن يكون؛ لأنها تفسد الأمم والشعوب، وتجمد العقول، لكن يجب أن يجد الخمر مثل هذا المكافحة ومثل هذه المحاربة؛ لأن الخمر هي الأصل والمخدرات تقاس عليها قياساً، هذا هو الواقع.

    وأقول لإخواني المسلمين: حاربوا الخمور واكشفوا مواقعها، وتعاونوا مع الدولة والمسئولين؛ لأنها ما انتشرت في أمة من الأمم إلا وسقطت من عين الله عز وجل، ولأن انتشار الخمور في بلاد المسلمين يؤدي إلى انهيارها وتدهورها ودمارها، نسأل الله العافية والسلامة.

    1.   

    الآثار المترتبة على اتخاذ المغنيات وآلات اللهو وحكم اتخاذها

    قوله: ( واتخذت القينات والمعازف ) القينات: المغنيات الراقصات. سواءٌ أكن يرقصن أمام الناس مباشرة، أم يرقصن في أفلام مصورة يعرضن فيها مفاتنهن وجمالهن في هذه الحياة.

    والمعازف: هي آلات اللهو والغناء. إذا انتشرت هذه وتلك فهي بداية العقوبة، وهي علامة من علامات غضب الله عز وجل، ويخشى أن تأتي بعدها المصائب التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري. والحر: الفرج، والمراد بالحر الزنا، والزنا الآن مستحل في جل بلاد العالم الإسلامي، وله أماكن معروفة، وأخوف ما أخاف أن كثيراً من شبابنا يرتادونها؛ لأننا نراهم حينما تكون هناك العطل والمناسبات يشدون الرحال إلى تلك البلاد بطريقة جنونية.

    وكذلك الحرير، وهو من المحرمات على الرجال، والخمر، فهذه الثلاثة أجمع علماء المسلمين على تحريمها.

    وكذلك المعازف، والمراد بالمعازف الموسيقى.

    والعلماء يقولون: إن دلالة الاقتران تدل على التحريم، فإذا عطف شيء على شيء أخذ حكمه، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحر والحرير والخمر)، ثم قال: (والمعازف) ودلالة الاقتران عند جمهور علماء المسلمين دلالة قوية.

    وعلى كل لا أظن أن أحداً يخالف إلا من شذ في تحريم المعازف والموسيقى، لكن تعال معي -يا أخي!- لنرى أن الموسيقى اليوم في بيوت المسلمين وفي أسواق المسلمين وفي سياراتهم وفي دكاكينهم حتى في هواتفهم، الموسيقى التي أصبحت الآن في الإذاعة وفي التلفاز وفي المسجلات وفي أشياء كثيرة، أصبحت الآن وسيلة تسلية، عندما تطلب من إنسان أن يعطيك فرصة دقيقة أو أقل من دقيقة ليحولك على رقم آخر فإنك تسمع الموسيقى؛ لأنهم يعتبرون الموسيقى وسيلة تمتيع لهذه النفوس، وهكذا النفوس حينما تنحرف عن الجادة المستقيمة تتمتع بما حرم الله عز وجل.

    أضف إلى ذلك القينات والمغنيات اللاتي تتبرم إحداهن وتتمايل وتولول الليل كله، بحيث تنحرف معها النفس الضعيفة، هذا شيء منتشر ولا يحتاج إلى دليل ولا أحد يكذب به، ولو عملنا إحصائية في جل بيوت المسلمين لوجدناها مملوءة بهذه الأشياء مع الأسف، والذي لا يملك التلفاز عنده الإذاعات تغني، أو أشرطة قينات ومعازف، لكن ما هو الحل؟! وكيف المخرج؟

    إن الأمر خطير، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هؤلاء الأقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، وقال هنا في هذا الحديث: (وانتشرت القينات والمعازف).

    والله تعالى حرم الغناء -كما يقول العلماء- في ثلاث آيات من القرآن الأولى: قوله تعالى: وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم:61] والسمود معناه: الغناء واللهو. كما يقول علماء اللغة.

    الثانية: قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان:6] ويقسم عبد الله بن مسعود بالله تعالى على أن هذه الآية في الغناء، وهو من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الثالثة: قوله تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] يقول العلماء: إنها في الغناء.

    أما بالنسبة للأحاديث فهي كثيرة في تحريم الغناء وآلات الموسيقى واللهو.

    أما الواقع فإنه لا يبرر حل هذه الأشياء، فنحن نأسف كثيراً أن تكون بيوت المسلمين التي كانت إلى عهد قريب لا تسمع لها إلا دوياً كدوي النحل في جوف الليل الآخر، وبكاء من خشية الله عز وجل، وتلاوة للقرآن، أما اليوم فبيوت المسلمين إلا ما شاء الله حتى بيوت كثير من العلماء والصالحين قد ابتليت بفتنة الغناء والموسيقى، فأصبحت لا تسمع إلا رنين الموسيقى، ولربما تسمع الرقص والغناء في الأشرطة وجميع الوسائل الأخرى.

    أما الفيديو فهو الذي جاء يعرض الجنس الآن، حتى على متن الهواء تعرض أفلام الجنس، فهؤلاء ألا يتقون الله عز وجل؟! ألا يكونون -على الأقل- مثل المشركين الذين إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين؟!

    ألا يتركون هذه الأشياء ولو في الساعات الحرجة الخطيرة التي لربما تتحطم فيها الطائرة في لحظة واحدة فتكون نكبة على مئات البشر؟! إن هذا يدل على الضعف من خشية الله عز وجل في نفوس كثير من الناس.

    لقد اتخذت القينات وأصبحت الأفلام والفيديو والأجهزة الأخرى التي نعلمها تشترى بالأموال الطائلة، هذا أمر خطير، فما على هؤلاء الناس إلا أن يتوبوا إلى الله عز وجل.

    يا أخي! عندك في بيتك نساء، والنساء يتأثرن سريعاً بهذه الأفلام والموسيقى والرقص والغناء، فاتق الله في النساء، وفي بيتك أطفال، أترضى أن تنشأ هذه الناشئة من الأطفال وهي تحفظ من الأغاني أكثر مما تحفظ من كتاب الله؟ أنت مسئول عنهم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، أترضى أن يكون أول ما تنفتح له آذان هؤلاء الأطفال آلات اللهو والرقص والغناء والموسيقى، وتنفتح أعينهم على المومسات والفاسقات والراقصات والمغنيات والممثلات في مسرحيات وتمثيليات فاضحة كلها عشق وغرام واختلاط ودعوة إلى الإباحية؟!

    اتق الله -يا أخي- في هذه الأمانة، فأهلك أمانة ائتمنك الله عليهم فلا تفرط فيهم؛ فإن الله عز وجل يقول لك ولي وللناس أجمعين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    أتستطيع أن تتحمل هذه النار التي وقودها الناس والحجارة؟ إنها نار أوقد عليها ثلاثة آلاف عام حتى أصبحت سوداء مظلمة تذوب الحجارة من حرها، فكيف بجسد هذا الإنسان؟! اتق الله -يا أخي- في هذه الأمانة، وحارب هذه المنكرات وطهر بيتك منها، وأنت مسئول عن رعيتك داخل البيت؛ لأنك إن عجزت أن تصلح أوضاع الناس في خارج هذا البيت فليس لك عذر بين يدي الله عز وجل يوم القيامة إن أهملت بيتك ولم تصلحه، فالله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27-28].

    إن وجود هذه المنكرات في بيوت المسلمين أمر خطير أياً كان منشؤها، أنت مسئول وحدك يوم القيامة، وتموت وحدك، وتدفن وحدك، ويأتيك الملكان في قبرك وحدك، وتبعث يوم القيامة وحيداً، وتوزن أعمالك وحدك، إذاً أنت عليك أن تخلص نفسك.

    ويحك يا أخي! بادر إلى التوبة، وطهر هذا البيت من القينات والمعازف، فإن وجود هذه الأشياء في بيت من بيوت المسلمين يسبب غضب الله عز وجل، إضافة إلى ما يلاقيه أولادك وأهلك وذووك من فتنة ينشأ عليها الصغير ويشب عليها الشاب ويهرم عليها الشيخ، ولربما يأتي ذلك اليوم الذي لا تنكر النفس هذه الأشياء، وأظن أنه قد وجد اليوم من لا ينكر هذه الأشياء، والله عز وجل ذكر أسباب ومراحل المعصية فقال: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الأنعام:113] وهذه هي المرحلة الأولى، ثم قال: وَلِيَرْضَوْهُ [الأنعام:113] وهذه هي المرحلة الثانية، ثم قال: وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113] حينئذ يقل الحياء، فإذا قل الحياء وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

    1.   

    العقوبات المترتبة على ظهور الزنا والصلة بينه وبين اتخاذ المغنيات والمعازف

    أخي في الله! من علامات العقوبة ومن أسباب العقوبة إذا اتخذت القينات والمعازف ظهور الزنا، إذاً الصلة بين اتخاذ القينات والمعازف وبين ظهور الزنا واضحة، فإن النظرة الحرام يعقبها الفعل الحرام، والسماع الحرام يعقبه الفعل الحرام، ولذلك الله عز وجل ذكر الزنا في سورة النور ثم قال بعده بآيات: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] وقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31] وقال بعد ذلك: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31] فقد نهيت المرأة أن تحرك رجلها لتضرب الأرض بشدة، حتى لا يسمع صوت الخلخال رجل فيفتن بهذه المرأة التي سمع في رجلها صوت الخلخال، فكيف بالمرأة التي ترقص وتغني وتتمايل وتهتز بثياب عارية؟! إن النتيجة خطيرة، ولذلك دعا الله عز وجل في آخر الآيات التي تأمر بغض البصر إلى التوبة فقال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    إن ظهور الزنا نتيجة حتمية من نتائج انتشار القينات والمعازف، وإن الفتن يجر بعضها بعضاً، يقول الشاعر:

    كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر

    فالشرارة الصغيرة تحدث حريقاً يلتهم مدينة بأكملها، والنظرة الصغيرة تلتهم الأخلاق والفضائل، وتحط هذا الإنسان من عين الله عز وجل، فعلينا أن نبادر بالتوبة حتى لا يظهر الزنا، وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى من سبقنا إلى هذه الأشياء بمدة وجيزة من الزمن، حين انتشرت القينات والمعازف وفسد الإعلام، ماذا كانت النتيجة؟ لقد انحرفت المرأة، وفتحت دور الدعارة أبوابها علناً في وضح النهار، وانتشر زواج الذكر بالذكر باسم القانون الذي تحميه تلك الدول التي سبقت إلى الفساد والمعصية، وأصبحت قوانين تلك الدول تتردى، فكلما هبط هذا الإنسان درجة واحدة عن إنسانيته هبط القانون أكثر مما يهبط هذا الإنسان.

    أيها الأخ الكريم! علينا أن نخشى الله عز وجل، فنحن نعيش في نعمة وفي رخاء وفي رغد من العيش وفي أمن وطمأنينة، ويتخطف الناس من حولنا، ونحن نرفل بنعمة الله في ظل شريعة الله عز وجل، فلنحافظ عليها ولنتمسك بها؛ لأنه إذا ظهرت القينات والمعازف ظهر الزنا، وإذا ظهر الزنا انتشرت الأمراض والأوبئة، يقول عليه الصلاة والسلام: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن في أسلافهم) والأوجاع التي لم تكن في أسلافنا والتي كانوا لا يعرفونها قد كثرت اليوم وانتشرت، ولم يستطع الطب الحديث علاجها، بالرغم مما يقدمه الطب الحديث من خدمات متوافرة، وهذه الأمراض تسابق الشمس على مطالعها، بسبب انتشار الزنا الذي هو من أقبح القبائح وأعظم المحرمات.

    1.   

    الآثار المترتبة على إكرام الرجل مخافة شره

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (وأكرم الرجل مخافة شره).

    في واقعنا اليوم يكرم الرجل مخافة شره، هناك رجال كثيرون يكرمون مخافة شرورهم، يقول الشاعر:

    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد

    وهذا أعظم شيء على النفس، واليوم نجد أن كثيراً من الناس يحترمون لا حباً لهم في دينهم ولا في دنياهم، وهناك من لا خير فيه ولا صلاح ولا استقامة، ثم إذا بهؤلاء يحتفى بهم في المجالس وتصفق لهم الجماهير، وتفتح لهم الطرقات في جل العالم الإسلامي، والعجيب أن هؤلاء الذين يحترمون مخافة شرورهم، لم يسلم المسلمون بعد من شرورهم، فالطغيان قد انتفخ في أرضنا اليوم، وامتلأت السجون في جل العالم الإسلامي، وكان المفروض أن تكون تلك السجون سجوناً للجامحين والمنحرفين، فإذا بها تتحول معتقلات للأتقياء والصالحين والدعاة والمصلحين.

    يكرم الرجل مخافة شره؛ لأنه رجل طاغية مفسد ذو بطش وإفساد في الأرض، أو لأنه عين يتجسس وينقل أخبار المسلمين مقلوبة إلى ولاة الأمر وإلى أصحاب الحل والعقد، كأن يقول لهم: إن هذا يحرض. أو: إن ذاك يدعو إلى نزع يد الطاعة. وما علم أولئك الولاة أن هؤلاء الذين يعتلون المنابر -وأقسم على ذلك- أنهم أكثر إخلاصاً من هؤلاء الذين ينقلون الأخبار إليهم.

    وإذا كان أولئك الولاة مستقيمين على شرع الله ممتثلين أمره فهؤلاء الذين يعتلون المنابر يعلمون أن في أعناقهم لهم بيعة، وهذه البيعة يحرم عليهم نقضها بأي حال من الأحوال؛ لأنهم يعلمون أن الفتن لا تجر وراءها إلا فتناً أعظم منها، ومع ذلك كله فهناك كثير من هؤلاء الذين يتولون أمر المسلمين يفقدون الثقة بهؤلاء الدعاة والمصلحين، وفي المقابل فأصحاب المنابر والدعاة يفقد كثير منهم الثقة بالولاة، وما علموا أن دينهم يلزمهم بالطاعة ويحرم عليهم نزع يد الطاعة، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله عز وجل برهان.

    وعلى هذا نقول: إذا حصل إكرام الرجل مخافة شره في المسلمين دل دلالة واضحة على انحراف عريض في الأمة الإسلامية وفي المجتمع الإسلامي، ودل دلالة واضحة على أن هذه الأمة ليست بخير، وأنها معرضة لعقوبة الله عز وجل، وإنما يجب أن يكرم الرجل لتقواه؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ولأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير للصالحين والأتقياء، وبمقدار ما يزيد صلاح هذا الإنسان يجب أن يرتفع في أعين الناس أكثر فأكثر، وحينما ينحرف فيجب على المسلمين أن يسقطوه من حسابهم حتى يرجع إلى الجادة، أما أن يكرم الرجل مخافة شره وبمقدار ما يقدمه من أذية لهؤلاء الناس يكرمونه ويقدرونه فهذا -كما قلنا- يدل دلالة واضحة على أن هذه الأمة قد انحرفت عن خطها المستقيم.

    1.   

    من علامات نزول العذاب بالناس أن يسود القبيلة الفساق

    قوله: ( وساد القبيلة فاسقهم ) القبيلة يجب أن تكون لها قيادة، ويجب أن يكون العقلاء هم أصحاب الحل والعقد؛ لأنهم الذين يضبطون الأمور ويحلون المشاكل، ويحقون الحق ويبطلون الباطل، ولأنهم الذين يديرون دفة هذه القبيلة وهذه العشيرة، حينئذ لابد من أن تكون القيادة لهؤلاء الصالحين، لكن إذا كانت القيادة لغير الصالحين وساد القبيلة فاسقهم، وكان الفسقة هم أصحاب الحل والعقد في القبيلة وفي الأمة فحينئذ يصبح الأمر خطيراً؛ لأن الحياة سفينة، ولأن هذه السفينة تحتاج إلى قيادة حكيمة، وهذه القيادة هي التي تسير بهذه السفينة في خضم هذه الحياة إلى ساحل النجاة، فإذا كان ربان هذه السفينة منحرفاً ضالاً عاصياً فاسقاً فإن هذه السفينة ستصاب بعطل، أو ترسو في غير مكانها، وحينئذ تفسد الحياة ويتنغص العيش، ولربما تغرق السفينة، أما إذا ساد القبيلة صالحوها فذلك دليل على أن هذه القبيلة قد عرفت كيف تتعامل مع الله عز وجل، وكون زعيم القبيلة هو الأصلح والأتقى فذلك هو الأحق والأولى.

    1.   

    الآثار المترتبة على كون زعيم القوم أرذلهم وواجب المسلمين تجاه ذلك

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وكان زعيم القوم أرذلهم).

    الزعيم هو صاحب السلطة أياً كانت هذه السلطة، سواءٌ أكانت سلطة كبرى أم دونها، والسلطة في العالم الإسلامي وفي الدولة الإسلامية يجب أن تكون للصالحين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام كما حكى الله عنه قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124] فكان جواب الله تعالى له أن قال: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124].

    إذاً يجب أن تكون السلطة في أيدي الصالحين؛ لأنهم الذين يطبقون شرع الله ويحكمون بما أنزل الله ولا يبغون به بدلاً؛ لأنهم يعلمون أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مرتد، وذلك لقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    وهذه السلطة تعتبر نيابة من الله عز وجل واستخلافاً لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض، فهو الخليفة الأول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، وما زال الخلفاء الراشدون ومن بعدهم يتوارثون هذا الحكم حسب المصلحة، حتى وصل إلى واقعنا اليوم.

    يجب أن يكون أصحاب السلطة هم أقرب الناس إلى الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44] لكن حينما يكون زعيم القوم فاسقهم تأتي البلية، ولربما يكون منهم كفرة طغاة كما نشاهده اليوم في جل العالم الإسلامي، فهؤلاء الزعماء يحكّمون شريعة الطاغوت وقوانين البشر، ويحكُمون الناس بالظلم والاستبداد، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون.

    وانظر -يا أخي- لترى من الذي يتولى أمور المسلمين اليوم في جل العالم الإسلامي؟! من هؤلاء؟! وستجد الجواب واضحاً حين تنظر إلى أفعال هؤلاء الحكام، إننا نخشى نزول العذاب إلا أن يعفو الله عز وجل ويتجاوز ويصفح؛ لأنه إذا كان زعيم القوم أرذلهم فحينئذ يأتي البلاء وتأتي الفتنة.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي قادتنا وولاة أمر المسلمين كافة إلى الطريق المستقيم وإلى الجادة، فنحن نشكر الله على تطبيق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في بلادنا، ونرجو من الله عز وجل أكثر من ذلك، ونرجو أن يحارب الفساد في الأرض؛ فإن الله تعالى يقول لولاة المسلمين كافة: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41].

    ولا أزيد على ذلك في هذا الموضوع، وإنما نحن نبحث عن العافية، لكن ليعلم أنه إذا ساد القبيلة فاسقها فانتظر العقوبة، وإذا أردت الدليل على ذلك فليس هناك أدل من كلام الله وكلام رسوله، فانظر ماذا حدث في لبنان؟ وماذا يحدث في كل مكان من الأرض؟ أين الأندلس؟ وأين فلسطين؟ وأين أماكن كثيرة؟

    1.   

    الآثار المترتبة على لعن آخر هذه الأمة أولها

    قوله: ( ولعن آخر هذه الأمة أولها ) ما هو الجزاء المترتب على ذلك، إنه كما قال صلى الله عليه وسلم: ( فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء ) هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أخذوا هذا الدين من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم طرياً ونقلوه إلينا، ونقل عنهم حتى وصل إلينا في أيامنا الحاضرة وكأننا نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاً لوجه؟! هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أقاموا دولة الإسلام السامقة التي رفرف علمها على جل المعمورة؟!

    نعم يوجد في آخر هذه الأمة في أيامنا الحاضرة من يلعن أولها، أول هذه الأمة وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لم يسلم منهم خيرة الصحابة، وهم أبو بكر وعمر .

    لقد أصبح كثير من آخر هذه الأمة في وقتنا يتجردون من كل قديم، فهؤلاء الحداثيون قد لوثوا وجه التاريخ في أيامنا الحاضرة، فهم يلعنون أول هذه الأمة، إن لم يلعنوهم بألسنتهم فإنهم يلعنونهم بأحوالهم وواقعهم، فهم يخرجون على كل قديم ويريدون كل جديد أياً كان هذا الجديد.

    نقول لهؤلاء: نحن نرحب بأي جديد إذا كان لا يتنافى مع المنهج الصحيح الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من عند ربه، ونرفض كل جديد يتنافى مع ما جاء به منهجنا الصحيح، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.

    هل من المعقول أن يقول أحد الحداثيين: منذ نزول سورة تبت ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم ونحن في تأخر؟!

    نعم. يقول ذلك.

    إذاً هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مجددين يلعنون أول هذه الأمة ويسبونها، ويعتبرون أنها نقطة تخلف، حتى قال قائلهم ذات يوم: إنك لا تتصور تطلعنا وتلهفنا إلى حياة إنسانية منظورة منذ ثلاثة آلاف عام.

    انظر إلى هذا الحد، حتى فترة التاريخ الإسلامي عند هذا وغيره يعتبرها في تخلف.

    وهذا داروين الملحد الملعون يقول: كان الإنسان قرداً فصار إنساناً، أو كان حشرة تعفنت على وجه الأرض فصارت إنساناً.

    فقول هذا القائل: نحن ما زلنا نتطلع إلى حياة إنسانية يعني: لم نصل بعد إلى ما قاله دارون الملحد الملعون. إنها مصيبة وبلية.

    إذاً إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، واعتبروا كل قديم متخلفاً، ورحبوا بكل جديد دون أن يعرضوه على الفكرة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح فانتظر عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع.

    أيها الأخ الكريم! لا ننسى ولا نتغافل هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي أسأل الله عز وجل أن يحفظها وأن يبارك فيها، وأن يهدي المسئولين والقادة ليحيطوها بسياج منيع حتى تؤدي ثمارها، وبالرغم من وجود هذه الصحوة الإسلامية المباركة في هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ فإننا نرجو من الله عز وجل مزيداً من الخير والاستقامة؛ لأن الله قد وعدنا بإظهار هذا الدين فقال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] وقال سبحانه: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51].

    أخي في الله! العقوبات متوقعة في مثل هذه الفترات من فترات التاريخ، ولو لا رحمة الله عز وجل وكرمه ومنته وفضله وإحسانه لكانت هذه الأمة أثراً بعد عين، فهذا الربا قد أعلن عنه في وضح النهار أمام المسلمين، وأصبحنا بين كل فترة وأخرى نرى أرباع وأعشار متعلمين ممن يفتون بحل الربا، ويقولون: ليس هناك رباً إلا ربا الأضعاف المضاعفة، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279]، ويقول: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

    ذنوب عظيمة أسأل الله عز وجل أن يرزقنا سرعة التوبة والإنابة منها.

    كما أسأل الله عز وجل أن يوفق القادة والمسئولين وأصحاب الحل والعقد في بلادنا الطيبة المباركة التي تهوي إليها أفئدة العالمين أجمعين، والتي يستقبلها العالم الإسلامي في كل يوم خمس مرات في أفضل وأعظم فريضة أسأل الله تعالى أن يوفقهم للضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بالأخلاق أو بالفضائل أو بالمعتقدات.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3029781510

    عدد مرات الحفظ

    726087714