إسلام ويب

سلسلة إيمانية - فضل القرآنللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنزل الله عز وجل كتابه الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم معجزة للبشرية، وآية لهم، فتحدى الله به أفصح العرب أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ثم حفظه الله من التحريف والتغيير والتبديل؛ ليكون مهيمناً على جميع الكتب والأديان السماوية، فحفظه الله في صدور الرجال من صحابة رسول الله، حتى دونوه في الصحف، ونشروه للأمة، وقد تعبدنا الله تعالى بتلاوته وضاعف على ذلك الأجر، فمن أخذه فقد وفق للحق والهداية، وكان شفيعاً له يوم القيامة بإذن الله.

    1.   

    بيان فصاحة القرآن وإعجازه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله عز وجل الذي جمعني مع حضراتكم جميعاً في هذه اللحظات الكريمة الطيبة على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى صلى الله عليه وسلم، في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أخي الحبيب! إن موضوع هذا اللقاء موضوع جليل؛ لأننا سنتحدث فيه عن كلام ربنا الجليل، فالقرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، فهو الحجة البالغة، والدلالة الدامغة، والعصمة الراقية، والنعمة الباقية، وهو شفاء الصدور، وهو الحكم العدل إذا ما اشتبهت الأمور. أولاً: مصدرية القرآن الكريم دليل على إعجازه، بمعنى: أنك إذا علمت أن القرآن من عند الله؛ فاعلم يقيناً أنه كلام معجز؛ لأنه كلام الله جل جلاله، وهذا معنى أن مصدرية القرآن دليل على إعجازه، والله سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن أعظم معجزات نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، مع كثرة ما أجرى الله لنبينا صلى الله عليه وسلم من معجزات، إلا أنني أود أن أؤكد للمسلمين والمسلمات بأن أعظم وأكرم وأخلد وأبقى معجزة لنبينا صلى الله عليه وسلم: هي القرآن الكريم. فأنت تعلم أن الله سبحانه وتعالى قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم في بيئة اشتهر أهلها بالبلاغة والبيان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب قومه بلغتهم؛ فأنزل الله تبارك وتعالى عليه هذا القرآن المعجز ليتحدى الله به البشرية كلها، لا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما في كل العصور، بل وستعجب إذا قلت لك بأن التحدي ما زال قائماً إلى هذه اللحظة، بل إلى يوم القيامة ونحن في القرن الحادي والعشرين ما زال ربنا تبارك وتعالى يتحدى بهذا القرآن الكريم البشرية كلها.

    1.   

    القرآن الكريم ومعجزة التحدي

    مراحل تحدي الله للمشركين أن يأتوا بمثل القرآن

    لما نزل القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم في بيئة البلاغة والبيان؛ اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جاء به من عنده، وأنه من نظمه وكلامه، وقالوا: هذا كلام عادي؛ فتحداهم ربنا سبحانه وتعالى أن يأتوا بقرآن مثله، فقال سبحانه: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] أي: ولو ناصر وظاهر وساند بعضهم بعضاً؛ فلن يتمكنوا أبداً من أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وهو سبحانه وتعالى تحداهم ابتداءً بقرآن مثله، فلما كان التحدي عسيراً، وكان الأمر شاقاً جداً خفف الله عز وجل التحدي، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور فقط، فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، من باب الذم على ما يقوله الخصم؛ لإقامة الحجة عليه، أي: أنتم تزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى هذا القرآن وأتى به من عند نفسه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أي: افتراه المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)، فعجزوا. فخفف الله التحدي إلى أقل صور التخفيف، فتحداهم أن يأتوا بسورة، فقال سبحانه: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] و(لن) مستقبلية فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]. فمصدرية القرآن دليل على إعجازه، ولذلك من أبلغ ما قاله جماهير المفسرين في الأحرف المتقطعة في أوائل السور، كقوله تعالى في أول سورة البقرة: الم [البقرة:1]، وكقوله تعالى: كهيعص [مريم:1]، وكقوله تعالى: حم * عسق [الشورى:1-2].. إلى آخر هذه الأحرف المتقطعة التي استفتح الله بها بعض سور القرآن الكريم؛ إن أعظم ما قيل في معناها -وهو قول جماهير المفسرين- إنها أحرف متقطعة من حروف اللغة العربية التي يتحدث بها أهل البلاغة والبيان في مكة، وإن القرآن مكون من هذه الأحرف، فإن كنتم تزعمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أتى بهذا القرآن من عند نفسه، فهاهي أحرف القرآن من لغتكم؛ فائتوا بقرآن مثله.

    خوف أهل الشرك والكفر من سماع القرآن

    إن مصدرية القرآن دليل على إعجازه، بل وستعجب إذا علمت أن المشركين كانوا يخافون على أنفسهم من سماع القرآن؛ لماذا؟ لأن القرآن كان يصدع عناد الكفر والكبر في قلوبهم، وإذا سلم أحدهم عقله وقلبه للقرآن غيَّر القرآن قلبه، ولقد سجل الله وصيتهم لبعضهم البعض في القرآن، فقال الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، أي: شوشوا على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تفتحوا آذانكم ولا قلوبكم لهذا القرآن؛ لأنهم إن سمعوه تغيرت القلوب والأبصار والآذان، وتغير كل شيء. كيف وقد بين لنا ربنا أن هذا القرآن لو أنزله على جبل وعلى حجارة صلدة لخشعت، فكيف تخشع الجبال الصم للقرآن ولا يخشع القلب الذي فطر أساساً على التوحيد؟! كما قال الله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]، وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فكل بشر ولد على فطرة التوحيد.. على فطرة الإسلام. كانت وصية الكفار لبعضهم البعض: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه)؛ لماذا؟ (لعلكم تغلبون).

    كسر القرآن لعناد الكفر واستكباره

    بل واعلم معي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد روى في كتاب التفسير في الصحيح -في باب قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62]- حديثاً مختصراً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (سجد النبي صلى الله عليه وسلم بسورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن). ما القصة؟ إنها قصة عجيبة: سجد النبي.. وسجد المسلمون.. وهذا وارد، لكن: والمشركون كيف ذلك؟ هذا حديث له قصة: ففي السنة الخامسة من البعثة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت الله الحرام، وكان في بيت الله الحرام في هذا الوقت مجموعة كبيرة من سادة المشركين وكبرائهم، وقام النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي لله جل وعلا، وافتتح النبي صلاته بسورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5].. إلى آخر السورة. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة النجم آيات تطير لها القلوب: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62]، وخر النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً لله، فلم يتمالك أحد من المشركين نفسه؛ فخر ساجداً خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو السر الحقيقي الذي ربما يجهله كثير من أحبابنا وإخواننا، هذا هو السر الذي جعل المسلمين الأوائل الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة يعودون مرة أخرى إلى مكة بعد هجرتهم الأولى؛ فإنهم لما وصلهم الخبر بأن المشركين قد سجدوا خلف رسول الله، ظنوا أنهم قد دخلوا في دين الله عز وجل فرجعوا، لكن المشركين لما رفعوا رءوسهم أنكروا ما فعلوه! وأنكروا ما صنعوه! لكنه القرآن الذي صدع عناد الكفر والكبر في قلوبهم؛ فسجدوا لله تبارك وتعالى خلف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن له فصاحته! وله روعته: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الحشر:21]، هذا القرآن لو أنزله الله على جبل لخشع وتصدع من خشية الله سبحانه وتعالى، فالقلوب تخشع للقرآن إن أنصتت القلوب إليه، وإن أصغت الآذان إليه. واعلم أخي الحبيب بأن كل أحد يأخذ من القرآن على بقدر ما أراد الله له أن يأخذ منه، فأنت تأخذ من القرآن، وأنا آخذ من القرآن، والعامل البسيط يأخذ من القرآن، وعالم الذرة يأخذ من القرآن، والكيميائي في معمله يأخذ من القرآن، وكل واحد يأخذ من القرآن على قدر ما فتح الله على العبد، وعلى قدر استقبال العبد لكلام ربه سبحانه وتعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]. أيها الأحبة! كان لا بد من هذه المقدمة قبل أن أبين كيف وصل إلينا القرآن الكريم. فلما بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم، بدأت آيات القرآن الكريم تتنزل تترا على قلب نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، بعدما خاطبه ربنا على لسان جبريل بقوله: اقْرَأْ [العلق:1]، ثم نزلت الآيات: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً [المزمل:1-2].. يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]. فقام سيدنا رسول الله، ووالله لم يذق طعم الراحة حتى لقي سيده ومولاه! وبدأت الآيات تتنزل، فكان ينزل أمين وحي السماء جبريل على أمين أهل الأرض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بآيات القرآن الكريم، وكان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم وشغفه على أن يسمع القرآن، أنه كان يتعجل في القراءة، فأنزل الله سبحانه وتعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، (فإذا قرأناه) أي: على لسان جبريل.

    1.   

    نزول القرآن ومراحل جمعه

    وبدأ القرآن يتنزل ويقرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه رضوان الله عليهم ما نزل منه، فلقد نزل القرآن منجماً -أي: مفرقاً- على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، مفرقاً بحسب الأحوال والحوادث، فيحدث الشيء وتنزل النازلة؛ فينزل قرآن يربي هذه القلوب والعقول والضمائر والأخلاق.. ينزل القرآن مع كل حدث؛ ليعلم الصحابة رضوان الله عليهم أن الله مطلع عليهم، يسمع كلامهم، ويعلم سرهم ونجواهم. جاءت امرأة تشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها، وهي المجادلة التي أنزل الله في حقها قرآناً، وسميت سورتها بسورة المجادلة، والسيدة عائشة في جانب من جوانب حجرتها، لا تسمع كثيراً من كلام وشكوى المرأة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك استمع الله قولها من فوق سبع سماوات، وأنزل الله القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعالج هذه المشكلة ولو كانت فردية، فما ظنك إن كانت المشكلة جماعية تعم الأمة بأسرها. تقول عائشة رضي الله عنها: (تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، فلقد جاءت المجادلة تشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في جانب الحجرة لا أسمع كثيراً من كلامها؛ فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1]).

    عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    فالقرآن نزل منجماً -أي: مفرقاً بحسب الأحوال والقضايا والحوادث- على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقرأ النبي الآيات الكريمة، فتحفظها صدور أصحابه رضوان الله عليهم، فلقد من الله عز وجل عليهم بصدور واعية، وعقول وقلوب فاهمة حافظة، وهذا من رحمته وحكمته وهذه المرحلة هي مرحلة استيعاب القرآن في الصدور. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب؛ اتخذ من بعض الصحابة كتاباً كـزيد بن ثابت -الذي سمي بكاتب الرسول، ويا لها من منقبة، وكـأبي بن كعب ، وكـعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه الآيات يجمع الكتبة، ويقرأ عليهم الآيات الكريمة الجليلة، ويكتبونها على اللخاف -واللخاف: هي الحجارة الرقيقة- والجلود، والرقاع، وجمع القرآن بهذه الصورة المفرقة، لكنه كان محفوظاً في صدور الصحابة رضوان الله عليهم. وكان يحفظه جمع كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي المصطفى صلى الله عليه وسلم والقرآن على الحجارة، والأخشاب، والرقاع، فضلاً عن صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم.

    جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق

    ولما تولى الخلافة من بعده صلى الله عليه وسلم -وهي المرحلة الثانية- أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقامت جيوش أهل الردة تريد أن تدمر الأخضر واليابس، وجيَّش الصديق رضوان الله عليه لقتال أهل الردة جيوشاً؛ شاء الله سبحانه وتعالى في أخطر هذه المعارك على الإطلاق، ألا وهي معركة اليمامة في العام الثاني عشر من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، التي كانت بين المسلمين وبين الكذاب مسيلمة؛ أن يقتل في معركة اليمامة عدد كبير جداً من القراء، أي: ممن كانوا يحفظون كتاب الله سبحانه وتعالى. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فزعاً إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: (يا خليفة رسول الله! أدرك كتاب الله عز وجل، اجمع القرآن؛ فلقد قتل جمع كبير من القراء، وأخشى أن يضيع القرآن)، فتردد الصديق ؛ لأن الصديق رضوان الله عليه كان أشد الناس اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟! كيف أجمع القرآن في صحف واحدة؟ عمر بن الخطاب ذلكم الرجل الملهم، الذي آتاه الله بصيرة، بل هو الذي وافق الله سبحانه وتعالى في كثير من آيات القرآن. ونزل القرآن موافقاً لقول عمر لا لرأيه، بل لقوله بتمامه، فمثلاً: قال عمر بن الخطاب يوماً: يا رسول الله! فلنتخذ من مقام إبراهيم مصلى؛ فنزل قول الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]. والشاهد أنه حتى بنفس الكلمات التي يقولها عمر رضوان الله عليه تتنزل آيات القرآن الكريم، فأشار عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا خليفة رسول الله! اجمع القرآن. لكنه تردد قال الصديق : فظل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراجعني حتى شرح الله صدري لما شرح له صدر عمر. والحديث في صحيح البخاري. فأرسل أبو بكر رضي الله عنه إلى كاتب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه. اسمع ماذا قال الصديق لـزيد ، قال: (يا زيد ! إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك)، انظر إلى هذا التعبير: (إنك رجل شاب) هو شاب، لكنه قدم صفة الرجولة، ليعلم شبابنا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من الشباب، والصديق حينما أسلم كان في الثامنة والثلاثين من عمره؛ لأن الرسول أوحي إليه في الأربعين، أما عمر بن الخطاب والأرقم بن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وغيرهم فقد كانوا في ريعان الشباب، لكنهم كانوا رجالاً. فـالصديق يقول لـزيد : (يا زيد (إنك رجل)؛ هذه واحدة، (شاب عاقل لا نتهمك)، أي: أنت عندنا عدل ثقة، (فتتبع القرآن فاجمعه). وانظر إلى هذا الرجل الذي يعرف قدر المسئولية وثقل الأمانة، قال زيد رضوان الله عليه: (والله لو كلفوني نقل جبل لكان أيسر علي مما كلفوني به من جمع القرآن).. أمانة ثقيلة لا يعرف قدرها إلا الرجال، ولكن: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وبدأ زيد بن ثابت رضوان الله عليه في جمع القرآن الكريم من العسب -جمع عسيب، وهو جريد النخل- واللخاف وصدور الرجال، ومن المواضع التي وجدت عليها آيات القرآن الكريم في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، وجمع القرآن الكريم كله في صحف، وهذه هي المرحلة الثانية. ثم انتقلت الصحف إلى أبي بكر رضي الله عنه، إلى أن توفي الصديق ، فانتقلت الصحف إلى بيت الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت الصحف في بيت عمر ، ثم توفي عمر رضي الله عنه، فانتقلت الصحف بهيئتها وحالتها إلى بيت حفصة زوج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنة سيدنا عمر رضي الله عنهما.

    جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان

    فلما تولى الخلافة بعد عمر رضي الله عنه سيدنا عثمان بن عفان رضوان الله عليه، وامتدت الغزوات والفتوحات في أرمينيا وأذربيجان، وبدأت راية التوحيد ترفرف على كثير من الأرض، وعاد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أمين السر النبوي، ذلكم الرجل الذي أطلعه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسماء المنافقين، حتى ذهب إليه يوماً عمر بن الخطاب وقال: (أنشدك الله يا حذيفة ! هل سماني رسول الله في المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً). فـحذيفة رضوان الله عليه حضر هذه الغزوات، فعاد -والحديث في صحيح البخاري وغيره- إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يقول: (أدرك الأمة يا أمير المؤمنين قبل أن تختلف في كتابها كما اختلفت الأمم من قبلها! قال عثمان : وما ذاك؟ قال: غزوت أرمينيا وأذربيجان، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب ، فيأتون بما لم يسمعه أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمعه أهل الشام، فكفر بعضهم بعضاً). وكان من رحمة الله سبحانه للأمة أن أنزل القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم على سبعة أحرف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف)، فكان الرجل يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، فيسمع صحابي آخر قرأ بقراءة أبي بن كعب ، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثبتوا) ، والقراءتان صحيحتان، وكلاهما من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم من باب التخفيف والتيسير -كما قال جمهور المفسرين من أهل العلم. فاختلف الصحابة القراء؛ فجاء حذيفة رضوان الله عليه إلى عثمان فقال: (أدرك الأمة يا أمير المؤمنين)، فشرح الله صدر عثمان رضي الله عنه لما قاله حذيفة ، فجمع القرآن الكريم. أرسل الخليفة الثالث لـحفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف، فأرسلت الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وانتقلت منه إلى عمر ثم إلى حفصة ، ونادى زيد بن ثابت مرة أخرى، ونادى الكتاب الذين اختارهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يتتبعوا القرآن، وأن يجمعوه، ثم قال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه قد نزل بلسانهم. واستقرت الصورة الأخيرة للقرآن على لسان قريش. أي: على اللسان الذي نزل به القرآن الكريم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نزل بلغة قريش، وجمع عثمان رضوان الله عليه القرآن كله في مصحف واحد، وهذا هو الذي يسمى بالمصحف الإمام، ونسخ منه مجموعة من المصاحف، وأرسل إلى كل مصر -أي: إلى كل أفق من الآفاق، وبلد من البلدان الضخمة- بمصحف، وظل هذا القرآن موجوداً بين أيدينا إلى هذه اللحظة، لم تحذف منه آية، ولم تتغير فيه كلمة، ولم يتبدل فيه حرف؛ مصداقاً لقول ربنا جل جلاله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]؛ وما تولى الله حفظه لا يضيعه أحد!

    1.   

    فضل القرآن على غيره من الكلام

    أن جمع القرآن بدأ من عهد سيدنا فضيلة الشيخ! قلت: إن كل إنسان يستطيع أن يأخذ من القرآن، سواءً الكيميائي والعالم والمهندس.. وغيرهم، لكن الحقيقة اليوم أنا نرى القرآن بقي موجوداً في السيارة ليتبرك به وعلى الرفوف إلا من رحم ربي... الشيخ: هذا هو الذي ينبغي أن نتحدث عنه في هذا اللقاء، فنحن نتحدث عن حق القرآن علينا، وكما تفضلت وافتتحت اللقاء الكريم، بأن فضل القرآن على كل كلام كفضل الله سبحانه وتعالى على كل الخلق والبشر. فهذه العبارة تبين لنا أن القرآن الكريم لا حد لفضله، ولو اجتمع علماء الأمة، ومن الله عليهم بلغة البيان، وفصاحة الأسلوب، وعظمة التبيان، فلن يستطيعوا أن يعبروا عن فضل القرآن، كيف وقد ذكرت بأن فضله كفضل الله على كل خلقه. من الذي يستطيع أن يحد هذا الفضل أو أن يعرف مقداره؟ لا أحد، إلا من أنزل القرآن سبحانه وتعالى، ولكن أستطيع أن أقرب لكم، وذلك من كلام نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم لأولئك الأفاضل من المسلمين والمسلمات؛ ليعلم كل مسلم ومسلمة فضل القرآن، وحتى لا يهجر أحدنا كتاب الله سبحانه.

    1.   

    الحث على الإكثار من قراءة القرآن

    وقبل ذلك أقول: إن كثيراً من المسلمين أو إن بعض المسلمين والمسلمات ربما لا يفتح كتاب الله عز وجل إلا في رمضان. مداخلة: قد يقول: أنا ختمت في رمضان خمس مرات.. ست مرات، وهذا يكفيني!! الشيخ: وهذا شيء جميل وعظيم وجليل، لكن الذي يقلق القلب أنه ربما بعد هذا الجهد المبارك يغلق كتاب الله عز وجل، ويضع المصحف في القطيفة الفخمة الضخمة، ويظل هذا الكتاب مغلقاً إلى أن يأتي رمضان.

    أهمية أن يجعل الإنسان لنفسه ورداً يومياً من القرآن

    يجب على كل مسلم ومسلمة أن يجعل له ورداً يومياً مع كتاب الله سبحانه وتعالى؛ ليمتع بصره وعقله وقلبه بكتاب الله جل جلاله. يقول نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه-: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، تصور عندما تقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]؛ (ألف، لام ميم)، تكسب ثلاثين حسنة بموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. ربما يتألم أحد آبائنا الأفاضل الآن وهو يستمع إلينا ويشاهدنا، وربما تبكي -والله- عينه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! أنا لا أحفظ شيئاً من القرآن الكريم، لا أحفظ إلا الفاتحة، ولا أحفظ إلا سورة الإخلاص، وأذكره وأقول: معك شيء عظيم، كرر السورة، فلو قرأت سورة الإخلاص ثلاث مرات، كأنما قرأت القرآن كله، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم. كرر السورة في أي وقت ترى نفسك قادراً على أن تردد كلام الله عز وجل ولا تتردد، فإن أعظم كلام تقرؤه ويتحرك به لسانك، ويتحرك له جنانك، وتدمع له عينك، ويخشع له جسدك، وتقشعر له جوارحك؛ هو كلام الحق سبحانه وتعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ [الإسراء:9]، فيجب عليك أن تقرأ كتاب الله وأنت متطلع إلى هذا الفضل العظيم، والأجر الوفير الجميل الجسيم الكبير، (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها). انظر ماذا يقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم؟ يقول: (ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، ويقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه-: (اقرءوا القرآن -أمر نبوي- فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، اللهم شفع القرآن فينا يا رب!

    فضيلة القرآن والتنافس فيه

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب! منعته الطعام والشراب؛ فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب! منعته النوم بالليل؛ فشفعني فيه، قال صلى الله عليه وسلم: فيشفعان) أي: يشفع الله الصيام والقرآن للصائم القائم بالقرآن الكريم. وتدبر معي هذا الحديث الجميل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، والحسد هنا بمعنى الغبطة، والغبطة معناها: أن تتمنى أن ينعم الله عز وجل على العبد الذي تطلعت إلى النعمة معه، وأنت في الوقت ذاته تتضرع إلى الله أن يمن عليك بمثل ما من به على أخيك، لكن الحسد: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك، فشتان بين الحسد والغبطة! فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، ربما يفهم الحديث بعض أحبابنا فهماً قاصراً، فيقول: هل تريد منا يا أخي -بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرت الآن- أن نعكف على القرآن آناء الليل والنهار، وأن نترك أعمالنا وأشغالنا وتجاراتنا.. إلى آخره؟ فأقول: لا. ليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن يداوم المسلم على قراءة القرآن بقدر ما يستطيع، وأن يكثر من قراءة القرآن بقدر ما يستطيع، بل تستطيع أنت أن تقرأ القرآن حتى وأنت في بعض أشغالك وأعمالك، إن لم يكن العمل يحتاج إلى صفاء ذهن وتركيز عقل؛ فهناك من الأعمال ما تستطيع أن تبدأها على الأقل بآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن وجدت نفسك فارغاً من عمل لنفسك أو للمسلمين؛ فلا بأس أن تردد ما تحفظه أنت من كتاب الله سبحانه وتعالى، فالهدف أن يكثر المسلم من قراءة القرآن، وأن يداوم النظر في كتاب الله على قدر ما يستطيع، من باب قوله جل وعلا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. وفي الصحيحين أيضاً من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ومن جميل ما قاله سيدنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسند صحيح، وكذلك الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق -في درجات الجنة- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، انظر إلى هذه الدرجة العظيمة، وهذا الفضل العظيم الذي يناله قارئ القرآن.

    فضل الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق

    ربما يسأل الآن كثير من أخواتنا الفضليات وإخواننا الفضلاء أيضاً ويقولون: فماذا نصنع ونحن لا نقرأ القرآن إلا بمشقة وعسر؟ ربما تقول أم من أمهاتنا الآن: أنا لا أقرأ الآية إلا بعذاب، وربما يقول والد من آبائنا الفضلاء: أنا لا أحسن أن أقرأ القراءة بيسر وسهولة وطلاقة. وهؤلاء الفضلاء أبشرهم ببشرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة -يعني: من الملائكة- والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق؛ له أجران)، فلا تتخل أيها الفاضل! ولا تتخلي أيتها الفاضلة عن قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    هجر القرآن الكريم وأنواعه

    مداخلة: كنت أقرأ القرآن فاستوقفتني آية تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم يشكونا لله سبحانه وتعالى يوم القيامة وهي قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] فما معنى هجر القرآن في الآية؟ الشيخ: هجر القرآن أنواع: هجر السماع، وهجر التلاوة، وهجر العمل بالقرآن، وهجر التداوي بالقرآن. هجر السماع: قال الله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]. هجر التلاوة: وقد ذكرت فضل تلاوة كتاب الله عز وجل. هجر العمل: وهذا أخطر أنواع الهجر، ودعني أؤكد لك ولإخواني جميعاً أن هذه الأمة قد تحولت من رعاة للإبل والغنم، إلى سادة وقادة للدول والأمم يوم أن عملت بكتاب الله عز وجل، وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ووقفت عند حده، وقالت للقرآن الكريم: سمعنا وأطعنا، وقالت لله سبحانه في كل أوامره ونواهيه وحدوده في القرآن: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]. قال جل وعلا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36]. فهجر العمل بالقرآن هو أخطر أنواع الهجر، قال جل وعلا: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3]. لم ينزل الله عز وجل القرآن ليتلى على الأموات في القبور، أو ليوضع في علب القطيفة الفخمة والضخمة، أو ليوضع في البراويز الذهبية والفضية ليحلي النساء بهذه البراويز صدورهن، أو ليوضع في البراويز الضخمة لنحلي بهذه البراويز الجدران والحوائط، كلا، إنما أنزل الله عز وجل القرآن ليقيم به الأمة، وليحيي به القلوب والعقول والضمائر والأخلاق. ما أنزل الله القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم لتشقى أمته بهذا القرآن أو بأوامره أو بنواهيه أو بتكاليفه، بل ما أنزل الله عليه القرآن إلا لتسعد به البشرية كلها، والأمة الإسلامية خاصة؛ لأنه كلام الله عز وجل الذي ارتضاه سبحانه وتعالى منهاجاً ودستوراً لا للأمة المسلمة، بل للبشرية جمعاء: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الإسراء:9-10]. فهذا القرآن ما أنزله الله عز وجل إلا لنقيمه وتمثيل أوامره.. ونجتنب نواهيه.. ونقف عند حدوده، ونحن في غاية الحب لله والرضا عنه، قال جل في علاه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]. فيجب على هذه الأمة أن تعلم أنه لا سعادة لها ولا كرامة إلا إذا عادت إلى هذا القرآن الكريم فهو دستورها ومنهج ربها سبحانه وتعالى؛ تعود إليه لتطبقه آية آية، وحكماً حكماً، وتكليفاً تكليفاً، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وهي تردد في غاية الحب لله والرضا عن الله قولة الصادقين السابقين الأولين: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]. يجب علي أن أطبق القرآن على نفسي وعلى بيتي، ويجب عليك أن تطبق القرآن على نفسك وعلى بيتك، وهذا واجب كل مسلم ومسلمة، فهذا القرآن لم ينزله الله سبحانه وتعالى للاستمتاع السالب، أو للثقافة الذهنية الباردة الباهتة، وإنما لنحوله في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة يتألق في دنيا الناس سمواً وروعة وعظمة وجلالاً، وحركة وعملاً وبناءً. فيجب على كل مسلم في ميدانه أن يمتثل لقرآن ربه: الطبيب في عيادته.. المهندس في ورشته.. الزوجة في بيتها.. الجندي في موقعه.. العامل في مصنعه.. الفلاح في حقله. ما دمنا قد أسلمنا لله، فيجب أن نسلم عقولنا وقلوبنا لمنهج ربنا تبارك وتعالى، وأن نجعل منهج السمع والطاعة لله سبحانه، ولسيدنا رسول الله. قال البشير النذير صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة، وسورة آل عمران، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو غيابتان، أو حزقان أو فرقان من طير صواف؛ تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة). انظر الوعيد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام في حديث آخر رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فيقال له: كذبت! بل قاتلت ليقال هو شهيد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)، لم يقاتل لله سبحانه، وإنما قاتل للشهرة وللأضواء والعدسات ولتقول الدنيا كلها: إنه جريء.. إنه بطل، والله عز وجل وحده هو الذي يعلم السر وأخفى. ( ورجل آتاه الله القرآن وعلمه العلم، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! بل تعلمت وعلمت ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: ما تركت سبيلاً تحب أن ينفق فيها إلا وأنفقت فيها لك، قال: كذبت! بل أنفقت ليقال هو جواد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). فيجب علينا -أيها الإخوة والأخوات- أن نعلم أن الله ما أنزل القرآن لنضعه في علبة وقطيفة فخمة ضخمة، أو في البراويز، أو لنقرأه على الأموات، وإنما أنزل الله القرآن لنحوله في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة، ولا سعادة لنا ولا كرامة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا مرة أخرى إلى القرآن، كما ما عاد إلى القرآن أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، فحولوه في حياتهم إلى منهج حياة، فتحولوا بهذا القرآن الذي عمروا به الكون من رعاة للإبل والغنم، إلى سادة وقادة للدول والأمم. أسال الله أن يردنا إلى القرآن رداً جميلاً. وأختم كلامي بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.