إسلام ويب

سلسلة إيمانية - حق الزوجةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحياة الزوجية مملكة إيمانية كريمة، لا يعرف قدرها كثير من الأزواج، ولأجل ذلك كثرت المشاكل، وكثر الطلاق، وانتشر الفساد في كثير من الأسر المسلمة، ولا علاج لذلك ولا مخرج إلا برجوع الزوجين إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبهما يسعد الزوجان، ويعرف كل منهما الحق الذي عليه فيؤديه، والحق الذي له فيجده.

    1.   

    حقوق الزوجة على الزوج

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً من أهل السعادة في الدارين، وأستهل هذا اللقاء الجليل بهذا الدعاء الكريم المبارك: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]. الحياة الزوجية مملكة إيمانية كريمة، لا يعرف قدر هذه المملكة كثير من الأزواج، فالزوجان معاً في هذه المملكة لهما قدر كبير، ومكانة عظيمة، أما الزوج فبما جعل الله عز وجل له من قوامة، كما في قوله سبحانه وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، وأما الزوجة فملكة متوجة كريمة في هذه المملكة الإيمانية، فهي شريكة الحياة، ورفيقة الدرب، وقرة العين، قال الله جل وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].ولاحظ أن الرعية في هذه المملكة الإيمانية الكريمة هم ثمرة الفؤاد، ولب الكبد، وزهرة الحياة الدنيا، هم الأولاد، قال جل وعلا: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:46]. هذه المملكة الإيمانية إن ظلل سماءها في البيت منهج رب البرية، ومنهج سيد البشرية، وارتوى نباتها بماء الحب والمودة والرحمة الندية، آتت هذه المملكة ثمارها كل صبح وعشية، وإذا ظهر يوماً في أرضها نبتة سوء لمشكلة يومية أو أسرية، فإنها حتماً ستذبل أو ستموت؛ لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تنبت مثل هذه النبتة في هذه الأرض التقية النقية الزكية، فالحياة الزوجية حياة جليلة كريمة، الزوج والزوجة فيها ملكان متوجان، وما وقعت هذه المشاكل إلا لما غاب عن هذه الأسر منهج الله، ومنهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف كل من الزوجين ما له وما عليه من الحقوق والواجبات. واسمح لي أن نستهل الحديث اليوم في هذا اللقاء عن حق الزوجة وذلك تأدباً منا بأدب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بقوله: (استوصوا بالنساء خيراً)، فامتثالاً منا لهذا الأمر النبوي الكريم، نبدأ بالحديث عن حق الزوجة المسلمة.

    حسن العشرة وطيب الخلق

    أعظم حق للزوجة على زوجها: حسن الخلق، وإحسان العشرة. ما قيمة المال عند الزوج، وما قيمة المنصب، وما قيمة الجاه، وما قيمة الشهادة التي حصلها الزوج .. ما قيمة ما يقدمه الزوج لزوجته من طعام وشراب وثياب، ووجاهة وجاه ومنصب، إن كان سيئ الخلق، بذيء اللسان، كثير السب واللعن والطعن؟! ما قيمة هذا بالنسبة للزوجة؟! لا شيء. ما قيمة أن يقدم الزوج لزوجته كل ما تشتهيه من أمور الدنيا وهو في الوقت ذاته مملوء بالكبر والغرور، لا يعامل زوجته إلا بقسوة وغلظة وفظاظة فلا تسمع منه إلا الكلمة السيئة البذيئة؟! مداخلة: اعتقاداً منه أن هذه رجولة. الشيخ: أبداً، كما سيتضح لإخواننا جميعاً من الأزواج، وكما سنتعرف على خلق أعظم زوج وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فالزوجة تحتقر زوجها الذي يكثر السب واللعن والطعن والكلام البذيء والكلام الفاحش، فمن أعظم المفاتيح التي يفتح بها الزوج قلب زوجته: أن يكون حسن الخلق، ولا قيمة لكل ما يقدمه إن كان سيئ الخلق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - : (استوصوا بالنساء خيراً) ، أمر من رسول الله لكل زوج: (استوصوا بالنساء خيراً). بل وتدبر معي أنه في جبل عرفات في هذا اليوم الجليل الأغر المبارك الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليبين حرمة الأعراض وحرمة الدماء والأموال، ومع ذلك لم ينسَ أن يبين حرمة الزوجة المسلمة ومكانتها فقال عليه الصلاة والسلام، والحديث حديث طويل رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله ، وفيه قال عليه الصلاة والسلام : (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) ، وفي الحديث الذي رواه ابن حبان والحاكم والترمذي وغيرهم بسند صحيح من حديث أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، (وخياركم خياركم لنسائهم). أيها الأحبة! مَن مِن الأزواج لا يقدر إذا دخل على زوجته أن يلقي عليها السلام، فهو أمر لا يكلفه شيئاً على الإطلاق، حتى ولو فعل ذلك امتثالاً منه لأمر ربه وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61]، فمن السنة إن دخلت بيتاً -حتى ولو لم تجد فيه أحداً- أن تلقي السلام، فإذا دخل الزوج على أهله فمن السنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسند حسن، أنه صلى الله عليه وسلم قال لـأنس رضي الله عنه: (يا بني! إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك)، مهما كان حجم المشكلة بين الزوج وزوجه -أي: وزوجته- إذا دخل وقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ حتماً ستبدأ العقدة الأولى من عقد المشاكل في الحل، فإذا خرج مرة ثانية وعاد وألقى السلام ستحل العقدة الثانية، وهكذا. يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (يا أنس ! إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك). مَن مِن الأزواج لا يقدر على أن يلقى امرأته إذا دخل عليها بوجه طلق؟ روى الإمام مسلم في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) وأولى الناس بطلاقة الوجه من الرجل هي امرأته؛ فهي أقرب الناس إليه. وهناك من الأزواج من إذا دخل البيت اكفهر وجهه، ولا بد أن تقوم المرأة، ولا بد أن يستيقظ النائم، ويقف الجالس, وأن تحدث حالة من الطوارئ لمجرد أن الزوج قد دخل؛ بدعوى أن هذه هي الرجولة! كلا، ما كان هكذا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو خير زوج عرفته الدنيا، بل بالعكس، كان رحيماً رقيقاً مؤدباً مهذباً، بل لقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما أحل الله له؛ إرضاءً لنسائه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على زينب رضوان الله عليها يطيل المكث عندها، فدبت الغيرة في قلب عائشة وحفصة ؛ فاتفقتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالتا: إن دخل رسول الله على واحدة منا، فلتبتعد عنه ولتقل: إني أجد منك رائحة مغافير، والمغافير: نبتة كانت تنبت في أرض المدينة لها رائحة ليست طيبة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على حفصة، فابتعدت عنه وقالت: إني أجد منك رائحة مغافير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أكلت شيئاً، والله ما أكلت إلا العسل عند زينب ، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عند حفصة ليدخل على عائشة رضوان الله عليهن، فابتعدت عنه وقالت: يا رسول الله! ماذا أكلت؟ إني أشم منك رائحة مغافير، يعني: أنها تشم رائحة كريهة! وهو الطيب الذي كان عرقه أطيب من المسك بأبي هو وأمي وروحي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم ومسند أحمد بسند صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ -يعني: نام في وقت القيلولة- عند أم سليم ، فاستيقظ النبي عليه الصلاة والسلام وأم سليم تسلت عرقه في قارورة -في زجاجة- فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟ قالت: عرقك أطيب طيبنا يا رسول الله). وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: (خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي: أف قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ يقول أنس : ووالله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله، وما شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله)،ومع ذلك السيدة عائشة تقول له: (إني أجد منك رائحة مغافير، قال: والله ما أكلت شيئاً، والله ما أكلت إلا العسل عند زينب ، ثم يقول: والله لا آكل العسل بعد اليوم)؛ من أجل أن يرضي عائشة وحفصة رضوان الله على الجميع؛ فنزل عليه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ لماذا تحرم ما أحل الله لك؟ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:1]. انظر إلى هذا الخلق! فهناك من الزوجات من تستجدي من زوجها الكلمة الطيبة، وتتسول منه الابتسامة الحانية، في الوقت الذي تراه زوجته مع أهله وأقربائه وأصدقائه وأحبابه لطيفاً ظريفاً، ودودواً، لكنها إذا عاملته أو عاشرته وجدت منه الفظاظة والغلظة والقسوة، فأولى الناس بأن تلقاه أيها الزوج بوجه طلق هي زوجتك وامرأتك. أيها الأحبة! مَن مِن الأزواج لا يستطيع أن يخاطب زوجته بالكلمة الطيبة؟ يا أخي! الكلمة الطيبة صدقة، كما جاء في الصحيحين من قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة). أخي! تستطيع بكلمة طيبة أن تحرم نفسك على النار بإذن العزيز الغفار، وأولى الناس بهذه الكلمة الطيبة هي رفيقة دربك، وشريكة حياتك، وهي الزوجة المسلمة، فهي أولى الناس بأن تسمعها الكلام الطيب الذي تسمعه لأصحابك وإخوانك وأقاربك وأهلك وأولادك، هي من أولى الناس بأن تسمع الكلمة الطيبة الحنونة الظريفة الرقيقة الرقراقة من الزوج، بل ستعجب إذا علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداعب السيدة عائشة ، يعني: يخاطبها بالكلمة التي تحبها، يقول لها: يا عائش، فيجب على الزوج المسلم أن يختار أرق الكلمات، وأجمل العبارات التي تسعد قلب امرأته. ودعني أقول: المرأة هي المرأة، وأنا لا أقلل بذلك من قدرها على الإطلاق، وإنما أود أن أؤكد لإخواني من الرجال والأزواج أن المرأة مهما كان قدرها، ومهما كان شأنها؛ فإنها تحب على الدوام أن تسمع الكلمة الطيبة من زوجها، حتى ولو بثنائه على شراب تقدمه.. طعام تقدمه.. ثوب ترتديه، تنتظر المرأة من الزوج أن يعلق على فستانها، أن يعلق على تسريحة شعرها، أن يعلق على عطرها، أن يعلق على شرابها، أن يعلق على طعامها؛ فالكلمة الطيبة صدقة، فما ظنك إن كنت ستتصدق بهذه الكلمة على أقرب الناس إليك. أيضاً: الزوج المؤمن الصالح هو الذي لا يخاطب امرأته بكلمات جارحة نابية، وهو الذي لا يتصيد الخطأ الصغير من أجل أن يجعل منه مشكلة ضخمة كبيرة؛ ليعنف ويوبخ ويقرع، وشتان بين زوج صالح ذكي يداعب زوجته ويقول لها: إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين وبين زوج عبوس يقول لامرأته: إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين فأعظم حق وأول حق للزوجة على زوجها: أن يكون الزوج حسن الخلق، حسن العشرة.

    العون على الطاعة

    مداخلة: العلاقة الزوجية اليوم عبارة عن صراع، وكل من الزوجين يريد أن يسيطر على الآخر، ويوجد من شباب هذه الأيام من يبحث عن زوجة صالحة ولا يفكر أنه يبحث عن زوجة تعينه على دينه وهو كذلك يعينها على طاعة الله. الشيخ: هذا هو الحق الثاني -بلا نزاع-: وهو أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله سبحانه وتعالى، فالحياة الزوجية ليست مكاناً للطعام والشراب، والاستمتاع الجسدي فحسب، وإنما ينبغي أن نبحث عن الغاية التي من أجلها أنشئت الأسرة، فنحن بكل أسف نبحث عن الغاية من خلق كل شيء وجد من أجلنا، وننسى أن نبحث عن الغاية التي وجدنا نحن من أجلها. قال الله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فهذه الأسرة المسلمة لبنة عظيمة في صرح الأمة الإسلامية، فينبغي أن تعي الأسرة الغاية التي من أجلها أنشئت، فليست مرتعاً للطعام والشراب والاستمتاع الجسدي فحسب، وإنما يجب أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله سبحانه، يا حبذا لو أمرها بالإنفاق .. يا حبذا لو أطلق يدها لتنفق في سبيل الله، ولا حرج على الإطلاق إن أخبرها بأنه قد سامحها لو أنفقت شيئاً من ماله في مرضاة الله سبحانه، حتى ولو كانت النفقة على أهلها إن كانوا يستحقون هذه النفقة .. يعاونها على قراءة القرآن .. يأخذ بيدها إلى بيوت الله سبحانه وتعالى .. يستمع معها شريطاً أو يرى معها شيئاً يذكرهما بالله عز وجل. يا حبذا لو جلس مع امرأته يوماً وجمع أولاده وقال: هيا بنا لنجعل لنا ورداً يومياً مع كتاب الله سبحانه وتعالى .. هيا بنا لنجعل لنا ورداً يومياً مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل لو اجتمع معها ومع أولاده في الأسبوع مرة ليجتمعوا جميعاً على كتاب الله، أو على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على أي ذكر من الأذكار، حتى ولو خرج بها في الخلاء وفي أماكن المنتزهات أو في أماكن جميلة، وقضى معها وقتاً جميلاً، وبعد ذلك قال: هيا بنا لنجلس مثلاً مع كتاب الله، لنستمع إلى شريط من أشرطة أهل العلم ... إلى غير ذلك. ينبغي أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله سبحانه وتعالى، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى فأيقظ امرأته -يعني: لتصلي معه- فإن أبت نضح في وجهها الماء)، الرسول يقول (نضح) وليس أغرقها في الماء! فقد أرسلت إلي الأسبوع الماضي أخت فاضلة رسالة تقسم لي بالله فيها أن زوجها إذا أراد أن يوقظها لصلاة الفجر وتلكأت بعض الشيء لتعبها أو لمرضها، تقسم لي بالله أنه يذهب إلى الثلاجة ليأتي بزجاجة كاملة ويصب الزجاجة كاملة عليها! بدعوى أنه يوقظها لصلاة الفجر! أهذا خلق؟! ليس هذا من خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن الزوج بهذا الفعل يكون سبباً رئيساً في أن تبغض هذه الزوجة صلاة الفجر، بل في أن تبغض الصلاة، بل في أن تبغض الدين كله. فينبغي أن يكون الزوج رقيقاً لطيفاً، وأن يحب لزوجته ما يحب لنفسه، ولا يمكن على الإطلاق أن الزوج هذا يقبل أن توقظه امرأته لصلاة الفجر يوماً بنفس الطريقة التي أراد أن يوقظها بها لصلاة الفجر، والله لا يقبل هذا، وربما طلقها في التو واللحظة، وألقى عليها يمين الطلاق، فعلى الزوج المؤمن أن يعامل امرأته برفق وإحسان، وكثيراً ما أنصح إخواننا وأحبابنا ممن مَن الله عليه بالالتزام والهداية وهو يريد أن يحول امرأته في التو واللحظة إلى ما صار عليه مع أنه لم يكن كذلك، أذكرهم بقول الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]، وأذكرهم أيضاً بقول الله : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]. ولا تغفل عن قول الله عز وجل: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، فيجب على الزوج أن يكون عوناً لزوجته على طاعة الله، كما يجب أن تكون زوجته هي الأخرى عوناً له على طاعة الله عز وجل.

    1.   

    الإنفاق وعدم البخل

    مداخلة: بعض الشباب إذا تقدم للعرس تجده يكثر من الهدايا لزوجته وينفق ببذخ وتبذير حتى بعد الزواج مباشرة، ثم بعد ذلك يبدأ يبخل ويقتر على زوجته في المصروف الضروري. الشيخ: الإنفاق على الزوجة حق من أعظم حقوقها، فلا ينبغي على الإطلاق للزوج بعد الزواج أن يتقاعس عن هذا الحق الذي عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، وأود أن أبين لإخواني الأزواج أن الزوجة تبغض من كل قلبها الزوج البخيل، لا سيما إذا علمت أن الله عز وجل قد وسع عليه وأعطاه من فضله ولو كان صاحب وجاهة، ولو كان صاحب منصب، ولو كان صاحب شهادة مرموقة، ولو كان ممن يقف بين يديه الرجال، فإذا أصيب بمرض البخل فإن زوجته تبغضه غاية البغض. إذاً: الإنفاق بلا إسراف ولا تقتير، وبلا إفراط أو تفريط من آكد حقوق الزوجة على زوجها، يقول الله سبحانه وتعالى: (لينفق) واللام هنا لام الأمر لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، يعني: من ضيق عليه رزقه فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً [الطلاق:7]، هذه رحمة الله سبحانه، الله لا يكلفك أن تنفق إلا في حدود قدراتك، لكن ليس معنى ذلك أن تبخل على امرأتك أو على أولادك، والنبي صلى الله عليه وسلم يبشرنا معاشر الأزواج بأن النفقة على الزوجة مع أنها واجب على الزوج لو احتسبها فهي له عند الله صدقة. بشرى عظيمة .. نفقتي على زوجتي واجب علي، ومع ذلك لو احتسبت هذه النفقة وصححت النية فأنا مأجور عليها من عند الله جل وعلا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه : (إذا أنفق الرجل نفقة على أهله يحتسبها فهي له عند الله صدقة). وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها عند الله أجراً دينار أنفقته على أهلك). كثير من الأزواج لا يجدد النية في النفقة، فينبغي أن تجدد النية في كل شربة وفي كل طعمة تقدمها لامرأتك وأولادك، فلك بها أجر مع أنها واجب وفرض عليك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، فالنفقة على الزوجة من أعظم وآكد حقوق الزوجة على زوجها.

    1.   

    حق الفراش

    أيضاً من حقوق الزوجة على زوجها: حق الفراش، وأود أن أؤصل أيضاً لأخواتي الفضليات أننا لا نستحيي من لفظة ذكرها من كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرها فنحن نذكرها بدون أدنى حياء أو خجل أو وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فحق الفراش من أعظم حقوق الزوجة على الزوج، وكثير من الأزواج يضيع هذا الحق، وأنا أنكر عليه، وإن كان معذوراً بمرض، فأسأل الله عز وجل أن يشفي مرضى المسلمين، لكن هذا الزوج الذي يضيع هذا الحق الكبير لامرأته ويذر المرأة كالمعلقة، ولا يفكر في هذا الحق، في الوقت الذي لو أراد أو طلب امرأته للفراش وأبت عليه يغضب أشد الغضب، وهو حق من حقوقه أيضاً بلا شك كما سنبين إن شاء الله تعالى في اللقاء المقبل في حق الزوج على زوجته، لكن من علمائنا من يرى أنه يجب على الزوج أن يأتي زوجته في الفراش في كل طهر مرة، وهذا على أقل تقدير، وذهب إلى ذلك الإمام ابن حزم وفهمه من قوله عز وجل: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، وهذا أمر صريح في كتاب ربنا: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) فالله جل وعلا يأمر كل زوج بقوله: (فإذا تطهرن)، يعني: الزوجات (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، ومن علمائنا من يرى أنه يجب على الزوج أن يأتي امرأته على أقل تقدير في كل أربعة أشهر مرة إن كان معذوراً، لكن الذي أود أن أؤكده -وهذا ما يعنيني- أن أبين للزوجة وللزوج المسلم أن اللقاء بين الرجل وامرأته في الفراش ما هو إلا خلوة في لحظات كريمة جليلة، يستمتع فيها كل زوج بالآخر في الحلال الطيب، فإذا ظلل بآداب الهدي النبوي الكريم، واستفتح الزوج هذا اللقاء بالاستعاذة، وجدد النية بمعنى: أن يعف نفسه، وأن يعف امرأته، وأن يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة، ومهد لهذا اللقاء بالكلمة الندية، والمداعبة اللطيفة الحنونة، كما علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا استحضر كل هذه النوايا صار هذا اللقاء من أعظم الأسباب التي تقوي أواصر المحبة والمودة بين الزوجين، وصار هذا اللقاء سبباً رئيسياً من الأسباب التي تذيب الجليد والبرود الذي ينتاب الحياة الزوجية من آن لآخر حتماً، فشتان بين زوج مسلم ذكي صالح تنتظر زوجته هذه اللحظات التي تخلو فيها بزوجها، وبين زوج آخر تبغض زوجته هذه اللحظات لرائحة فم زوجها الكريهة أو لرائحة عرقه المنفرة، أو لأنها مقبلة على جولة من جولات المصارعة الحرة! نعم. أود أن أؤصل أن اللقاء كله مودة ورحمة، ومتعة في الحلال الطيب، ولو وظف هذا التوظيف لكانت هذه اللحظات من أعظم اللحظات التي تذيب كثيراً من الخلافات والمشكلات والأزمات، التي تحدث من آن لآخر في كل بيوت المسلمين، ونسأل الله عز وجل أن يستر نساءنا وبناتنا.

    1.   

    التطيب والتجمل

    مداخلة: ما رأيك في الزوج الذي يتقدم إلى زوجته وهو في ريحة عمله ومع ذلك لو أن الزوجة ما تطيبت وتجملت تكون هناك كارثة؟ الشيخ: هذا أيضاً من حقوق الزوجة على زوجها وهو التطيب والتجمل والتزين، لا في وقت الفراش فقط، بل كما يريد الزوج أن تتزين وتتطيب وتتجمل له امرأته في كل وقت، بل ويغضب جداً وربما يعلن الشكوى، ويقول: إن امرأتي لا تتطيب ولا تتجمل إلا إذا أرادت أن تخرج، وإذا ما جلست معي لا تجلس إلا بثياب المطبخ التي عطرتها رائحة الثوم والبصل، فيجب عليه هو الآخر أن يكون متطيباً متجملاً متزيناً لزوجته. من أين ذلك؟ من كتاب الله سبحانه وتعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي امرأتي). أمر جميل .. فهم راق. (إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي امرأتي) ومحال أن يظن الزوج العاقل الألمعي أنها لمجرد أنها زوجة ستقبله على أي حال، فهذا مرفوض مستحيل، بل ستبغض لقاءه، وهذا من أخطر الأسباب التي تجعل كثيراً من الزوجات يمتنعن عن الأزواج، فيجب على الزوج أن يتطيب, وأطيب الطيب الماء، وأن يضع قليلاً من طيبه، من أي عطر إذا أراد أن يقبل على امرأته، وتصور خلق الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي كان عرقه أطيب من المسك، ومع ذلك كان يكثر من وضع الطيب، ويكثر من استعمال السواك ليغير رائحة فمه، ويكثر من وضع الطيب حتى قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي وغيرهما من حديث أنس قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب). إذاً: كما يحب الزوج أن تتطيب وتتزين له زوجته فمن حقها عليه أن يتزين ويتطيب هو الآخر لها.

    1.   

    الأمانة وعدم إفشاء أسرار البيت

    مداخلة: ما رأيك في الأزواج الذين عندهم دناءة فتجدهم يقعدون مع أصدقائهم في الشغل فيتكلم أحدهم على أدق التفاصيل مما حصل بينه وبين زوجته؟ الشيخ: نعم، هذا من أخطر ما يفسد العلاقات الزوجية، وكثير من الأزواج لا يشعر بهذا، فمن حقوق الزوجة أيضاً على زوجها أن يكون الزوج أميناً على أسرار البيت، ولا يوجد بيت من بيوت المسلمين إلا وتحدث فيه المشاكل، وربما تشتد المشكلة، وما دامت المشكلة داخل حدود البيت فإنها ستحل إن شاء الله تعالى ما دام كل زوج من الزوجين يريد الآخر، لكن إن خرجت المشكلة من البيت حتى وإن كانت المشكلة في بيت أهل الزوج أو في بيت أهل الزوجة فثق تمام الثقة أن المشكلة ستشتعل نارها وربما يستعصي بعد ذلك على كل من الزوجين أن يحل هذه المشكلة، مع أنها كانت في أول الأمر يسيرة لو أنها ظلت داخل جدران بيت الزوجية، وتزداد الخطورة إذا كان الزوج مفشياً لأسرار الفراش، وهذا من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم والحديث رواه أبو داود وغيره بسند صحيح من حديث أبي سعيد قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته والمرأة تفضي إلى زوجها، ثم يفشي أحدهما سر صاحبه)، يتصور أنها عنترية، أن يجلس مع أصحابه وزملائه فيقول: لقد فعلت كذا، وفعلت معي زوجتي كذا وكذا! هذه من أقبح صور الخيانة أن يفشي الرجل سر امرأته. ومن أجمل وأرق ما قرأت على الإطلاق: أن رجلاً من سلفنا الصالح حدث بينه وبين امرأته إشكال، وذهب إليه بعض الصالحين فقال له: ما الذي بينكما؟ فقال هذا الزوج الصالح: العاقل لا يهتك ستر بيته، ثم قدر الله عز وجل وطلقها، فذهبوا إليه وقالوا: ما الذي كان يريبك منها؟ فقال هذا الرجل الصالح: مالي ولامرأة غيري! هذه هي الأخلاق، وهذا هو الدين! إن من أخطر الأمور التي أحذر منها إخواني الرجال أن يحرص الزوج على أن يظل الإشكال داخل حدود بيته، وألا يفشي سر البيت لا سيما سر الفراش، فهذه خيانة للأمانة، والله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الأمانة.

    1.   

    الإحسان إلى أهل الزوجة

    مداخلة: توجد ظاهرة عجيبة في هذا العصر في أغلب البيوت، وهي: أن الزوجة تريد أن تفصل الزوج عن أهله، والزوج يريد أن يفصل الزوجة عن أهلها، ويبقى هذا صراع دائم ليس له أول ولا آخر. الشيخ: هذا لأننا لم نعد نعرف الغاية التي من أجلها أقيمت الأسرة المسلمة، وصار كثير من الأزواج يريد أن يضرب حصاراً حديدياً على زوجته، وأن يفصلها فصلاً تاماً من أسرتها. أين صلة الرحم التي من أجلها أقيمت هذه الأسرة، مع عبادة الله سبحانه وتعالى كما أصلت في أول اللقاء؟ إن الزوج المسلم يجب عليه أن يعلم أن من حق زوجته عليه أن يكرم أهلها، فإكرام الزوج لزوجته بإكرامه لأهلها، بإكرامه لوالديها، وليعلم الزوج المسلم العاقل يقيناً إن كانت الزوجة أصيلة حتماً ستبالغ هي الأخرى في إكرام أهله، فما منا من زوج إلا وهو يتمنى إذا أقبل إليه والده أو دخلت عليه أمه أو دخل عليه أهله أن تقوم زوجته ولا تقعد، وأن تقدم أطيب ماعندها، وأن تبالغ في الترحيب والتكريم، كذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وبالمقابل إذا أقبلت أم الزوجة التي صورها إعلامنا بصورة قبيحة جداً، وأنها إذا أقبلت دخلت النار إلى البيت وإلى غير ذلك من الألفاظ التي صورت أم الزوجة على أنها عدو لدود شرس للزوج! وهذا خلل وخطأ في الطرح، ينبغي أن يفطن إليه القائمون على أمر التربية والتوجيه، فواجب على الزوج المسلم أن يكرم والد زوجته وأن يكرم أم زوجته، وأن يكرم أهلها، وتعجب إذا علمت أن السيدة عائشة رضي الله عنها والحديث في الصحيحين تقول: (والله ما غرت على أحد من زوجات رسول الله ما غرت على خديجة ، مع أنني لم أرها قط). السيدة عائشة لم تر السيدة خديجة ، ومع ذلك ما كانت تغار من زوجة من زوجات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيرتها من خديجة . لماذا؟ من كثرة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها، تقول عائشة : (لقد كان يأمر بذبح الشاة ويقول: أرسلوا منها إلى صديقات خديجة)، ليس إكرام الأهل المباشرين فحسب، بل وحتى الصديقات. هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام وهذا مدخل رقيق جداً، ومفتاح لا يعرفه كثير من الأزواج، مفتاح يستطيع أن يفتح به الرجل قلب امرأته، بل سيرى منها بعد ذلك مبالغة كريمة في إكرامها لأهله إذا اجتهد هو في أن يكرم أهلها، وهذا حق للزوجة على الزوج أن يبالغ في إكرام أهلها، وليجدد النية فله بذلك أجر إن شاء الله.

    1.   

    الغيرة على الزوجة

    مداخلة: ما رأيك فيمن يدخل البيت ويفتح بهدوء، ثم يفتح الأبواب مرة واحدة فجأة، ثم يقول: أنا عندي غيرة؟ الشيخ: هذا جميل! ومن حق الزوج أن يغار على زوجته، بل دعني أؤصل لك أن الزوج الذي لا يغار على زوجته أو يقر الخبث في بيته فإنه رجل ديوث، لا يدخل الجنة إلا إذا شاء الله وتاب عليه كما أخبرنا رسول الله، فنحن لا نتألى على أحد، ولا نستطيع أن نحكم على أحد بجنة أو نحكم على أحد بنار، حاشى لله، لكن اسمع إلى ما يقوله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره- : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث -أي: الرجل الذي يقر الخبث في أهله ولا يغار على أهله - والمسترجلة من النساء)، يعني: المرأة التي تتشبه بالرجال في كل شيء، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، فمن حق الزوج أن يغار، لكن فليعلم أن الغيرة نوعان: غيرة محمودة، وغيرة مذمومة، كما في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي بسند حسن من حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله)، فأما الغيرة التي يحبها الله سبحانه فالغيرة في ريبة، الغيرة التي لها أسباب صريحة، ولها أدلة ومستندات واضحة، فهذه غيرة يحبها الله جل وعلا، وأما الغيرة التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى فالغيرة في غير ريبة، والتي تبنى على الظن والأوهام والشكوك، وهذه الغيرة تخرب البيوت، وتدمر الأسر، وإذا أطلق الزوج لنفسه الخيال والعنان ربما اتهم زوجته بأبشع التهم، فلا بد أن تكون الغيرة منضبطة، بلا إفراط أو تفريط؛ حتى تستمر الحياة وتظل بيوت المسلمين مستورة، أسأل الله أن يسترها، وأن يجعلها دائماً عامرة بالسعادة والإيمان.

    1.   

    الحلم والكرم

    مداخلة: أغلب الزوجات تقول: إن الزوج خلقه غير جيد، يعني: مجرد كلمة تتكلم يرد الزوج بغضب ورفع صوت، وبالإضافة إلى ذلك يهجرها في الفراش، يعني: يجعل من الشيء الصغير أمراً كبيراً وعظيماً. الشيخ: نعم. من حق الزوجة على زوجها أن يكون الزوج حليماً عفواً كريماً، فالكمال لله وحده، والعصمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى زمنها، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. تذكر معي الآية التي ابتدأنا بها لقاءنا : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21]. وهناك فرق كبير بين المودة والرحمة، فالمودة: الحب، فإذا ذبلت وردة الحب بين الزوجين بقيت الرحمة؛ لتظلل البيوت وتستمر الحياة، فإن أخطأت الزوجة واعترفت بخطئها فليعف الزوج، ولا يفتخر ولا يتكبر، ولا تنتفخ أوداجه، فهذا ليس من خلق الرجال فضلاً عن أخلاق الأزواج الصالحين المؤمنين الصادقين. ما من بيت -أخي الحبيب- إلا وتحدث فيه المشاكل، لقد وقعت المشاكل في أطهر وأشرف بيت، في بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل خذ هذا الحديث الذي رواه البخاري من حديث عائشة : أنه حدث بينها وبين رسول الله شيء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ألمعياً ذكياً عبقرياً صاحب قلب كبير، كان يعرف متى تكون عائشة راضية عنه، ومتى تكون غاضبة عليه، فيقول لها: (يا عائشة ! والله إني لأعرف متى تكونين راضية ومتى تكونين علي غاضبة. تقول: كيف يا رسول الله؟ فيقول: إن كنت عني راضية قلت: ورب محمد. وإن كنت غاضبة قلت: ورب إبراهيم. فقالت عائشة المحبة الفقيهة: أجل، والله لا أهجر إلا اسمك يا رسول الله)، إنما أنت في القلب، فحدث بينها وبين رسول الله شيء مع أنها أحب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أترضين أن يكون أبوك حكماً بيننا؟! فقالت: نعم. فيدخل الصديق رضوان الله عليه على رسول الله وعائشة في بيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لـعائشة : تكلمي أو أتكلم أنا. فقالت عائشة : تكلم أنت ولا تقل إلا حقاً! فلم يتحملها الصديق فقام إلى السيدة عائشة فلطمها حتى أدماها، فقامت لتختفي خلف ظهر رسول الله، والرسول يقول لـأبي بكر : (لا يا أبا بكر ! والله ما لهذا دعوناك)، والله ما أردنا هذا منك! صلى الله عليه وسلم وعفا عن عائشة. كثير من إخواننا يظن أنه إن عفا عن امرأته فهو ضعيف مهزوز الشخصية، ولا يعلم أن الحلم من شيم الرجال، والعفو عند المقدرة من شيم الرجال، ولتعلم أن هذه زوجة ضعيفة مسكينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة). من من الأزواج يتحمل أن يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم خصماً له يوم القيامة؛ لأنه ظلم امرأته؟! سيكون خصمك يوم القيامة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ظلمت هذه الضعيفة في بيتك، (فخياركم خياركم لنسائهم)، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأشج عبد القيس : (إن فيك خصلتين يحبهما الله جل وعلا، قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الحلم والأناة)، قال: أكانا فيَّ قديماً أم حديثاً؟ قال:بل قديماً، فقال هذا الرجل الفقيه: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين أو خلتين يحبهما الله سبحانه وتعالى. وليعلم الزوج أن العفو عند المقدرة من شيم الرجال، فمن حق الزوجة إن أخطأت واعتذرت أن يقبل الزوج عذرها ويعفو عنها لتستمر الحياة.

    1.   

    تربية الأبناء واجب مشترك بين الأبوين

    مداخلة: هل على الزوج الإنفاق فقط لا غير، يعني: يشتغل ويصرف وينفصل عن تربية الأولاد وتبقى الزوجة هي المتحملة لمسئولية التربية؟! الشيخ: هذا حق جليل، ودعنا نختم به لقاءنا الكريم، وما أخرناه لقلة شأنه، وإنما أخرناه ليظل في عقل وقلب كل زوج، فليعلم كل زوج أن مسئولية التربية مسئولية تضامنية مشتركة بين الزوج وزوجته، ولا يجوز أبداً له أن يتخلى عن هذه المسئولية العظيمة بدعوى أنه ممثل فقط لوزارة المالية في البيت، إذا احتاج الأولاد طعاماً.. شراباً.. ثياباً.. وما يحتاجون إليه فهو يبذله، وهو يتصور بذلك أنه قد قدم كل ما عليه تجاه زوجته، لا، فليعلم الزوج المسلم العاقل أن تربية الأولاد مسئولية تضامنية سيسأل عنها مع زوجته بين يدي الله جل وعلا، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وفيه: الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، وفي الصحيحين من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة). فمن أعظم حقوق الزوجة: أن تشعر أن زوجها يحمل معها هم الأولاد، فكم تتحطم الزوجة وتتألم حينما يكبر أولادها ويستعصي عليها أن تقود زمامهم، وتزداد المصيبة ويزداد همها إذا رأت الزوج قد انحرف وانصرف بعيداً عن هذه المسئولية الضخمة، وتركها تحمل هذا الحمل الضخم الثقيل، فيجب على كل زوج مسلم أن يعلم أن أولاده أمانة سيسأل عن هذه الأمانة بين يدي الله تبارك وتعالى، كما ستسأل الزوجة، وأتألم غاية الألم حينما يستقيل كثير من الآباء تربوياً، يستقيل من أبوة التربية ومن أبوة التوجيه، ومن أبوة الحنان، ومن أبوة الموعظة، ومن أبوة النصح، ويظن أن الأبوة فقط هي أنه كان سبباً لهؤلاء الأولاد، وهو لا يتخلف ولا يتأخر عن إحضار طعامهم وملابسهم وشرابهم، متناسياً أن التربية مسئولية تضامنية. إن من أعظم حقوق الزوجة على زوجها: أن يحمل معها هذا الحمل الثقيل، وأن يشاركها هذه الأمانة الضخمة. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يملأ بيوت المسلمين سعادة ورحمة وبركة، وأن يبارك في زوجاتنا وفي نسائنا وبناتنا، وأن يصلح شبابنا، وأن يهدي أولادنا. ودعنا نختم بالدعاء الذي استفتحنا به اللقاء: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.