إسلام ويب

سلسلة إيمانية - النبي وتكريم المرأةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يراع دين أو نظام كرامة المرأة مثل الإسلام، فقد أعزها بعد أن كانت ذليلة، وأكرمها بعد أن كانت مهانة، ونعق الغرب -كما هي عادته- في ديار الإسلام بتحرير المرأة، وهو في الحقيقة يريد سلخها من الدين والقيم والعفة، حتى تنساق وراء شهواتهم وما يريدون، فهم في الحقيقية لا يريدون لها الخير ولا السلامة، إنما يريدون لها أن تكون دمية بأيديهم يقلبونها كما يريدون.

    1.   

    تكريم المرأة في الإسلام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد: فحيا الله إخواني وأخواتي، وأسأل الله عز وجل الذي جمعني بكم على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته؛ إنه وليُّ ذلك ومولاه. أيها الأحباب! إننا نشهد اليوم هجوماً شرساً من أعداء الله على الإسلام، لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الثوابت والأصول والكليات، ويعلنون حرباً شرسة على المرأة بدعوى أن الإسلام قد ظلمها، وهم يدعونها الآن إلى التحرر من ضوابط وقيود الإسلام، فالزوج سجان قاتل -هكذا يزعمون- والأمومة تكاثر حيواني، والبيت سجن مؤبد، والإسلام قيد حركة المرأة.. إلى آخر هذه الدعاوى. ومن خلال هذا المنطلق فأنت ترى الآن حرباً على الإسلام؛ لأنه ظلم المرأة، ومن ثمَّ ترى دعوات بعد دعوات؛ لتتحرر المرأة ولتتفلت من هذه الضوابط، ومن هذا الدين بالكلية، فأرجو من أختي المسلمة الفاضلة أن ترجع سريعاً إلى التاريخ- وما زالت صفحات التاريخ مفتوحة-؛ لتقرأ سريعاً تاريخ المرأة عند اليهود، وتاريخ المرأة عند الهنود والإغريق، والرومان، بل لتقرأ تاريخ المرأة في الجاهلية عند العرب أصحاب الشهامة والرجولة قبل الإسلام، وستعلم يقيناً أن المرأة كانت مهانة، بل وستعلم أن العرب -أصحاب المروءة كان بعضهم يقتلها ويدفنها وهي حية خشية الفقر والعار، قال الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9].

    أدلة تكريم المرأة

    لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليرفع قدر المرأة، وليعلي شأنها، وليجعلها في مكانتها التي تليق بها، فهي درة مصونة، ولؤلؤة مكنونة، بل جعلها صنو الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما النساء شقائق الرجال)، بل وستعجب أن الله تبارك وتعالى قد خص النساء بسورة كاملة من كبار سور القرآن سماها باسم النساء، بل وفي أعظم المحافل التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عرفات في هذا اليوم العظيم المهيب الكريم يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام عن حرمة الدماء، ويتكلم عن حرمة المال والعرض، وفي هذا اليوم وفي هذا الموقف المهيب الجليل، ولم ينس أبداً أن يبين قدر المرأة ومكانتها، كما في مسلم من حديث جابر بن عبد الله -وهو حديث طويل- وفيه قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). بل ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بتكريم المرأة في هذا السن، بل كرّمها بنتاً صغيرة، وكرمها زوجة، وكرمها أماً؛ وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي أو صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك)، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم حق الأم على حق الوالد، وكرمها صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، بل ولم يكتف النبي بتكريم المرأة أماً، وإنما كرمها زوجة فقال: (اتقوا الله في النساء)، وقال: (استوصوا بالنساء خيراً)، وقال: (إنما النساء شقائق الرجال)، وقال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). ولم يكتف الحبيب صلى الله عليه وسلم بتكريم المرأة زوجة، وإنما كرمها بنتاً صغيرة، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسألني الصدقة، فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة -ومع ذلك لم تبخل بهذه التمرة الواحدة على السائلة وابنتيها- فأعطيتها التمرة، فقسمت الأم التمرة بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئاً -فتأثرت عائشة رضوان الله عليها بهذا المشهد الحنون الرقراق- فلما خرجت المرأة مع ابنتيها ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة ! قصت عليه ما رأت، فقال: يا عائشة! من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار). وقد يقول أحدنا: لماذا قال النبي: (من ابتلي)؟ يقول علماء الأصول: خرجت هذه اللفظة النبوية مخرج الغالب؛ لأن غالب الناس في ذاك الزمان كانوا يعتبرون البنات ابتلاءً، فخرجت اللفظة النبوية مخرج الغالب، ولذا قال: (من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)، وفي رواية مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا -أي: من ربى ابنتين حتى تبلغا، ولا شك أن التربية التي يبلغ بها صاحبها هذه الدرجة تكون على منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم- كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بالسبابة والوسطى). فانظر أيها الفاضل! يا من تتألم لأن الله رزقك بالبنات، انظر إلى هذه الدرجة وإلى هذه المكانة، فأنت رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كالسبابة والوسطى إن أحسنت تربية ابنتيك، فما ظنك لو رزق الله أحد أحبابنا وإخواننا بثلاث بنات أو بأربع أو بخمس وأحسن تربيتهن على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى الفضيلة والعفة والحياء والمروءة والشرف؟! إذاً: فهو رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

    هوان المرأة في بلاد الغرب

    وهنا وقفة مع الغرب الذي يدعي الآن أنه كرم المرأة، فانظر إلى المرأة في بلاد الغرب- وأنا أخاطب كل منصف وكل منصفة- وسترى المرأة في بلاد الغرب مهانة، يتسلى ويستمتع بها وهي جميلة حسناء، ثم ترمى بعد ذلك في دور العجائز والمسنين. ولقد رأيت ذلك بعيني عندما كنت في زيارة للمجر، ودعاني الإخوة لإلقاء خطبة الجمعة في قاعة استأجروها بالمال في (بودباست)، وأنا في الطريق إلى القاعة قبل الجمعة بساعات رأيت امرأة مجرية تجاوزت السبعين من عمرها تلاعب كلبها،ولم يلفت نظري مثل هذا؛ لأن هذا أمر متكرر! لكن الذي لفت نظري أنني دخلت وخطبت الجمعة، وألقيت درساً، وتناولت الغداء مع إخواني، وأجبت على أسئلتهم، ومكثت ما يزيد على خمس ساعات، فلما خرجت رأيت نفس المرأة جالسة تلاعب كلبها، فتعجبت وقلت للأخ المترجم معي: أريد أن أتحدث مع هذه المرأة قليلاً، وقلت له: اسألها منذ متى وهي تلاعب كلبها؟ قالت: منذ سبع ساعات. قلت: اسألها أليست عندها أسرة؟ فضحكت، وقالت: لقد تركني أولادي منذ سنوات طويلة، وأنت تعلم أن الابن والبنت بعد سن السادسة عشرة في هذه الأسر يخرج، وقالت: تركني أولادي منذ سنوات طويلة، ومات زوجي. قلت: اسألها: لماذا تعيش؟ قالت: من أجل أن ألاعب الكلب! انظر إلى الغاية! من أجل أن تلاعب الكلب وأن تستمتع بجمال الطبيعة، فقلت: اسألها: أين أولادها؟ قالت: خرجوا، قلت: ألا يأتي الأولاد لزيارتك؟ قالت: يأتون في كل عام مرة، فيما يسمونه احتفالات عيد الميلاد. قلت: فهل أتى أولادك إليك في هذا العام؟ قالت: لا، انشغلوا بأعمالهم واتصلوا عليَّ بالتلفون. قلت: صلى الله على محمد وعلى آله الذي بين لنا أن المرأة ما كرمت إلا في دينه، وما رفع قدرها إلا في الإسلام. وقد تتصور أخت فاضلة أن الله فرض عليها الحجاب للتشكيك في أخلاقها، أو أن الله حرم عليها الخلوة بالرجال الأجانب؛ لأننا لا نثق في عفتها، وهذا فهم مقلوب. وأنا أسأل وأقول: لو أنك امتلكت أيها الفاضلة جوهرة ولؤلؤة، ففي أيِّ مكان ستضعين هذه الجوهرة واللؤلؤة؟ لا شك أن الأخت الفاضلة عن آمن أماكن البيت، وربما تلف هذه الجوهرة واللؤلؤة بقطعة من الحرير، ويليها قطعة من الحرير، وتضع هذه اللؤلؤة بعد ذلك في آمن الأماكن في البيت. وأقول: أنتِ عندنا أغلى من اللؤلؤة، وأنت عندنا أغلى من الجواهر. يا درة حفظت بالأمس غالية واليوم يبغونها للهو واللعب يا حرة قد أرادوا جعلها أمة غربية العقل غريبة النسب هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب فلا تبالي بما يلقون من شبه وعندك الشرع إن تدعيه يستجب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يحجب ولم يغب وكنت في إحدى الزيارات في ألمانيا، فجاءت أخت ألمانية لتعلن إسلامها، فقلت: قبل أن تعلني الشهادة أيتها الفاضلة! أود أن أسألك: ما سبب إسلامك، وحالنا -نحن المسلمين- لا يسر عدواً ولا حبيباً؟ فردت عليَّ هذه الأخت رداً عجيباً جداً، فقالت: يا أخي! أنا أسلمت؛ لأن الإسلام دين العفة. فقلت: أنا أعلم أن الإسلام دين العفة، لكن ماذا تقصدين أيتها الأخت الفاضلة بأن الإسلام دين العفة؟ فقصت عليَّ أمراً عجيباً، قالت: إنها كانت في جولة في هولندا، ورأت جمعاً كبيراً جداً من الناس في ميدان عام، وسمعت ضوضاء وجلبة وصياحاً فاقتربت فرأيت في هذا الحلقة الضخمة رجلاً يزني بامرأة على مرأى ومسمع من الجميع. قالت: فاتصلت بالتلفون مباشرة على صديقة ألمانية مسلمة، وقلت لها: هل في الإسلام يفعل الرجل بالمرأة هذه الفعلة الشنعاء بهذه الصورة؟ فقالت: بل لا يجوز للزوج أن يأتي زوجته أمام ولده أو أمام ابنته، فكيف أمام الناس؟! قالت: فعلمت أن الإسلام هو دين العفة. وفي أمريكا شرح الله صدر أخت أمريكية كنيتها أنا بـأم عمر، ويسر الله لها أن تزوجت أخاً مسلماً، وبعد سبعة أيام أصرت هذه الأخت الفاضلة أن أذهب إلى البيت لأتناول الغداء معها ومع زوجها، وجلست هذه الفاضلة لتسألني وأنا أجيب، فقلت لها: يا أم عمر! أود أن أتعرف -الآن- على مشاعرك نحو الإسلام. فقالت لي: والله! يا شيخ! أود الآن أن أصرخ بأعلى صوتي؛ لأسمع كل امرأة أمريكية أنني أخيراً وجدت ديناً يحفظ للمرأة كرامتها. فلا ينبغي أيتها الأخوات! أن نغالط أنفسنا، ويجب على الأخت الفاضلة أن ترجع إلى التاريخ لتعلم يقيناً أنها ما كرمت ولا شرفت إلا في دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا أقترح أن نفرد حلقة كاملة لنتكلم عن حق المرأة في الإسلام.

    1.   

    تربية الأولاد في الإسلام

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة متجسدة في الناس لاسيما مع الأطفال، وأتمنى أن ينتبه إخواني وأخواتي في البيوت لأخلاق المربي الأول وأستاذ البشرية الأعظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يتعامل مع الأطفال؟ وكيف كان يرحم الطفل؟ وكيف كان يربي الطفل؟ وهذا أمر مهم؛ لأننا الآن بكل أسف إذا أردنا الآن أن نربي أطفالنا وأولادنا نبحث عن كتب تربية غربية لا تتفق مع عقيدتنا ولا مع أخلاقنا، بل تصطدم اصطداماً مباشراً مع الدين والقرآن وخلق النبي عليه الصلاة والسلام. ونحن لا نمنع على الإطلاق أن نربي أولادنا على كل ما هو جديد في عالم العلوم والتكنولوجيا، بل نحن نشجع أيَّ شيء يربي أولادنا على التقدم العلمي ما دام هذا لا يصطدم اصطداماً مباشراً أو غير مباشر مع عقيدتنا وقيمنا وديننا وأخلاقنا، بل إن أمتنا هي أمة العلم، ويجب على أولادنا وإخواننا أن يعلموا علم اليقين أنه في الوقت الذي كان فيه المسلمون ينطلقون انطلاقاً في الجانب العلمي كانت أوروبا ما زالت تعيش في الظلام، واقرءوا تاريخ الأندلس لتعلموا ذلك، لكن في الوقت الذي قفز فيه الأوروبيون بحضارتهم على هذه الأصول والجذور، تخلف المسلمون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فأنا لا أنكر على الإطلاق أن نربي أولادنا على كل ما هو حديث في عالم التكنولوجيا وفي عالم التقدم والعلوم؛ بشرط ألا يصطدم ذلك مع قيمنا وأخلاقنا وديننا، لكنني أقول: الذي يؤلم القلب أننا قد نبحث في كتب التربية التي تصطدم مع عقيدتنا وأخلاقنا؛ لنربي على هذه الكتب أولادنا وأطفالنا، مع أن الأصل أن الله عز وجل قد رزقنا بمنهج تربوي كامل متكامل، كيف لا، والمربي الأول والأعظم محمد صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن؟! وكان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال في غاية الود والرحمة والرقة، وكانت وسيلة العقوبة آخر وسيلة يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم. وأذكر لكم قصة وهي: أن رجلاً من الأفاضل اشترى أنتريهاً جديداً، وكان فاتح اللون، ولما وصل إلى البيت وضع (الأنتريك) في الصالة، وهو في غاية السعادة به والفرح، وذهب إلى عمله، وعاد في نفس اليوم فوجد (الأنتريك) قد تحول إلى كاريكاتير؛ لأن ولده البالغ من العمر أربع سنوات أمسك القلم الجاف -وهو لا يعي ولا يدرك- وحول (الأنتريك) إلى ألوان؛ بقي أربع ساعات يرسم رسومات وأشكال، ولما رأى الرجل المشهد ظل يصرخ ويصرخ، وقبل أن يعاقب الطفل عاقب أمه، ثم عاقب الطفل فضربه ضرباً شديداً، وليته اكتفى، وإنما ربط يد الطفل في رجل كرسي، ويده الأخرى في رجل الكرسي الأخرى بقسوة شديدة، وظل الطفل يصرخ ويصرخ، وأمه لا تجرؤ أن تقترب منه؛ لأنه أغلظ لها القول، وظل جالساً في غضب شديد حتى انقطع صراخ الطفل تماماً، فظنوا أنه نام! فأقبلت الأم فرأت عجباً!! رأت أن يد الطفل قد تحولت إلى اللون الأزرق الداكن، وقد أغمي على الطفل، فصرخت، فجاء المسكين أبوه يجري، وفك يده وحمله على كتفه، وأسرع به إلى أقرب مستشفى، وهنالك في المستشفى قرر الأطباء بتر الكفين!! وأنا أتمنى أن تتصوروا العذاب والألم والضنك الذي عاش فيه هذا الوالد وعاشت فيه هذه الأم بعد أن خرج الطفل بلا كفين. إن هذا خلل في المنهج التربوي، وقد يأتيك مثلاً أحد إخوانك ومعه طفل أو طفلة، وتسأله: كم عمرك يا بني؟! قد يقول: عشر سنوات. فتقول: ما شاء الله، كم تحفظ من القرآن؟ فيقول: الحمد لله؛ أحفظ عشرين جزءاً، فتنظر إلى ولدك وتقول: تسمع يا خايب! أنت وأبوك، انظر هذا يحفظ عشرين جزءاً، وأنت لا تحفظ إلا جزءاً وبمجرد ما ينصرف هذا الأخ الصديق وولده تضرب ولدك ضرباً مبرحاً، وتريد أن تختزل تقصيرك أنت في حق ولدك في سنوات مضت في دقيقة واحدة أو في ساعة واحدة! وهذا خلل في المنهج التربوي، فلماذا لا نرجع إلى المربي صلى الله عليه وسلم؛ لننظر كيف ربى الأطفال؟ وكيف تعامل مع الأطفال؟ فالطفل يحتاج إلى الرحمة والحنان والود، ولا حرج على الإطلاق أن تستخدم وسيلة التأديب، لكن اجعل هذه الوسيلة آخر وسيلة من وسائل التربية وبرحمة، ويكون العقاب متفقاً مع الجرم والخطأ.

    1.   

    معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال

    روى الإمام مسلم في صحيحه- : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده رجل اسمه الأقرع بن حابس رضي الله عنه، وكان شديداً -يعني: مجبولاً على الشدة والقسوة، فرأى الأقرع بن حابس النبي عليه الصلاة والسلام يقبل الحسن والحسين ، فقال: تقبلون أولادكم؟ والله إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحداً منهم، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: وما أملك لك إن نزعت الرحمة من قلبك؟!). إذاً: الانطلاقة الأولى: الرحمة، فعليك أن تنطلق من الرحمة، وتؤدب برحمة. وهذا الحسن بن علي وهو ابن فاطمة رضوان الله عليهم امتدت يده إلى تمرة من تمر الصدقة وهو طفل، وأراد أن يضعها في فمه، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من يده وقال (كخ كخ، ألا تعلم أننا لا نأكل من الصدقة؟)، ولم يضرب يده، بل أخذها برحمة عجيبة. وهذا جابر بن سمرة وهو طفل صغير -والحديث في صحيح مسلم - يقول: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة -كان يصلي مع النبي في المسجد صلاة الصبح- فخرج النبي بعد الصلاة من المسجد فقابله الصبيان، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يمسح خد كل واحد منهم واحداً واحداً، قال: ومسح النبي صلى الله عليه وسلم على خدي، فشممت ليديه ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار) فلم ينس أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خده. جاءني رجل من الأفاضل وقال لي: أنا عندي طفل عمره عشر سنوات، يحفظ سورة يوسف والرعد وإبراهيم من شريط لك، وأنا أحبه، قلت: الحمد لله. قال: لكنني سأحضره لأول مرة إلى المسجد في الجمعة المقبلة، قلت: مرحباً به، وهذا أمر عادي. قال: لا، ليس عادياً. قلت له: لماذا؟ قال: هذه اللعبة هدية، أرجو منك أن تضعها في منبر المسجد، وإذا أحضرت ولدي في الأسبوع المقبل في صلاة الجمعة، سأقدمه لك فسلم عليه، وادع له، وقدم له هذه الهدية على أنها منك؛ ليزداد تعلقه بك وبالدين وبالمسجد -انظر إلى هذا الفهم الراقي- وبالدعوة وبالدعاة وبالعلماء. وهكذا إذا سلم الطفل على الشيخ أو على رجل من أهل العلم سيرجع إلى البيت وهو يقول: سلمت على الشيخ يا أمي وأمه تقول له: ما شاء الله، وهو فرحان سعيد، فلذلك الصحابي لم ينس أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خده، وكذلك لم ينس رائحة يد النبي عليه الصلاة والسلام. وروى مسلم في صحيحه: أن عمر بن أبي سلمة -وهو ممن تربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم- قال: (كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة -الإناء الذي يوضع فيه الطعام- فقال لي: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فما أحوجنا الآن إلى أن نرجع إلى درة تاج الجنس البشري، وإلى أعظم مرب عرفته الأرض، وإلى أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية ورسولها ونبيها صلى الله عليه وسلم؛ لنتعلم من هذا المربي الأعظم كيف نتعامل مع أولادنا، لا سيما ونحن نعيش الآن زماناً قد اختلط فيه الحابل بالنابل.

    1.   

    معاملة النبي عليه الصلاة والسلام للفقراء

    كان النبي صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، بل كان قرآناً متحركاً بين الناس في دنيا الواقع، وهذا هو السر الذي جعل القلوب تنجذب إليه صلى الله عليه وسلم وتتعلق به وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرم اليتامي والفقراء غاية التكريم، فقد أخبر أن كافل اليتيم في منزلته في الجنة، كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى). بل جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلى بسند حسن، قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يفتح باب الجنة)، فأرى امرأة تبادرني -تسابقه تريد أن تدخل مع النبي عليه السلام الجنة -فأقول: ويحك! من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي). انظر إلى مكانة هذه المرأة التي مات زوجها؛ فتفرغت لتربية الأولاد على الفضيلة والشرف والعفة، وأبت أن تتزوج لتتفرغ لتربية أولادها. وهذا أبو سفيان وهو السيد الشريف العظيم الكريم، ورد في صحيح مسلم: أنه مر يوماً على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء -كـصهيب وعمار رضوان الله عليهم جميعاً -وكان يجلس معهم في ذلك الوقت أبو بكر رضوان الله عليه- فلما رأى الصحابة رضوان الله عليهم أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها؛ فغضب أبو بكر رضي الله عنه، والتفت إلى الصحابة وقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ وغضب وترك المجلس وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه ما قال الصحابة وما قاله. فقال الرسول لـأبي بكر رضي الله عنه؛ (يا أبا بكر ! لعلك أغضبتهم؟ -يعني: بلالاً وعماراً وصهيباً- فوالله! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك عز وجل)، فانطلق يجري إليهم وقال: إخوتاه! أوغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي! انظر إلى مكانة هؤلاء الفقراء، وهم الذين عوتب فيهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه قول الله جل وعلا حينما أراد أن يفرغ نفسه لدعوة السادة من أهل الشرك، وأن يخصهم بمجلس بعيداً عن صهيب وعمار وبلال ، فنزل قول الله جل وعلا: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]، عوتب في هؤلاء بهذه الكلمات الشديدة (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)! هذه الكلمة تقال لسيدنا رسول الله، ويأتي الأمر واضحاً: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]، وأعلنها بكل قوة وصراحة: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، فالله جل وعلا غني عن كل خلقه، فعوتب الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أنه أراد بذلك دعوة هؤلاء السادة، وهو يعلم يقيناً أن قلوبهم لو ذاقت حلاوة الإيمان لعادوا بأنفسهم إلى هؤلاء الفضلاء الشرفاء، لكن الله جل وعلا عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28]، فلقد كرم النبي صلى الله عليه وسلم اليتيم تكريماً عظيماً وعامل الفقراء بتواضع جم. وقال ربنا جل وعلا لنبينا: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:1-11]، فما أحوجنا إلى هذه الرحمة! وما أحوجنا إلى التواضع. قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى لا يفخر أحد على أحد)، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7]. فيجب عليك -أيها الحبيب- يا من منّ الله عليك بالعلم! ويا من منّ الله عليك بالمال! ويا من منّ الله عليك بالجاه والسلطان! أن تتواضع لربك جل وعلا، وأن تتواضع لخلق الله وعباد الله، فلقد زكى ومدح ربنا المؤمنين وأصحاب سيد المرسلين بأنهم رحماء بينهم.

    1.   

    معاملة النبي عليه الصلاة والسلام للعصاة

    أود أن أذكر أحبابي وإخواني بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غاية الرحمة مع المذنبين والعصاة، وأنا أسأل: لو أن طبيباً فتح عيادة خاصة، وأنفق عليها وأعدها وهيأها، وفي أول يوم بدأت فيه العيادة في العمل دخل إليها المرضى، فهل يمكن لهذا الطبيب أن يطرد هؤلاء؛ لأنهم أتوه وهم مرضى وهو لم يفتح عيادته إلا للمرضى؟! فالرجل العاصي والمذنب مريض يحتاج إلى صدر حنون، ويحتاج إلى قلب واسع ليذكِّره بالله تعالى، فنحن نبغض المعاصي ونبغص الذنوب، لكن يجب علينا أن نفتح قلوبنا للمذنبين والعصاة؛ لنذكرهم بالله، ولنأخذ بأيديهم إلى طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مَن مِن البشر لم يذنب؟ ومَن مِن الخلق لم يخطئ؟ لقد انتهى زمن العصمة بموت الحبيب صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، والله جل وعلا وهو الرحيم الكريم خالق الخلق يفرح إذا عاد عبده إليه بالتوبة والأوبة، فلماذا ننظر إلى العصاة هذه النظرة؟ ولماذا نحكم عليهم ونتعجل بتكفيرهم وتفسيقهم وتبديعهم؟ حتى إن بعضهم يقول: فلان في جهنم، وفلان في الدرك الأسفل من النار، وأقول: يا أخي! أنت ما جلست على باب جهنم ولا على باب الجنة؛ لتدخل من أردت وتمنع من شئت، وإنما هذا الأمر لله وحده، ولا يستطيع أحد ألبتة أن يحكم لأحد بجنة أو أن يحكم لأحد بنار. ونحن نبغض المعصية يقيناً، لكن يجب علينا أن نفتح طريق الأمل وباب التوبة الذي فتحه ربنا وفتحه نبينا صلى الله عليه وسلم للمذنبين والعصاة من أمثالي. فهذا صحابي ارتكب كبيرة الزنا -وهي أكبر كبيرة بعد الشرك والقتل- فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث في صحيح مسلم ، واسم هذا الرجل ماعز بن مالك - فقال: يا رسول الله! طهرني، يا رسول الله! طهرني، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل: أغلقوا الأبواب... اقبضوا عليه.. امسكوه، لم يقل شيئاً من ذلك، وهو المشرع صلى الله عليه وسلم، وذهب الرجل إليه معترفاً، والاعتراف سيد الأدلة. اسمع ماذا قال الحبيب الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والرءوف الرحيم بالمؤمنين: (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه) فيرجع ماعز بن مالك، لكن قلبه يتحرك فيه الإيمان، فيحرك القلب الجوارح، فيرجع ماعز بن مالك إلى النبي ويقول: يا رسول الله! طهرني للمرة الثانية؛ فيرد عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم: (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه) فيرجع ماعز بن مالك ، لكن الإيمان في قلبه يحركه، وحبه لله وخوفه من الله يحركه؛ فيأتي ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! طهرني -للمرة الثالثة- فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه، فيقول له: يا رسول الله! طهرني وأخبره بأنه زنى) ومع كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هل شرب خمراً؟)، أي: هل شرب خمراً فلعبت الخمر برأسه، فلا يعي ما يقول؟ (فقام أحد الصحابة فاستنكهه -أي: شم نكهة ورائحة فمه- فقال: لا يا رسول الله! لم يشرب الخمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أبه جنون؟ قالوا: لا يا رسول الله! لا نعرف عنه جنوناً؛ فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فرجم، ثم بعد ثلاثة أيام يقول صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- للصحابة رضوان الله عليهم: استغفروا لأخيكم ماعز بن مالك )، ولم يخرجه من دائرة الأخوة، ويأمر الصحابة أن يستغفروا له، وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد تاب إلى الله توبة لو قسمت بين سبعين رجلاً لوسعتهم، أو لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم) مع أنه ارتكب جريمة الزنا؛ لكنه جاء تائباً مقبلاً إلى الله. إذاً: لا نكفر أحداً بالكبائر فهذا من فعل الخوارج، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب أو بكبيرة؛ لأن الله جل وعلا يغفر كل الذنوب ما دام العبد يوحد علام الغيوب، اقرأ معي قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال جل وعلا في صفة عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:68-70]، فالله جل وعلا يبدل الذنوب والسيئات حسنات، فلماذا نتعامل مع الناس بهذه القسوة؟ وسبحان الله! لماذا عند ما أرى إنساناً وقع في معصية أفرح أنه وقع في المعصية؟!! لماذا أعامله بهذه الغلظة والقسوة؟! ولو أنك تحمل في قلبك شيئاً من الرحمة ونظرت إلى هذا الرجل على المعصية؛ لبكت عينك، وارتجف قلبك لأمرين: الأول: أن الله جل وعلا قد سترك، وحفظك، ووفقك، ولم يدعك تقع في هذه المعصية، فالفضل فضله، والستر ستره. الأمر الثاني: أنك تخشى على أخيك وعلى نفسك، تخشى على أخيك إن خُتم له، وهو على هذه المعصية أن يكون من أهل النار والعياذ بالله! وتخشى أيضاً على نفسك أن يختم لك بغير الطاعة. فالإنسان سائر إلى الله بين أمرين: بين مطالعة المنة، ومطالعة فضل الله وستره وحلمه عليه، وبين مطالعة عيب النفس، فكل ما أنا فيه من خير إنما هو محض فضل الله، وكل ما أنا فيه من شر إنما هو من النفس الأمارة بالسوء، فالنفس مجبولة على السوء: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]، فإذا نظرت إلى هذا فتذكر ما كنت فيه أنت، وتذكر ستر الله عليك، وحلم وفضله عليك، واقترب من أخيك العاصي فذكّره بالله وذكره برسول الله برحمة وأدب وتواضع وحب لله وخوف من مكر الله جل وعلا؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وتصور معي هذا الشاب الذي تجري دماء الشهوة في عروقه -والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسند جيد- يأتي إلى الرسول الرءوف الرحيم صلى الله عليه وسلم ويقول له: (يا رسول الله! ائذن لي في الزنا -يا سبحان الله! يستأذن النبي أن يأذن له في الزنا- فقال الصحابة: مه مه؟ -أي: ماذا تقول؟- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ادن، فاقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وبلغه الأبوة الحانية، والأبوة الرحيمة الرءوفة- قال له الحبيب صلى الله عليه وسلم: أترضاه لأمك؟ -أي: أترضى الزنا لأمك؟ -قال: لا، والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لأختك؟ قال: لا، والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم. أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟ والشاب يقول: لا. والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. والمعلم صلى الله عليه وسلم يقول: وكذلك الناس لا يرضونه لخالاتهم.. وعماتهم.. ويمد الحبيب صلى الله عليه وسلم يده المباركة الشريفة؛ ليضعها على صدر هذا الشاب وهو يتضرع إلى الله جل وعلا بالدعاء لهذا الشاب فيقول: اللهم اغفر ذنبه، واشرح صدره، وحصن فرجه، فيخرج هذا الشاب -من المدرسة المحمدية المباركة- ولا يوجد على وجه الأرض شيء أبغض إليه من الزنا). إذاً: كان النبي عليه الصلاة والسلام يفتح الباب للعصاة والمذنبين من أمثالي. فلو نظر كل واحد إلى نفسه لعلم يقيناً أن بيته من الزجاج، وما منا أحد وإلا فيه عيب، بل عيوب وذنوب، وسبحان علام الغيوب! الذي يرى عباده على الذنوب ويسترهم، فلا ينبغي على الإطلاق أن نحمل قلوباً في صدورنا قاسية. يا أخي! قد أزل أنا في لحظة وأنا بشر، ولست نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً، فإن زل العبد فلبشريته وضعفه، وإن كان من أهل الصلاح وجب على المسلمين أن يستروا عليه، وأن يذكروه بالله تبارك وتعالى، أما الفاجر الذي يجاهر بمعصيته، ويفرح ويفتخر بها، ويختال بها، وإن ذكر بالله لا يتذكر فلا حرج أن تبكته بما فيه؛ كي يحذره الناس، هذا هو التأصيل العلمي، لكن إن وجدت رجلاً من إخوانك على معصية فذكره بالله، وكذلك إن وجدتِ أختاً من أخواتكِ على معصية فذكريها بالله تبارك وتعالى، وذكريها بالحجاب، وذكريها بالصلاة، بحكمة ورحمة وأدب وتواضع، كما علمنا نبينا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010563086

    عدد مرات الحفظ

    721971983