إسلام ويب

أمواج الردة وصخرة الإيمانللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعداء الإسلام يعلمون جيداً أنه لا سبيل لهم إلى هذه الأمة إلا بعد زعزعة ثوابتها، وتشكيكها في دينها، ولذلك خططوا بالليل والنهار للقضاء على ثوابت الأمة عن طريق الممسوخين والمرتدين من أبنائها، ليكون ذلك أبلغ وأعظم مكراً، وبالرغم من دهائهم وضخامة ما بذلوه من مال ووقت وجهد، إلا أن أمواجهم تحطمت على صخرة الإيمان، وباء مشروعهم بالفشل، والله غالب على أمره.

    1.   

    دعاة على أبواب جهنم

    بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أمواج الردة وصخرة الإيمان، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم، وينتظم هذا الموضوع الخطير المهم العناصر المحددة التالية: أولاً: دعاة على أبواب جهنم. ثانياً: الحرب على الثوابت. ثالثاً: ما المخرج من هذه الفتن. رابعاً: وستنكسر كل أمواج الردة على صخرة الإيمان. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18]. أولاً: دعاة على أبواب جهنم. إننا نعيش الآن زماناً قد كلف فيه الذئاب برعي الأغنام: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام وصفاً دقيقاً محكماً كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) ، وفي لفظ قال: (الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة)، والله لقد تكلم السفهاء والتافهون لا في أمر العوام بل في أمر الإسلام. إنهم يعلنون الحرب لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الأصول والكليات، وممكن الخطر: أنهم يعلنون الحرب على الإسلام باسم الإسلام، ويهدمون أركان وأصول وثوابت الدين باسم الدين، بأسلوب خبيث لا ينتبه لخطره كثير من المسلمين. وقد وصف الصادق المصدوق، الذين لا ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم- هذا الصنف الخبيث وصفاً دقيقاً كما في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -أي: بهذا الإسلام- فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي: الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا يا رسول الله، فقال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) وفي رواية مسلم : (رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس) يا له من وصف دقيق من الصادق، ومع ذلك فهم يزعمون أنهم المسددون والمصلحون والمثقفون ... إلخ، ولكنهم في الحقيقة كما قال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:12-16]. نعم، وأنى لهذا الصنف الخبيث الهدى، وهم يعلنون الحرب على أركان وثوابت الإسلام؟! وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم من عناصر اللقاء.

    1.   

    مراحل الحرب على ثوابت الإسلام

    كثيرة هي الحروب التي أعلنت على الإسلام منذ أن يزغ فجره، واستفاض نوره، لكننا نشهد في السنوات القليلة الماضية وإلى اليوم حرباً سافرة عاتية من نوع جديد، والمصيبة الكبرى: أن الذي يشعل فتيلها ويتولى كبرها رجال من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويهدفون إلى النيل من أركان وأصول وثوابت هذا الدين، أولئك الذين يسمون بالنخبة من أدعياء الثقافة والتحرير والتنوير والفن والعلم والأدب، ممن أحيطوا في مجتمعات المسلمين بهالة من الدعاية الكاذبة، ولقبوا في أمة الإسلام بأضخم الألقاب والأوصاف! تلك الألقاب والأوصاف التي تغطي جهلهم وانحرافهم، وتنفخ فيهم ليكونوا شيئاً مذكوراً، للي أعناق البسطاء من المسلمين إلى عقيدتهم وأفكارهم لياً، وهم في الحقيقة كالطبل الأجوف، يسمع من بعيد وباطنه من كل الخيرات فارغ. هذه الحرب تتم الآن في أنحاء العالم الإسلامي بصورة منظمة مخططة، عبر مراحل دقيقة، وعبر خطوات منظمة، وأستطيع أن أقدم لحضراتكم الخطوات الخبيثة والمراحل الخطيرة لهذه الحرب في نقاط محددة، وأرجو أن تنتبهوا، فهذا الذي سأذكره الآن خلاصة جهد سنتين كاملتين، وأنا أجمع من هنا وهنالك من أرجاء العالم الإسلامي، لا في مصر وحدها، لأقدم لحضراتكم هذه الصورة لهذه الحرب التي تتم، وأقول ذلك بقناعة مطلقة، فهي تتم بصورة منظمة مخططة وعبر مراحل محددة.

    تضخيم العقل والتهوين من النص

    المرحلة الأولى من مراحل هذه الحرب هي: التضخيم المستمر والمتعمد للعقل ومكانته، وأنا لا أريد أن أقلل من شأن العقل أبداً، بل إنني أعلنها: إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً بل يباركه ويزكيه ويقويه، لكن انظر إلى التضخيم المستمر والمتعمد للعقل ومكانته، مع التهوين والتحقير والتقليل من شأن النص ومكانته مهما كانت درجة ثبوت النص من الناحية العلمية. لقد طالبوا صراحة وقالوا: لابد من إعادة النظر في القاعدة الأصولية التي أجمعت عليها الأمة، والتي تقول: (لا اجتهاد مع النص) قالوا: لابد من إعادة النظر في هذه القاعدة، لماذا؟ قالوا: لأنها تشكل حجراً على العقل البشري الذي وصل إلى ما وصل إليه الآن، في عصر الذرة وأتبيس الفضاء دسكفري، واخترع القنبلة النووية، وصنع القنبلة الجرثومية، وغاص في أعماق البحار وانطلق في أجواء الفضاء؛ هذه القاعدة تشكل حجراً على هذا العقل البشري المبدع! إذاً: لا ينبغي أن نذعن لها، وإنما يجوز للعقل أن يجتهد حتى ولو كان النص في القرآن والسنة. ومحال أن يصل العقل إلى حقائق الإيمان، وأركان وأصول وثوابت الإسلام بدون الوحي أبداً؛ إذ كيف يتعرف العقل على ذات الله؟! كيف يتعرف العقل على أسماء الجلال وصفات الكمال؟! كيف يتعرف العقل على الكتب السابقة وعلى الرسل السابقين؟! كيف يتعرف العقل على أمور الغيب كلها، من أول الموت إلى الجنة أو النار؟! كيف يتعرف العقل على كيفية الصلاة وكيفية الزكاة، وكيفية العمرة، وكيفية الحج، دون أن يرجع إلى الوحي المعصوم، إلى النص القرآني، والنص النبوي على صاحبه الصلاة والسلام؟! هذا مستحيل، ولله در ابن القيم إذ يقول: لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلاً نور النبوة مثل نور الشمس للـ عين البصيرة فاتخذه دليلاً فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلاً طرق الهدى مسدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلاً فإذا عدلت عن الطريق تعمداً فأعلم بأنك ما أردت وصولاً يا طالباً درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلاً أرجح عقل عرفته الأرض هو عقل المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فلقد أخبرنا القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدري شيئاً عن الكتاب ولا عن الإيمان إلا بعد أن أوحى إليه الرحيم الرحمن، قال جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، فإذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو صاحب أرجح وأطهر وأشرف عقل عرفته الأرض، لا يدري عن الكتاب ولا عن حقائق الإيمان شيئاً، حتى أوحى الله إليه؛ فهل يجرؤ عاقل بعد ذلك أن يزعم أنه يستطيع أن يتعرف على حقائق الإيمان وحقائق الكتاب بعقله فقط دون النقل؟! لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:89-90]. فهذه المرحلة: مرحلة التضخيم للعقل مع التشكيك والتهوين للنص، تجاوزوها وانتقلوا إلى المرحلة الثانية من مراحل هذه الحرب المخططة.

    التشكيك في حملة النص

    المرحلة الثانية: التشكيك في حملة النص، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، فحاولوا أن يقدحوا في عدالة الصحابة، وأن يشوهوا صور الصحابة، لماذا؟ ليهدموا الدين كله؛ لأن الذي نقل إلينا الدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أصحابه، فهدم الصحابة هدم للدين كله. فهذا شيخ من شيوخ الضلالة يقول في كتاب من كتبه الخبيثة، ولست ملزماً بأن أذكر أسماء هؤلاء، ولا أسماء كتبهم، حتى لا نروج لهذه الأسماء الخبيثة، ولا لهذه الكتب الضالة من حيث لا ندري، أما من اشتهر منهم بالاسم وأصبح أمره معلوماً فسنذكر اسمه إن شاء الله في الخطبة المقبلة بإذن الله، لكن مادام الاسم مطموساً، وما دام الكتاب مجهولاً، فليس من الفقه ولا من الحكمة أن أذكر أسماء هؤلاء الخبثاء ولا كتبهم، حتى لا نروج لهذه الأسماء ولا لهذه الكتب بين هذه الآلاف المؤلفة من المسلمين، وربما يتأثر ضعيف النفس بهذا فيذهب إلى كتاب من هذه الكتب الضالة فينحرف؛ لأنه لم يؤصل ابتداءً قواعد الإيمان وحقائق أصول البحث العلمي. يقول شيخ من شيوخ الضلالة في كتاب من كتبه الخبيثة، وهو يريد أن يجرح الصحابة نقلة النصوص، إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي. ثم يقول هذا الوضيع: ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة، بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات! ثم يقول هذا الخبيث أيضاً: لما كان التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقساً يومياً من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد- هكذا بكل صفاقة وسوء أدب- فقد اضطر محمد أن يبيح لهم أن يمروا في المسجد وهم جنب. وهكذا تبين كلماتهم الخبيثة فساد عقيدتهم، وخبث نيتهم وطويتهم، ورحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس إذ يقول: من وجد في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أصابه قول الله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]. يعني قول الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، قال مالك : فمن وجد في قلبه غيضاً على أحد من أصحاب النبي فقد أصابه قول الله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]. ويقول الحافظ أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم بأنه زنديق. ويقول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، فحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. وما أجمل وأحلى وأرق ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه، والأثر في مسند أحمد بسند حسن؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب أهل الأرض، فاصطفاه الله لرسالته ونبوته، ثم نظر الله في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض، فاختارهم وجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. وما أجمل ما قاله ابن مسعود أيضاً: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. فالذي اختار الصحابة هو رب العالمين، والذي زكاهم وشهد لهم هو سيد المرسلين، وسأكتفي بآية وحديث فقط، قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). بعد هذا التكريم يأتي هذا الخبيث القزم وأمثاله من الخبثاء الأقزام؛ ليشككوا في الصحابة الذين نقلوا إلينا الدين كله. على أي حال فلا أجد لهؤلاء الخبثاء الحاقدين مثلاً إلا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة عملاقة، فلما أرادت الذبابة الحقيرة أن تنصرف قالت للنخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة؛ لأني راحلة عنكِ! فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، فهل شعرتُ بكِ حينما سقطت عليَّ لأستعد لكِ وأنت راحلة عني! لا يضر السماء أن تمتد إليها يد شلاء.

    التشكيك في النص النبوي

    ثم تجاوزوا المرحلة الثانية وهي مرحلة التشكيك فيمن نقل إلينا النصوص إلى المرحلة الثالثة؛ وهي: مرحلة التشكيك في النصوص، وقالوا: الإسلام هو القرآن فقط دون السنة! والسنة فيها الضعيف وفيها الموضوع، وينبغي أن نقف أمام القرآن فحسب، تحت ستار أننا نريد أن نصحح أو ننقح السنة، فشككوا في النص النبوي، وقالوا بعدم حجية السنة. وهأنتم تتابعون منذ سنوات عشرات الكتب التي تطعن في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول بعدم حجية السنة، وبأنه لا يلزمنا إلا أن نأخذ بالقرآن فحسب، وما أجمل ما قاله الإمام الأوزاعي : القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، أي: لا يمكن أبداً أن تفهم القرآن بدون سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وما أقعد ما قاله ابن القيم في كتابه النافع إعلام الموقعين إذ يقول: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، وهذا من باب توارد الأدلة وتضافرها في المسألة الواحدة. فيأمر القرآن بالصلاة فتأمر السنة بالصلاة، يأمر القرآن بتحقيق التوحيد فتأمر السنة بتحقيق التوحيد، وهذا من باب توارد الأدلة في الباب الواحد. الوجه الثاني: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن. وهذا كثير جداً، فتجد كتاب الله يأمر بالصلاة فيقول سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، لكن كيف أصلي؟ كم عدد الصلوات؟ ما أركان الصلاة؟ ما مبطلات الصلاة؟ فيأتي صحاب السنة ليفسر هذا الأمر المجمل ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويأمر القرآن بالحج والعمرة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، لكن كيف أحج؟ ما أركان الحج؟ ما مبطلات الحج؟ فيأتي صاحب السنة ليقول: (خذوا عني مناسككم) وهكذا. الوجه الثالث: أن تكون السنة موجبة لما سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت القرآن عن تحريمه. والسنة هنا تعد مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه). يقول المصطفى: (ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة المعاهد)، وفي رواية: (فإنما حرم رسول الله كما حرم الله عز وجل). ألم يقل الله سبحانه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7].

    التشكيك في النص القرآني

    ثم انتقلوا من مرحلة التشكيك في النص النبوي إلى المرحلة الخطيرة والتي لابد منها، ألا وهي: التشكيك في النص القرآني ذاته! الله أكبر! كيف ذلك؟ هل شكك أحد في نص القرآن؟ نعم، بل إن التشكيك في السنة مرحلة لابد منها للانتقال إلى هذه المرحلة الرابعة والخطيرة، وهي مرحلة التشكيك في النص القرآني، يقول خبيث وضعيف حكم القضاء المصري بردته في السنوات القليلة الماضية؛ يقول في كتاب من كتبه الخبيثة: إن القرآن نص بشري لا قدسية له! ثم يقول: وإن عقيدة القرآن مؤسسة على الأساطير الشائعة؛ أي: على الحكايات والخرافات والخزعبلات التي شاعت في مجتمع الجزيرة العربية! ثم يقول هذا الخبيث المرتد: لا زال الخطاب الديني متمسكاً بوجود القرآن في اللوح المحفوظ! اعتماداًعلى فهم حرفي للنص، ولازال متمسكاً بصورة الإله بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وجنوده من الملائكة! ولازال متمسكاً بالحرفية ذاتها في الجن، والشياطين، والسجلات التي تدون فيها أعمال العباد، والأخطر من ذلك أنه لازال متمسكاً بصور الثواب والعقاب كعذاب القبر ونعيمه، والمرور على الصراط ومشاهد القيامة، والجنة والنار، إلى آخر تلك التصورات الأسطورية! انتبهوا جيداً؛ لتعرفوا حجم المؤامرة والحرب الكبرى، بهذا يكون هذا الرقيع الخبيث المرتد قد هدم عقيدة القرآن من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس. وسبقه رائد خبيث من رواد هذا الجيل، ضُخم ولُقب بأعظم الألقاب! وافتتن كثير من الصفوة فضلاً عن العامة به وبكلامه وبأسلوبه، يقول بالحرف: القرآن قابل للنقد باعتباره كتاباً أدبياً، ثم يقول: وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام -عليهما السلام من عندي أنا وليس من عند هذا الخبيث وأمثاله- يقول: وجود إبراهيم وإسماعيل أمر مشكوك فيه، ولو ذكروا في التوراة والإنجيل والقرآن، فلسنا ملزمين بتصديق أي من هذه الكتب! مراحل وخطوات منظمة.

    التشكيك في ذات الله تعالى

    وتجاوزوا هذه المرحلة، الله أكبر! أتريد أن تذكر شيئاً بعد ذلك؟ لقد شككوا في النص النبوي وفي النص القرآني، فماذا تريد أن تقول بعد ذلك من خطوات هذه الحرب؟! وصلوا في المرحلة الأخيرة التي نعيشها إلى التشكيك في ذات الله جل وعلا! إي وربي لقد شرقتُ وغربتُ في العالم الإسلامي كله لأقرأ، لأستخرج عفن أولئك الذين يشكلون الآن عقلية أبناء الأمة! أولئك الذين يديرون دفة التوجيه والتربية الآن في الأمة! فهذا صنم حقير من سوريا ولا زالت كتبه ودواوينه تطبع وتنشر في المعارض الدولية في كل مكان، يقول هذا الصنم: لا أختار الله ولا أختار الشيطان كلاهما جدار يغلق لي عيني فهل أبدل الجدار بالجدار؟! ويقول هذا الخبيث أيضاً: الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، لكن التصوف على مذهب الحلاج قد أذاب ثبات الألوهية، وأزال الحاجز بين الألوهية وبين الإنسان، وبهذا المعنى يكون الحلاج قد قتل الله وأعطى للإنسان طاقاته! ويقول هذا الخبيث أيضاً: يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة! ويقول هذا الخبيث أيضاً: نمضي ولا نصغي لذلك الإله فلقد تقنا إلى رب جديد سواه. سبحان الحليم الصبور على كل شيطان رجيم كفور، سبحانك ربي ما أحلمك، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:89-95]. سيقف الجميع بين يدي الملك، ليعلم هؤلاء الخبثاء عظمة رب الأرض والسماء، فوالله ثم والله لولا حلم الله وستر الله لخسف بنا الأرض. وهذا صنم خبيث خطير من العراق يقول: الله في مدينتي يبيعه اليهود! والله لو قال ذلك على صدام المجرم لقتل بالرصاص في ميدان عام، أما أن يسب الله فلا يتحرك أحد، ولا تحترق القلوب؛ يقول هذا الصنم: الله في مدينتي يبيعه اليهود الله في مدينتي شريد طريد. ويقول هذا الصنم: الله مات وعادت الأنصاب. ويقول هذا الخبيث أيضاً: يسقط كل شيء الشمس والقمر والنجوم والجبال والوديان والأنهار والشيطان والإنسان والله وهذا صنم آخر من فلسطين الذبيحة يقول لعشيقته: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير وهذا صنم آخر من فلسطين يقول: آخر ديك صاح قد ذبحناه لم يبق سوى الله يغدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد سنطارده سنصيد الله وهذا صنم آخر من اليمن -لتعلموا أن الأمر عام في كل أرجاء الأمة- يقول هذا الصنم الخبيث: صار الله رماداً صمتاً رعباً في كف الجلادين صار الله حقلاً ينبت مسابح وعمائم. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما قال الكافرون والسفهاء منا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تؤاخذنا بما فعل وقال السفهاء الكافرون منا، يا أرحم الراحمين، نشهد لك بالجلال، ونقر لك بالعظمة والكمال، نشهد لك بالجلال، نشهد لك بالجلال، ونقر لك بالعظمة والكمال، ونردد ما علمتناه، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]. الله اسم لصاحبه كل جمال. الله اسم لصاحبه كل كمال. الله اسم لصاحبه كل جلال. هذا الكم الهائل من النقولات الكفرية، إنما هو لرموز الثقافة والتنوير في العالم الإسلامي كله، ولا أستطيع أن أستقصي كل أقولهم وفضائحهم، بل ولا أستطيع أيضاً أن أستقصي نقولات تلاميذهم من شباب صاعد تربى على هذه الموائد الكفرية العفنة.

    1.   

    المخرج من هذه الفتن

    ثم بعد ذلك اتهموا شبابنا بالتطرف والإرهاب؟! والسؤال الآن: ما الحل؟ ما المخرج؟ وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء: ما المخرج من هذه الفتن؟

    إحياء حد الردة وتطبيقه على المرتدين

    تحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين الخبثاء، إن القوانين الوضعية كانت أخطر سبب من أسباب انتشار هذه الردة؛ لأن القوانين الوضعية في الوقت الذي تقيم فيه أشد العقوبات على من خرج على القانون، فإنها لا تذكر عقوبة على من خرج عن الإسلام. قد تصل العقوبة في القانون الوضعي إلى حد الإعدام لمن اتهم بتهمة الخيانة العظمى، والمراد بها هنا خيانة الوطن، في الوقت الذي لا نرى فيه عقوبة تذكر لمن خرج على الإسلام، بدعوى أن الإنسان حر في اختيار عقيدته. نعم لا أخالفك أن الإنسان حر في اختيار عقيدته إن كان يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً؛ لكن بشرط أن لا يحال بيننا وبينه في أن نبلغه دعوة الله، وأن نقيم عليه حجة الله، فإن بلغناه الدين وأقمنا عليه الحجة ولم يحل بيننا وبين ذلك أحد، فله بعد ذلك أن يختار من الدين ما يشاء، لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، لكننا أمام مسلم دخل الإسلام مختاراً طائعاً، وارتد عن الإسلام بصورة علنية تعبر عن استخفافه بعقيدة الأمة، هذا خروج يقوض بنيان المجتمع الإسلامي من قواعده، فلو ارتد هذا وارتد ذاك وارتد الثالث وارتد العاشر، لفتح الباب على مصراعيه لمرضى القلوب من المنافقين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان للتشكيك في عقيدة الإسلام ذاتها. فهذا أمر خطير، ومن أجل ذلك فإن الشريعة العصماء لم تتساهل أبداً مع هذا الصنف الخبيث من المرتدين، بل أمرت أن يمهل المرتد ثلاثة أيام، فإن أقيمت الحجة عليه وتاب إلى الله سقط الحكم، وإلا فيجب على ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه أن يقيم فيه حد الله بالقتل، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وفي رواية البخاري من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه). وهذا خطاب للمسئولين، وأنا أتضرع إلى الله في هذه اللحظة أن يردهم إلى الشريعة وإلى الحق رداً جميلاً.

    اهتمام المسلم بطلب العلم الشرعي والعمل به

    قد يقول شاب من شبابنا وطلابنا: هذا للمسئولين؛ لكن ما دوري أنا؟ ماذا أصنع أنا في هذه الفتنة السوداء؟ الجواب: دورك: طلب العلم الشرعي والعمل به، احفظ مني هذا، فلا مخرج لك -ورب الكعبة- من هذه الفتن الحالكة! فتن الشبهات التي لا أعرف من خلال قراءتي واطلاعاتي زماناً قد كثرت فيه فتنة الشبهات كهذا الزمان أبداً؛ لا مخرج لك من هذه الفتن الحالكة إلا بطلب العلم الشرعي والعمل به، مهما كان منصبك، ومهما كانت مسئوليتك، فلابد أن تفرغ من وقتك ومن جهدك لتتعلم عن الله، وعن رسول الله. فبالعلم الشرعي ستتعرف على الحلال والحرام، وعلى الحق والباطل، وعلى السنة والبدعة، وبالعلم الشرعي ستتعرف على عقيدتك بشمولها وصفائها وكمالها، بالعلم الشرعي ستتعرف على أسماء الجلال وصفات الكمال، بالعلم الشرعي ستحقق الإيمان بالكبير المتعال، بالعلم الشرعي ستتعرف على فتن الشهوات والشبهات، بالعلم الشرعي ستتعرف على معنى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وعلى البراء من الشرك والمشركين، بالعلم الشرعي ستتعرف على حجم المؤامرة الكبرى التي تحاك للأمة وللإسلام في الليل والنهار. لا عذر لك -ورب الكعبة- إن تقاعست عن طلب العلم الشرعي، فرغ من وقتك، فرغ من جهدك لطلب العلم الشرعي، اركب، سافر، ارحل للجلوس عند العلماء المعروفين بالعلم الشرعي؛ لتسمع منهم عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال جل وعلا: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وقال سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً -أو رؤساء جهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). واحفظ هذا: من سلك طريقاً بغير دليل ضل، إن ذهبت إلى بلد جديد وأنت لا تعرف فيه شيئاً، فإن لم تسأل دليلاً ستضل، من سلك طريقاً بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير الأصول زل، والدليل المنير لك في الظلماء، والأصل العاصم لك من الفتن والأهواء، هو العلم والعمل، ولا تطلب العلم لمجرد الثقافة الذهنية، وإنما لتحول هذا العلم في بيتك ووظيفتك ووسيلة المواصلات والشارع إلى منهج الحياة، إلى خلق يتألق سمواً وعظمة وروعة وجلالاً؛ لأنني أدين لله بأن الصحوة الإسلامية لازالت في فجوة كبيرة بين العلم النظري والعمل. نتكلم كثيراً لكن أين أخلاق هذا العلم؟ نحن الآن -ورب الكعبة- لا نجيد إلا الكلام، هل ورثنا العلم خشية الله؟ هل ورثنا العلم الأدب؟ هل ورثنا العلم بر الوالدين؟ هل ورثنا العلم التقوى؟ هل ورثنا العلم حسن الخلق مع إخواننا، وحسن الأدب والتعامل مع أحبابنا؟ هل ورثنا العلم قيام الليل؟ هل ورثنا العلم الأمانة في العمل؟ هل ورثنا العلم الحرص على وقت العمل؟ هل ورثنا العلم الإحسان إلى الجيران؟ أين أخلاق العلم؟! يقول المصطفى كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والترمذي بسند صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث كعب بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار).

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا ينبغي أن تنظر إلى هذا الكفر البواح، وتهز كتفيك وتمضي، وكأن الأمر لا يعنيك. مر بالمعروف بمعروف، وأنه عن المنكر بغير منكر، نكرر ونؤكد (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). إن عجزت أن تغير هذا المنكر بيدك فبلسانك، فإذا قرأت قولاً كفرياً كهذا، فما عليك إلا أن تتفاعل، وأن يحترق قلبك؛ ليترجم أصبعك أو قلمك هذا الاحتراق القلبي في كلمات مهذبة صادقة، وعليك أن ترسل بها إلى هذا الكاتب أو إلى هذا المؤلف أو إلى مسئول من المسئولين. ونقول: عبر عن غضبتك لله بأدب، لا نقول: بسب، ولكن بأدب جم، المهم أن يشعر هؤلاء أن الأمة في مجملها تريد الله عز وجل ورسوله والدار الآخرة، وأنها مستعدة أن تبذل دمها لتخدم بهذا الدم دين الله ودين رسول الله، عبر عن هذا، غير ولو بلسانك، فإن عجزت فبقلبك! حتى حرقة القلب لا نجدها في كثير من القلوب! ماتت القلوب -ورب الكعبة- إلا من رحم علام الغيوب.

    الدعوة إلى الله

    رابعاً: الدعوة إلى الله عز وجل وتبصير الناس بالحق وفضح الباطل وأهله، واحفظوا هذه العبارة: والله ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله، يا شباب! ستسألون عن هذا بين يدي الله جل وعلا. إن المرحلة التي كنا نعتقد فيها أننا نحكم على الناس ونحن في دروس علمنا ومساجدنا بالتكفير والتفسيق والتبديع، لا ينبغي أبداً أن نظل عليها، وإنما يجب علينا أن نتحرك من مساجدنا ومن دروس علمنا لننتشر بين الناس، بين أهلنا وآبائنا وأحبابنا وإخواننا، لنرفع عنهم الجهل بدين الله، ولنقوي إيمانهم بالله، وحبهم لرسول الله، وحبهم لدين الله جل وعلا بحكمة ورحمة وأدب وتواضع. دعك من الحكم على الناس دون أن تتحرك، لن يغير حكمك من الواقع شيئاً على الإطلاق، فأهل الباطل وأهل الكفر يتحركون لكفرهم وباطلهم، في الوقت الذي تقاعس فيه أهل الحق عن حقهم الذي من أجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار. فهيا تحرك بكل رجولة وبكل طاقة للدعوة إلى الله وإلى دين الله، واملأ قلوب الناس بالإيمان وبحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لتنكسر كل أمواج هذه الردة الجديدة على صخور الإيمان في قلوب عباد الله المؤمنين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    وستنكسر أمواج الردة على صخرة الإيمان

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فستنكسر كل أمواج الردة على صخرة الإيمان، وهذا يلزمنا أن نقوي الإيمان في قلوبنا؛ لأن الإيمان يضعف ويقوى، وهذا أصل من أصول أهل السنة، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، فالإيمان يقوى بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات. أيها الشباب وأيها المسلمون أن نتعهد الإيمان في قلوبنا، يقول حبيب القلوب محمد صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بسند حسنه الألباني من حديث عبد الله بن عمر : (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)، فجدد الإيمان في قلبك، وقوة في قلبك بأعمال الطاعات. فالإيمان هو حصن الأمان، وهو الصخرة العملاقة الثابتة التي ستتحطم وتتكسر عليها كل أمواج الردة، وكل رماح وسهام الفتنة، فقوّ الإيمان في قلبك، احرص على مجالس العلم، احرص على صحبة الأخيار الأطهار، ابتعد قدر الطاقة عن فتن الشبهات والشهوات، لا تقرأ لهؤلاء الخبثاء إلا إن كنت صاحب عقيدة راسخة، وكنت صاحب فهم ثاقب، وكنت قد أصلت الموازين العلمية التي ستتعرف من خلالها على الغث والثمين، وعلى الحق والباطل، قوّ الإيمان في قلبك، فالإيمان هو حصن الأمان، وهو قائد الهدى.

    فشل مشروع الردة وزعزعة الثوابت

    وأبشركم بكل ثقة أن هذا المشروع النهضوي الحديث الخبيث قد أعلن فشله، ولم ينجح رواد الجيل ممن يسمون بالنخبة في إقناع العقل الإسلامي بهذا العفن الفكري؛ لأن الناس قد فطروا على حب الله ورسوله. وأعلنها بكل ثقة وصراحة: لقد شرقت وغربت في العالم كله، فما وجدت أنقى ولا أخصب من أرض مصر لدعوة الله عز وجل، أنا لا أجهل الواقع الذي ستحتج عليَّ به، ومع ذلك أعلنها: الناس في بلدنا فطروا على حب الله ورسوله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة)، قد ترى المسلم من إخواننا هنا على معصية، لكن ذكره بالله، ذكره برسول الله بأدب وتواضع وانظر إلى النتيجة. فإنك إن ذكرته بأدب وتواضع فسترى خيراً كثراً. فلقد فشل هؤلاء، بل إنهم يرقصون رقصة الموت، قال أحدهم وهو يعبر عن هذه الغضبة: كنا نتصور بعد هذه السنوات الماضية أن نخرج جيلاً لا يعرف شيئاً عن الإسلام، فرأينا هذه الجحافل من فتيان في ريعان الشباب وفتيات في عمر الورود! حتى قال خبيث آخر حينما رأى هذا المشهد وهذا الجمع الغفير في هذا المسجد، ورأى أكثرهم على الاستقامة، قال: كنت أظن أن المستقيمين قد انتهوا وإذا بهم كثر! فكانوا يتصورون أن هذا الإفراز الثقافي العفن سيخرج جيلاً لا يعرف شيئاً عن الإسلام، ولا يعرف شيئاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإذ بعلماء الصحوة ودعاة الصحوة وشباب الصحوة يقطعون الطريق على هؤلاء المزورين المضللين، ويبينون خططهم الخبيثة وألاعيبهم الماكرة، وصدق ربي إذ يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:32-33]. صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورق ا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سمى قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف بالهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى بإتباعك أسمقا اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين. لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما قال وفعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا غياث المستغيثين، ويا مجيب المضطرين، ويا كاشف هم المهمومين، يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا أحد يا فرد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللهم ارفع الفتن عن مصر ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين والسنة والمتبعين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم ارحم جميع موتى المسلمين، اللهم أنزل يا ربي برحمتك على قبورهم الضياء والنور، والفسحة والسرور، والسعة والحبور، اللهم انقلهم برحمتك من مراتع الدود إلى جنات الخلود، برحمتك يا غفور يا ودود. اللهم اكتب لأبنائنا النجاح والتوفيق، اللهم يسر لهم الأسباب، وافتح لهم الأبواب، وذلل لهم الصعاب، برحمتك يا كريم يا وهاب. اللهم استر نساءنا، وأصلح شبابنا واهد أولادنا، واستر بناتنا، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994079461

    عدد مرات الحفظ

    717462273