إسلام ويب

القصاصللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الله الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، وإن من أعظم الظلم قتل امرئ مسلم بغير حق أو انتهاك عرضه، بل ذلك أعظم حرمة وأكبر جرماً من هدم المسجد الحرام، ولذلك فإن الله سيوقف الظلمة بين يديه، ولن يبرحوا أماكنهم حتى يقتص من الظالم للمظلوم.

    1.   

    القصاص بين البهائم يوم القيامة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة: سلسلة علمية كريمة، تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ علهم أن يتوبوا إلى الله جل وعلا ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، ونحن اليوم بتوفيق الله جل وعلا على موعد مع اللقاء السادس عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة. وكنا قد توقفنا في اللقاءات الثلاثة الماضية مع مشهد الحساب، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب الله بها عباده يوم القيامة، وتعرفنا على أول أمة ستقف بين يدي الله للحساب، وتعرفنا على أول من يقضي الله بينهم، وعلى أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي الله. فإذا فرغ الله جل وعلا من حساب العباد فيما يتعلق بحقوقه جل وعلا يأذن الله لدواوين المظالم أن تنصب للقصاص وأداء الحقوق، وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا. وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: أولاً: القصاص بين البهائم. ثانياً: القصاص بين العباد. ثالثاً: حرمة الدماء. وأخيراً: القصاص بين المؤمنين. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. أولاً: القصاص بين البهائم. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤدُن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) وفي رواية: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء -أي: التي لا قرون لها- من الشاة القرناء) فإذا نطحت الشاة القرناء الشاة الجلحاء فإن الله يقتص للجلحاء من القرناء بين يديه جل وعلا. وفي مسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأى شاتين تنتطحان، فقال المصطفى لـأبي ذر : يا أبا ذر ! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا، قال المصطفى: ولكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة). وروى ابن جرير الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه -والصحيح وقفه على ابن عمرو- قال رضي الله عنه وأرضاه: (إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص؛ فيقتص للشاة الجمّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين البهائم والدواب، قال الله جل وعلا: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]). أيها المسلمون! إن القول بحشر البهائم والقصاص لبعضها من بعض يوم القيامة هو الحق الذي ندين لله به. وهذا هو ما ذهب إليه جمهور أهل السنة، فلا ينبغي البتة أن ترد الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب بدعوى أن العقل لا يستوعب القصاص بين الدواب. قال الإمام النووي رحمه الله: إذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع من إجرائه على ظاهره مانع من عقل أو شرع، وجب أن نحمله على ظاهره، فلا ينبغي على الإطلاق أن تؤول هذه الأحاديث؛ ليرد هذا الحكم، ألا وهو حكم القصاص بين البهائم والحيوانات. فإن قيل: الشاة غير مكلفة ولا عقل لها، فكيف يقتص منها يوم القيامة؟! الجواب: نقول: إن الله فعال لما يريد. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، وليعلم العباد أن الحقوق لا تضيع عند الله جل وعلا، فإذا كان هذا هو حال الحيوانات والبهائم والدواب، فكيف بذوي الألباب والعقول، من الوضيع والشريف، والقوى والضعيف؟!

    1.   

    القصاص بين العباد يوم القيامة

    إذا كان الله يأخذ الحق للدواب وللبهائم وللحيوانات، فهل يترك الله حق العباد؟! وبصفة خاصة حق من وحدوا رب الأرض والسموات؟!! لا والله، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء (القصاص بين العباد يوم القيامة).

    رسالة إلى الظلمة

    لا يظننَّ أحد أن ظلمه للعباد بضرب أو سب أو شتم أو تزوير، أو أكل مال بالباطل أو سفك دم، أو غيبة أو نميمة أو استهزاء أو سخرية أو جرح كرامة؛ لا يظننَّ أحد أن شيئاً من ذلك الظلم سيضيع ويذهب. كلا، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة: أما والله إن الظلم شؤم ولازال المسيء هو الظالم ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم يا من دعاك منصبك! ويا من دعاك كرسيك! ويا من دعتك صحتك وقدرتك وقوتك على ظلم العباد من الضعفاء والفقراء والمستضعفين، تذكر قدرة رب العالمين جل وعلا، واعلم بأن الملك هو الذي سيقتص للمظلوم من الظالمين، فاحذر الظلم بجميع أنواعه.. احذر الظلم سواء أكان الظلم صغيراً أم كبيراً؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة. لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وصّاه بالوصايا الغالية، وكان من بين هذه الوصايا أن قال له المصطفى: (يا معاذ ! اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). دعوة المظلوم ترفع إلى الله جل وعلا، ولا يحجبها حاجب، ولذلك ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]). وقد يغتر الظالم المجرم بستر الله عليه وبحلم الله عليه، فيتمادى في ظلم العباد، ونسي هذا المسكين أن الله يمهل ولا يهمل. أين الجبابرة؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! أين الفراعنة؟! أين الطغاة؟! أين الطواغيت؟! أين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان وقارون ؟! أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان

    التحذير من عاقبة الظلم

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من عاقبة الظلم بين يدي الله جل وعلا، وتدبروا معي هذا الحديث الرقيق الذي رواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى الموصلي -والحديث حسن بشواهده- من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله، قال لهم: (ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بالحبشة؟! فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل قلة ماء على رأسها، فمرت هذه العجوز على فتىً منهم، فقام الفتى ووضع إحدى كفيه بين كتفيها ودفعها وخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها! فلما ارتفعت -أي: وقفت- التفتت إلى هذا الشاب وقالت له: سوف تعلم يا غدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، سوف تعلم أمري وأمرك عند الله غداً! فقال المصطفى: صدقت.. صدقت.. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!). إي وربي! كيف يقدس الله أمة لا تحترم فيها الكرامات؟! ولا تصان فيها الأعراض والأنساب؟! ولا يحترم فيها الضعفاء؟! ولا يؤخذ فيها الحق من الأقوياء للضعفاء؟! أمة بهذه الأخلاقيات الفاسدة محكوم عليها في الدنيا بالدمار، ومحكوم على أفرادها من أهل الظلم في الآخرة بالنار.

    دعوة للظالمين إلى التحلل من المظالم في الدنيا

    أيها المسلمون! حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من عاقبة الظلم يوم القيامة، فأمر الظالمين أن يتحللوا من المظالم في الدنيا قبل الآخرة. ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، -أي: يوم القيامة بين يدي الله- من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه). يا عباد الله! قد يستطيع الظالم الآن أن يفلت بطريق أو بآخر، ولكن الظالم لن يفلت يوم القيامة، فمحال أن يدخل أحد الجنة وعنده مظلمة لأحد، فلابد أن يطهر الله أهل الظلم حتى ولو كانوا من أهل التوحيد والإيمان، كما سنرى في آخر عناصر هذا اللقاء بإذن الله جل وعلا، لا يدخل الجنة أحد وعنده مظلمة -ولو قلَّتْ- لأحد إلا إذا طهره الله منها بين يديه جل وعلا، في أرض الموقف، في ساحة الحساب، على بساط العدل بين يدي الرب جل وعلا. من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم: اذهب إلى أخيك إن كنت ظلمته بأخذ مال أو بغيبة أو بنميمة أو بانتهاك عرض، أو بإحراج أو بإساءة جوار، أو بغش في بيع وشراء أو بأي صورة من صور الظلم، اذهب إليه الآن واطلب منه العفو والسماح قبل أن تقفا بين يدي العدل جل وعلا. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة- فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع)، هذا هو مفهومنا للإفلاس، ولكن الإفلاس الحقيقي أكبر وأضخم وأخطر. (أتدرون من المفلس؟ قال الصحابة: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) رجل فقير لا يملك مالاً ولا متاعاً ولا أثاثاً، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئات من ظلمهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). فهو بنص الحديث: (صلى)، وبنص الحديث: (زكى)، وبنص الحديث: (صام)، ومع ذلك يدخل النار، -والحديث في صحيح مسلم - لماذا؟! لأنه ما أمسك لسانه، وما كف يده، واستغل جاهه وكرسيه ومنصبه في ظلم عباد الله، وفي إحراج خلق الله، وفي إهانة الضعفاء والمستضعفين. اللهم سلم سلم يا عزيز يا غفار!!

    أحوال الظلمة يوم القيامة

    أيها الموحدون! تدبروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب، تدبروا الحديث، عيشوا مع هذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب إن تدبرناه ووعيناه. تصور معي هذا المشهد في أرض المحشر، ها هو الظالم في أرض المحشر يقف بين يدي الله في ذل وخشوع وانكسار، لا يرتد إليه طرفه، شخص ببصره، لا يلتفت أعلى ولا أسفل ولا يمنة ولا يسرة، لا يرتد إليه طرفه، بل وقفز قلبه من جوفه! الشمس فوق الرءوس، تكاد حرارتها تصهر العظام، والزحام يكاد يخنق الأنفاس، والعرق يكاد يغرق الناس، وجيء بجهنم ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها! تزفر وتزمجر غضباً لغضب الجبار جل وعلا، فإن الله قد غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، في هذه اللحظات ومع هذا الهول يرى الظالم نفسه وقد أحيط بمجموعة من الناس، من أنتم؟! من هؤلاء؟! هؤلاء هم الذين ظلمهم في الدنيا! ظلم من ظلم ونسي! فيتعلق المظلومون بالظالم، يتعلق كل من ظلمته بك يوم القيامة، يجرونه جراً ليوقفوه بين يدي الله جل وعلا، هذا يتعلق به من يده، وهذا يجره من ظهره، وهذا يجره من لحيته، يتعلقون به ليوقفوه بين يدي الملك جل جلاله، فإذا ما وقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وأذن الله لدواوين المظالم أن تنصب، وللقصاص أن يبدأ، يقول هذا: يا رب! هذا شتمني، والآخر يقول: يا رب! ظلمني، والآخر يقول: يا رب! اغتابني، والآخر يقول: يا رب! غشني في البيع والشراء، والآخر يقول: يا رب! وجدني مظلوماً وكان قادراً على دفع الظلم فجامل ونافق الظالم وتركني، والآخر يقول: يا رب! جاورني فأساء جواري! سترى كل من عاملته في الدنيا -نسيته أو تذكرته- قد تعلق بك بين يدي الله جل وعلا، كل يطالب بحقه، وأنت واقف يا مسكين! ما أشد حسرتك في هذه اللحظات، وأنت واقف على بساط العدل بين يدي رب الأرض والسموات، إذا شوفهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس عاجز فقير مهين لا تملك درهماً ولا ديناراً، لا تستطيع أن ترد حقاً ولا تملك أن تبدي عذراً، فيقال: خذوا من حسناته إلى من ظلمهم في الدنيا، تنظر إلى صحيفتك التي بين يديك فتراها قد خلت من حسنات تعبت في تحصيلها طوال عمرك، فتصرخ وتقول: أين حسناتي؟! أين صلاتي؟! أين زكاتي؟! أين دعوتي؟! أين علمي؟! أين قرآني؟! أين بري؟! أين عملي الصالح؟! أين طاعاتي؟! فيقال: نقلت إلى صحائف خصومك الذين ظلمتهم في الدنيا! وقد تفنى حسناتك ويبقى أهل الحقوق ينادون الله جل وعلا أن يعطيهم حقهم من الظالم، فيأمر الحق سبحانه أن يؤخذ من سيئات من ظلمتهم في دنياك؛ لتطرح عليك، فتصرخ وتقول: يا رب! هذه سيئات والله ما قاربتها.. والله ما عملتها.. فيقال لك: نعم، إنها سيئات من ظلمتهم في الدنيا، فتمد عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك، لعلك تنجو في هذه اللحظات، ولست بناجٍ؛ لأن الله قد حرم الظلم على نفسه، وحرم الظلم على العباد، فيقرع النداء سمعك ويخلع قلبك، قال الله جل وعلا: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [إبراهيم:42-52]. أيها الظالم! أيها اللاهي! أيها الساهي! مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تفجرت نيرانها فرأيتها مثل الجحيم تفور وإذا العشارتعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين تسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الوليد بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاء صبور أيها المسلمون! اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، فسوف يقتص الملك العدل العليم الخبير للمظلومين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وإنما أخذ من الحسنات ورد من السيئات. فيا أيهاالمظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام نم قرير العين واهنأ خاطراً فعدل الله دائم بين الأنام

    1.   

    حرمة الدماء

    ومن أظلم الظلم سفك الدم بغير حله، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء: (حرمة الدماء) أيها المسلمون! لحرمة الدماء عند الله كانت الدماء هي أول شيء يقضي الله فيه بين العباد. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). ولا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الصحيح الذي رواه أصحاب السنن، وفيه يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة). لا تعارض بين الحديثين، بقي كيف نزيل توهم التعارض؟ قال أهل العلم: أما الصلاة فهي أول حق لله، وأما الدماء فهي أول حق يقضي الله فيه بين العباد، فلا تعارض بين الحديثين، ولذلك جمعت رواية النسائي بين الأمرين في لفظ واحد، فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين العباد في الدماء). الله هو خالق الإنسان وهو واهب الحياة، ولا يجوز لأحد البتة أن يسلب الحياة إلا خالقها وواهبها، أو بأمره وشرعه سبحانه يقول جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151].ولو سمعت الأمة هذه الأحاديث التي سأذكرها الآن وعملت بها، ما رأينا هذه البرك من الدماء هنا وهناك، ولكننا نرى الدماء لا حرمة لها عند كثير من الناس، ففي كل يوم يُقتل العشرات بل المئات بل الآلاف! وهذا من علامات الساعة كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة يكثر الهرج قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل القتل)، وفي لفظ: (لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا يدري المقتول فيم قُتل).

    الحالات التي يجوز فيها سفك دم المسلم

    قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151] وهذا الحق واضح محدود لا غموض فيه ولا لبس، وقد حدده المصطفى صلى الله عليه وسلم: -والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود- قال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) هذه هي الحالات الثلاث: الحالة الأولى: القصاص، النفس بالنفس، والقصاص يقوم به ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه، إذ إن الأمر ليس متروكاً للأفراد حتى لا يتحول المجتمع إلى فوضى، والقصاص فيه حياة للمجتمع، إن قَتل قاتل ُقتل هذا القاتل؛ ليحيا المجتمع بأسره، فإن القاتل إن علم أنه سيقتل فسيفكر ألف مرة قبل أن يتطاول على الدماء وعلى النفس التي خلقها رب الأرض والسماء، فيحيا المجتمع كله بالقصاص. وهل زل مجتمعنا إلا يوم أن ضيع شرع ربنا، وانتهك حدود الله سبحانه وتعالى؟! فأصبح المجتمع يعيش في فوضى، ولو وقفتم على حجم القضايا التي عرضت على المحاكم في العام الماضي لانخلعت القلوب، فإن عدد القضايا أمام المحاكم زاد على ثلاثين مليوناً من القضايا! عدد ضخم! يكاد أن يكون نصف الشعب لأن الحدود ضاعت، ولأن الظالم أو القاتل يستطيع بماله أو بسلطانه أن يقدم رشوة لرجل فاسق ضال مضل ويخرج من جريمته النكراء، والأمم لا تضيع إلا بهذه المجاملات الباطلة. وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة يوم أن تقدم؛ ليشفع في امرأة مخزومية شريفة سرقت، وقال: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إنما أهلك من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). القصاص حياة للمجتمع قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] فإن قتل القاتل يقتل. الحالة الثانية: الثيب الزاني: الثيب: هو المحصن الذي رزقه الله بزوجة في الحلال الطيب، فترك امرأته، وراح يرتع في مستنقع الرذيلة الآسن العفن، فدنس العرض وانتهك الشرف، فهذا يقتل بالحجارة رجماً حتى الموت، وقد يستصعب الإنسان منا هذا الحكم، لكنه سيقول: يقتل ثم يقتل ثم يقتل إن مست كرامته أو انتهك عرضه أو دنس شرفه! الحالة الثالثة: الردة: الذي يترك دين الإسلام بعد أن منَّ الله به عليه فإنه يقتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس : (من بدل دينه فاقتلوه). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي نحن بصدده: (التارك لدينه المفارق للجماعة). هذه الحالات الثلاث التي يجوز فيها لولي الأمر المسلم، أو من ينوب عنه أن يسفك الدم، أما ما عدا ذلك فلا يجوز، فإن قتل النفس البريئة أمر تشيب له الرءوس.

    الترهيب من قتل المسلم بغير حق

    تدبر معي قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]. الله أكبر!! انظروا إلى حرمة الدماء! أي مسلم على وجه الأرض ينتهك الدم بغير حله فهذا جزاؤه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال ابن عمر (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله). وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والحاكم والنسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو قتل مؤمناً متعمداً). وفي الحديث الذي رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا). فليسمع الفجرة الظلمة القتلة هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أَمنَّ رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً)، رواه النسائي والبخاري في التاريخ، وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي . هذه حرمة الدماء عند رب الأرض والسماء، ولذلك كانت الدماء هي أول شيء يقضي الله فيه بين العباد يوم القيامة. يجيء القاتل في أرض المحشر فيقف على بساط العدل بين يدي الله، يأتي القاتل الذي قتل فرداً، ويأتي القاتل الذي قتل مجموعة! ويأتي القاتل الذي قتل قتل قرية! ويأتي القاتل الذي قتل دولة! ويأتي القاتل الذي قتل شعباً! ويأتي القاتل الذي قتل أمة! ويأتي كل من قتلهم فيتعلقون به وأوداجهم -أي: عروق أعناقهم- تشخب دماً -أي: تسيل دماً- وهم متعلقون بالقاتل؛ ليوقفوه بين يدي الله، ويقول المقتول لله سبحانه: يا رب! سل هذا القاتل فيم قتلني؟! والحديث رواه النسائي بسند حسن، يقول عليه الصلاة السلام: (يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً، يوقفه بين يدي الله ويقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟) أيها المسلمون! الدماء لها حرمة عظيمة، وأقول على هامش هذا اللقاء -وإن كان هذا ليس حديثنا ولا موضوعنا، لكنها جاءت بقدر الله على هامش هذا اللقاء؛ لأزيح كابوساً يخيم على كثير من العقول والقلوب-: إن ما يحدث الآن في أرض الجزائر المسلمة! أسأل الله أن يفرج الكرب عنها وعن جميع بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ليس من عمل الإخوة الملتزمين أبداً، بريئون منه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، بل إن هذه تمثيلية محبوكة من الحكومة التي لا تتقي الله، والتي أخذت الحق من أهله بغير حله، فكل ما يحدث في الجزائر إنما يحدث حول العاصمة في مساحة لا تزيد عن عشرين كيلو فقط، وهذا المثلث في الجزائر يسمى الآن بمثلث الرعب، وإن ما يحدث فيه من الذبح والقتل وتعليق النساء والصبيان! لا يقوم به مسلم على وجه الأرض ألبتة! بل إن الذي قام بذلك هم المليشيات التي جندت! وتسمى: بجمعية الدفاع الذاتي، أو بلجان الدفاع الذاتي، هذه اللجان أو هذه المجموعات سلحتها الحكومة بأحدث الأسلحة؛ لتقلم أظفار المسلمين الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات للمسلمين الملتزمين؛ فالحكومة تثأر من هؤلاء بهؤلاء، وتدعي أن هذه الحروب بسبب الإسلاميين! وهذا باطل، وقد صرحت بذلك المنظمات الكافرة! فهناك تقرير من منظمة العفو الدولية، وإن كنا لا نثق في مثل هذه المنظمات، لكن الحق ما شهدت به الأعداء، صرح هذا التقرير بأن الذي يقوم بذلك هي هذه المليشيات التي وظفتها وجندتها الحكومة لتقليم أظافر المسلمين الذين قالوا: نريد أن نحكم في هذا البلد المسلم بشريعة الله، وشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاعلم أيها المسلم! أن المسلمين هنالك بريئون من هذه الدماء ومن هذه المجازر ومن هذه المذابح، فلا يمكن لمسلم على وجه الأرض ألبتة أن يتعدى وأن يسفك الدماء المسلمة بغير حل، إلا إذا كان لا يعرف شيئاً عن القرآن ولا يعرف شيئاً عن سنة الحبيب عليه الصلاة والسلام. أسأل الله أن يذب عن عرض إخواننا وعن عرض أخواتنا، وأسأل الله أن يذب عنا وعنكم النار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما أسأل الله في هذه اللحظات الطيبة أن يحقن دماء المسلمين في الجزائر، وأن يرفع عنهم البلاء وعن جميع بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    القصاص بين المؤمنين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! آخر عناصر لقائنا هذا هو: القصاص بين المؤمنين. هل يحدث قصاص بين أهل التوحيد والإيمان؟! نعم، فإنه لن يدخل الجنة أحد -ولو كان موحداً لله مطيعاً لله متبعاً لرسول الله- وعنده مظلمة لأخيه أبداً. روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خلص المؤمنون من النار -أي: مروا من على الصراط- حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى -أي: أعرف- بمنزله في الجنة من منزله كان في الدنيا). إذا خلص أهل الإيمان، ونقى الله أهل الإيمان، وأذن الله لهم في دخول الجنان، ينطلق كل واحد إلى منزله في الجنة، وهو يعرفه أكثر من معرفته ببيته في الدنيا. وأسأل الله أن يسترنا وإياكم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم جنبنا الظلم يا رب العالمين! اللهم جنبنا الظلم يا رب العالمين! اللهم طهرنا من الظلم صغيره وكبيره، اللهم طهرنا من الظلم صغيره وكبيره، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم تب على الظالمين المذنبين قبل أن يقفوا بين يديك يا أرحم الراحمين.. اللهم تب على الظالمين في الدنيا قبل أن يقفوا بين يديك يا أرحم الراحمين.. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وألف بين قلوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير.. اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير.. اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير.. اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود، اللهم عليك باليهود وأعوانهم.. اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى.. اللهم احرق قلوبهم وبيوتهم قبل أن يحرقوا الأقصى.. اللهم قيض للأمة صلاحاً جديداً يا رب العالمين.. اللهم يا من رزقت الأمة بـعمر وصلاح الدين قيض للأمة من يرد لها الأقصى الأسير برحمتك يا رب العالمين.. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين.. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين.. اللهم اشف صدور قوم مؤمني. اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين.. اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والفتن والبلاء وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.