إسلام ويب

مع أعظم داعية [1]للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان العالم يتخبط في ظلمات الجاهلية وخرافات الوثنية، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ونوراً وهدى للناس، لكن الجاهلية الغاشمة لم تفقه ما أريد لها، فقام كفار مكة في وجهه، فآذوه ومن أسلم معه واضطهدوهم واضطروهم للخروج من مكة، والبحث عن بلاد آمنة للدعوة إلى الله. وكان ما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم من الأذى والابتلاء أمراً عظيماً، يسلي الدعاة من بعده، ويحملهم على تحمل الأذى والمشاق في سبيل الله، والاضطلاع بأمور الدعوة مع التحلي بالصبر والجلد والاستمرار.

    1.   

    مقدمات الدعوة وبدء الوحي

    الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمع اللقاء الثاني عشر من خواطر الدعوة إلى الله عز وجل، ونحن اليوم على موعد لإجمال ما فصلناه في اللقاءات الطويلة الماضية، وذلك بتقديم صورة عملية مشرقة للدعوة إلى الله عز وجل، لأعظم داعية عرفته الدنيا، لإمام النبيين، وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، فهو قدوتنا، وأسوتنا، وإمامنا، وأستاذنا، ومعلمنا، ولم تكن دعوته ولن تكون ماضياً يحاول أعداؤنا في الليل والنهار أن يقطعوا الصلة بيننا وبينه، كلا، إن دعوته شعلة توقد شموس الحياة، ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال. أحبتي في الله! لقد نشأ أعظم داعية -صلى الله عليه وسلم- في بيئة شركية، تصنع الحجارة بيديها، وتسجد لها من دون الله جل وعلا، فاحتقر هذه الأصنام، وأشفق على أصحاب هذه العقول، فهاهو يرى الواحد منهم ينحت إلهه الذي يعبده بيديه من حجر أو خشب أو نحاس أو حديد، أو حتى من التمر إذا اضطر إلى ذلك، فإذا ما عبث الجوع ببطنه قام يدس هذا الإله الرخيص في جوفه؛ ليذهب به أذى هذا الجوع .. بيئة عجيبة! فترك النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيئة الشركية، واختار العزلة بعيداً في غار حراء، على قمة جبل النور بمكة المكرمة شرفها الله وزادها تشريفاً، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عن أصنام مكة، وبعيداً عن سدنتها وكهانها، وذهب بعيداً إلى هذا الجبل، الذي يستغرق الصعود إليه ساعة أو أكثر، يخلو بنفسه ليقضي النهار في التأمل والتفكر والتدبر، ويقضي الليل في التبتل والتعبد والتضرع. وفي ليلة من هذه الليالي الكريمة المباركة يتنزل الوحي على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى ليبشر النبي صلى الله عليه وسلم بحياة جديدة، بل ويبشر البشرية كلها بحياة جديدة، هاهي النبوة ترفع أعلامها، وهاهي النبوة تدق ناقوسها، وتقول: أنت يا محمد نبي الله لهذه البشرية كلها، ويأتيه الملك كما في الحديث الذي رواه البخاري ، في كتاب بدء الوحي من حديث عائشة : (يأتيه الملك ويقول له: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ -أي: أنا رجل أمي لا أتقن القراءة ولا أحسن الكتابة- يقول صلى الله عليه وسلم: فأخذني وغطني -أي: ضمني ضمة شديدة- حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطي الثالثة ثم أرسلني وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:1-3]). فرجع النبي صلى الله عليه وسلم بها يرجف فؤاده، وترتعد فرائصه وتضطرب جوارحه، رجع إلى من؟ رجع إلى القلب الحنون، رجع إلى العقل الكبير، رجع إلى أمنا خديجة رضي الله عنها وهو يقول لها: (يا خديجة والله لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر ) وانطلقت به صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان رجلاً قد تنصر، وكان يكتب الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت: (يا ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة : ماذا ترى يا ابن أخي؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال ورقة : هذا والله الناموس الذي نزل الله على موسى، يا محمد! والله إنك لنبي هذه الأمة، ليتني كنت فيها جذعاً -أي: شاباً صغيراً- لأنصرك ولأحميك ولأدفع عنك، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)، وما لبث أن توفي ورقة ، وفتر الوحي، أي: انقطع فترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيب رسول الله عليه الصلاة والسلام بالحيرة، ما هذا الذي جرى؟ ما هي رسالته؟ ما هو دوره؟ ما هي وظيفته؟ يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر الذي رواه البخاري ومسلم (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً في السماء يقول: يا محمد! يا محمد! فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، يقول عليه الصلاة والسلام: فرعبت منه -وفي رواية مسلم : فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، ورجعت إلى أهلي وأنا أقول: زملوني زملوني، يقول عليه الصلاة والسلام: فدثروني -أي: وضعوا عليه الأغطية- وإذا بالأمر يتنزل على قلب الحبيب من الله جل وعلا لينادي عليه ربه بهذه الآيات ويقول: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5]). قم يا محمد! وأزل عنك هذه الأغطية، وأزل عنك هذه الفرش، فما كان بالأمس حلماً جميلاً أصبح اليوم حملاً ثقيلاً، قم يا محمد! للعبء الثقيل الذي ينتظرك، قم يا محمد! للأمانة الكبرى التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، قم يا محمد! لعبء العقيدة .. لعبء الدعوة إلى الله .. لتزيح عن هذه البشرية وعن هذا الوجه الكالح هذا الشرك وهذا الكفر العتيد العنيد، قم يا محمد! لترفع راية لا إله إلا الله، لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. فنهض محمد وقام، وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً، لم يقعد ، ولم يكسل، ولم يجلس، ولم يسترح، ولم يعش لنفسه ولا لأهله قط، وإنما عاش لله، وعاش لدين الله، وعاش لدعوة الله، وعاش للا إله إلا الله، وعاش من أجل هذه البشرية المنكوبة تحت سياط الشرك والكفر، قام وظل قائماً. يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3]، كبر الكبير المتعال الذي هو أكبر من كل شيء، هو أكبر من السماوات، وأكبر من الأرض، وأكبر من هؤلاء الطواغيت والفجار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:3-5]، أي: اهجر هذه الأصنام وهذه التماثيل التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عن نفسها شيئاً.

    1.   

    مرحلة الدعوة السرية

    وبدأت المرحلة الأولى من مراحل الدعوة لدين الله جل وعلا، في تكتم شديد وسرية كاملة، نعم! إن الأمر جد خطير، إن للأصنام جيوشاً تتلمظ وتستعد لنحر كل من يعتدي عليها، ما بالك بأقوام يعتدي بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضاً على ناقة، فما ظنك بما سيفعلونه من أجل آلهة ينحرون لها آلاف النياق لترضى عنهم بزعمهم! فلابد من التكتم، ولابد من السرية في هذه الآونة. وانطلق النبي عليه الصلاة والسلام بدعوة في سراديب من التكتم والسرية؛ ليبذر وليغرس جذور التوحيد في باطن الأرض في القلوب، لتؤدي ثمارها وأكلها بعد حين بإذن ربها، إذا ما خرجت على سطح الأرض قوية يافعة لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تجتثها أو أن تقتلعها؛ لأن الجذر الذي في باطن الأرض غرسه أعظم داعية بيديه صلى الله عليه وسلم، غرس النبي صلى الله عليه وسلم العقيدة الصحيحة الخالصة في القلوب، وينبغي على كل داعية أن يبدأ بما بدأ به حبيب القلوب محمد صلى الله عليه وسلم، لابد من عودة إلى العقيدة؛ لزرع جذورها في القلوب زرعاً صحيحاً أكيداً قوياً لا تزعزعه الرياح، ولا تؤثر عليه الأهواء والشبهات. فأسلمت خديجة ، وأسلم أبو بكر ، وعلي ، وزيد بن حارثة ، وعثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وبلال ، وأبو ذر ، وأبو عبيدة ، وسمية ، وعمار ، وياسر وغيرهم من السابقين الأولين، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

    1.   

    الجهر بالدعوة

    واستمرت المرحلة السرية في الدعوة إلى الله ثلاث سنوات، كان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله جل وعلا تحت السراديب، يدعو إلى الله جل وعلا تحت باطن الأرض لا على ظهرها، حتى نزل الأمر من الله جل وعلا ثانية يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعلن دعوته وأن يجهر بها، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل قول الله جل وعلا : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94]، يقول ابن مسعود : فخرج النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه). فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94]، تبدأ من هنا المرحلة الثانية من مراحل الدعوة إلى الله جل وعلا، ألا وهي المرحلة العلنية أو الجهرية، ونزل قول الله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:214-215]، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا بمكة المكرمة، والحديث رواه البخاري وغيره: (صعد على الصفا ونادى على بطون قريش يا بني عدي! يا بني فهر! -وفي رواية-: وضع أصبعيه في أذنيه وظل يصرخ بأعلى صوته، واصباحاه واصباحاه! فاجتمع إليه الناس، واجتمعت إليه بطون قريش، حتى إن الرجل الذي عجز عن أن يذهب بنفسه وكل رسولاً يذهب عنه ليخبره ما الخبر، ووقف الناس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم -فأقام عليهم الحجة ابتداءً- وقال: (أرأيتم لو أني أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط، فقال صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، وفي رواية في الصحيح: إنما أنا النذير العريان، أي: الذي لم يمهله الوقت ليرتدي ثيابه، فجاء عرياناً لينذر قومه من النار. وكان أول من رد عليه عمه أبو لهب نظر إليه نظرة يتطاير منها الشرر الذي قتله وأحرقه بعد ذلك وقال له: (تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟!)، أي: أجمعتنا من أجل هذا الكذب ومن أجل هذا الهراء؟! أنت رسول الله إلينا؟! أنت نذير إلينا من عند الله جل وعلا؟! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قول الله جل وعلا: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5]، يقتص الله جل وعلا فورياً لحبيبه ورسوله صلى الله عليه وسلم. وهنا كأن صاعقة برقت ورعدت وزلزلت أرجاء مكة، وبدأت طبول الحرب تدق بأعلى قوة على محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ ما جاء يطلب مالاً، ولا يطلب جاهاً، ولا يريد سلطاناً، ولا يريد ملكاً، وإنما جاء بخيري الدنيا والآخرة، جاء ليخرجكم من ظلمات الشرك والكفر والإلحاد إلى أنوار التوحيد والإيمان، وهكذا كل من يدعو إلى الله يصنع به ذلك. نعم، إنها سنة قديمة حديثة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:29-32].

    1.   

    بداية المرحلة المكية وإيذاء المشركين للدعوة

    وتفنن أهل مكة في إيذاء الحبيب، وسبحان الله! لم يمض على الجهر بالدعوة إلا أشهر معدودة وإذ بموسم الحج يقترب، والعرب كانوا يحجون البيت قبل الإسلام وهم على الشرك، وكانوا يقدسون البيت تقديساً عجيباً. واجتمع المشركون في مكة وخافوا على العرب من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن كلامه يسري إلى القلوب كسريان الماء بين الشقوق، وكسريان الدماء بين العروق، فاتفقوا على كلمة حتى لا يكذب بعضهم بعضاً، واتفقوا جميعاً على قولة المتكبر المعاند الذي عرف الحق وتكبر عليه وأعرض عنه، وهي مقولة الوليد بن المغيرة ، الذي فكر في الأمر وقلبه من جميع جوانبه، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [المدثر:18-22] -كشر- ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:23-24]، إن الذي جاء به محمد سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وقبيلته وعشيرته، وانفضوا جميعاً وقد اتفقوا على أن يقولوا: إن محمداً ساحر، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. حتى أقبلت الوفود، فقام النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى لا إله إلا الله، وأبو لهب يمشي خلفه ويقول: لا تصدقوه فإنه صابئ كذاب! اتهموه بالجنون ونادوا عليه وقالوا: يا مجنون! وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر:6]، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص:4]. وازداد الأمر سوءاً، واشتد البلاء والاضطهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن امرأة تتطاول على صاحب المقام العالي صلى الله عليه وسلم، وتذهب هذه المرأة التي داست على أنوثتها وتطاولت بل وفاقت المشركين شراسة ووقاحة، إنها أم جميل التي تمزق قلبها من الحسرة على ما سمعت من القرآن الذي تلي في حقها وزوجها، وأخذت الحجارة في يديها، وذهبت إلى رسول الله حول بيت الله لتلقي بالحجارة على رأسه وعلى فمه، وذهبت إليه وهو جالس مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه وقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ -لقد أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد بلغني أنه يهجوني، ووالله إني لشاعرة، ثم قالت: والله لو وجدته لرميت فاه بهذا الفهر -أي: بهذه الحجارة-، ثم أنشدت وقالت: مذمم عصينا -أي: محمد عصينا-. ودينه قلينا. وأمره أبينا. وفتحت هذه المرأة الشريرة الباب للمشركين أن يتطاولوا، وأن يصبوا العذاب صباً على أشرف رأس وأطهر رأس وأعظم بدن دب على ظهر هذه الأرض. وروى البخاري من حديث عبد الله بن مسعود : (جلس أبو جهل وأصحابه من حوله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فقال أبو جهل عليه لعنة الله: من يقوم منكم إلى سلا جزور بني فلان فيلقيه على ظهر محمد وهو ساجد، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، وجاء بسلا الجزور النجس وانتظر حتى سجد الحبيب صلى الله عليه وسلم وألقاه على ظهره وعلى رأسه، وظل النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً لا يرفع رأسه)، أتلقى النجاسة على رأس رسول الله؟! نعم، وظل الحبيب صلى الله عليه وسلم ساجداً لا يرفع رأسه (حتى جاءت إليه ابنته فرفعت الأذى عن أبيها)، ابنة تنظر إلى أبيها على أنه أعظم الرجال، هاهي تدفع الأذى والنجاسة بيديها عن رأسه وعن ظهره الشريف، ويرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه. وفي البخاري أيضاً: (أن عقبة ذهب مرة أخرى وخنق النبي عليه الصلاة والسلام خنقاً شديداً حتى كادت أنفاسه أن تخرج، ويأتي الصديق رضي الله عنه ويأخذ بمنكبيه ويدفعه وهو يقول له: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!) ليس له جريمة إلا أنه يقول: لا إله إلا الله، أصبحت كلمة التوحيد جريمة في القديم وفي الحديث! أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]. أصبح التوحيد جريمة، أصبح التوحيد تطرفاً، أصبح التوحيد إرهاباً، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر:28]. بل ويزداد الأمر سوءاً -كما روى الطبري وابن إسحاق-: فيلقي عليه بعض الأنذال الأوباش تراباً على رأسه، ويرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته والتراب على رأسه، فتقوم إليه إحدى بناته لتغسل التراب من على أشرف رأس وأطهر رأس، وهي تبكي والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي ولا تحزني يا ابنتي، إن الله مانع أباك إن شاء الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شدة الأذى والهجرة إلى الحبشة

    كل هذا يفعل برسول الله، فما ظنكم بما يفعل بالمستضعفين، هذا ما يفعل برسول الله مع دفاع أبي طالب ومع مكانته في قومه، فما ظنكم بما يفعل بالمستضعفين من الموحدين؟! كلنا يعلم أن أول شهيدة في الإسلام سمية رضي الله عنها، لقد عذبها أبو جهل عذاباً شديداً، وفي النهاية طعنها بحربته في فرجها فماتت، فهي أول شهيدة في الإسلام، تطعن بحربة في فرجها؛ لأنها قالت: لا إله إلا الله! ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم بداً أمام هذه الحرب الشرسة الضروس، إلا أن يشير على أصحابه المستضعفين بالهجرة. سيتركون مكة، ويتركون الأهل، ويتركون الديار، ويتركون الأموال، ويتركون الأوطان، ويتركون الأحباب؛ كل ذلك من أجل الدين، من أجل العقيدة، إنها أغلى ما يملك الإنسان في هذا الوجود، فهي أغلى من وطنه، وأغلى من ماله، وأغلى من أولاده، وأغلى من نفسه، هكذا ينبغي أن تكون. والهجرة إلى أين؟ إلى أين سيذهب أصحابك يا رسول الله ؟ سيذهبون إلى أرض بلال إلى الحبشة، لتغسل شلالاتها دماء ودموع المستضعفين من الموحدين؛ لتطهر شلالاتها جروح المستضعفين من أثر السياط والرماح. ولماذا الحبشة؟ والجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إلى بلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً). ونتوقف مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يغادرون مكة في غاية الحزن والألم والأسى، وهم يرحلون عن حبيبهم وإمامهم ونبيهم، وهم يتخلون عن ديارهم وعن بيت ربهم، نسأل الله جل وعلا أن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم...

    1.   

    أثر إسلام حمزة وعمر على الدعوة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! ويخرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رجب من السنة الخامسة من بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يخرجون إلى أرض الحبشة، ويشتد الأذى ويزيد البلاء والاضطهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الموحدين من المستضعفين. ويشاء الله جل وعلا لهؤلاء المقهورين نصراً يزلزل أرجاء مكة، نعم، فلقد أسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة رضي الله عنه، وبعد ثلاثة أيام فقط من إسلام حمزة يبرق ضوء شديد في مكة كلها، يضيء للمقهورين طريقهم -ولأول مرة- إلى بيت الله الحرام ليطوفوا باطمئنان وثقة وثبات، ولم لا وقد أسلم عمر؟! نعم أسلم عمر بعد ثلاثة أيام من إسلام أسد الله وأسد رسوله حمزة رضي الله عنهم جمعياً وأرضاهم، ولأول مرة يخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه المستضعفين المقهورين في صفين: على رأس الصف الأول حمزة، وعلى رأس الصف الثاني الفاروق عمر، وبين يدي الصفين إمام الهدى ومصباح الدجى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى أين؟ إلى بيت الله الحرام الذي حرمهم المشركون من التمتع به والتلذذ به، والتعبد والصلاة عنده. نصر جديد من عند الله جل وعلا.

    1.   

    حصار الشعب وآثاره على المسلمين ومن معهم

    بل ويزداد النصر حينما يصر بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم على منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما سمع وعلم أبو طالب أن المشركين قد صمموا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم والتخلص منه، ويتفق المشركون جميعاً على مقاطعة كاملة وحصار اقتصادي -شنشنة قديمة حديثة- فرضوا الحصار الاقتصادي الشامل الكامل على بني هاشم وبني المطلب، وأجمعوا على أن لا يؤاكلوهم ولا يناكحوهم ولا يتاجروا معهم ولا يتزوجوا منهم، ولا يسمحوا لهم بطعام أو بشراب، حتى أكل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه الجلود وورق الشجر. واستمر الحصار على رسول الله وعلى الموحدين الأتقياء الأطهار ثلاث سنوات! نعم، وفرج الله الكرب، وأذهب الله الهم والغم.

    1.   

    عام الحزن

    وبعد ستة أشهر فقط من الخروج من هذا المأزق الحرج، يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بفجيعة مؤلمة، فيموت عمه أبو طالب الذي كان بلا منازع حصناً حصيناً تتحطم عليه رماح المشركين وسهامهم، والذي كان بلا منازع من أول الناس دفعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من ذلك يموت أبو طالب على دين قومه، ويتنزل فيه قول ربه جل وعلا لحبيبه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]. وبعد شهرين أو ثلاثة من وقوع هذه الفاجعة يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بفاجعة تفتت الكبد وتمزق القلب، أتدرون ما هي؟ إنها موت زوجته خديجة ، ماتت صاحبة القلب الكبير، لا إله إلا الله .. رحماك رحماك يا الله! مات أبو طالب وماتت خديجة رضي الله عنها بعد شهرين أو ثلاثة، ماتت التي كانت تضم النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدرها؛ لترفع عنه الهم والغم، ولتخفف عنه البلاء، ولتضمد جراحه بأسلوبها العذب الرقيق، ماتت خديجة وعصر الألم قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه سمى هذا العام العاشر الذي مات فيه أبو طالب وخديجة ، سماه النبي صلى الله عليه وسلم: بعام الحزن، إي والله إنه لعام حزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    رحلته صلى الله عليه وسلم إلى الطائف

    وبعد موت أبي طالب كشرت قريش عن أنيابها، وضاعفت الأذى والاضطهاد على رسول الله وعلى الموحدين، وترك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأرض الصماء، هذه الأرض الجامدة، وخرج يبحث عن أرض أكثر خصوبة؛ ليبذر فيها بذرة التوحيد؛ ليبذر فيها بذرة لا إله إلا الله. ويخرج النبي عليه الصلاة والسلام يشق الأودية والجبال تحت حرارة هذه الشمس المحرقة، وعلى هذه الرمال الملتهبة المتأججة، يمشي على قدميه المتعبتين الداميتين بلا راحلة، لماذا؟ لأنه كان لا يملك ثمن الراحلة. يتحرك الحبيب على قدميه، لماذا؟ هل يريد جاهاً، أم يريد مالاً، أم يريد سلطاناً؟ لا، بل يريد الله والدار الآخرة، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد والإيمان. وتوجه إلى الطائف، خرج إلى الطائف يمشي أكثر من سبعين كيلو على قدميه تحت حرارة الشمس وعلى هذه الرمال، لم يركب سيارة مكيفة، ولا طائرة خاصة، وإنما على قدميه الشريفتين بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ويتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لعله يجد بقية خير في قلوب أناس خارج مكة، يبحث عن أمل، يبحث عن يد حانية تمتد لرفع راية لا إله إلا الله. مر النبي عليه الصلاة والسلام على أشراف بني ثقيف وساداتها، ولكن القوم كانوا أشد خسة ودناءة مما فعله به المشركون في مكة المكرمة، فسبوه ونهروه وطردوه صلى الله عليه وسلم، وقام -بأبي هو وأمي- يطلب منهم طلباً أخيراً هو أقل ما يطلبه الإنسان من أخيه الإنسان، يقول لهم: (إذ فعلتم بي ما فعلتم فاكتموا خبر زيارتي عن أهل مكة؛ حتى لا تزداد شماتتهم وظلمهم وعدوانهم)، ولكنهم كانوا أشد خسة ودناءة مما توقعه النبي عليه الصلاة والسلام، فسلطوا عليه الصبيان والعبيد والسفهاء، ووقفوا صفين وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويسخرون به، ويسبونه بأقبح السباب والشتائم. وقام النبي صلى الله عليه وسلم والألم يعصر كبده، والمرارة تمزق قلبه، قام بحالة تفتت الأكباد وتمزق القلوب: جوعان، عطشان، يتألم من ألم السير بالليل والنهار على قدميه، دعوة مطاردة، وأصحاب تتخطفهم أيدي الطغاة، لا إله إلا الله! وألجأ السفهاءُ والصبيانُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى بستان لـعتبة وشيبة ابني ربيعة، ولم يجد النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جلس والدماء تنزف من قدميه الشريفتين الكريمتين المباركتين إلا أن يستعيد ذكريات شريط الأحزان، شريط الدعوة الطويل إلى الله جل وعلا، فتذكر أصحابه في الحبشة، وتذكر إخوانه الذين يجلدون ويعذبون في مكة، وتذكر خديجة ، وتذكر أبا طالب، فلم يجد بداً من أن يرفع هذه الشكوى إلى من يسمع دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، رفع إلى الله هذا الدعاء -وإن كان شيخنا الألباني قد ضعف إسناده- لجأ إلى الله بهذه الدعوات الحارة وقال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ونتوقف في هذا اليوم أيها الأحباب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف، لنواصل المسير مع أعظم داعية عرفته الدنيا على طريق الدعوة الطويل في اللقاء القادم إن شاء الله جل وعلا إن قدر الله لنا البقاء واللقاء. وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجزيه عنا خير الجزاء، اللهم اجز عنا محمداً خير الجزاء، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت به نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعل كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.