إسلام ويب

تلقين الميت الشهادةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت حقيقة حتمية، وأمر واقع لا محالة، يأتي لينقل المرء من حياة إلى حياة أخرى. وهناك أحكام تتعلق بالموت ينبغي مراعاتها: فمنها ما يتعلق بالميت، ومنها ما يتعلق بأهل الميت ومن حضره، فعلى المسلم أن يراعي هذه الأحكام وتلك الآداب، لينال الأجر والثواب.

    1.   

    الموت حق

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. ولا زلنا مع كتاب الإيمان، والذي ترجم له الإمام البخاري بقوله: باب اتباع الجنائز من الإيمان. واسمحوا لي أن أقف مع هذا الباب وقفة طويلة قد تحتاج إلى عشر محاضرات على الأقل، فسأقف في شرح هذا الباب مع كتاب كامل من الكتب المسددة الموفقة الصحيحة المحققة لمحدث العصر وبقية السلف وبركة الزمان أبى عبد الرحمن شيخنا الألباني رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وعن المسلمين خير ما جزى عالماً أميناً صالحاً مصلحاً. سأقف مع كتابه الماتع -بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ- (أحكام الجنائز). فإن المسلمين الآن في أمس الحاجة إلى أن يتعرفوا على هذا الباب من أبواب العلم، لاسيما وقد رأينا كثيراً من البدع في جانب الجنائز. وسأحاول جاهداً أن تكون هذه السلسلة بعنوان: (أحكام الجنائز) مجموعة متكاملة؛ لينتفع بها المسلمون في كل مكان، أسأل الله عز وجل أن يجعل لها القبول والنفع في الأرض، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وألا يجعل للهوى ولا للشيطان حظاً ولا نصيباً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. قال البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن ومحمد عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلي عليها -أو حتى يُصَلى عليها- ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط). هذا هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري في هذا الباب الكريم. واسمحوا لي قبل أن أشرع في الحديث عن أحكام الجنائز أن أقدم بمقدمة موجزة جداً عن الموت أسأل الله أن ينفع بها. فالموت حق، وسماه الله في القرآن بالحق فقال جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] أي: ذلك ما كنت منه تهرب وتبتعد. تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا ؟! أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الوزير! يا أيها الغني! يا أيها الفقير! كل باك سيبكى، وكل ناعٍ سينعى، وكل مذكور سينُسى، وكل موجود سيفنى، ليس غيرُ الله يبقى، من علا فالله أعلى. أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحدَ والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا قال تعالى لحبيبه المصطفى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:34-35]. وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] . وقال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت)، وذكر الموت ليس معناه أن تقول: إن فلاناً من الناس قد مات! كلا، وإنما ذكره معناه: أن نستعد للموت، وأن نعمل للموت، وأن نغرس في هذا الدنيا لما بعد الموت. إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا نسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

    1.   

    أحكام الموت

    تلقين المحتضر

    ما هو أول حكم من أحكام الموت؟ تلقين المحتضر الذي نام على فراش الموت، فإذا حضره الموت وجب على من عنده أمور: الأول: أن يلقنوه الشهادة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) أي: من العذاب. وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وفي الحديث: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)، وهذه الروايات كلها رواها الإمام مسلم في صحيحه، والزيادة في الحديث الأول لم ترد في صحيح مسلم، وإنما وردت في صحيح ابن حبان . إذاً: أول حكم من أحكام الموت: إذا نام المحتضر على فراش الموت وجب على أهله المحيطين به أن يلقنوه كلمة التوحيد، فمن وفق لهذه الكلمة دخل الجنة، ولا يوفق للنطق بها إلا الموفق، ولا يرزق أحد النطق بها إلا المسدد. فليس كل أحد يستطيع في هذه اللحظات أن ينطق بلا إله إلا الله، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27]،قال ابن عباس : هو قول: لا إله إلا الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]. ويقتضي عدل الله سبحانه: أن من عاش على التوحيد مات على التوحيد، وبعث في زمرة الموحدين. قال عليه الصلاة والسلام: (من مات على شيء بعث عليه). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فمن عاش على الطاعة مات على الطاعة، وبعث على الطاعة، ومن عاش على الصلاة مات على الصلاة، وبعث على الصلاة، ومن مات على معصية بعدما عاش دهره وحياته على المعصية، بعث على ذات المعصية، فمن مات وفي يده كأس الخمر بعث يوم القيامة وهو يحمل بيده كأس خمر، ومن مات وهو يزني بعث يوم القيامة بهذه الفضيحة، ومن مات وهو سارق بعث يوم القيامة وهو يحمل على كتفه ما سرق: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

    الدعاء وقول الخير عند المحتضر

    ثانياً: على من حضر الميت أن يتضرع إلى الله بالدعاء له، ولا يقول في حضرته إلا خيراً؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)، والحديث رواه مسلم والبيهقي . يعني: لو مات الميت فلا يقال إلا خيراً، فلو صرخت المرأة في البيت وقالت: يا سبعي! يا جملي! فإن الملائكة تؤمن على هذا القول، ولا ينتفي الوزر عن الميت إلا إن أوصى أنه متبرئ من كل ما يخالف الشرع، فاكتب وصيتك من الآن ولا تسوف، فإن الموت يأتي بغتة، وأوص بكل ما تريد، تبرأ من كل مخالفة يرتكبها الأهل بعد الموت، فربما بعض أهلك يصر على أن يضع لك صواناً أو خيمة ضخمة، وينفق من أموال اليتامى ما لا يحق له بحال، فهذا أكل لمال اليتامى بالباطل والظلم. والله تعالى يتوعد من أكل أموال اليتامى بوعيد شديد فيقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء:10]، وهذا من الظلم؛ لأنه تضييع لأموال اليتامى بغير حق: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]. والمراد بالتلقين: أن تقول له: قل: لا إله إلا الله وهو يحتضر، وليس التلقين بعد الدفن، فتلقين الميت بعد الدفن في القبر ليس من السنة، ولم يثبت هذا عن صاحب السنة صلى الله عليه وسلم، إنما التلقين إذا نام الميت على فراش الموت واحتضر، تلقنه: لا إله إلا الله؛ لينطق بها ويرددها خلفك، وليقل هو بلسانه: لا إله إلا الله. أما التلقين في القبر بعد الموت فلم يثبت هذا أبداً عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، والرواية الواردة في هذا الباب رواية لا تصح بحال عن النبي المختار عليه الصلاة والسلام. وجاء في حديث أنس الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد -يعني: زار- رجلاً فقال النبي له: يا خال! يا خال! قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله). وأود أن أذكر أيضاً بأنه إذا قال المحتضر: لا إله إلا الله مرة كفى، ولا ينبغي أن نلح عليه ليكررها حتى ولو طال وقت الموت، فهذا هو آخر كلامه في الدنيا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (يا خال! قل: لا إله إلا الله فقال: -أي: هذا المحتضر-أخال أم عم؟ فقال: بل خال -وكان من أخواله عليه الصلاة والسلام- فقال للنبي: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال: نعم). أما قراءة سورة يس عند الميت أثناء الاحتضار، وتوجيه الميت نحو القبلة، فكل ذلك لم يثبت ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالميت أصلاً موحد مسلم لا يحتاج أن يثبت له إسلامه بعد الموت بتوجيهه نحو القبلة، فهذا من التكلف الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وما اعتاد عليه جل المسلمين من توجيه الميت نحو القبلة حتى يجهز ويغسل ويدفن ليس عليه دليل، بل لقد كره إمام التابعين سعيد بن المسيب ذلك، وقال قولة جميلة: أليس الميت امرأً مسلماً؟! فعن أبي زرعة أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه، وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من العلماء، فغشي على سعيد بن المسيب -أغمي عليه- فأمر أبو سلمة بن عبد الرحمن أن يحولوا فراش سعيد بن المسيب نحو الكعبة وسعيد -رحمة الله عليه- في إغماءة الموت، فأفاق سعيد بن المسيب فوجد أنه قد وجه فراشه فقال: حولتم فراشي؟! قالوا: نعم، فنظر إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن وقال: أراه بعلمك؟! يعني: أنت الذي وجهت إلى ذلك، فقال: نعم، أنا الذي أمرتهم، فأمر سعيد بن المسيب أن يعيدوا فراشه إلى ما كان، وقال قولته الجميلة: أليس الميت امرأً مسلماً؟! مادام لم يثبت هذا عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن نتكلف ما لم يفعله الحبيب عليه الصلاة والسلام. ولا بأس أن يحضر المسلم وفاة رجل كافر؛ ليلقنه الشهادة لعلَّّ الله أن يرزقه الشهادة؛ فإن كان لك جار يهودي أو نصراني وسمعت أنه يحتضر فلا بأس أن تسرع إليه بنية أن تذكره بالإسلام والتوحيد: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). والدليل على ذلك ما رواه البخاري وأحمد والحاكم وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض الغلام، فأتاه النبي يعوده -يعني: يزوره- فقعد النبي عند رأسه، وقال له عليه الصلاة والسلام: أسلم -يعني: قل: لا إله إلا الله- فنظر الغلام إلى أبيه -وهو رجل يهودي - فقال الأب لولده: أطع أبا القاسم. فأسلم الغلام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عند الغلام وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)، وصدق ربي وهو العزيز الغفار إذ يقول في حق نبينا وهو النبي المختار: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، وصدق ربي إذ يقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فهو رحمة للمؤمنين، بل ورحمة للعالمين من المشركين والمسلمين، فمن آمن به فقد رحم في الدنيا والآخرة، ومن كفر به فقد رحم في الدنيا من عذاب الله، ثم بعد ذلك ينال هذا الكافر بالنبي عذابه في الآخرة. فلما مات هذا الغلام اليهودي قال النبي عليه الصلاة والسلام: (صلوا على صاحبكم).

    تغميض الميت وتغطيته بثوب

    ما الذي يجب على أهل الميت إذا مات صاحبهم وأسلم الروح لخالقها وبارئها جل وعلا؟ يجب عليهم أمور منها: أن يغمضوا عينيه، فإن البصر يتبع الروح حين تخرج من الجسد. ومن الأحكام التي تلزم من حضر الميت: أن يغطي الميت بثوب يستر جميع بدنه، كغطاء أو ثوب أو أي شيء يغطي جميع البدن حتى الوجه؛ لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببردة حِِبْرة أو حَبِرَة، وهي بردة من برود اليمن، يعني: غطي جسده كله عليه الصلاة والسلام، ولم يكشف هذه البردة إلا الصديق حينما دخل على الحبيب بعدما أتى من بيته في السنح، ووجد الناس يصرخون أمام المسجد النبوي، فدخل الصديق على حبيبه فوجده مسجى -أي: مغطى- فكشف الغطاء عن وجهه وقبله بين عينيه، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم). وفى رواية حسنها شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في مختصر الشمائل: (أن الصديق نادى على نبيه وقال: وانبياه! واخليلاه! واحبيباه! أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم). فمن السنة إذا مات الميت أن يغطى جسده كله، هذا إن مات الميت وهو غير محرم بحج أ وبعمرة، فإن مات الميت وهو محرم بحج أو عمرة فلا يغطى رأسه، ولا يغطى وجهه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين قال: (بينما رجل واقف بعرفة -لابس الإحرام -إذ وقع عن راحلته فوقصته -وطأته الناقة- فمات بلباس الإحرام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه -أي: في الإزار والرداء- ولا تحنطوه)، وفى رواية: (ولا تطيبوه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه -أي: لا تغطوا رأسه ولا وجهه- فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وقد قال الصادق صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه).

    التعجيل بتجهيز الميت

    وينبغي لمن حضر الميت أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه من بيته إلى المقابر، فمن السنة إذا مات الميت أن نعجل في تجهيزه -أي: في غسله وتكفينه ودفنه- إلا لضرورة، قال عليه الصلاة والسلام: (أسرعوا بالجنازة) والإسراع بالجنازة يحتاج إلى إسراع في التغسيل وإسراع في التكفين وإسراع في الدفن: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم).

    دفن الميت في البلد الذي توفي فيه

    من السنة أن يدفن الميت في البلد الذي توفي فيه إلا لضرورة، هذا هو الأصل، فلا ينقل الميت من بلد إلى بلد ما دام قد مات في بلد مسلم؛ لأن هذا يتنافى مع الإسراع الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الذي أخرجه أصحاب السنن الأربع وأحمد في مسنده والبيهقي بإسناد صحيح قال: (لما كان يوم أحد حمل القتلى -أي: من الصحابة- ليدفنوا بالبقيع بجوار المسجد النبوي، فأمر رسول الله المنادي أن ينادي في الناس ويقول: إن رسول الله يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم -أي: في الموضع الذي قتلوا فيه -يقول جابر -: وذلك بعدما حملت أمي أبي وخالي على ناقة لنا؛ لتدفنهم في البقيع فردوا). وفى رواية: (فأرجعناهما مع القتلى حيث قتلوا )؛ ولذلك قالت عائشة رضوان الله عليها لما مات أخ لها في الحبشة فحمل من مكانه : (ما أجد في نفسي -أو يحزنني في نفسي- إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه في الحبشة) والحديث أخرجه البيهقي بسند صحيح.

    أن يبادر أهل الميت بسداد دينه

    يجب على أهل الميت أن يبادروا بسداد الدين عن ميتهم، فإن لم يكن له مال، ولم يستطع أهل المتوفى أن يسددوا عنه الدين وجب على الدولة أن تقضي عنه الدين؛ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد والبيهقي من حديث سعد بن الأطول رضي الله عنه: (أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال أخوه: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن أخاك محبوس بدينه -أي: محبوس عن الجنة- فاذهب فاقض عنه، قال: فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت فقلت: يا رسول الله! قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة -أي: امرأة ادعت أن لها دينارين عند أخي، لكنها لم تقدم البينة على ذلك- (فقال النبي: أعطها فإنها صدقة)، وفي لفظ: (أعطها فإنها محقة). وفي حديث عن سمرة بن جندب أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وغيرهم بسند صحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة)، وفي رواية: (صلى الصبح فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا ابتدأهم بشيء سكتوا رضي الله عن أصحاب النبي المؤدبين، فقال ذلك مراراً: أهاهنا من آل فلان أحد؟ ولا يجيبه أحد حتى قالها النبي ثلاثاً، فقال رجل: هو ذا يا رسول الله! -يعني: هأنذا من آل فلان- وقام يجر إزاره من مؤخرة الناس، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟! إن فلاناً مأسور بدينه عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، وقد رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه حتى ما أجد أحداً يطلبه بشيء).

    جواز الكشف عن الميت وتقبيله والبكاء عليه

    وأختم محاضرة الليلة بهذا الحكم وهو: ما الذي يجوز لأهل الميت وللحضور أن يفعلوه؟ بعض الناس يظن أنه لا يجوز له أن يكشف عن وجه الميت، ويقولون: إن هذا انتهاك لحرمة الميت! وهذا غير صحيح، بل يجوز للإنسان أن يكشف وجه الميت ويقبله، بل ويجوز له أن يبكي على ميته، فبعض الناس يظن أن تقبيل الميت حرام، وأن كشف وجهه حرام، وأن البكاء عليه هلع وجزع!! فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، يقول: فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه، ) عبد الله هو والد جابر رضوان الله عليهما، وهو الصحابي الوحيد الذي كلمه الله كفاحاً، أخبر النبي بذلك ولده المبارك جابر، وقال الله لـعبد الله : (تمن، فما تمنى والد جابر إلا أن يرجع إلى الدنيا ليقاتل فيقتل في سبيل الله)، والحديث في البخاري ومسلم وسنن النسائي والبيهقي وفي مسند أحمد . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه بالسَنح أو السُنح، -والفتحة أصح عندي وأبلغ، والسنح: مكان في أطراف المدينة- حتى نزل من على فرسه، فدخل المسجد وعمر يكلم الناس ويقول: إن رسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي وأرجل المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات، تقول عائشة : فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم النبي -أي: اتجه إلى النبي؛ لأن النبي مات في حجرة عائشة- وهو مسجى ببردة حِبْرة أو حَبِرة، فكشف البردة عن وجهه الأزهر الأنور بأبي هو وأمي، ثم أكب الصديق على النبي فقبله بين عينيه، ثم بكى وقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد ذقتها أو متها- وفى رواية: فقد مت الموتة التي لا تموت بعدها). إذاً: نأخذ من هذا الحديث أن الصديق كشف الغطاء عن وجه الحبيب وقبله بين عينيه، ولو كان النبي قد نهى عن ذلك ما فعله الصديق رضوان الله عليه. والحديث رواه البخاري والنسائي وابن حبان والبيهقي. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه والبيهقي وغيرهما، وله شاهد بإسناد حسن من حديث عائشة رضي الله عنها (أن النبي دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت) وعثمان هذا هو أول من لقب بالسلف الصالح، وهو ممن شهد بدراً، والنبي قال في حق أهل بدر: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهو أول من دفن بالبقيع، تقول عائشة: (كشف النبي الغطاء عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، حتى رأيت الدموع -أي: دموع النبي-تسيل على وجنتيه) عليه الصلاة والسلام. ومن أهل العلم -من باب الأمانة العلمية- من يضعف هذا الحديث، لكن شيخنا الألباني رحمه الله تعالى يحسن هذا الحديث بشواهده، وهل المقصود بوجنتيه: وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم أم وجنتي عثمان؟ كلاهما محتمل. وعن أنس رضي الله عنه قال: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئراً لـإبراهيم عليه السلام والظئر: هو زوج مرضعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك على إبراهيم وهو يجود بنفسه -يحتضر- فجعلت عينا رسول الله تذرفان -بكاءه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله؟! يعني: أتبكي كما نبكي؟! فقال عليه الصلاة والسلام: " يـابن عوف ! إنها رحمة، إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون)رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه (أن النبي عليه الصلاة والسلام أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم) والحديث رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح على شرط مسلم . إذاً: لا حرج على من أراد أن يقبل الميت بين عينيه، ولا بأس إن كشف الغطاء عن وجهه، ولا بأس أن يبكى عليه، فالبكاء رحمة، لكن المنهي عنه والمحرم أن نقول ما يسخط ربنا جل وعلا، وأن ندعو بدعوى الجاهلية، كأن تقول المرأة: يا جملي! يا سبعي! يا من ترزقني! يا من تفعل كذا وكذا! لا أستطيع العيش بعدك! إلى آخر هذه الكلمات الجاهلية، ومثل أن تلطم المرأة خدها، وتشق جيبها أو ملابسها، كل هذا لا يجوز ولا يليق، وهو محرم في دين الله تبارك وتعالى. أكتفي بهذا القدر من الأحكام، والله أسأل أن يرحم موتانا رحمة واسعة، وأن يختم لنا ولكم جميعاً بالإيمان، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007961665

    عدد مرات الحفظ

    720507786