إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [133]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يجوز الاستشفاع بالله على أحد من خلقه؛ لأن ذلك ينافي تقدير الله وتعظيمه، أما الاستشفاع بالمخلوق إن كان حياً فجائز، بل قد يكون مستحباً، إذا كان هذا الحي صالحاً يرجى إجابة دعوته، وهذا الذي كان يطلبه الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلم يطلب أحد من الصحابة الشفاعة؛ لعلمهم أن هذا يدخل في الشرك.

    1.   

    حكم الاستشفاع بالله على خلقه

    قال المصنف رحمه الله: [باب: لا يستشفع بالله على خلقه].

    قوله رحمه الله تعالى: [باب: لا يستشفع بالله على أحد من خلقه] الاستشفاع: هو طلب الشفاعة، والله جل وعلا الملك الحق له الملك كله، وله الخلق كله ولا لأحد معه في سلطانه شركة، فلا يجوز أن يُجعل الله جل وعلا شفيعاً عند أحد من الخلق؛ فإن هذا ينافي تقدير الله وتعظيمه، وينافي تمام ملكه جل وعلا، ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع من الأعرابي، كما سيأتي.

    أما الاستشفاع بالخلق فمعناه: طلب شفاعته إذا كان حياً حاضراً، فيجوز أن يطلب منه الدعاء والاستشفاع في أمر من الأمور، بل قد يكون مستحباً إذا كان الإنسان ترجى إجابة دعوته، وهذا الذي كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبونه من الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، فإنهم كانوا يطلبون منه أن يشفع لهم بالدعاء، فكان يدعو لهم أن الله جل وعلا يعطيهم من الخير الدنيوي والأخروي.

    أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلم يطلب منه أحد من الصحابة، ولهذا لما وقع المسلمون في الجدب الشديد في خلافة عمر رضي الله عنه وأراد أن يستسقي طلب من العباس أن يدعو، وهذا هو معنى الاستشفاع به، فخرج به لما صلوا الصلاة فقال: (يا عباس ! قم فادع) فجعل العباس يدعو وهم يؤمنون على دعائه، وهذا معنى الاستسقاء به الذي ذكره العلماء، أي: بدعائه وطلبه ولو كان الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مشروعاً أو جائزاً لم يعدلوا عن ذلك إلى العباس رضي الله عنه، وإنما عدلوا إلى العباس ؛ لأن هذا ممتنع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والعباس رضي الله عنه هو أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فطلبوا دعاءه من أجل ذلك.

    فالمقصود: أن الاستشفاع من المخلوق جائز بشرط أن يكون حياً حاضراً قادراً على إجابة الطلب، أما طلب الشفاعة من الميت أو من الغائب فهذا يدخل في الشرك، نسأل الله السلامة، ولهذا جاء النهي عنه كما سيأتي.

    وأما الاستشفاع بالله على أحد من الخلق فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي عظمة الله، وينافي تقدير الله حق قدره؛ إذ إن العباد كلهم خلق الله وملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، وسلطانه نافذ فيهم، ولا أحد له سلطان مع الله حتى يكون الرب جل وعلا هو الشافع عند ذلك المخلوق، تعالى الله وتقدس.

    1.   

    شرح حديث: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت...)

    قال الشارح رحمه الله: [وذكر الحديث، وسياق أبي داود في سننه أتم مما ذكره المصنف رحمه الله، ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بأصابعه مثل القبة عليه-، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب) قال ابن بشار في حديثه: (إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته).

    قال الحافظ الذهبي : رواه أبو داود بإسناد حسن عنده في (الرد على الجهمية) من حديث محمد بن إسحاق بن يسار ].

    في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذا الذي سأل منه الشفاعة ما قال سبح وكرر التسبيح: سبحان الله، سبحان الله وهذا معناه: أنزه لله جل وعلا عما قلت؛ لأن الله جل وعلا ينزه أن يكون شافعاً عند أحد من الخلق؛ لأن هذا ينافي سلطانه وينافي تمام ملكه وقهره، فإن العباد كلهم تحت تصرفه جل وعلا، سواء الأنبياء والملائكة أو غيرهم؛ فلا أحد له مع الله سلطان، بل الملك كله لله عز وجل.

    هذا هو سبب تسبيحه صلى الله عليه وسلم بقوله: سبحان الله، سبحان الله، والتسبيح: هو التنزيه والتقديس لله جل وعلا عما لا يليق به. وهذا القول مما لا يليق به.

    وأما معنى الحديث فقوله: (جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال) يعني أنه أصابهم الجدب، وتأخر المطر فأمحلت الأرض وقلَّ الحليب أو انعدم وكانوا يعتمدون على مواشيهم في الأكل والشرب والحمل، فإذا قل ما في الأرض جاع من جراء ذلك العيال وغيرهم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يستسقي ربه جل وعلا حتى يأتي بالمطر فقال: (إنا نستشفع بك على الله)، وهذا اللفظ لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، فالاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله شيء كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تقدم أن معناه: أن يطلبوا منه أن يدعو لهم فيما يهمهم في أمر دينهم أو دنياهم، أو آخرتهم، فهذا لا ينكر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ما طلب منه إذا لم يكن مخالفاً لأمر الله جل وعلا، وإنما أنكر على الأعرابي قوله: (ونستشفع بالله عليك) يعني: نجعل الله شافعاً لنا عندك حتى تقبل قولنا وتدعو لنا، هذا هو الذي أنكره، وسبح الله جل وعلا من أجله تنزيهاً وتعظيماً لله؛ لأنه ينافي حق الله جل وعلا وملكه.

    ومثل هذا كل ما فيه تنقص لله جل وعلا في أسمائه وأوصافه أو في حقوقه أو في سلطانه وملكه، فيجب أن ينزه الرب جل وعلا عن ذلك؛ لأنه لا حق لأحد عند الله، فضلاً عن أن يكون أحد شريكاً لله جل وعلا في التصرف في الملك حتى يكون الرب جل وعلا يشفع عند هذا المخلوق، تعالى الله وتقدس.

    وفي هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليه، فقال: (ويحك! أتدري ما تقول؟)، فدل هذا على أن هذا الرجل جاهل، يجهل حق الله جل وعلا، ويجهل ما يجب لله جل وعلا، فعمله الرسول صلى الله عليه وسلم، ونزه الله جل وعلا عن قوله منكراً له.

    وجوب إثبات علو الله جل وعلا

    ثم أخبر بشيء من عظمة الله جل وعلا مما يدعو الإنسان إلى تعظيم الله جل وعلا، فقال: (إن الله فوق عرشه) والعرش هو سقف المخلوقات وأعلاها، وهو أعظمها وأكبرها وأوسعها، وهو الذي اختصه الله جل وعلا بأن يستوى عليه، والاستواء على الشيء: هو الارتفاع عليه والعلو عليه، وهذا جاء في كتاب الله في مواطن متعددة، وكذلك جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا دليل على علو الله جل وعلا وارتفاعه وأنه فوق خلقه تعالى وتقدس، ولهذا قال: (والله فوقه)يعني: فوق العرش.

    يقول الله جل وعلا: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا [الملك:16-17] يعني أنه جل وعلا فوق، والسماء هنا المقصود بها العلو، وليس المقصود السماء المبنية حتى تكون (في) ظرفية، بل المقصود: من فوقكم في العلو.

    وكذلك يقول الله جل وعلا: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، ويقول الله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]في آيات متعددة يذكر ربنا جل وعلا أنه بعدما خلق السماوات والأرض استوى على عرشه، وعرشه جل وعلا هو أعظم المخلوقات، كما جاء أن السماوات -على سعتها وعظمها- تكون بالنسبة للعرش كسبعة دراهم ملقاة في أرض من الفلاة، فالعرش هو أعظم المخلوقات وهو أرفعها وأعلاها، وليس فوق العرش إلا رب العالمين جل وعلا، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة ووسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فعرش الرحمن هو أعلى المخلوقات على الإطلاق.

    ثم إنه لا ينكر هذا إلا أهل البدع الذين ضلوا عن هداية نصوص كتاب الله جل وعلا وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم بأفكارهم وعقولهم القاصرة، فإنهم اعتمدوا على عقولهم، والذي جعلهم يعتمدون على عقولهم ويضلون هو أنهم قاسوا رب العالمين على الخلق -تعالى الله وتقدس- ولو لم يصرحوا بهذا، ولكنهم يتكلمون بما يعقلون وبما تدركه عقولهم فقط، والله جل وعلا أعلى وأجل من أن تدركه العقول ومن أن تقيسه المخلوقات، كما قال الله جل وعلا: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:42] يعني: إذا وصل الفكر إلى الله فيجب أن ينتهي؛ لأنه لن يعود بطائل، فالله أعظم من كل شيء، وفوق أن يتصوره متصور، كما قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] تعالى وتقدس، وكما قال جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، والند هو: المثل والنظير في أي شيء كان، ويقول جل وعلا: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: هل تعلم له مثيلاً ونظيراً يساميه تعالى وتقدس.

    والواجب اتباع ما جاء عن الله جل وعلا وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، والعقل لا ينافي هذا، وكذلك الفطر التي فطر الله جل وعلا خلقه عليها؛ فإن الله فطر عباده على كونه جل وعلا فوقهم، ولهذا تجد كل داع إذا دعا ربه يرفع يديه إلى السماء، ويقول: يا رب! ولا يتجه يميناً ولا شمالاً ولا تحت، بل فطرة الله التي فطر الناس عليها هي على هذا الشيء، وأن الله فوقهم، وإنما تتغير الفطر بالتعليم وبالتربية، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، والمقصود بالأبوين من يتولى تربيته، سواء الأبوان أو المدرس أو المعلم أو المربي أو غيرهم، فإذا رباه على خلاف الحق فقد رباه ضد الفطرة التي خلق عليها، وأما العقل فإن الله جل وعلا لا يجوز أن يكون حالاً في خلقه أو يكون شيء من الخلق فوقه -تعالى الله وتقدس عن ذلك-؛ لأنه أعلى من كل شيء، كما قال جل وعلا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] فالسماوات كلها على سعتها يطويها جل وعلا بيده، وتكون صغيرة بالنسبة إليه تعالى وتقدس.

    فلا يجوز أن يظن ظان أن شيئاً من المخلوقات يمكن أن يحيط بالله جل وعلا وتعالى وتقدس.

    وجوب إثبات صفة الإتيان لله جل وعلا

    وأما كونه جل وعلا يأتي يوم القيامة إلى الأرض ليفصل بين عباده ويقضي بينهم فهو يأتي وهو على عرشه وهو عالٍ على كل شيء، ولا يمكن أن يكون شيء فوقه لا في الوقت الحاضر ولا يوم القيامة ولا غيره؛ لأنه سبحانه أكبر وأعظم من كل شيء.

    فيجب أن يعظم الله جل وعلا، ويجب أن تُعتقد معاني النصوص التي جاءت عن الله جل وعلا في كتابه اعتقاداً صحيحاً، وهكذا ما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوحاه الله جل وعلا إليه ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا ووضحه إيضاحاً لا يكون بعده محلاً للكلام؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه علمنا كل ما يلزم أن نعتقده، ووضح ذلك وبينه بياناً شافياً.

    أما الذي يعتاض عن ذلك بقول متكلم أو متفلسف فإنه في الحقيقة يعتاض عن الهدى بالباطل؛ لأن الهدى لا يتعدى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو باطل يجب أن يرد على قائله.

    وفي هذا تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به، وأنه يجب أن ينزه عما يخالف عظمته أو ينافيها أو ينافي معاني أسمائه وأوصافه جل وعلا.

    وفيه أنه إذا جاء كلام يشتمل على حق وباطل يبين ويفصل، فيرد الباطل ويقبل الحق، ولهذا رد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الأعرابي قوله: (نستشفع بالله عليك)، وأقر قوله: (نستشفع بك على الله).

    الشفاعة الجائزة

    وفيه أن الشفاعة التي تطلب من الله تكون بالدعاء، والله جل وعلا أخبر أن الشفاعة لا تقع إلا بعد إذنه؛ لتمام ملكه، كما قال جل وعلا: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقال عز وجل: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، فالشفاعة لا تقع إلا بإذن الله، ولا أحد يستطيع أن يتقدم يطلب الشفاعة من الله إلا يوم القيامة إذا أذن له.

    وقد جاء بيان ذلك وتفصيله عن الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً واضحاً، فإنه إذا وقف الخلق يوم القيامة لرب العالمين وقوفا طويلاً مدة خمسين ألف سنة، حتى يوجد من الشدة ما يتمنى بعضهم أو كثير منهم أن يقضى بينهم ولو إلى النار؛ لأنهم يتصورون أن ما بعده أهون منه، والأمر بالعكس، فليست النار بأهون منه، وهم مجتمعون كلهم في صعيد واحد، غير أن هذا الوقوف شدته وهوله وسهولته تتفاوت على حسب أعمال الناس، فإذا وقفوا هذا الموقف الهائل يلهمهم الله جل وعلا أن يقولوا: لماذا لا نطلب من الأنبياء أن يشفعوا لنا عند الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف الشديد؟ فيقول بعضهم لبعض: من أولى بذلك من أبيكم آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنته جنته؟! فيذهبون إليه -وآدم موجود معهم في الموقف، وكذلك الرسل موجودون معهم في الموقف- فيعرفونه، ويقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف فيعتذر ويقول: إن ربي جل وعلا قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته، نفسي نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض، وقد سماه الله جل وعلا عبداً شكوراً، فيأتون إلى نوح فيعرفونه مع الرسل، ويطلبون منه ذلك فيعتذر مثل ما اعتذر آدم، ويرسلهم إلى إبراهيم ويقول: إنه خليل الرحمن، فيأتون إليه، فيعرفونه ويطلبون منه أن يشفع لهم، فيعتذر ويقول مثل ما قال نوح، ثم يرسلهم إلى موسى ويقول: إن الله فضله بكلامه بلا واسطة، اذهبوا إليه، فيذهبون إليه فيعتذر ويقول: إني قتلت نفساً بغير حق، كما أن إبراهيم عليه السلام يقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ويقول نوح عليه السلام: إني دعوت ربي ما ليس لي به علم، اذهبوا إلى غيري، وكلها أمور مغفورة لهم، ولكن الموقف هائل فموسى يرسلهم إلى عيسى عليه السلام فيعتذر، ثم يرسلهم عيسى إلى خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول صلى الله عليه وسلم: (فإذا جاءوا إليّ ذهبت إلى مكان تحت العرش، فإذا رأيت ربي سجدت له فيدعني ما شاء الله أن يدعني ويفتح عليّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن، ثم يقول جل وعلا لنبيه محمد: ارفع رأسك، واشفع تشفع)، وقبل أن يقول له: (اشفع) لا يشفع، وهكذا كل شافع عند الله لا يشفع حتى يقول له جل وعلا: اشفع؛ لأن الله جل وعلا يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، فلتمام ملكه وعظمة سلطانه ما أحد يتجاسر على طلب الشفاعة قبل أن يأذن له.

    الشفاعة المحرمة التي كان المشركون يتعلقون بها

    والشفاعة التي يتعلق بها المشركون قديماً وحديثاً هي من باب قياس الخالق على المخلوقين تعالى الله وتقدس، فهم يرون العظماء لا يأتي إليهم طالب الحاجة منهم إلا بواسطة شفاعة المقربين لديهم، فجعلوا رب العالمين بهذه المثابة، تعالى الله وتقدس، والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة، بل إذا أردت ربك، فاسأله في أي مكان كنت، وعلى أي حالة كنت، ولا حاجة إلى أن تذهب تبحث عن الوسائط، فالله لم يجعل لك وسائط تتوسط بها عند الله، بل جعل هذا شركاً يمنع من قبول دعوتك إذا دعوته، ويوجب لمن فعل ذلك أن يكون خالداً في النار إذا مات عليه، نسأل الله العافية.

    وإنما الوساطة في الحق هي وساطة الرسل في تبليغ الدعوة وفي تبليغ الوحي فقط، فهم الوساطة بيننا وبين ربنا جل وعلا، ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو الوساطة بيننا وبين ربنا في تبليغ أمره وشرعه ونهيه، أما العبادة فليس بينك وبين الله وساطة، بل يجب أن تعبد ربك رأساً، وتطلب منه ما أردت بدون أن تجعل بينك وبينه وسائل ووسائط.

    فالمقصود: أن الشفاعة التي يتعلق بها المشركون تكون سبباً لحرمانهم من الشفاعة، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، الإخلاص هو أن يكون الدعاء خالصاً لله ليس لغيره منه شيء، فأهل الإخلاص هم الذين يشفع فيهم الرسل.

    أما أهل الشرك فشركهم يمنعهم من إجابة الشفاعة لهم، والمقصود أن الشفاعة التي جاء ذكرها في القرآن جاءت على قسمين:

    قسم مثبت، وقسم منفي، فالمثبت هو ما يقع بعد إذن الله ولمن يرضاه ربه جل وعلا، أما المنفي فهو الذي لم يأذن الرب جل وعلا له، كما يزعمه المشركون؛ فإنهم يجعلون أوثانهم وأصنامهم ومعبوداتهم وسائط بينهم وبين الله لتشفع لهم، كما أن في الوقت الحاضر كثير من الناس يجعلون الأولياء وسائط لهم ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يطلبون من الأولياء أن يشفعوا، ويقولون لهم: اشفعوا لنا، وهم أموات لا يستطيعون أن يزدادوا حسنة ولا أن ينقص من سيئاتهم سيئة، ومع ذلك يطلبون منهم الشفاعة، زاعمين أن هذا ينفع، وهذا خلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر عظيم جداً ينبغي للإنسان أن يعرفه؛ لأن كثيراً من الناس ضل بسببه، وكثير من الناس يسمي هذا توسلاً ويزعم أنه يقرب إلى الله، وأن الولي محبوب لدى الله، وأن هذا العمل مشروع، وفي الحقيقة هو ينافي التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن التوحيد هو أن يوحد الله في الطلب وفي الدعاء وفي القصد والإرادة، فيوحد الله في ذاته، ولا يطلب من أحد غيره.

    أما الادعاءات والتعلقات بالباطل وعلى قول فلان وفلان فهذا لا قيمة له، بل يضمحل إذا حصص الحق، وإذا تبين يوم القيامة للإنسان ما قدم عض على يده نادماً، فالواجب على الإنسان أن يعرف الحق، وما دام أنه بالإمكان أن يعمل ويتوب ويتعرف على الحق وعلى الباطل فليعمل ذلك، وليتمسك بالحق ويجتنب الباطل.

    1.   

    وجوب تعظيم الله عز وجل وإثبات صفاته كما جاءت

    قال الشارح رحمه الله: [قوله: (ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه) فإنه تعالى رب كل شيء ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44] إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، والخلق وما في أيديهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، وهو الذي يشفع الشافع إليه، ولهذا أنكر على الأعرابي.

    قوله: (وسبح لله كثيراً وعظَّمه) لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه وبحمده، إن شأن الله أعظم من ذلك.

    وفي هذا الحديث إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سماواته، وفيه تفسير الاستواء بالعلو كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة خلافاً للمعطلة والجهمية والمعتزلة ومن أخذ عنهم، كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد في أسماء الله وصفاته وصرفها عن المعنى الذي وضعت له ودلت عليه من إثبات صفات الله تعالى التي دلت على كماله جل وعلا، كما عليه السلف الصالح والأئمة ومن تبعهم ممن تمسك بالسنة، فإنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من صفات كماله على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل].

    تفسير الاستواء بالعلو ثبت عن السلف، وقد فسروا الاستواء بألفاظ أربعة، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي العالية قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] يعني: علا، ففسروه بالعلو، كما فسروه بالارتفاع فقالوا: معنى استوى: ارتفع، وفسروه أيضاً بالصعود فقالوا: استوى: صعد، وفسروه أيضاً بالاستقرار فقالوا: استوى: استقر، فهذه ألفاظ أربعة جاءت مروية عن السلف الصحابة والتابعين وغيرهم في تفسير الاستواء.

    وأما تفسير أهل البدع فهو تفسير باطل؛ لأنهم فسروه بالاستيلاء فقالوا: معنى استوى: استولى، والاستيلاء يكون مخالفاً لمعنى الاستواء، ويستدلون ببيت ينسب للأخطل النصراني :

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

    مع أنه لا يوجد حتى في شعره، وهذا عجيب! كيف يترك كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة التابعين الذين فهموا عن الله وعن رسوله ويؤخذ ببيت مجهول لمجهول، أو لضال ضل في ذلك؟!

    ولكن هكذا أهل الباطل، وهذا إلحاد في أسماء الله جل وعلا، والاستيلاء معناه: المغالبة، أي أنه كان مغلوباً عليه ثم غالب هذا الغالب فغلبه، مثل بشر، فقد كان العراق لواحد آخر فقاتله حتى غلبه فاستقر له، والله يتعالى ويتقدس عن هذا المعنى، فكل شيء ملك له تعالى، فالاستواء معناه ظاهر وواضح وجلي لا يجوز تفسيره إلا بما جاء عن السلف الصالح الذين فهموا عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل أسماء الله وأوصافه يجب أن يوقف على النص فيها، ولا يتجاوز كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى قول أحد من الخلق خالف ما في الكتاب والسنة، ولهذا يقول العلماء: أسماء الله توقيفية أي: أنه يوقف فيها على النص فقط، فإذا جاء النص في ذلك قيل به، وقيل بمقتضاه، وإذا لم يأت نص لا يجوز أن نقول فيها برأينا أو باجتهادنا؛ لأنها في الحقيقة مبنية على شيئين:

    أحدهما: أن الله ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يقاس بغيره.

    الثاني: أن الله غيب لم يره ولم يطلع عليه أحد، فلا يجوز أن يتكلم متكلم فيما هو غائب عنه، وإن تكلم في ذلك فهو يظن ظنوناً، والظن لا يغني من الحق شيئاً، فلهذا لا يجوز أن نصف الله جل وعلا إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ويكفي هذا؛ لأن الله جل وعلا خاطبنا بما نفهم، والرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا ما أمره الله جل وعلا ببيانه، ووضحه، فلم يترك الأمر ملتبساً مشتبهاً، بل جلاه غاية الجلاء ووضحه وبينه غاية الوضوح والبيان، وقد علّمنا أشياء أقل من هذا أهمية بكثير، مثل أدب الأكل، وآداب الجلوس، وآداب النوم، وآداب دخول المنزل، وكذلك آدب قضاء الحاجة، علمنا هذه الأمور مع أن هذه لو تركها الإنسان ما كان آثماً، فكيف يترك باب معرفة الرب جل وعلا ملتبساً مشتبهاً، فلا يمكن أن يتركه حتى يشتبه حقه بالباطل، ومن أقر للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه بلغ عن الله فيجب عليه أن يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين باب معرفة الله جل وعلا بياناً واضحاً، وقد قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [المائدة:67]، فأمره الله جل وعلا أن يبلغ ما أنزله الله إليه، ولو ترك شيئاً لم يوضحه والناس بحاجة إليه ما كان بلغ البلاغ الكامل الذي طلب منه، ولهذا كان السلف يستدلون بهذه الآية على رد البدع كلها، ويقولون: هذه البدع لو كانت حقاً لبينها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قال له: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]يعني: إن لم تبلغ فالله يعذبك ويعاقبك على ذلك، وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأشهد على الناس في أعظم موقف يوم عرفات أو يوم النحر لما خطب الناس خطبته البليغة فقال: (أيها الناس! إنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟) أي: إن الله سيسألكم عني، فيقول لكم: هل بلغكم؟ (فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، فجعل صلى الله عليه وسلم يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) أي: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي بالبلاغ، فالرسول صلى الله عليه وسلم بلغ، ومن الفروض العينية التي يجب على كل إنسان بعينه أن يعتقدها ويؤمن بها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليه من ربه.

    فالذي يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ أوصاف الله ولم يبينها ويوضحها لنا فهو في الحقيقة ما شهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، وبهذا يختل إيمانه بالله عز وجل وبالرسول صلى الله عليه وسلم.

    والمقصود أننا لسنا بحاجة إلى قول متكلم أو فلسلفة متفلسف أو متحذلق، قد أغنانا الله جل وعلا عنهم بما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب على المسلم أن يستغني بذلك.

    1.   

    سفر القلب إلى الله تعالى

    قال الشارح رحمه الله: [قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في (مفتاح دار السعادة) -بعد كلام سبق فيما يُعرِّف العبد بنفسه وبربه من عجائب مخلوقاته- قال بعد ذلك:

    والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء، فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة، ويرى الملائكة حافين من حول العرش لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها، فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإنشاء ملك وسلب ملك، وتحويل نعمة من محل إلى محل، وقضاء الحاجات على اختلافها وتبيانها وكثرتها: من جبر كسير، واغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورد آبق، وأمان خائف، وإجارة مستجير، ومدد لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان، فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلاف لغاتها وتبيانها واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقاً لهيئته خاشعاً لعظمته عانياً لعزته، فيسجد بين يدي الملك الحق المبين، سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد، فهذا سفر القلب، وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه، فيا له من سفر وما أبركه وأروحه، وأعظم ثمرته وربحه، وأجل منفعته وأحسن عاقبته، سفر هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب، لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب. انتهى كلامه رحمه الله].

    سفر القلب: هو معرفته ووصوله إلى حقيقة العلم، والمعرفة تكون بالوحي الذي أوحاه الله جل وعلا، ويجب على العبد أن يهاجر إلى الله وإلى رسوله ويترك ما قد يعترضه من العوائق والمؤثرات التي تؤثر في سيره إلى الله جل وعلا، فإذا حصل عائق أو مؤثر فإنه قاطع يقطعه عن الله جل وعلا، والقواطع والعوائق كثيرة، والسفر لا يكون إلا بواسطة الوحي الذي أوحاه الله جل وعلا إلى رسوله.

    والله جل وعلا غيب لا يُدرَك ولا يُعلَم، ولا أحد يطلع عليه ويشاهده، ولا له مثيل فيقاس عليه تعالى الله وتقدس، فتتوقف معرفته على وصفه نفسه، وقد تعرف جل وعلا إلى خلقه بأوصافه التي وصف نفسه بها في كتابه، وكذلك وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث ونحوه.

    فسفر القلب يكون بهذه الواسطة، أي: أنه يعلم أن الله مستوٍ على عرشه، وأن الله عظيم وكبير لا مثيل ولا نظير له، ويعرف أن الله أنزل الوحي وهو على عرشه، والأوامر تنفذ إلى من يشاء من خلقه ورسله، وهو جل وعلا كل يوم في شأن: يعز من يشاء، ويذل من يشاء، يجيب دعوة، ويجبر كسيراً، ويرحم ضعيفاً، ويقصم جباراً، فليس معه جل وعلا متصرف في الخلق كله.

    وأما ما في أيدي الخلق فهو أمر وهبه الله لهم، إذا شاء جل وعلا سلبه منهم، وسوف يسلب حياة الإنسان عن قرب؛ لأنها قصيرة ومحدودة، فيذهب ويترك كل ما خوله من هذه الدنيا ليس معه إلا خرقة ملفوف بها جسده، وقد يكون جسده ليس ملفوفاً بخرقة، ثم عن قرب يكون مرتعاً للدود تحت طباق الأرض، لا يستطيع جلب منفعة لنفسه ولا دفع مضرة عن نفسه، وإنما الأمور كلها بيد الله جل وعلا، وكل الخلق يرجعون إليه يوم القيامة، قد جعل لهم داراً للاختبار وللابتلاء، فهذه الدار جعلها الله جل وعلا ليختبرنا ويمتحننا، فهي دار امتحان، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.

    فالله جل وعلا جعل ذلك غيباً حتى يتبين من يصدق ومن يعمل بالوحي الذي يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم ويوقن بذلك ممن لا يؤمن إلا بمحسوس، ويتبين من يعبد الله ممن يعبد غيره، ولهذا جعل للخلق دارين باقيتين أبد الآباد: الجنة والنار، الجنة لمن أطاع وامتثل الأمر وآمن بالله جل وعلا وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعه، والنار لمن كذب وأبى اتباع الوحي، فيجب أن يكون هذا أهم المهمات لدى قلب الإنسان، يتعرف عليه وينظر فيه دائماً، ويتفكر فيه، ولا يجوز أن ينساه.

    ثم إن السفر الذي يجب على العبد أن يسافره هو السفر إلى الله بقلبه وبعمله وبعبادته، وأما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإلى سنته وإلى الوحي الذي جاء به ليجعله دليلاً له في عمله، وهذا أنفع ما يكون للإنسان، بل وإذا تركه الإنسان فهو الخاسر وهو الضال، وهو الذي يكون يوم القيامة من النادمين، نسأل الله العافية.

    1.   

    دعاء الميت والاستشفاع به

    قال الشارح رحمه الله: [وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم، بل كل حي صالح يرجى أن يستجاب له فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: (لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك).

    وأما الميت فإنما يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك، وهذا هو الذي يشرع في حق الميت، أما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14]، فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة، أي: ينكره ويعادي من فعله كما في آية الأحقاف: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6] فكل ميت أو غائب لا يسمع ولا يستجيب ولا ينفع ولا يضر].

    قبل هذه الآية قوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6].

    يقول الله جل وعلا: قد ضل الفاعل هذا الفعل الضلال البليغ المتناهي : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:5] يعني: أن الأموات من الحجارة وغيرها ما تستجيب دعوة الداعي إلا إذا حشر الناس وجمعوا فهناك تجيب وتكفر به وتقول: كفرت بك، ولهذا قال: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6].

    وبين أن هذا الدعاء عبادة، فالذي يدعو الميت ويذهب إلى قبره ويقول: يا فلان! اشفع لي أو أعطني كذا أو أنا في حاجتك أو ظلمني فلان فانتقم لي منه أو أريد ولداً أو أريد مالاً أو أريد نصراً على العدو.. أو ما أشبه ذلك فهذا ضال متناهٍ في الضلال، وما يفعله شرك بالله جل وعلا؛ لأنه دعا ميتاً لا يجيب ولا يستطيع أن يستجيب، فإذا كان يوم القيامة جُمع هذا الداعي ومن دُعي ويقول الله جل وعلا له: اذهب إلى من كنت تدعوه فليستجب دعاءك، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الناس إذا اجتمعوا يوم القيامة وجاء ربنا جل وعلا ليفصل بينهم يخاطبهم بخطاب يسمعونه ويقول لهم: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا، فكلهم يقولون: بلى يا رب! فيمثل لكل داعٍ ما كان يدعوه) فيمثل للذين كانوا يدعون الشمس الشمس، وللذين كانوا يدعون القمر القمر، وللذين كانوا يدعون الأصنام الأصنام، وأما الذين كانوا يدعون الأنبياء أو الأولياء فيؤتى بشياطينهم؛ لأن الشياطين هي التي أمرتهم بذلك، (فيقال لهم: اتبعوهم -أي: هؤلاء الذين تدعونهم اتبعوهم-. فيذهبون بهم إلى جهنم، فيلقون في النار ويقتحمون في النار خلفهم) هذا حكم الله فيمن يدعو غيره، وكل الخلق يقر بأن هذا عدل من الله أن يولي الداعي ما كان يدعو ، (أما المؤمنون فإنهم يبقون في ذلك الموقف -يبقون بعد ما ذهب من يدعو غير الله- فيأتيهم الله جل وعلا فيقول: ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا رباً ننتظره، وقد فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم) يعني: لما كنا نحتاجهم أما اليوم فلسنا بحاجة إليهم؛ لأنه لا أحد يغني عن أحد في ذلك اليوم، (فيأتيهم الله جل وعلا فيعرفونه فيتبعونه) لأنهم يعبدونه.

    فالإنسان يتبع يوم القيامة معبوده : فإن كان يعبد شجراً يتبعه إلى جهنم، وإن كان يعبد ولياً أو نبياً فإنه يمثل له شيطان ذلك النبي أو الولي.

    وقد أخبر الله جل وعلا عن ذلك في القرآن بقوله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] ولما نزلت هذه الآية احتج بعض المشركين وقالوا: إذاً: نحن نعبد الملائكة، وهناك من يعبد عيسى ويعبد أمه! فأنزل الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:101-102] فالرسول صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية وبينها، فقال: (إن من كان يعبد عيسى ومن كان يعبد عزيراً يأتيه شيطان عيسى وشيطان عزير) وكذلك الأولياء تأتي شياطينهم؛ لأن الشياطين هي التي أمرت بعبادتهم، وهي التي أمرت بدعائهم، فيتبع من كان يعبدهم شياطينهم.

    فهذا معنى قوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6] يعني: إذا جمعوا معهم صار المدعو عدواً للداعي مبغضاً له، كافراً بدعوته، يتبرأ إلى الله منه، سواء أكان هذا المدعو ولياً أم نبياً أم غير ذلك، فإن كل معبود يكفر بعابده.

    1.   

    الصحابة رضي الله عنهم لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ولم يستشفعوا أو يستسقوا به

    قال الشارح رحمه الله: [والصحابة رضي الله عنهم لا سيما أهل السوابق منهم كالخلفاء الر،اشدين ولم ينقل عن أحد منهم ولا عن غيرهم أنهم أنزلوا حاجتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، حتى في أوقات الجدب، كما وقع لـعمر رضي الله عنه لما خرج ليستسقي بالناس خرج بـالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يستسقي؛ لأنه حي حاضر يدعو ربه، فلو جاز أن يستسقى بأحد بعد وفاته لاستسقى عمر رضي الله عنه والسابقون الأولون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يظهر الفرق بين الحي والميت؛ لأن المقصود من الحي دعاؤه إذا كان حاضراً، فإنهم في الحقيقة إنما توجهوا إلى الله بطلب دعاء من يدعوه ويتضرع إليه، وهم يدعون ربهم، فمن تعدى المشروع إلى ما لا يشرع ضل وأضل، ولو كان دعاء الميت خيراً لكان الصحابة إليه أسبق وعليه أحرص، وبهم أليق، وبحقه أعلم وأقوم، فمن تمسك بكتاب الله نجا، ومن تركه واعتمد على عقله هلك. وبالله التوفيق].

    الاستشفاع والتوسل من الأمور المجملة التي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً عند كثير من الناس، فالاستشفاع أو التوسل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً، وفي وقتنا تستعمل هذه الألفاظ غالباً في الباطل لعدم الفهم، ولعدم التفريق بين الحق والباطل لأجل الجهل، فكثير من الناس يجهل معنى التوسل، ويجهل معنى الاستشفاع، والتوسل المستحب هو التوسل بأهل الصلاح والخير في وقت الجدب عند الاستسقاء في الصلاة، وهذا هو الذي يقول العلماء معناه: التوسل بدعاء الصالحين إذا كانوا أحياءً حاضرين فقط، أما إذا كانوا غائبين أو كانوا ميتين فلا أحد من العلماء يقول بذلك، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بإبطال هذا.

    وكذلك يكون حكم الاستشفاع إذا كان المقصود به الدعاء؛ لأن كلمة (شفع) مأخوذة من الشفع الذي هو ضم الشيء إلى غيره، فهو يضم دعاءه إلى دعائه، ولكن كثيراً من الناس جهل هذا المعنى وقال: الاستشفاع هو أن أطلب به الشفاعة من الله، أو أطلبه أن يشفع لي ولو كان ميتاً، ولو كان غائباً، وأقول: يا فلان! اشفع لي، أو أنا أدعوك أن تشفع لي، وهذا -في الحقيقة- هو دين المشركين، فلم يكن المشركون يعتقدون أن مع الله خالقين ومدبرين ومتصرفين في الكون لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما كانوا يعبدون أصناماً أو أحجاراً أو أشجاراً أو رجالاً صالحين من الجن والإنس أو الملائكة أو الأنبياء، يعبدونهم ويقولون: نحن نطلب الشفاعة منهم وأن يتوسطوا لنا عند الله، هذه عبادتهم، وهذا هو الذي جاءت الرسل بإبطاله وبالتصريح بأنه شرك بالله جل وعلا، فيجب على المسلم أن يفرق بين دين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ودين أبي جهل ولكلٍ وارث، فالأنبياء لهم ورثة، والمشركون لهم ورثة، فيجب على العبد أن يفرق بين الحق والباطل.

    والصحابة رضوان الله عليهم سلكوا الطريق الحق الذي جاءهم به كتاب الله ودعوة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما حصل الجدب في خلافة عمر رضي الله عنه -والسنة التي أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المسلمين إذا أجدبوا فإنهم يصلون لله، ويدعونه، ويخشعون ويتضرعون، ويظهرون فقرهم لله جل وعلا لعله يرحمهم -خرج المسلمون في زمن عمر رضي الله عنه يستسقون ويطلبون المطر من الله جل وعلا، وتوسلوا بـالعباس ، ومعنى (توسلوا بـالعباس ): أنهم أخذوه معهم فدعا؛ لأنه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الحي الذي يقدر أن يدعو، فقال عمر : (يا عباس ! قم فادع) فجعل العباس يدعو وهم يؤمنون على دعائه.

    فتبين بهذا أن التوسل الذي قصده هو التوسل بدعائه، وإلا فلو كان التوسل بذاته لتوسلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا فرق -إذا كان التوسل بالذات- بين الحياة والموت، بل كله سواء، فلما عدلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العباس وقال عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) تبين بهذا أن المقصود بالتوسل التوسل بدعاء الحي الحاضر، وهذا هو الذي تقرر في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يجوز أن يدعى أحد مع الله، ولا يجوز أن يُسأل الله بالمخلوق، كأن يقول الإنسان: يا رب! أسألك بفلان، فكون الإنسان يسأل ربه بمخلوق كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، أو أسألك بعمل فلان، أو أسألك بفلان هذا من البدع التي حدثت ولم يأت بها الشرع، وإنما إذا كان الإنسان ترجى إجابته فيستحب أن يطلب منه الدعاء، فيقال له: ادع الله لنا، فيدعو هذا الذي ترجى إجابة دعوته والحاضرون يؤمنون على دعائه كما فعل الصحابة، هذا هو الذي يجوز.

    أما أن يذهب الإنسان إلى ميت فيقول لهذا الميت: اشفع لي، أو أعطني كذا، أو امنعني من كذا، أو أنا أستجير بك من كذا، أو فلان ظلمني فانتصر لي منه، أو ما أشبه ذلك، فهذا دين المشركين، وليس من دين الإسلام في شيء، بل هو الشرك بعينه، ومن اعتقده ومات عليه فإنه يكون مشركاً، وهو داخل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وليس دين المشركين إلا هذا، فالمشركون ما كانوا يعتقدون أن الحجر يدبر، ولا كانوا يعتقدون أن الصنم ينزل المطر أبداً، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدعاء لله، كما قال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65]، وقد جاء أنهم كانوا إذا ركبوا في السفينة فهبت ريح شديدة يلقون أصنامهم في البحر ويقولون: هذه لا تنفع ولا تضر، ويتجهون بدعائهم إلى الله خالصاً، ثم إذا أنجاهم الله جل وعلا إلى البر وجاء الرخاء عادوا إلى شركهم، هكذا كان صنيعهم.

    فهم في الحقيقة أصح عقولاً ونظراً ممن ينزل فقره بالمقبور الذي قد دفن وأصبح طعاماً للدود، لا يستطيع أن يخلص بدنه من الدود الذي يأكله، فكيف يذهب إنسان يدعوه ويترك رب العالمين الذي بيده كل شيء؟!

    والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين عبده وساطة تدعى، بل أمر بأن يدعى وحده ولا يدعى معه غيره، ففي أي مكان كنت فاتجه إلى ربك جل وعلا، فإنه سميع قريب عليم يعلم ما في النفوس، بخلاف الخلق فإنهم عاجزون، وهم أيضاً فقراء إلى الله كلهم ملائكتهم وبشرهم، إنسهم وجنهم، ولا يملكون مع الله شيئاً، ولهذا يقول الله جل وعلا: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، فكل من يدعى من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، فلا فائدة من دعوتهم، وهذا أمر عام: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ هؤلاء الذين زعمتم أنهم يُدعون من دون الله سواء أكانوا عقلاء، أم غير عقلاء، كانوا أنبياء أم غير أنبياء، ملائكة أم جناً أم غيرهم، كلهم داخلون في هذه الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ فإذا كانوا لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعوهم العاقل؟! وماذا تجدي دعوتهم؟!

    ثم قال: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ يعني: ما لهؤلاء المدعوين من دون الله من شركة في السماء ولا في الأرض، بل هم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، وإذا أراد أن يهلكهم أهلكهم.

    ثم قال جل وعلا: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعني: من معاون ومساعد تعالى الله وتقدس.

    إذاً: فإذا كان ما لهم شيء يملكونه استقلالاً، ولا يشاركون المالك في شيء منه، ولا المالك أيضاً يتخذهم معاونين ومساعدين، فماذا بقي؟ بقيت الشفاعة، فنفاها جل وعلا بقوله: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]، فبين أن الشفاعة ما تنفع إلا إذا أذن رب العالمين.

    قد يقول قائل -مثلاً-: إذا كانت تنفع فأنا أطلبها من الولي أو من النبي والله يأذن له! فيقال: ليس هذا الطلب طريقاً للإذن بالشفاعة، وإنما طريق الإذن للشفاعة هو إخلاص الدعوة لله، وإخلاص الدعاء له، وإخلاص العبادة، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) يعني أن الشفاعة تكون لأهل الإخلاص، أما الذين يدعون مع الله غيره فالله لا يأذن بالشفاعة فيهم.

    وقال جل وعلا في الآية الأخرى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:43]يعني: كيف تتخذونهم ليكونوا شفعاء وهم لا يملكون شيئاً؟! فهو جل وعلا ينكر عليهم.

    ثم قال جل وعلا: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:44]، وسائر سور القرآن مملوءة من معنى هذا الذي ذكرنا.

    فلا يجوز للمسلم أن يجهل مثل هذا؛ لأن هذا من أصول الدين، وكل من مات سيسأل عن هذا، فإذا وضع في قبره أول ما يوضع يأتيه ملكان عظيمان ينتهرانه بقوة وشدة ويقولان له: من ربك؟ ومن كنت تعبد؟ وبأي شيء تعبد؟ ومن الذي جاءك بما تعبد؟ يسألانه عن هذه المسائل الثلاث، فإذا كان الإنسان ليس عابداً على الحقيقة وليس عالماً بذلك يتلعثم ولا يستطيع أن يجيب، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا سئل وكان غير موقن فإنه يتلعثم ويقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته؛ لأنه بنى دينه على تقليد، وكان يرى الناس يفعلون شيئاً فيفعل كما يفعلون، فهكذا يقول في القبر، يقول: رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته. أو سمعتهم يقولون قولاً فقلته، وهل هذا يجدي؟ هذا لا يجدي ولا ينفع، فعند ذلك يقولان له: لا دريت ولا تليت، أي: لا علمت، ولا أيقنت بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عبدت ربك على اليقين، ولا اتبعت طريقه، ولا استمسكت بكتابه الذي أنزله على رسوله. (ولا تليت)، أي: ما تلوت كتاب الله وعلمته وعملت به.

    أما إذا كان موقناً فإنه يجيب بكل هدوء وبكل طمأنينة، فقد جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعمر : (كيف بك إذا جاءك ملكان أصواتهما كالرعد القاصف مع كل واحد منهما مطراق من حديد لو ضرب به جبل لا نهد ينتهرانك بصوتهما؟! فقال له: أكون بعقلي كالآن؟ قال: نعم، قال: إذن أكفيكهما)يعني أنه سيجيب الجواب الصحيح، ولا يهمه هول المنظر وشدة الصوت، بخلاف المرتاب وبخلاف المقلد؛ لأن عبادة الله ومعرفة الله ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز فيها التقليد، بل يجب أن يكون الإنسان موقناً في ذلك، عارفاً به، لا أن يكون الإنسان مثل ما يقال: مسلم الدار، أي: وجد أهل الدار يعملون عملاً فعمل مثلهم بل يجب أن يكون مسلم الاختيار، ويكون اختياره الإسلام اختياراً مقتنعاً به.

    فالمقصود أن دعوة غير الله جل وعلا بأن يقول الداعي للمدعو: اشفع لي عند الله وهو ميت أو غائب فإن هذا هو دين المشركين، وهو خلاف دين المسلمين، فيجب على الإنسان أن يفتدي نفسه قبل أن تزل به قدم بعد ثبوتها، ويجب عليه أن يعرف الحق قبل أن يقول عندما يتبين له الحق بين يدي الله: واحسرتاه، فإن هذا لا يفيده ولا ينفعه، فإذا انتهت هذه الحياة انتهى وقت العمل النافع، بل إذا حضر الملك لقبض روحه انتهى الأمر ولا يقبل منه تعديل عمله ولا استقالته لو استقال واستعتب ربه، وإنما يكون وقت الاستدراك في الحياة، ولن ينفع الإنسان أحدٌ من الناس أبداً.

    والرسول صلى الله عليه وسلم هو أقرب الخلق إلى الله وأكرمهم على الله جل وعلا، وهو أفضلهم، ومع ذلك يقول لأخص الناس به بنته فاطمة رضي الله عنها يقول لها: (أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئاً) (أنقذي نفسك من النار) يعني: بالعمل وبالإيمان، وباتباع الرسالة، لا طريق إلا هذا.

    ويقول لأصحابه: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة يأتي وعلى رأسه بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله! أنقذني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رأسه شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله! أنقذني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رأسه صامتة -يعني: مثل الذهب والفضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك) وهذا في الغلول، يعني: لو أن أحداً جحد من الغنيمة شيئاً فإنه يأتي يحمله يوم القيامة ويستغيث بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولما حصل ما حصل عليه صلوات الله وسلامه عليه يوم أحد فقد كسرت ثنيته، وجرح وجه، وسال الدم على وجهه صلوات الله وسلامه عليه، جعل يدعو على الكفار الذين فعلوا هذا الفعل، ويقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً) وبقي شهراً يلعنهم في الصلاة ويدعو عليهم، ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا بنبيهم هذا؟!)وسادة الناس الصحابة رضوان الله عليهم خلفه يقولون: آمين، أي: اللهم استجب، فأنزل الله جل وعلا عليه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128] فتاب الله على الذين فعلوا هذا الفعل، فهل للرسول صلى الله عليه وسلم مع الله شيء بعد هذا؟ الجواب: لا. لأن الله يأمره أن يقول: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا [الأعراف:188] يأمره أن يقول للناس: لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً؛ لأنه رسول يبلغ رسالة الله جل وعلا، فكيف ينفع غيره؟! ومن باب أولى كيف ينفع من ادعى أن غيره ولي؟! بل كيف يتجه الإنسان العاقل إليه ويدعوه ويقول: يا فلان! أعطني كذا، أو أنا في حسبك، أو أنا متوكل عليك وعلى الله، وما أشبه ذلك مما يسمع الآن في كثير من البلاد ممن يصنعون هذا الصنيع، نسأل الله العافية.

    فيجب على الإنسان أن يتعرف على الحق قبل ألا ينفعه الندم والاستقالة.

    فالمقصود أن التوسل والاستشفاع قد صار في مفهوم كثير من الناس باطلاً، وإنما الباطل ما جاء الكتاب والسنة بإبطاله، وهو أنهم يدعون الله بالمخلوقين، بل ويدعون المخلوقين ويجعلون ذلك توسلاً، سواء أكانوا غائبين أم كانوا أمواتاً، أما طلب الدعاء من المخلوق فجائز بشرط أن يكون حاضراً قادراً على أن يدعو لك إذا كانت دَعْوَته مظنة الاستجابة، فإذا كان ذلك استشفاعاً وتوسلاً بدعائه إلى الله فهذا جائز.

    1.   

    حكم الاستشفاع بالله على خلقه

    قال المصنف رحمه الله: [فيه مسائل: الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك].

    سبق أن معنى (نستشفع بالله عليك): أنه تنقص لله جل وعلا، فالله جل وعلا لا يجوز أن يكون شافعاً عند أحد من الخلق، وإنما يشفع عند الله؛ لأن الله جل وعلا له الملك كله، وله الخلق كله، وبيده الخير كله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا أحد يجبر الله أو يرغمه على شيء، أو يجعل الله يفعل شيئاً من الأشياء، بل الله أعظم وأكبر من أن يُجعل شفيعاً عند مخلوق من الخلق، تعالى الله وتقدس عن ذلك علواً كبيراً، ولهذا كبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أنه فسبح، قال: (سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله)، فصار يكرر التسبيح؛ لأن الأعرابي قال قولاً تنقص فيه رب العالمين، وبتسبيحه هذا إنكار، ثم لم يكف عن هذا الأعرابي، بل عاد عليه وقال: (ويحك!) و(ويح) كلمة توجع، يعني: إنك وقعت في أمر مهلك، (أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟)، فأخبر أن الله جل وعلا قاهر فوق الخلق كلهم، وكلهم تحت تصرفه، وفي قبضته، لا يمكن أن يملكوا معه شيئاً، فيجب أن ينزه الله جل وعلا من هذا المعنى، ولا يجوز أن يتكلم بالكلام الذي فيه تنقص بالله جل وعلا، فضلاً عن أن يعتقد، أما اعتقاد ذلك فهو كفر بالله جل وعلا، نسأل الله العافية، فلهذا بادر بالإنكار عليه، ونزه الله جل وعلا من أن يكون شافعاً لأحد من الناس عند النبي صلى الله عليه وسلم، تعالى الله وتقدس، ولم ينكر عليه قوله: (ونستشفع بك على الله) بل أقره على ذلك، وهذا هو الذي كان يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع عند الله لمن سأل، كما طلب عكاشة بن محصن ، فإنه لما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال: (هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، قام عكاشة بن محصن الأسدي

    وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: اللهم اجعله منهم) فهذا طلب شفاعة فشفع له بذلك.

    وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون منه هذا، ولكن بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه لم يطلب أحد منهم شيئاً منه.

    1.   

    وجوب الغضب إذا انتهكت محارم الله جل وعلا

    قال المصنف رحمه الله: [الثانية: تغيره تغيراً عُرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة].

    يعني أن هذا الأعرابي لما قال: (ونستشفع بالله عليك) تغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه أصحابه من أجل ذلك من شدة تغير وجهه، غيرة وغضباً لله جل وعلا لكونه تنقص الله جل وعلا بهذه الكلمة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهكت محارم الله لا يمكن أن يسكت، ولا أحد يقوم لغضبه صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا عرف ذلك في وجوه أصحابه، فإنها تغيرت لتغير وجه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا التغير وقع غيرة لله جل وعلا لكون هذا الرجل الجاهل استنقص حق الله جل وعلا وملكه، فمن أجل ذلك وقع ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم عملاً وقولاً.

    1.   

    معنى: (سبحان الله)

    قال المصنف رحمه الله: [الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله).

    الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله)].

    يعني أن معنى (سبحان الله): تنزيه لله، و(سبحان) مأخوذ من (السبح) وهو الإبعاد في الجري، يقال: فرس سبوح: إذا كانت تبعد في سيرها وجريها، فهو يقول: إن الله بعيد كل البعد عما قلت، ويتنزه ويتقدس عما قلت، هذا معنى قوله: (سبحان الله).

    1.   

    طلب الدعاء من المخلوق الحي جائز

    قال المصنف رحمه الله: [الخامسة: أن المسلمين يسألونه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء].

    المسلمون كانوا يسألونه الاستسقاء ويسألونه الدعاء، سواء أكان خاصاً أم عاماً.

    وهكذا ينبغي للإنسان إذا كان عنده من يظن به الصلاح ومن يظن أنه ترجى دعوته أن يسأله ويقول له: ادع الله لنا، وقد جاءت سنة ذلك في القرآن، فالله جل وعلا أخبرنا عن الملائكة الذين يحفون بالعرش ويؤمنون بالله أنهم يستغفرون للمؤمنين، قال تعالى حاكياً عنهم: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، فإذا طلب المسلم من أخيه المسلم أن يدعو له فإن هذا جائز، بل قد يكون مستحباً؛ لأنه جاء في الحديث: (إذا دعا المسلم لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله)وقول الملك: (آمين) يرجى أن الله يستجيبه، ويقول: (ولك بمثله) يعني: لك من الدعوة مثل ما دعوت لأخيك، فإذا دعا الإنسان بدعوة لأخيه فإنه في الحقيقة يسعى في طلب الخير لنفسه، ثم المسلم يجب أن يحب لأخيه المسلم مثل ما يحب لنفسه، ولهذا شرع لنا أننا نقول في الصلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعباد الله الصالحون هم كل عبد صالح، فنحن نسأل الله جل وعلا لنا وله السلامة، أن يسلمه الله من العذاب، سواء أكان من الأحياء أم الأموات، والذي لا يهمه أمر المسلمين ليس منهم، والرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يدعو للأمة عموماً، أي: الأمة التي آمنت، أمة الاستجابة التي استجابت لدعوته، وليس أمة الدعوة؛ فإن الخلق كلهم أمة له، ولكن الذين لم يستجيبوا هم من أهل النار لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم، وإنما يدعى للمؤمنين.

    والمقصود أن هذا مشروع، فكون الإنسان يسأل الله جل وعلا لأخيه السلامة في الدنيا والآخرة، ويحب له ما يحب لنفسه أمر مطلوب.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017286523

    عدد مرات الحفظ

    724029132