إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [81]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النجوم خلقها الله عز وجل لثلاثة أغراض: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، وليس لها أي تصرف أو تدبير، ومن نسب إليها شيئاً من ذلك فقد وقع في الشرك، وهكذا من تعلم التنجيم فقد تعلم السحر، والسحر كفر بالله عز وجل، ويستثنى من ذلك تعلم منازل النجوم والقمر الذي يسمى بعلم الفلك؛ فقد أجازه كثير من العلماء.

    1.   

    حكم التنجيم وأقسامه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التنجيم]

    التنجيم: تفعيل نسبة إلى النجوم، يعني: الأفعال التي تعتقد في النجوم.

    والتنجيم قسمه العلماء إلى قسمين:

    قسم شرك بالله جل وعلا، وهذا الذي جعل المصنف يدخل التنجيم في كتاب التوحيد.

    وقسم آخر جائز لا بأس به، وإن كان بعض العلماء ينهى عن التوغل فيه، والإكثار منه.

    أما القسم الأول: فهو الاستدلال بسير النجوم وطلوعها وأفولها على الأمور المستقبلة من الحوادث، كهبوب الرياح، ونزول الأمطار، وحدوث الأمراض، وقيام الحروب، وما أشبه ذلك مما يحدث في الأرض، ولهذا عرف ذلك بعض العلماء، فقال: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، والأحوال الفلكية يعني: السير والطلوع والأفول، واقتران بعض النجوم ببعض، وليس المقصود باقترانها أنها تلتصق، ولكنها تتقارب في رأي العين، فيظن الرائي أنها اقترنت، ويسمى ذلك التقارب اقتراناً، فكل ما يضاف إلى النجوم من أن لها تأثيراً في الحوادث، وفي النفوس، والسعود، والأرزاق، والإفقار، أو غير ذلك فهو من الشرك.

    وهذا القسم له أقسام عدة، وكلها من الشرك، ومنه ما يكون عند المنجمين، كقولهم: إن الإنسان إذا ولد في النجم الفلاني أو في الفلك الفلاني يكون له كذا وكذا وكذا، وإذا سافر في النجم الفلاني يكون له كذا، ويحصل له كذا، وإذا تزوج بالنجم الفلاني يحصل له كذا، وإذا عقد صفقة من تجارة أو غيرها في النجم الفلاني يحصل له ربح أو يحصل له خسارة أو ما أشبه ذلك، وهذا لا يزال مستعملاً إلى اليوم؛ يستعمله كثير من الناس، فهذا من أقل هذه الأنواع، ومع ذلك فهو من الشرك -نسأل الله العافية-؛ لأن النجوم ليس عندها تصرف، وليس عندها تأثير، وإنما هي مدبَرة مسخرَة، تسير بأمر الواحد القهار جل وعلا، مطيعة خاضعة لربها جل وعلا.

    وقسم آخر وهو: أن هذه الكواكب لها روحانيات، وهذه الروحانيات تتصرف عندما يُخضع لها، وتُنادى وتطاع، فتنفع وتضر، وهذا فعل المشركين القدامى كقوم إبراهيم عليه السلام وغيرهم؛ فإنهم كانوا يعبدون الكواكب يعتقدون فيها، ولهذا ناظرهم إبراهيم عليه السلام فأبطل عبادتهم، فإنه نظر إلى كوكب فقال -من باب المناظرة: قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:76]، والتقدير: أهذا ربي؟ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76]، والأفول هو: الغروب؛ والإله لا يغيب، وغيبوبته تدل على أنه يجهل، وأنه غير كامل، وكذلك قال في القمر وفي الشمس، ثم بعد ذلك قال لهم: كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]، ثم بين الحكم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: بشرك أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فهذا التنجيم من أعظم الشرك وأكبره، ومثل هذا لا يحصل إلا لمن كفر بالله جل وعلا وكفر بشرعه.

    وقسم ثالث: وهو ربط الأحوال التي تكون في الأرض بهذه الكواكب ربطاً لا ينفك عنه، وهذا زعم باطل أيضاً، وقد يستعمله بعض من يدعي الإسلام، فيستدلون على الأحوال التي تكون في الأرض بطلوع الكواكب أو غروبها، أو كون الكوكب الفلاني في البرج الفلاني، أو كونه في وقت كذا، وهذا كثير أيضاً، وهو نوع من الشرك، وكل هذا داخل فيما ذكر.

    أما القسم الذي هو جائز: فهو الاستدلال بالأجرام السماوية على الجهات، وعلى الأوقات، والأعداد، وكذلك الأبعاد، والتفكر في ذلك، فهذا جائز، وهذا هو الذي يسمى الآن بـ(علم الفلك)، وقد وضعت له الأرصاد والمناظر المكبرة والمقربة، فصار هذا العلم يختلف عن العلم السابق، وهذا العلم نهى العلماء عن الإيغال فيه؛ لأن أقل ما فيه أنه يشغل عن ما هو أفضل منه، ومع ذلك لا ينكر مثل هذا، وهو ليس مقصوداً في الباب.

    الأغراض التي خلقت لها النجوم

    وقد ذكر الله جل وعلا أن النجوم خلقت لأغراض ثلاثة ذكرها لنا جل وعلا:

    الأول: أنها زينة للسماء، كما قال جل وعلا: زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [الملك:5].

    الثاني: أنها رجوم للشياطين، وفي الآية أيضاً: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، وذلك أن الشياطين -مردة الجن- يركب بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى عنان السماء -أي: قرب السحاب أو ما أشبه ذلك- ليستمعوا إلى كلام الملائكة، والملائكة يكونون بين السماء والأرض أو يكونون في السحاب أو حيث يشاء الله جل وعلا، فحينما يدبرهم ويأمرهم بتصريف الأمور، فإن الجن يريدون أن يستمعوا إلى ما يتكلم به الملائكة فيحاولون استراق السمع، فيلتقطون بعض الكلمات فيأتون بها إلى أوليائهم من السحرة والكهنة، فجعل الله جل وعلا النجوم شهباً يرجمون بها، كما كان الوحي الذي يوحيه الله إلى أوليائه مانعاً لهم من استقراق السمع إلا أن الوحي قد انقطع ولم يبق إلا الرجم الذي يرسل عليهم، فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل، ويسلم بعضهم.

    الأمر الثالث: أنها علامات يهتدى بها، كما قال الله جل وعلا: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، يعني: يهتدون في طرقهم في البر والبحر، وهذا شيء مألوف ومعروف، وكذلك يهتدون بها على القبلة والجهات.

    وسيأتي قول قتادة : أن من بحث في النجوم عن غير هذه الأمور الثلاثة فقد أضاع سبيله ونصيبه من الآخرة وضل، وترك ما أمره الله جل وعلا به، واتبع طريق الضلالة.

    وأما معرفة النجوم بأحوالها وأبعادها وأجرامها فهذا من هذا النوع؛ لأن فيه دليلاً على الله وعظمته جل وعلا، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في آيات عدة، فهي داخلة في القسم الثالث: قسم الاهتداء بما، فيُهتدى بها إلى الطرق، ويُهتدى بها إلى معرفة الله جل وعلا؛ لكونها من الآيات، مثل: السموات، والأرض، والجبال، والشجر، والنبات، والإنسان، وغير ذلك من المخلوقات التي تدل على وجود الرب جل وعلا.

    1.   

    تعريف التنجيم

    قال الشارح رحمه الله: [قوله: (باب ما جاء في التنجيم):

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: التنجيم هو: الاستدلال بالأحوال الفلكية، على الحوادث الأرضية.

    وقال الخطابي : علم النجوم المنهي عنه: ما يدعيه أهل التنجيم، من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيراً في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه].

    قد يقع شيء مما يخبر به المنجم -مثل ما يحصل مع الكاهن- وليس معنى ذلك أنه يعرف شيئاً، ولكن صادف القدر فصار فتنة لمن صدق به، وإلا هو ضرب من التخمين، وقد علم الناس كذب المنجمين، فكم من الحوادث التي وقعت حكموا بأنها ستأتي على هيئة كذا وكذا، وجاء الواقع بخلاف ذلك، وهناك وقائع وحوادث مشهورة جداً، دلت على ما نقول، ذكرها المؤرخون، وكان المنجمون يجمعون على شيء، فيصبح كذبهم ظاهراً وواضحاً، ومع ذلك المؤمن لا يحتاج إلى مثل هذا؛ لأنه يعرف كذبه من أول وهلة، وأن النجوم لا دخل لها في الحوادث المستقبلة.

    وقوله هنا: الأزمان المستقبلة، والحوادث المستقبلة، يقصد به: الشيء الذي سيقع ولو في اليوم، بخلاف الذي وقع فإنه قد علم، أما الذي لم يقع فهو من أمور الغيب، لا يعلمه إلا الله، والنجم ليس له دخل في ذلك.

    1.   

    حكم تعلم منازل القمر، وشرح أثر قتادة في ذلك

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البخاري في صحيحه: قال قتادة : (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) ا.هـ

    وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق ].

    الصواب: أن تعلم منازل القمر لا بأس به؛ لأن بذلك يعرف الحساب، ويعرف الوقت، فهو لا تأثير له في الحوادث وغيرها، إلا أن هذه المعرفة لا طائل تحتها، غير أنها أمر مباح، وشرح ذلك: أن القمر له منازل، كل ليلة يكون في واحدة، إلا ليلتين في الشهر أو ليلة، فإذا كان كاملاً فيكون في ليلتين ليس له منزلة، ويسمى الاستسرار، وإذا كان ناقصاً فليلة واحدة ليس له منزلة، والمنازل ثمان وعشرون منزلة فقط، وسميت منازل لأن القمر يكون بحذائها أو قريباً منها، وإلا فهي فوقه بكثير، ليست معه ولا قريباً منه، والكواكب كما هو معلوم تتفاوت في البعد، فبعضها بعيد بعداً شاسعاً جداً، وبعضها أقرب من ذلك، والصواب أنها كلها تحت السماء الدنيا، وليس منها شيء فوق السماء الدنيا، أو في السماء الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو السابعة، كما يقول المنجمون قديماً، فإنهم يزعمون -كما هو مشهور عندهم- أن القمر في السماء الدنيا، وأن الشمس في السماء الرابعة، وأن زحل في السماء السابعة، وهكذا كانوا يجعلون كل كوكب من الكواكب السيارة السبعة وغيرها في منزل، فهذا في سماء، وذاك في سماء أخرى.

    فإذا قيل لهم: كيف ذلك؟ قالوا: إن السماوات شفافة، يعني: أن الكواكب ترى من خلفها، وهذا تحكم، وليس لهم عليه أيّ دليل، بل هو كذب، وعلم هذا عند الله جل وعلا، والله جل وعلا أخبرنا في كتابه أنها في السماء الدنيا، فقال سبحانه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:6]، وجاء في عدد من آيات الله جل وعلا يخبر أنها في السماء الدنيا، ولكن بعضها تحت بعض؛ لأن كل واحد منها له فلك يسير فيه، وهي مختلفة المسير، فبعضها بطيئة السير، وبعضها سريعة، وبعضها يكون سيرها عكسياً، ولكنها متقنة إتقاناً عجيباً؛ حيث إنها تسير سيراً منتظماً، وبعضها كبير وبعضها موغل في الكبر، وبعضها أصغر من ذلك، وبعضها ثابت، وبعضها غير ثابت، بمعنى: أنه لا يقطع السماء إلا بعد ثلاثين سنة، أعني: يغيب عن الأرض ويخرج عليها مرة أخرى بعد ثلاثين سنة، وبعضها في أقل من ذلك بكثير، وبعضها في شهر، وبعضها في أسبوع، وبعضها في أقل من ذلك، فهي تختلف، وكل هذه الأمور من النظر إلى مسيرها، وإلى أوقاتها، وإلى أجرمها وأبعادها يدخل في تعلم منازل القمر، وقد ذكر عن قتادة أنه لم يرخص فيه، ورأى أنه من الأمور التي قد تكون -أقل ما تكون- مشكلة عند غيره.

    وبعضهم رخص في ذلك، وقال: لا بأس به؛ لأن فاعل ذلك يعترف أنها مدبَرة ومسخرَة، وأنها آيات دالة على وجود الله جل وعلا، أما إذا كان يتعلق فيها بشيء آخر كمعرفة الحوادث ووقائع الأمور فهذا أمر آخر، وسبق أنه لا يجوز.

    والمقصود: أن القمر ينزل كل ليلة في واحدة من هذه المنازل، وكل واحدة من هذه المنازل تسمى (منزلة القمر)، وليس معنى ذلك أن الكوكب يقترن بها، بل يكون محاذياً لها، وقد يكون عن يمينها، أو عن شمالها، أو أمامها، أو خلفها، وهي فوقه بكثير؛ لأن القمر هو أقرب الكواكب إلى الأرض؛ وكل الكواكب فوقه، فتسميتها منازلاً هذا معناه: أنه يكون قريباً منها، وكل منزلة بينها وبين الأخرى ثلاثة عشر يوماً في الطلوع والغروب، أعني: إذا طلعت هذه فبعد ثلاثة عشر يوماً تطلع التي بعدها، وكذلك إذا غربت تلك تطلع المقابلة لها من الشرق؛ لأن على سطح الأرض دائماً يُرى أربعة عشر منه، وتحت الأرض أربعة عشر، فهي دائمة المسير هكذا.

    وهذه هي التي يسميها العرب (الأنواء)، ويضيفون إليها هطول المطر، وهبوب الرياح، وما إلى ذلك، وقد أنكر ذلك السلف، ولهذا لما قال رجل عند الحسن البصري : طلع سهيل وبرد الليل، قال الحسن : ليس عنده أي شيء لا من البرودة ولا من الحرارة، والله جعل الأوقات مختلفة، فلا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى سهيل ولا إلى غيره، وإنما هو الفاعل الله جل وعلا، وهو الذي جعل الأوقات متغيرة: فمرة تكون برداً، ومرة تكون حراً، ووقتاً تكون معتدلة وهكذا، فهذا كله إلى الله، لا يجوز أن نضيفه إلى النجوم، ولا إلى مخلوق من مخلوقاته؛ لأنه صنع رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يدبر الكون كله.

    وكذلك منازل القمر ليس عندها شيء من هذا، وإن كان يستدل بها على هذه الأوقات؛ لأن السنة تتكون من بروج معروفة، وهي: اثنا عشر برجاً، كل برج له أربع من هذه المنازل.

    وعلى كل حال هذه الأمور: أمور الحساب، ومعرفة القمر من الأشياء المباحة، ولكن غيرها أنفع منها.

    قال الشارح رحمه الله: [هذا الأثر علقه البخاري في صحيحة، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم.

    وأخرجه الخطيب في كتاب (النجوم) عن قتادة ، ولفظه قال: (إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناساً جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما نجم إلا ويولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء). انتهى].

    قوله: (وعلمه أسماء كل شيء)، أي: هو فُضّل بذلك على سائر الخلق، فلو كان هذا فيه منة وفيه خير لعلمه.

    وقوله: (لعمري)، قد يشكل على بعض طلبة العلم؛ لأنهم يظنون أن هذا قسم، والقسم لا يجوز أن يكون بغير الله جل وعلا، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، فلا يجوز أن يحلف الإنسان بغير الله، وكلمة: (لعمري) ليست بحلف، إنما هي أسلوب من أساليب اللغة العربية للتأكيد فقط، ولهذا جاءت عن الصحابة وعن غيرهم من السلف كما في قول قتادة هنا.

    وأما قوله جل وعلا: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، فهو قسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيه دليل على جواز الحلف بغير الله، بل هذا جارٍ على أسلوب اللغة العربية، والقرآن نزل بلغة العرب.

    1.   

    بيان أن النجوم والكواكب ليست ملاصقة للسماء الدنيا، والرد على من يورد شبهاً في ذلك

    قال الشارح رحمه الله: [فتأمل ما أنكره هذا الإمام مما حدث من المنكرات في عصر التابعين، وما زال الشر يزداد في كل عصر بعدهم حتى بلغ الغاية في هذه الأعصار، وعمت به البلوى في جميع الأمطار، فمقل ومستكثر، وعز في الناس من ينكره، وعظمت المصيبة به في الدين، فإنا لله وإنا إلي راجعون.

    قوله: (خلق الله هذه النجوم لثلاث) قال الله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، قال تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16].

    وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا، كما روى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وزينها بمصابيح، وجعلها رجوماً للشياطين، وحفظاً من كل شيطان رجيم) ].

    ولا ينبغي أن يفهم أن النجوم والكواكب ملاصقة للسماء، ولا يلزم ذلك، فإن المعروف أن هناك تفاوتاً بين بعضها البعض، فبين القمر وغيره تفاوت هائل في البعد، والقرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تكون مخالفة للواقع، وبعض الناس قد يقول قولاً يظنه حقاً ويصر عليه، ويزعم أن القرآن يدل على ذلك، ولما يتثبت بعد من صحة ما فهم، فيكون في هذا فتنة له ولغيره.

    فمثلاً الذي يقول: إن القمر في السماء، وإنه ملاصق لها! وقد شاهد الناس أو المختصون بهذا بعد القمر عن السماء، وأنه إلى الأرض أقرب منها إلى السماء بكثير جداً، فإذا ما سمع خبراء الفلك وعلماء الكواكب التفسير السابق المدعم بالأدلة -كما يزعم صاحبه- ظنوا أن القرآن يخالف الواقع والحقائق العلمية، وماكان كذلك فلا يكون صحيحاً.

    كما أنه وجد -مثلاً- من يقول: بأن الأرض مسطحة وليست كروية، مستدلاً على ذلك بقول الله جل وعلا: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] ، وقال في الآية الأخرى: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30] .. وما أشبه ذلك، فإذا سمع الإنسان الذي يعرف كروية الأرض وليس عنده في ذلك شك فإنه سينسب الخطأ إلى القرآن، وسيقول: هذا دليل على القرآن ليس صحيحاً، ولو كان صحيحاً ما كان مخالفاً للواقع، فيكون فتنة له، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتكلم بالشيء الذي لا يعرفه، بل يجب أن يكون كلامه عن علم ومعرفة، وألا يقول على الله جل وعلا شيئاً لا يعرف حقيقته.

    فلهذا يقول العلماء: إن القول على الله بلا علم يكون أعظم من الشرك أو معادلاً له؛ لأن فيه مفاسد عظيمة: إما نسبة الباطل إلى دين الله وإلى حكمه وإلى قوله، أو نسبة الكذب إليه، نسأل الله العافية.

    والمقصود: أنه ليس معنى قوله هنا: إن الكواكب في السماء الدنيا: أنها ملاصقة للسماء، فكل ما فوق الإنسان يصح أن يقال له: سماء، والشيء الذي فوقنا كله في السماء، السحاب في السماء، والهواء الذي يأتي من فوق في السماء، وكذلك النجوم وغيرها، ولكن في نظر العين إذا نظر الإنسان فوقه فإنه يرى أن الكواكب كأنها مصابيح معلقة في السماء، وهي زينة على كل حال عند النظر إليها.

    1.   

    من فوائد النجوم الاهتداء بها

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلامات) أي: دلالات على الجهات (يهتدى بها) أي: يهتدي بها الناس في ذلك، كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:97] أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون، وقد تقدم وجه بطلانه، وأنه لا حقيقة له، كما قال قتادة ، (فمن تأول فيها غير ذلك) -أي: زعم بها غير ما ذكره الله في كتابه من هذه الثلاث- فقد أخطأ، حيث زعم شيئاً ما أنزل الله به من سلطان، وأضاع نصيبه من كل خير؛ لأنه شغل نفسه فيما يضره ولا ينفعه].

    والنجوم كذلك يستدل بها على جهة القبلة، وعلى الجهات الرئيسية المعروفة، وقد ذكر الفقهاء مسألة، فقالوا: هل يجب على الإنسان أن يتعلم الأمور التي يعرف بها جهة القبلة؟

    فبعضهم يوجب هذا، ويقول: واجب عليه أن يعرف؛ لأن الإنسان لا ينفك عن السفر وعن الذهاب والإياب في الأرض، ويكون وحده أحياناً، وقد يكون مع جماعة لا يعرفون القبلة، واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، فينبغي أن يكون عنده معرفة من ذلك ليجتهد، والنجوم تعرف بها جهة القبلة، فأما إذا كان في النهار فيكون ذلك إما بالشمس أو بالجبال أو بالرياح؛ لأن هناك جهات رئيسية غالباً تهب منها الرياح، والجبال كلها -إلا نادراً- تكون مستقبلة للغرب، ووجوهها إلى الغرب، هذا إذا كانت جبال كبيرة، وأما الجبال الصغيرة فلا عبرة فيها، فلهذا جعلت من الأقسام التي يستدل بها على القبلة.

    1.   

    المنجم دجال كالكاهن

    قال الشارح رحمه الله: [فإن قيل: المنجم قد يصدق، قيل: صدقه كصدق الكاهن يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقة ليس عن علم، بل قد يوافق قدراً فيكون فتنة في حق من صدقه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ [النحل:15-16] فقوله: (وعلامات) معطوفاً على ما تقدم مما ذكره في الأرض، ثم استأنف فقال: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، ذكر ابن جرير عن ابن عباس بمعناه.

    وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال علم التنجيم، كقوله: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد).

    وعن رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة) رواه عبد بن حميد .

    وعن أبي محجن مرفوعاً: (أخاف على أمتي ثلاثاً: حيف الأئمة، وإيماناً بالنجوم، وتكذيباً بالقدر) رواه ابن عساكر وحسنه السيوطي .

    وعن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر، وإيماناً بالنجوم)، رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب في كتاب (النجوم)، وحسنه السيوطي أيضاً.

    والأحاديث في ذم التنجيم والتحريم منه كثيرة.

    [قال الخطابي : أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة: فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئاً بأكثر من أن الظل مادام متناقصاً، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوا له من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته.

    أما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة: فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم. ا.هـ].

    هذا ليس بقاصر عليهم، بل كل عاقل إذا نظر إلى ذلك أدركه وعرفه، فليس معنى ما سبق أنه متوقف عليهم، وإذا أخبروا وجب قبول خبرهم، بل يجب أن يُنظر ويُسبر الحال؛ لأن الأمر واضح وجلي، وكل من له عقل وفكر ونظر يدرك هذا.

    1.   

    ذكر من رخص في تعلم منازل القمر

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [روى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر.

    وروى عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به].

    معنى تعلم منازل القمر: أن يعرفها بأعيانها، أن يعرف أن القمر ينزل في كذا، ويعرف أن منها أربعة عشر منزلاً يدور على القطب الجنوبي، وأربعة عشر أخرى تدور على القطب الشمالي، ولهذا تسمى بعضها يمانية، وبعضها شامية، وعلى كل حال أمرها سهل، وليس تحت تعلمها طائل، إلا أن يكون بها معرفة الحساب.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن رجب : والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم، قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم منه ما يحتاج إليه من الاهتداء، ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور].

    وكذلك إذا عرف أجرام الكواكب وأبعادها جائز؛ لأنها آيات دالة على الله جل وعلا، وقد أخبر جل وعلا أنها آيات.

    1.   

    ترجمة حرب الكرماني وإسحاق بن راهويه

    قال الشارح رحمه الله: [قوله: (ذكره حرب عنهما) هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد الكرماني الفقيه من جلة أصحاب الإمام أحمد ، روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وغيرهم، وله كتاب المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد وغيره، مات سنة ثمانين ومائتين.

    وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد أبو أيوب الحنظلي النيسابوري الإمام المعروف بـابن راهويه ، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم. قال أحمد : إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. روى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضاً عن أحمد . مات سنة تسع وثلاثين ومائتين].

    1.   

    شرح حديث: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر...)

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه].

    سبق أن التنجيم نسبة إلى النجوم، وأنه منقسم إلى أقسام: منه ما هو جائز، ومنه ما هو كفر بالله جل وعلا، ومنه ما هو مختلف فيه كما سبق، فأما الذي هو جائز: فهو الاستدلال بها على الجهات في المسير، سواء في البحر أو في البر أو على القبلة وما أشبه ذلك.

    وأما المختلف فيه: فهو تعلم منازل القمر، فإن فيه خلاف بين العلماء، منهم من أجازه وأباحه، ومنهم من كرهه.

    وأما المحرم: فهو الاستدلال بطلوع الكواكب أو اقترانها أو مسيرها على أنه سيحدث في الأرض شيء من مرض، أو رياح، أو حروب، أو غلاء أسعار أو رخصها، أو سعادة أو شقاء، أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأنه يضيف الحوادث إلى غير موجدها وإلى غير خالقها.

    أما ما ذكره في هذا الحديث فإنه قسم آخر، فقوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) المدمن هو: المديم على الشيء، الذي يفعل الشيء ولا يقلع عنه، بل يستديم عليه، من أدمن الشيء إذا تردد فيه وألفه، وصار ديدنه ذلك، بخلاف الذي يفعله مرة ثم يتركه، فإن هذا لا يُعد مدمناً، وإنما يكون مدمناً الذي يألف الشيء ويستمر عليه، والخمر أم الخبائث، والواقع أنه ليس المقصود بالخمر الذي هو عصير العنب أو عصير الشعير أو عصير التمر، وما يصنع من هذه الأشياء، ليس هذا المقصود، فالخمر: اسم جامع لكل ما يخامر العقل ويغطيه من كل شيء كان، سواء كان من الأمور التي يزعم أن فيها نفعاً، أو من الأمور التي هي ضرر كلها ليس فيها نفع، قال الله جل وعلا: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، فإن كل شيء يكون فيه النفع للإنسان مباحاً، فإذا كان ضرره أكثر من نفعه فهو محرم، وإن كان فيه نفع، ولكن هناك أشياء من المسكرات ضررها محض ليس فيها أي نفع، وهي أنواع شتى وكثيرة جداً، وبعضها أعظم من بعض، ولكن كلها تدخل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: مدمن الخمر، وقد جاء صلوات الله وسلامه عليه بجوامع الكلم حيث إنه قال: (كل مسكر خمر)، وقال: (وما أسكر كثيره فقليله حرام).

    والسكر هو: تغطية العقل، وقد يكون بالمفتر أو بالمخدر الذي يفتر البدن ويخدره، لأنه نوع من الإسكار، فإذا اعتاد الإنسان شيئاً من ذلك فقد لا يؤثر عليه، ومع ذلك يكون حكمه ما ذكر.

    والشاهد هنا قوله: (ومصدق بالسحر)، وإذا كان هذا الوعيد بحق من صدق الساحر، فكيف بالساحر نفسه؟! لهو أشد جرماً وأعظم إثماً.

    وكذلك التنجيم يدخل في هذا النوع، فقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعاً: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد)، والسحر هو: ما لطف وخفي سببه، أي: خفي على بعض الناس، وهو لا يكون إلا بواسطة الشياطين، ومثله الاقتباس من النجوم بأن تجعل الحوادث المستقبلة بطلوع النجوم أو بغروبها أو بأفولها أو ما أشبه ذلك، وهذا يعد رجماً بالغيب ليس لها صلة بالحوادث أصلاً، وإنما هو كذب وافتراء على الله جل وعلا، وقد يقع شيء من ذلك فيكون فتنة لمن يصدق بهذا.

    أما قوله: (لا يدخلون الجنة) القول الصحيح فيه من أقوال العلماء: أنه لا يتعرض له لا بتأويل -يعني: تفسير- ولا برد، مع الثقة بأن مرتكب الكبيرة لا يكون كافراً، ولكن هذا إلى الله جل وعلا، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر الله جل وعلا عن ذلك، فيبقى على ما أخبرا به، والخوف قائم على هذا الإنسان الذي فعل هذا الفعل، وهو على خطر عظيم، ولكنه بهذا الفعل لا يخرج من دين الإسلام، فقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، يبقى خطاب الله جل وعلا على ما قال، ويبقى آكل أموال اليتامى على خطر عظيم، ولكن أكلهم لأموال اليتامى لا يخرجهم من الدين الإسلامي، إلا أن هذا الوعيد فيهم، وأمرهم إلى الله، يجوز أن الله جل وعلا يمضي ذلك فيهم، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يعفو عنهم ولا يعاقبهم، فالأمر إليه، أما العباد فلا يجزمون بشيء، ولهذا يجب أن يُمتنع من الجزم بشيء؛ فإن الإنسان لا يخاطر بنفسه، وهكذا سائر الذنوب الكبار التي وردت فيها النصوص الشديدة، مثل: شرب الخمر، وتصديق السحر، وأكل الربا.

    أما المتأول لها فإنه أيضاً على خطر ويخشى أن يكون من القول على الله بلا علم؛ لأنه عين معنىً، وليس له عليه دليل إلا عمومات الألفاظ، فالأولى أن يترك ما جاء على ما جاء، والشاهد في هذا قوله: (ومصدق بالسحر)، وعلم التأثير -تأثير النجوم بالأحوال- علم مبني على الكذب والحدس والظنون الكاذبة، وفيه أيضاً نسبة الحوادث إلى غير محدثها وموجدها، فيكون معتقد ذلك مستحقاً هذا الوعيد.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه أيضاً الطبراني والحاكم وقال صحيح، وأقره الذهبي، وتمامه: (ومن مات وهو يدمن الخمر سقاه من نهر الغوطة، نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن) ].

    أحوال النار التي أخبر الله جل وعلا بها فوق ما تتصوره عقول الناس، فالنار التي نراها ونشاهدها تحرق كل شيء، تحرق الرطب واليابس، ولكن نار جهنم أخبرنا الله جل وعلا أن فيها شجر الزقوم، ومع أنها متناهية في الحرارة ففيها كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم نهر الغوطة: الذي يجري من فروج الزواني والزانيات في نار جهنم، وهو شيء قبيح جداً يؤذي أهل النار، فهذا الذي يشرب الخمر يُسقى من هذا القبيح المنتن.

    وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (حق على الله جل وعلا أن يسقيه من طينة الخبال؟ فقيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة فروج أهل النار)، وكل هذه الأشياء التي وردت أنها تحصل في النار يجب الإيمان بها، وإن كانت على خلاف ما يعهده الإنسان، ثم فيها أمور أخرى: فيها حيات، وفيها عقارب، وفيها كلاب، وفيها أنواع العذاب، ومع ذلك فيها ملائكة يدبرون أمورها، ويعذبون أهلها، ولكنهم خلقوا لهذا فلا تضرهم، والله أخبر أن: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، كل هذه الأمور التي يخبر الله جل وعلا بها لا يجوز أن نقيسها على الشيء الذي نفهمه ونعرفه، وهي أمور غيبية تبنى على خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا غالب أمور الآخرة، بل كل ما بعد الموت فغالبه أنه لا يخضع للعقل، ومن أخضعه لعقله قد يصبح زنديقاً لعدم إيمانهبالله، واستيعاب علقه له؛ لأن عقل العبد قاصر، والواجب أن يؤمن العبد بكل ما أخبر الله جل وعلا به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الرد على من يحملون نصوص الوعيد على التكفير

    قال الشارح رحمه الله: [ قوله: (وعن أبي موسى ) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار بفتح المهملة وتشديد الضاد، أبو موسى الأشعري ، صحابي جليل، مات سنة خمسين.

    قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة)، هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف تأويلها، وقالوا: أمروها كما جاءت، ومن تأولها فهو على خطر من القول على الله بلا علم ].

    وهذا القول هو الصحيح، والناس فيها على مذهبين: أحدهما راجح، والآخر باطل قطعاً، والمذهب المختار هو الذي ذكره هنا، أما المذهب الباطل قطعاً فهو مذهب الخوارج، الذين يجعلون هذه النصوص دليلاً على كفر مرتكب الكبيرة، وهذا باطل بلاشك.

    وهناك مذهب أهل التأويل الذين يقولون: هذا جزاؤه لو جازاه، ولكن الله يخلف الوعيد، وأما الوعد فإنه لا يُخلفه، ويقولون: هذا جزاؤه أيضاً لو استحله، وهذا ليس عليه دليل.

    والواقع أن الإنسان في هذا القول على خطر عظيم؛ لأنه قد يكون قال على الله ما لم يقل، فالصواب أن يقول الإنسان أمام هذه الأشياء: الله أعلم بمراده، وعلينا أن نؤمن بها ونحذر، ونقول: الله أعلم بمراده.

    أما مرتكب الكبيرة -على مذهب أهل السنة- إذا لم يستحل الفعل المحرم المجمع على حرمته فهو مسلم، أما إذا استحله فهو بالاتفاق كافر، ومثله من حرم حلالاً معروفاً من الشرع أنه حلال فإنه يكون كافراً، وهذا لا خلاف فيه.

    أما كون قولنا: القول الصواب في هذه النصوص الوعيدية أن نقول: الله أعلم بمراده فهو لأمرين:

    الأمر الأول: أنه أسلم، فإن من تأوله على خطر.

    والأمر الثاني: أنه أدعى للانزجار والانكفاف عن فعل هذه الأمور وهذه المعاصي، وهذا هو الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأخبار؛ فإنه أراد أن يكون ذلك مانعاً من فعل واقتراف هذه المعاصي، بخلاف التأويل فإنه يقلل من خطرها.

    1.   

    تحريم قطيعة الرحم

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأحسن ما يقال: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج من ملة الإسلام فإنه يرجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه به فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله وعفوه ورحمته.

    قوله: (مدمن الخمر)، أي: المداوم على شربها.

    قوله: (وقاطع الرحم)، يعني: القرابة، كما قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22].. الآية].

    تمام الآية: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23]، فأخبر سبحانه أن قاطع الرحم ملعون، وقطيعة الرحم: هو عدم صلتها، وصلة الرحم تكون بالشيء الذي يعتاده الناس ويتعارفون عليه ولو بالكلام، ولو بالزيارة، ولا يلزم أن تكون الصلة بالمال، لكن القطيعة هي عدم المواصلة، لا بكلام، ولا بزيارة، ولا بالشيء الذي يتعارف عليه الناس.

    والرحم هي: كل قرابة من جهة النسب، فكل قرابة من جهة النسب هي رحم، ومعلوم أنها تختلف: فمنها ما هو ألزم من بعض وأوجب من بعض، فتقدم قرابة الأبوة والبنوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، وهكذا، فالقرابات تختلف، وحقوقها تختلف باختلاف قربها، وإن كانت بعيدة من جهة النسب فهي أيضاً قرابة ويجب أن توصل كما أمر الله جل وعلا بصلتها.

    وليست الصلة أنه يذهب كل يوم يزور أرحامه، أو يكلمهم كل يوم، أو كل أسبوع، أوكل شهر، أو كل سنة، بل هذا يرجع إلى العرف، فإذا كان القريب إذا زرته في الشهر مرة أو في السنة يقتنع بهذا ويرضى فإن هذه تكون صلة، والمقصود ألا يكون بين القريب وقريبه نفرة وعداوة يكون مصدرها وسببها الجفاء، فإذا كانت المودة موجودة وإن تباعدت الديار، وإن تباعدت الزيارات، فلا يعد ذلك قطيعة، إنما القطيعة هي الجفاء، وعدم القيام بالشيء الذي يطلب منه، سواء كان زيارة وتكليماً أو ما أشبه ذلك.

    1.   

    السيميا نوع من السحر

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (ومصدق بالسحر)، أي: مطلقاً، ومنه التنجيم؛ لما تقدم من الحديث، وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة.

    قال الذهبي في (الكبائر): ويدخل فيها تعلم السيميا وعملها، وعقْد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته، وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة. قال: وكثير من الكبائر -بل عامتها إلا الأقل- يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغهم الزجر فيه ولا الوعيد عليه. ا.هـ ].

    السيميا: نوع من السحر، كما أن عقد الرجل عن زوجته أو بالعكس عقدها عنه نوع من السحر أيضاً، وقد سبق ذكره، والسحر كله حرام، قليله وكثيره ولكن الذي يفعله ويتعاطاه أعظم ممن يُفعل ويُصنع له.

    1.   

    مسائل باب ما جاء في التنجيم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فيه مسائل:

    الأولى: الحكمة في خلق النجوم.

    الثانية: الرد على من زعم غير ذلك].

    الحكمة في خلق النجوم سبق أنها ثلاثة أشياء، كما ذكرها الله جل وعلا في القرآن: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوم للشياطين، هذه هي الحكمة.

    [الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل].

    منازل القمر الصواب: أن تعلمها جائز، وهذه المنازل الثمان والعشرون سبق أنها في كل ثلاثة عشر ليلة تغرب منها واحدة وتطلع التي تقابلها، وفي نهاية السنة تنتهي، ثم تبدأ من جديد وهكذا، وهذا تدبير لله جل وعلا، يدل على تمام قدرته، وعلى إتقانه جل وعلا كل شيء، ومثل تعلمها تعلم البروج، وكذلك الكواكب السيارة السبعة وغيرها، فالكواكب مثلاً تختلف باختلاف مسيرها؛ كما تختلف في أبعادها وأجرامها وأفلاكها، فمن نظر فيها للاهتداء والاستدلال على قدرة الله وعظمته جل وعلا فلا بأس بهذا، بل قد يكون ذلك مستحباً، أما إذا نظر فيها ليستدل بها أو بمسيرها أو بطلوعها وأفولها على حدوث شيء أو سعادة شيء أو شقاوته فهذا هو المحظور الذي لا يجوز.

    [الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر، ولو عرف أنه باطل].

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736695052

    عدد مرات الحفظ

    684492132