إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [54]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي لله جل وعلا وحده، وليست ملكاً لأحد من خلقه، ولا حتى للرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإنما الله جل وعلا إذا أراد أن يرحم عبده أذن للشافع أن يشفع إكراماً له، ورحمة لذلك المشفوع.

    1.   

    الشفاعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الشفاعة].

    الشفاعة مأخوذة من الشفع، والشفع مقابل الوتر، كما قال الله جلَّ وعلا: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3]، فالشفع: ما كان منضماً إلى الفرد سواءً كان اثنين أو أربعة أو ستة أو ثمانية أو عشرة، هذه تسمى شفعاً.

    أما الفرد فهو ما كان منفرداً، وليس المقصود بالشفاعة هنا الشفع الحسابي، وإنما المقصود ضم شيء إلى شيء، سواءً كان شفعاً حسابياً أو فرداً حسابياً، يعني: سواءً كان اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة؛ لأن الشفع الحسابي: اثنان وأربعة وستة وثمانية، والفرد الحسابي: واحد وثلاثة وخمسة وسبعة وهكذا، فالمقصود أن الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو ضم دعوة الشافع إلى دعوة المشفوع له، هذا تعريفها الذي أخذت منه، أن يضم الشافع دعوته إلى المشفوع له، فالأصل أن المشفوع له يطلب الحاجة، فيذهب ويطلب من الشافع أن يساعده، فيضم الشافع دعوته إلى دعوة المشفوع له، فبعدما كان فرداً يصبح شفعاً، وهذا لا ينافي أن يكون الشافع اثنين أو ثلاثة أو أكثر.

    الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

    الشفاعة في كتاب الله جاءت مثبتة ومنفية، فالمثبتة هي: التي تكون بإذن الله جلَّ وعلا وبرضاه، كما قال جلَّ وعلا: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28].

    أما المنفية فهي: ما يزعمه الكفار والمشركون من أن أصنامهم ومعبوداتهم تشفع لهم ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، فهذه نُفيت في كتاب الله.

    إذاً: الشفاعة اثنتان:

    مثبتة، ومنفية، الأولى حق ثابتة، والأخرى باطلة وغير واقعة، وهي كل ما زُعم أنه يقع بغير رضاه، أما الواقعة الثابتة فهي ما تكون بعد إذن الرب جلَّ وعلا، ولمن يرضى عنه.

    وأصل الشرك من قديم الزمان وحديثه هو بطلب الشفاعة، وتعلق الناس بأذيالها، حيث قاسوا رب العالمين على ما يعهدونه فيما بينهم، فإذا كان هناك رئيس أو ملك فلا يستطيع كل إنسان أن يصل إليه، ولو قدر أن يصل إليه وله طلب يطلبه منه، فقد لا يحصل له ولا يتهيأ له، بخلاف ما إذا طلب من وزيره أو قريبه المقرب عنده أن يشفع له، فإن الغالب أنه يدرك ذلك، ومن هنا اتخذت الشفاعة، وطلبوا الشافعين من الأصنام والأشجار والأموات والملائكة وغيرهم، وإن كان الإنسان غير ملتزم بأمر الله، بل تاركاً أمر الله جانباً، ومرتكباً كل ما نهى الله عنه، ومع ذلك يزعمون أنه يشفع لهم قياساً على ما يشاهدوه في الدنيا، وهذا هو سبب وقوع الخلق في الشرك كما قال الله جلَّ وعلا عن المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] يعني: يتخذون الأصنام من دون الله أنداداً ويقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] يعني: يشفعوا لنا، وكما قال الله جلَّ وعلا: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:43] (من دون الله)، يعني: بغير إذنه وبغير رضاه، هذا معنى (من دون الله) وكل ما جاء في القرآن في ذكر الشفاعة من دون الله فالمقصود أنها تقع بلا إذنه وبلا رضاه، وهذا لا يمكن، قال: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:43] يعني: كيف تتخذونهم وتطلبون منهم الشفاعة وهم لا يملكون شيئاً؟! و(شيئاً) نكرة تدخل فيها الشفاعة وغيرها، فكيف يُطلب من الإنسان شيئاً لا يملكه؟! كيف يُطلب من المطلوب منه الشيء الذي لا يملكه؟! هذا ضلال -في الواقع- وخسارة، ثم قال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:44]، فالشفاعة التي أبطلها جلَّ وعلا هي هذه، وهي كثيرة، فهم -في الواقع- اتخذوا أصناماً على صورة الصالحين، أو على صورة الملائكة، أو على صور ما يتخيلونه من أنه مقدس ومعبود وأنه يقرب إلى الله، اتخذوا هذه فصاروا يدعونها ويتقربون بالجلوس عندها، ومسحها والطواف عليها، والتوجه إليها بالدعوة وغيرها، ويزعمون أنها ستشفع لهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فشفاعتها بأن يحصل لهم المطلوب من الغيث أو الرزق أو صحة البدن أو ذهاب المرض أو ما أشبه ذلك من مطالبهم التي يزعمون أنها تحصل لهم إذا سألوها من الميت أو ممن يكون معبوداً لهم، وكل ذلك يزعمون أنه بواسطة الشفاعة؛ لأنه مقرب عند الله، وهو يسأل ربه، وهذا السؤال هو الشفاعة، فيتوسط لهم ويسأل الله، والواقع أن هذا شرك وتنقُّص لرب العالمين جلَّ وعلا، وهو ناتج من سوء الظن بالله جلَّ وعلا؛ لأن الذي يطلب الشفاعة من دون الله إما أنه يتصور أن الله لا يسمع، وإنما سيسمع بواسطة هذا المدعو إذا دعاه وطلب منه، أو يتصور أنه لا يرحم عبده إلَّا أن يجعله ذلك الشافع عاطفاً على هذا الطالب فيرحمه، أو يتصور أنه لا يعلم حاجات الناس والخلق إلَّا أن يعلم بها مثلما يكون للملوك وغيرهم، فإنهم لا بد أن يُبلَّغوا بشئون الناس؛ لأنهم لا يعرفونها. وكل هذه ظنون فاسدة؛ وكلها مما يدعو إلى الشرك وتنقُّص الله جلَّ وعلا.

    فالمقصود أن الشفاعة على نوعين:

    نوع شركي، وهو الذي وقع فيه المشركون.

    ونوع حق، قد أثبته الله جلَّ وعلا في كتابه، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنه سيقع.

    والمؤلف ذكر الشفاعة في هذا الكتاب ليبين الحق في ذلك؛ لأن المسلم يجب أن يميز بين الحق والباطل، فيكون عنده فرقان في ذلك، فيتبع الحق خوفاً من أن يقع في شيء من الباطل فيضل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ...)

    قال الشارح: [قوله: باب الشفاعة أي: بيان ما أثبته القرآن منها وما نفى وحقيقة ما دل القرآن على إثباته.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله عزَّ وجلَّ: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:51]].

    يقول الله جلَّ وعلا: (وَأَنذِرْ بِهِ) يعني: بالقرآن، فالضمير يعود على القرآن، والإنذار هو الإعلام عن أمرٍ مَخُوْفٍ يُتوَقَّع وصولُه إلى الإنسان، وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا [الأنعام:51] فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالنذارة، الذين يخافون ربهم ويعلمون أنهم يُحشرون إلى الله، والحشر هو: الجمع بعد التفرق، والمقصود بـ(الحشر): أنهم يُخرجَون من قبورهم بعد موتهم فيُجمعون في صعيد واحد يقومون فيه لرب العالمين، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]، وهو يوم القيامة، وهذا اليوم هو الذي أخبر الله جلَّ وعلا أنه يوم عبوس قمطرير، وشره مستطير، وأنه يوم ثقيل على الخلق، فالله جلَّ وعلا يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر أهل الخوف والإيمان والقرآن هذا اليوم فقال: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51] أي: يخافون أن يُجمعوا للحساب والمجازاة ثم إسكانهم دورهم الأبدية، وليس هناك إلَّا الجنة أو النار فقط، فبعد هذا الموقف ينصرفون إلى مساكنهم، فريق ينصرف إلى جهنم وفريق ينصرف إلى الجنة.

    وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] هذا في الذين يخافون ربهم، ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، هؤلاء مؤمنون فكيف المشركون والكافرون؟ والولي المقصود به من يتولى الشخص، ويقوم بشئونه أو يحميه من المخوف أو يدفع عنه بعض الضرر، فيوم القيامة ليس هناك أحد من هذا النوع، لا يوجد ولي يتولى شئونك، ولا يوجد من يدافع عنك، ولا من يجلب لك منفعة أو يدفع عنك مضرة وإن قلَّت، كل واحد يأتي إلى ربه في ذلك الموقف فرداً كيوم ولدته أمه، لا لباس ولا شراب ولا طعام ولا نعال، ولا شيء كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تُحشرون حفاةً عراةً غُرلاً، فقيل: وما غُرلاً؟ قال: غير مختونين) وفي رواية: (بُهماً، فقيل: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء) وعائشة رضي الله عنها قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: واسوأتاه! يحشر الرجال والنساء بعضهم ينظر إلى بعض؟! -ليس هناك لباس أصلاً- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ! الأمر أعظم من ذلكِ) يعني: ما أحد يهمه النظر، ولا أحد ينظر إلى أحد، كل واحد شاخصٌ بصره، تكاد تبلغ القلوب الحناجر من الخوف، ولا يدري من بجواره.

    فالمقصود: أن الله جلَّ وعلا خوف المؤمنين هذا اليوم، وليس لأحد منهم من دون الله ولي ولا شفيع، وإذا كان المؤمن ليس له شفيع من دون الله، فكيف بالكافرين؟! وليس معنى هذا أن الشفاعة منفية، ولكن الشفاعة تكون بعد إذن الله، وحقيقة الأمر أن الشفاعة لله، وليست ملكاً لأحد، لا للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره، وإنما الله جلَّ وعلا إذا أراد أن يرحم عبده أذن للشافع أن يشفع إكراماً له، ورحمةً لذلك المشفوع، هذه هي حقيقة الشفاعة، فحقيقتها أن الله جلَّ وعلا إذا أراد رحمة المشفوع أذن للشافع أن يشفع إظهاراً لكرامته فقط، وإلَّا فالأمر كله بيد الله.

    فمعنى هذه الآية: أن الشفاعة لا يملكها أحد، وإنما هي بيد الله جلَّ وعلا، فالمؤمنون الأتقياء لا يملكون الشفاعة دون الله لا لهم ولا لغيرهم، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.

    وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني: يستشعرون هذا في قلوبهم، ويعلمونه ويوقنون به، فيكون باعثاً لهم على تقوى الله، والتقوى حقيقتها: فعل المأمور واجتناب المحظور، هذا حقيقة التقوى، وقد قال الله جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] قال ابن مسعود : أن يُطاع فلا يُعصَى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر. يُطاع بلا معصية، وأن يُشكَر على نعمه ولا يُكفَر؛ ولكن جاءت الآية الأخرى تبين المعنى أيضاً وهي قوله جلَّ وعلا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] فهذه الآية تبين أن التقوى المطلوبة هي حسب الاستطاعة، والله لا يكلف نفساً إلَّا وسعها، لا يكلف الإنسانَ شيئاً لا يستطيعه فلله الحمد والمنة، تعالى وتقدس.

    فالمقصود: أن هذه الآية تبين أن المؤمنين الأتقياء الخائفين ينتفعون بالنذارة بالقرآن، وأنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فكيف بمن يطلب الشفاعة من الأموات أو من الأحياء أو من الشجر أو من غيرها؟! كيف تكون له شفيعاً؟! ليس لهم في طلبهم هذا إلَّا الإبعاد، فطلبهم هذا يبعدهم عن الله جلَّ وعلا، ويكون سبباً لتعذيبهم؛ لأنه شرك.

    وكونه في هذه الآية وجه النذارة بالقرآن إلى من يخشى الله دليل على أن النذارة الحقيقية هي التي يُنتفع بها، وإلَّا فالرسول صلى الله عليه وسلم منذر للجميع، لكل أحد، لكل الثقلين من الجن والإنس المؤمنين والكفار؛ ولكن هذه نذارة خاصة، فهي أخص من النذارة العامة، فهو نذير للعالمين، والعالَمون هم العقلاء من الجن والإنس، فهو نذير لهم، يعني: أنه ينذرهم عذاب الله جلَّ وعلا إن لم يؤمنوا.

    أقوال السلف في تفسير الآية

    قال الشارح: [قوله: وقوله الله عزَّ وجلَّ: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] الإنذار هو: الإعلام بأسباب المخافة والتحذير منها.

    قوله: (بِهِ) قال ابن عباس : بالقرآن.

    وعن الفضيل بن عياض : ليس كل خلقه هكذا، إنما عاتب الذين يعقلون فقال: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51] وهم المؤمنون أصحاب القلوب الواعية.

    قوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] قال الزجاج : موضع (ليس) نُصب على الحال كأنه قال: متخلين من كل ولي وشفيع، والعامل فيه: (يخافون)].

    يعني: أنه ليس لهم في ذلك اليوم ولي ولا شفيع؛ ولكن هذا معناه أنهم في ذلك اليوم وفي غيره في جميع أحوالهم متخلون عن كل شيء مما يزعمه الكفار والمشركون، فهم لا يتولون إلَّا الله جلَّ وعلا، ولا يطلبون الشفاعة إلَّا من الله، فإذا طلبوها طلبوها من الله، فيقولون: اللهم شفِّع فينا الشفعاء، اللهم ارزقنا شفاعة الشفعاء، اللهم أدخلنا في شفاعة سيد الخلق، وهكذا، يطلبونها من الله ولا يطلبونها من أحد من الخلق، وهذا هو الطلب الصحيح، فمن طلبها على هذا الوجه يوشك أن يدركه، وأن يُعطاها، أما إذا طلبها من المخلوق فيكون طلبه من المخلوق سبباً في منعه إياها؛ لأنه حق لله جُعل للمخلوق، فصار شركاً بالله جلَّ وعلا.

    [قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة].

    وهذا يدلنا على أن (لعل) للترجي، والله جلَّ وعلا لا يخفى عليه شيء تعالى وتقدس، فهو علام الغيوب، وإنما هذا على وفق ما في لغة العرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًَا)

    قال المصنف رحمه الله: [وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44]].

    قبل هذه الآية قوله جلَّ وعلا: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:43-44].

    قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا) يقول المفسرون: إذا جاءت (أم) فمعناها: (بل) يعني: (بل اتخذوا من دون الله شفعاء) واتخاذهم الشفعاء أنهم يزعمون أنها تشفع لهم ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، ولو لم يرضَ عن المشفوع له، هكذا زعموا؛ ولهذا صار ذلك شركاً حيث إنه -على حد زعمهم- يقع شيء لا يأذن الله جلَّ وعلا به ولا يريده، ثم إن الشفاعة التي اتخذوها جعلوا الشفيع الذي زعموه بمنزلة الله جلَّ وعلا بحيث إنه يُدعى ويُسأل الشفاعة، يقال له: اشفع لنا عند الله، فالشفاعة هي الدعاء والطلب، والدعاء والطلب يجب أن يكون ممن يملك الشفاعة، وكل مَن دون الله جلَّ وعلا لا يملك شيئاً من ذلك، فالشفاعة لله جميعاً يعني: لا أحد من الخلق يملك شيئاً من الشفاعة.

    أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:43] يعني: أنهم قد وقعوا في هذا، وهذا أمر باطل قد حرمه الله جلَّ وعلا، وجعله سبباً لمنع الشفاعة، فالمتخذون للشفاعة -في الواقع- عملوا عملاً يمنعهم من الشفاعة، وهو أنهم يطلبون الشفاعة من غير الله جلَّ وعلا، والمفروض أن الذي يُطلب منه نفع يكون مالكاً لذلك النفع أو الذي يُطلب منه دفع ضرر يكون قادراً ومستطيعاً لدفع ذلك الضرر، والله جلَّ وعلا يقول: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً [الزمر:43] و(شيئاً) هنا: نكرة، يعني: ليس بأيديهم أي نفع يملكونه ويعطونه هذا السائل، ثم زاد على ذلك وصفهم بأنهم لا يعقلون؛ لأنهم إما جماد أو أموات أو جن غائبون لا يعرفون شيئاً من ذلك أو أنهم شجر أو غير ذلك. (ولا يعقلون) بمعنى: لا يعلمون شيئاً مما في نفوس الناس من حاجاتهم؛ لأن هذا إلى الله جلَّ وعلا، ثم بعد هذا يقول جلَّ وعلا: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] فليس لأحد من دون الله شفاعة، وهذا يبين أن الشفاعة لا يجوز طلبها إلَّا من الله جلَّ وعلا، وهذا لا ينافي كون الحي الحاضر الذي يُرجى قبول دعوته يُطلب منه الدعاء، فإن هذا شفاعة، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفعلون ذلك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، وأن يشفع لهم كما هو معروف، فهذا لا ينافي هذا؛ لأن الداعي يدعو الله، والذي يرجى قبول دعوته يسأل الشيء الذي يملكه وهو الدعاء فقط، فيسأله الدعاء والطلب من الله، ولا يسأله أن يشفع له الشفاعة التي يعتقد المشركون أنها تقع ولو لم يأذن الله، ولو لم يرضَ عن المشفوع له، وإنما يسأله الدعاء؛ لأنه يرجو أن تُستجاب دعوته، ومن هذا القبيل ما شرعه الله جلَّ وعلا للمسلمين بأن يدعوا للميت في الصلاة عليه، فإنها شفاعة يشفعون له إلى الله جلَّ وعلا ليغفر ذنبه ويتجاوز عن سيئاته وإلخ، فهذه شفاعة قد تُقبل وقد لا تُقبل، فالأمر كله لله جلَّ وعلا، وإذا طُلبت الشفاعة من الله يكون هذا من الأسباب التي يرحم الله جلَّ وعلا بها مَن سُئلت له.

    إذاً: حقيقة الشفاعة أنها بيد الله جلَّ وعلا إذا شاء أن يرحم عبده جعل له سبباً من الأسباب مثل: دعوة المؤمنين له، أو دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له؛ ولكن الله جلَّ وعلا أخبرنا أن الشفاعة لا تنفع إلَّا لمن رضي قوله، والرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة وضح هذا وبينه بحيث إنه لم يترك الأمر فيه التباس أو اشتباه، ففي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة تَعَجَّلها -يعني: دعا بها على قومه- وقد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله كل من مات لا يشرك بالله شيئاً) فأخبر بأن شفاعته تكون لأهل التوحيد الذين لا يشركون بالله شيئاً، أما الذي يسأل الشفاعة من الميت سواءً كان نبياً أو ولياً على حد زعمه أو ملكاً من الملائكة أو شيئاً لا يعقل، فإنه -في الواقع- أشرك بالله، فصار قد جاء بسبب يمنعه من قبول الشفاعة؛ لأنه وقع في الشرك، وهذا هو الذي دلت عليه الآيات ودل عليه قوله في هذه الآية: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:43-44] فالشفاعة مُلك لله، ولا يأذن جلَّ وعلا للشافع أن يشفع إلَّا إذا شفع لمن رضي الله جلَّ وعلا عنه، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23] فالإذن شرط في الشفاعة، والرضا عن المشفوع له شرط آخر، ويبقى شرط ثالث وهو: أن يكون المشفوع له متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتديَّن ولا يتعبَّد بشرع يخترعه من عنده ويبتدعه، فالشفاعة من التوحيد، وهي تدل على أن الأمر كله بيد الله جلَّ وعلا، وعلى أنه جلَّ وعلا يتفضل على من يشاء بالإذن لمن يريد أن يكرمه، فيأذن له بالشفاعة فيشفع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ)

    قال الشارح: [وقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44]، وقبلها: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:43]، وهذه كقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]].

    معنى هذه الآية ظاهر، وقد قال الفخر الرازي عند تفسيرها لما ذكر الشرك وأنواعه قال: ومن هذا القبيل: الذين يذهبون إلى القبور ويطلبون شفاعة المقبورين، فإنهم قد وقعوا في الشرك الأكبر؛ ولكن معنى قوله جلَّ وعلا: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [يونس:18] يعني: أن الله جلَّ وعلا لا يعلم أن الشفاعة هذه التي تزعمون تقع، والشيء الذي لا يعلمه الله لا وجود له، ولا حقيقة له، فالمعنى: أنه جلَّ وعلا يقول: هذا الطلب وهذا الزعم لا وجود له ولا حقيقة له، فكيف تتعلقون بشيء تتوهمونه وهو من الأسباب التي تمنع وصول الخير والسعادة إليكم؟!

    وقوله جلَّ وعلا: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس:18] هذا يشمل كل ما عُبد من دون الله سواءً كان حياً أو ميتاً، سواءً كان من الملائكة أو من البشر أو من الجن أو من الجمادات وغيرها، كلها لا تنفع ولا تضر، والمنفعة والمضرة كلها بيد الله، فالعبادة يجب أن تكون لمن يملك النفع والضر، والله جلَّ وعلا هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وكل مخلوق هو عبد له، لا يملك معه شيئاً، فالتوجه إلى مخلوق من المخلوقات وطلب الشفاعة منه ضلال وحرمان، لتعذيب من يقع فيه.

    1.   

    ضلال المشركين في باب الشفاعة

    قال الشارح رحمه الله: [فبين تعالى في هذه الآيات وأمثالها: أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتفٍ وممتنع، وأن اتخاذهم شفعاء شرك يتنزه الرب تعالى عنه، وقد قال تعالى: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانَاً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأحقاف:28]].

    معنى قوله: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ) يعني: هلَّا نصرهم لما جاءهم العذاب ووقع فيهم عذاب الله لماذا لم تنصرهم آلهتهم؟!

    وقوله: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف:28] يعني: ذهبوا.. أصبحت دعوتهم ضلالاً، يعني: لا قيمة لها، وتبين أن الأمر كله بيد الله؛ ولكن هناك لا ينفع الإنسان إذا تبين له أنه قد ضل؛ لأنه لا يُقبل منه الاستعتاب ولا يفيده الندم، وليس بإمكانه أن يرجع مرةً أخرى إلى الدنيا أو إلى عمر جديد فيعمل غير الذي كان يعمل، وإنما يزداد عذاباً على عذاب، يعني: حسرات مع العذاب الذي يلاقيه.

    قال الشارح رحمه الله: [فبين تعالى: أن دعواهم أنهم يشفعون لهم بتألههم: أن ذلك منهم إفك وافتراء.

    وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] أي: هو مالكها، فليس لمن تُطلب منه شيء منها، وإنما تُطلب ممن يملكها دون كل ما سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلَّا لله، قال البيضاوي : لعله ردٌّ لما عسى أن يجيبوا به وهو: أن الشفعاء أشخاص مقربون].

    يعني: يقدر أنهم يقولون: الشفعاء ذو جاه عند الله مقربون، والله ملَّكهم الشفاعة وإن كانت لله؛ ولكن الله جلَّ وعلا أعطاهم الشفاعة! والقرآن يرد هذا، يقول الله جلَّ وعلا: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً [الزمر:44] وقد أخبر جلَّ وعلا أن كل طلب يُطلب من غير الله فهو ضلال، وأن ذلك سبب لمنع الشفاعة، ففي الواقع: هم يؤتَون من قِبل أنفسهم، فإنهم يأتون بالأسباب التي تمنع الشفاعة وهم يزعمون أنها شفاعة! والسبب في ذلك جهلهم أو عنادهم وتركهم ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الشفاعة كلها لله سبحانه

    قال الشارح رحمه الله: [وقوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:44] تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه؛ لأنه مالك الملك، فاندرج في ذلك ملك الشفاعة، فإذا كان هو مالكها بطل أن تُطلب ممن لا يملكها: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] قال ابن جرير : نزلت لما قالت الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلَّا ليقربونا إلى الله زلفى، قال الله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر:44].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] ] .

    (مَن) هذه: استفهامية للإنكار، يُنكر جلَّ وعلا أن تقع الشفاعة عنده إلَّا بإذنه، وذلك من تمام ملكه وعظمته، بحيث لا يجرؤ أحد من خلقه أن يشفع قبل أن يأذن له، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذا في حديث الشفاعة فقال: (أَخِرُّ ساجداً لربي جلَّ وعلا، فيفتح عليَّ من المحامد والثناء ما الله به عليم، ثم يقول: ارفع رأسك، واشفع تشفَّع -قبل أن يقول: اشفع تشفَّع لا يشفع- يقول: ثم يحد لي حداً ويقول: هؤلاء اشفع فيهم) فإذاً: أصبح الأمر كله بيد الله، الشافع لا يشفع إلَّا إذا أذن له ولا يشفع إلَّا في الذين يحدهم له ويقول: اشفع في هؤلاء؛ ولهذا قال العلماء: حقيقة الشفاعة هي: رحمة الله جلَّ وعلا للمشفوع له، وإظهار كرامة الشافع فقط، فليس للخلق شيء مع الله، والذي يزعم أن المخلوق يمكن أن يتقدم ويطلب طلباً مستقلاً بدون أن يأمره الله جلَّ وعلا بذلك فمعنى ذلك: أنه ما قدَّر الله حق قدره ولا عرف عظمته، وهذا قد نفاه الله جلَّ وعلا في هذه الآية: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] يعني: أنه لا يقع، وأنه لا يجرؤ أحد من الخلق سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو غيرهم، ما أحد يجرؤ أن يشفع عنده إلَّا إذا أذن له، فالشفاعة لا تقع من أحد من الخلق: لا الرسل ولا الملائكة ولا غيرهم إلَّا إذا أمرهم الله جلَّ وعلا أن يشفعوا، والإذن هنا المقصود به: الأمر؛ أن يأمرهم ويقول: اشفعوا، وأمره إياهم ليظهر كرامتهم أمام الخلق وإلَّا فالأمر كله بيد الله، ولهذا يحد لهم الحد فيقول: اشفعوا في كذا وكذا، يعني: الذين يُشفع لهم معيَّنون، وهذا يدلنا على أن الأمر كله لله جلَّ وعلا، وهذا معنى قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] والإذن هو: الأمر، فإذا أمره أن يشفع شفع، أما قبل الأمر فلا أحد يجرؤ على الشفاعة.

    وبهذا يتبين ضلال الذين يزعمون أنهم إذا طلبوا الشفاعة من شخص من الأشخاص يحسنون الظن به أن ذلك يحصل، وزعموا أن لهذا الشافع ما لله من الملك، وبذلك وقعوا في الشرك.

    1.   

    شروط وقوع الشفاعة

    قال الشارح رحمه الله: [وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]: قد تبين مما تقدم من الآيات: أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تُطلب من غير الله، وفي هذه الآية: بيان أن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلَاً [طه:109] فبين أنها لا تقع لأحد إلَّا بشرطين:

    إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع.

    ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه].

    قوله: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلَاً [طه:109] أما الإذن فهو للشافع، وأما الرضا فهو عن المشفوع له، والله جلَّ وعلا لا يرضى إلَّا التوحيد، أما الشرك فلا يرضاه، فمعنى ذلك أن الشفاعة تكون لأهل التوحيد، وهذا بُيِّن في الأحاديث بياناً واضحاً، فلما قال أبو هريرة : (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) يعني: أنه ليس عنده شيء من الشرك، ولا التعلق بغير الله، وكذلك الحديث الذي ذكرنا وفيه: (فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً) فتبين أنه إذا مات الإنسان مشركاً بالله شيئاً أنه لا تنفعه الشفاعة ولهذا يقول: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، ويقول جلَّ وعلا في آيات كثيرة: وَاتَّقُوا يَوْمَاً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئَاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة:48]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254] فالشفاعة التي نفاها جلَّ وعلا هي: التي يتعارفها الناس وتقع لبعضهم من بعض، ولو لم يكن المشفوع عنده آذناً أو راضياً؛ وهذا لنقص الإنسان؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الناس الآخرين، ولو كان ملكاً، يحتاج إلى مساعدة وزرائه وأمرائه وأعوانه، وإذا لم يقبل شفاعتهم يخشى أن ينتقدوا عليه، وألَّا يؤدوا الواجب من النصح له وما يريد، فيقبل شفاعتهم مضطراً، وقد يقبل المخلوق شفاعة زوجته أو شفاعة ابنه أو شفاعة أخيه أو قريبه أو صديقه؛ لأنه يحتاج إليهم، أما رب العالمين جلَّ وتقدس فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل من سواه فقير إليه، فالملك كله بيده، وله تمامه، ولهذا صار طلب الشفاعة من غيره شرك؛ لأنه جعل ما هو حق لله سبحانه للمخلوق، وهذا سبب في منع الشفاعة التي يزعم أنها تقع له؛ لأنه ارتكب المانع من قبل نفسه، وخالف ما جاء عن الله جلَّ وعلا، ولأنه لم يعرف الله جلَّ وعلا حق المعرفة، ولم يجعل له الحق الذي أوجبه عليه، فصرف بعضه للمخلوق، فاستحق بذلك الحرمان.

    قال الشارح رحمه الله: [وهو تعالى لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلَّا ما أريد به وجهه، ولقي العبد به ربه مخلصاً غير شاك في ذلك، كما دل على ذلك الحديث الصحيح، وسيأتي ذلك مقرراً أيضاً في كلام شيخ الإسلام رحمه الله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئَاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]].

    قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ [النجم:26] (كم) هذه: خبرية، ومعناها: كثير، أي: كثير من الملائكة، والملائكة أخبر الله جلَّ وعلا عنهم أنهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وأنهم: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] لا يفترون أبداً، دائمون في التسبيح والتهليل والعبادة، ولا يعصون الله طرفة عين، ومع هذه العبادة وهذا العمل الدائم في طاعة الله جلَّ وعلا لا تنفع شفاعتهم عند الله لأحد إلَّا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم أن يشفع، ولمن شاء أن يشفعوا له، فهذا كالآية السابقة يبين جلَّ وعلا فيها أن المقربين عنده لا تنفع شفاعتهم ولا تجزئ لأحد، ولا يستطيع أحد أن يتقدم للشفاعة إلَّا إذا أذن له جلَّ وعلا، والإذن هو أمره بأن يشفع، وأن الشفاعة لا تقع منهم ولا من غيرهم إلَّا لمن رضي الله جلَّ وعلا عنه.

    إذاً: تكون الشفاعة -بدليل هذه الآيات- لأهل التوحيد، الذين يموتون على التوحيد، فهم الذين تنفعهم شفاعة الشافعين، وذلك من فضل الله فيأمر الشافعين أن يشفعوا لهم؛ لإظهار كرامتهم فقط، وإلَّا فالأمر لله جلَّ وعلا.

    أما المشرك الذي يدعو غير الله فهذا لا تنفعه شفاعة الشافعين، كما أخبر الله جلَّ وعلا بذلك في آيات متعددة كثيرة.

    1.   

    أقسام الشفاعة في كتاب الله

    تبين لنا أن الشفاعة في كتاب الله قسمان:

    شفاعة منفية لا تقع، وهي: التي تُطلب بغير إذنه جلَّ وعلا، ولمن يكون مشركاً.

    وشفاعة واقعة وهي: أمر الله جلَّ وعلا للشافع أن يشفع، وتكون لمن رضي الله عنه.

    قال الشارح رحمه الله: [قال ابن كثير رحمه الله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئَاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26] كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن بها بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟!].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963619258

    عدد مرات الحفظ

    708865250