إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [36]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرم الله تعالى الشرك به صغيره وكبيره، ومن ذلك تعليق التمائم والخيوط لدفع الضر أو تخفيفه، وقد أنكر ذلك الصحابة، وعدوه شركاً، والشرك وإن كان من النوع الأصغر؛ إلا أنه أعظم جرماً من الكبائر.

    1.   

    معنى حديث: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له ...)

    قال المصنف رحمه الله: [وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)].

    حكم التعلق بالتمائم ومعناه

    التعلق يقصد به تعلق القلب، ويقصد به تعلق الفعل، يقصد به هذا وهذا، ومن يعلق تميمة لا بد أن يكون قلبه تعلق بها، وهذا شرك.

    والتميمة هي كل ما يعلقه الإنسان على بدنه أو في سيارته أو في بيته، أو في متجره، أو في مصنعه، يريد بذلك أن يدفع عنه عين الإنسان أو أذى الجان أو ينفعه في شيء من المنافع، سواء كان المعلق من القرآن، ومن أسماء الله وصفاته، أو من أسماء الشياطين والجن، أو من الحروف والطلسمات التي يفعلها الكهنة والسحرة وأشباههم من الجهال.

    ولكن إذا كان المعلق من القرآن، ومن صفات الله جل وعلا وأسمائه فقد اختلف العلماء في ذلك كما سيأتي، منهم من جوزه وقال: إنه جائز، ومنهم من منعه، وجعله من قسم الممنوع الذي لا يجوز فعله، وسيأتي بحث ذلك في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله.

    والتميمة سميت تميمة من باب التفاؤل -كعادة العرب- تفاؤلاً بأن من علقها يتم له أمره، كما أنهم يسمون اللديغ سليماً تفاؤلاً بأنه سيسلم، ويسمون الأرض المهلكة التي ليس فيها لا ماء ولا أناس ولا قرى مفازة تفاؤلاً بأن الذي يسلكها سيفوز وينجو، وهذا كثير في كلام العرب، ومنه تسميتهم التميمة تفاؤلاً بأنه سيتم مقصوده، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من فعل ذلك ألا يتم الله له أمره، فقال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) فهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعامل بنقيض قصده ومراده، وفي هذا دليل على أن من ارتكب معصية أنه يستحق الدعاء، وأنه يعاقب بنقيض ما أراد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه.

    وأما الودع فهو شيء يستخرج من البحر، وهو معروف، ويعلقونه على أولادهم زعماً منهم أنه يقي من أذى الجن، أو يقي من عين الإنسان، وقد يعلقونه على البهائم، وقد يعلق على غير ذلك، ولكن تختلف الأحوال الآن فهناك أمور جدت، المعنى واحد والأسماء اختلفت، فقد يعلق بعضهم الآن سلسلة من صفر أو من فضة، أو خاتماً يوضع فيه فص، أو نحو ذلك، ويزعم أنه ينفع من أمراض معينة، ومن أذى الجن، وأذى الإنسان الذي يصيب بالعين، وقد يؤخذ مثلاًحلقة من فضة، ويزعم أنها تمنع من البواسير، وقد يجعل في عضده حلقة من صفر، أو سلسلة من نحاس، ويزعم أنها تنفع من الروماتيزم، أو تنفع مما يسمى واهنة، وهي نوع من الروماتيزم ، ولكن فيها عقائد جاهلية، كل هذه من أمور الشرك، ومن أمور الجاهلية، ويجب على المسلم أن يطهر نفسه واعتقاده منها، وكذا من له به صلة من أهله وأولاده؛ لئلا تصيبه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئلا يعاقبه الله جل وعلا على الشرك.

    مرتبة الشرك الأصغر بين الذنوب

    وقد مر معنا حديث عمران أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (لو مت وحلقة الصفر عليك ما أفلحت أبداً)، وإن كان هذا قد يكون شركاً أصغر، والشرك الأصغر لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، ولكنه أكبر من الكبائر، فهو أكبر من الزنا ومن السرقة، فيستحق عليه العذاب إن لم يتب منه، أو يعفو الله جل وعلا عنه.

    وقد قال بعض العلماء: إن من وقع في ذلك ولم يتب منه فإنه لا بد من تعذيبه، وأن ذلك لا يدخل تحت المشيئة التي قال الله جل وعلا فيها: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته جل وعلا إن شاء عفا عنها بدون مؤاخذة، وإن شاء عاقب صاحبها، ثم بعد ذلك يكون مآله إلى الجنة، أما الشرك فإنه لا يغفره.

    ويقول البعض: إن الشرك الأصغر داخل في الأكبر، فلا يوجد شيء يخرجه؛ لأن هذا عموم يشمل الأكبر والأصغر: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، ولبس الحلقة من الشرك، فهو لا يغفر إلا بالتوبة منه.

    فإذا كان الأمر هكذا فيتعين على الإنسان أن يبتعد عن هذه الأمور الجاهلية، وهذه الاعتقادات الفاسدة، وليعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله جل وعلا، وإن كان الإنسان يقول: أنا أعلم ذلك ولكن هذا سبب، قد يقول قائل هذا القول، ولاسيما إذا وصف ذلك الأطباء مثلاً، فربما ركن إلى ذلك أكثر، فيقال: الأطباء ليسوا مرجعاً في هذا، المرجع في هذا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الأطباء جهلة بدين الله لا يعرفون شيئاً منه.

    وليس كل ما فيه نفع يكون جائز الفعل، فعبادة الشيطان قد يكون فيها نفع لمن يعبد الشيطان، مثلاً إذا عبد أحد الشيطان يذهب الشيطان ويأتيه بشيء مما يريده ويطلبه من أمور الدنيا أو المنافع المعنوية، وهذا يقع كثيراً وهو من أعظم المحرمات، فليس الشيء الذي فيه منفعة مباحاً، بل يجب على الإنسان أن يتقيد بشرع الله جل وعلا، ويتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه الأمور في الواقع لا تنفع ولا تضر، قال الله جل وعلا: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38] يعني: هو كافي من توكل عليه، فمن يكون حسبه فهو يكفيه وحده.

    وهؤلاء المشركون يعلمون أنها لا تملك النفع الذي يرسله الله جل وعلا إلى عبده، ولا تدفع عنه الضر الذي يريد الله جل وعلا به عبده، وإنما كانوا يتعلقون بها يطلبون شفاعتها هذا هو أصل عبادتهم؛ وذلك لأنهم عندهم عقول أدركوا بها أن الله جل وعلا هو الذي خلق كل شيء، وهو الذي ملك كل شيء، وهو الذي يتصرف بكل شيء، ولكن لما فقدوا نور النبوة دخل عليهم النقص شيئاً فشيئاً حتى صاروا مشركين لأوثانهم وأصنامهم من الأشجار والأحجار وغيرها، ويقولون فيها كلها: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، والعبادة هي اتجاه إلى الشيء بدعاء أو تعلق بالقلب.

    فلا يجوز للإنسان أن يفعل شيئاً من ذلك، وأهم ما لدى الإنسان دينه، وإذا سلم له دينه فهو السعيد، أما إذا فسد الدين فلو أتته الدنيا كلها بحذافيرها فإنها لا تغني عنه شيئاً.

    معنى قوله: (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)، هذا أيضاً دعاء عليه، ومعنى (ودع له) يعني: ما جعله الله في دعة وسكون، والدعة هي الراحة، يعني: دعاء عليه بالقلق وعدم السكون بنقيض ما أراد وقصد.

    ويحتمل أن يراد بهذا الخبر وبالذي قبله أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أن من تعلق تميمة فإن الله لا يتم له مراده، بل يعاقبه بنقيض قصده، وكذلك من علق ودعة، فإن الله لا يدعه في دعة وسكون وراحة، بل يعامله بنقيض ما أراد فيكون سقيماً قلقاً، أصيب بنقيض ما طلب جزاءً عادلاً قبل الآجل، وسواء كان خبراً أو كان دعاء فإنه يدل على أن هذا من المحرمات.

    وأما في الرواية الأخرى التي فيها: (من تعلق تميمة فقد أشرك) فهذا صريح بأن تعليق التميمة شرك، وقد يكون شركاً أصغر، وقد يكون أكبر بحسب ما يقوم بقلب الإنسان وفعله من التعلق بذلك، إن كان يعتقد أن هذه التميمة تدفع بنفسها وتنفع، فهذا من الشرك الأكبر، وإن كان يعتقد أن الله جعلها سبباً، فهذا من الشرك الأصغر، ومعلوم أن الشرك الأكبر ينافي التوحيد مطلقاً، أما الشرك الأصغر فلا يكون الإنسان خارجاً به من الدين الإسلامي.

    تخريج الحديث وكلام العلماء في ألفاظه ومعناه

    قال الشارح: [الحديث الأول رواه الإمام أحمد كما قال المصنف ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي .

    قوله: وفي رواية، أي: من حديث آخر رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن أسلم قال: حدثنا يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري عن عقبة بن عامر الجهني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وأمسكت عن هذا! فقال: إن عليه تميمة، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك) وروى الحاكم نحوه ورواته ثقات.

    قوله: عن عقبة بن عامر صحابي مشهور فقيه فاضل، ولي إمارة مصر لـمعاوية رضي الله عنه ثلاث سنين، ومات قريباً من الستين.

    وقوله: (من تعلق تميمة) أي: علقها متعلقاً بها قلبه في طلب خير أو دفع شر، قال المنذري : خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى.

    وقال أبو السعادات : التمائم جمع تميمة، وهى خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام.

    وقوله: (فلا أتم الله له) دعاء عليه.

    وقوله: (ومن تعلق ودعة)، الودع: بفتح الواو وسكون المهملة قال في مسند الفردوس: شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين.

    وقوله: (فلا ودع الله له) بتخفيف الدال أي: لا جعله في دعة وسكون، قال أبو السعادات : وهذا دعاء عليه].

    التميمة مثل ما يكون من خرزات، بل من أي نوع كان، فإذا علق الشيء سواء من خرزات أو من حجر أو من نحاس أو من صفر أو من فضة وذهب أو غير ذلك، لهذا الغرض فإنه يكون تميمة.

    وكذلك إذا كان فيه كتابة في ورق، أو في جلد، أو في خرقة، وما أشبه ذلك، وعلق فإنه تميمة، ولكن إذا كان هذا الذي علق من القرآن، أو من أسماء الله جل وعلا، والأدعية التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه خلاف كما سيأتي، هل يجوز أو لا يجوز؟

    من العلماء من جوزه، ومنهم -وهم الأكثر والجمهور- من منعه، وسيأتي ذكر الأدلة على ذلك والترجيح في هذا.

    [قوله: وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك) قال أبو السعادات : إنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه].

    الواقع أنهم أرادوا الدفع مطلقاً، ولا يلزم أنهم أرادوا منع المقادير، وإنما أرادوا أن ينتفعوا بذلك، وأن يمتنع عنهم الشر، ويكون ذلك سبباً.

    ومعلوم أنهم يعلمون أن الذي يقدر المقادير ويخلق هذه الأمور هو الله، ولكن يرون أن هذا سبب، والواقع أنه ليس سبباً، ولهذا خرجوا عن الأمر المعتدل الذي يدركون به مرادهم إلى عكس ما أرادوا من النفع، ووقعوا في الضر من ذلك، فهم أرادوا النفع مطلقاً والدفع مطلقاً.

    أما إضافة رد المقادير فقد لا يخطر في بالهم مثل هذا، فإذا انضاف إليه فهو زيادة شر على شر؛ لأن ما قدره الله لا بد أن يقع، ولكن الإنسان لا يدري ماذا قدر له، فهو يفعل سبباً، والسبب الشرعي المباح مأمور بفعله، ولكن هذا ليس منه، هذا أمر محرم لا يجوز فعله.

    1.   

    أثر حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه

    قال المصنف رحمه الله: [ولـابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]].

    قطع حذيفة للخيط واعتباره له من الشرك

    حذيفة بن اليمان رضي الله عنه دخل على رجل مريض يزوره، فمس عضده كعادة الزائر يضع يده على يد المريض أو على رجله أو على رأسه حتى يكون في ذلك مواساة له، ولينظر في بدنه هل فيه حمى؟ حتى يدعو له، فسقطت يده على خيط مربوط في عضده فقال: ما هذا؟ فقال: من الحمى، فقطعه، وتلا هذه الآية، وفي رواية أنه قال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، لأنه ارتكب شركاً، فتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ .

    معلوم أن هذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، يعني: في عبادة اللات والعزى ومناة وغيرها من الأصنام والأوثان، وسبق أن عرفنا أن عبادة المشركين لهذه الأصنام هي طلبهم الشفاعة منها، وما كانوا يعتقدون أنها شريكة مع الله، وأنها تتصرف وتنزل المطر أو تحيي الموتى، أو أنها تأخذ بيد عابدها وتضعه في الجنة وتمنعه من النار، ما كان أحدهم يعتقد شيئاً من ذلك أبداً.

    وإنما كانوا يعتقدون أنها تشفع لهم عند الله فقط -هذا هو شركهم وعبادتهم- وأنهم ينالون البركة بالجلوس عندها، والطواف عليها؛ فلهذا أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من الذي ينزل المطر وينبت النبات؟ يقولون: الله، ولهذا قال العلماء: إيمانهم هو قولهم: إن الله هو الذي خلقهم، وخلق كل شيء، وشركهم كونهم يطلبون الشفاعة من غير الله جل وعلا، ويدعون هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى.

    حذيفة رضي الله عنه استدل بهذه الآية على أن تعليق الخيط من أجل الحمى شرك، وقوله: من الحمى، أي: حتى يخفف هذا الخيط ألم الحمى، أو يمنعها، أو يرفعها.

    فأخبره أن هذا شرك بالله جل وعلا واستدل بهذه الآية، وفي هذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم يدخلون الشرك الأصغر في الأكبر، ويستدلون على منعه وحرمته بما نزل في الشرك الأكبر، وهو دليل على معرفة الصحابة بالشرك دقيقه وجليله، ولم يزل العلماء يستدلون بهذا الشيء.

    وما ذكر من الحكم يدل على أن هذا من أعظم المحرمات، المقصود أن كل شيء يفعله الإنسان من هذا النوع يكون له هذا الحكم بخلاف الأدوية الطبيعية التي تكون مركبة سواء كيماوية أو غير كيماوية؛ لأنها ليست من هذا الباب، وإنما هي تقاوم المرض بشيء ظاهر معروف وليست من باب الاعتقاد، أما هذه فهي لا تنفع، بل تضر.

    سند الأثر وترجمة حذيفة

    قال الشارح: [قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً فقطعه أو انتزعه ثم قال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]

    وابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي التميمي الحنظلي الحافظ صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما].

    وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا رأى مثل هذا الشيء يقطعه ويزيله، ولو لم يرض صاحبه؛ لأن هذا من المنكرات التي تجب إزالتها، ولهذا قطعه حذيفة بدون أن يأخذ رأيه أو يستشيره، بل نزعه بقوة ورماه؛ لأنه في الواقع يخلص هذا المسكين مما وقع فيه من الشرك، فهو ناصح له في ذلك، وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يريد في ذلك خلاص من وقع في هذا المنكر، وإذا كان من هذا القبيل فهو شرك، والشرك من أعظم المنكرات.

    سبب تسمية حذيفة بصاحب السر

    قال الشارح: [ مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وحذيفة هو ابن اليمان ، واسم اليمان : حسيل بمهملتين مصغراً، ويقال: حسل -بكسر ثم سكون- العبسي بالموحدة حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر، وأبوه أيضاً صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين ].

    سبب تسميته بصاحب السر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك كان معه منافقون في تلك الغزوة، وكانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان سائراً في الليل وأمامه عقبة، يعني: طريقاً في جبل سيسلكه، فقال للناس: إني ذاهب! فلا يذهب أحد في هذه العقبة، وذهب معه حذيفة وعمار بن ياسر، حذيفة يقود ناقته، وعمار يسوقها، فلما علم المنافقون أنه سيسلك هذا الطريق ذهبوا وكمنوا له في عرض جبل يريدون أن ينفروا ناقته به لعله يسقط في هذا الجبل فيموت، فلما سار وصار في أثناء العقبة نفذوا مؤامرتهم، فصار حذيفة يضرب وجوه رحائلهم، وخافوا أن يعرفهم فهربوا في الليل، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هل عرفت القوم؟) قال: لا، القوم متلثمون، ولكن عرفت رحل فلان وفلان، فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائهم، وقال: (هؤلاء منافقون، فلان وفلان وفلان وفلان) وصار يسرد عليه أسماءهم، ثم قال له: (لا تخبر أحداً). فهذا سبب تسميته صاحب السر، فكان عمر رضي الله عنه وبعض الصحابة إذا مات الإنسان ينظرون إلى حذيفة : هل يصلي عليه؟ فإن صلى عليه صلوا عليه، وإن لم يصل عليه امتنعوا؛ لئلا يكون من الذين أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم منافقون، والله جل وعلا يقول: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84] أي: المنافقون.

    وأما ما يقوله الصوفية من أنه أعطي السر اللدني، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه من الأسرار كما أعطي الخضر الشيء الذي لا يعرفه موسى، فهذا من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما سمي صاحب السر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره بأسماء هؤلاء.

    وجاء في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسر إليه أموراً ستقع من الفتن، مثل كون المسلمين يقتلون خليفتهم، وما أشبه ذلك، وذكر أناساً سيتولون، ويكون في توليتهم شر على الإسلام والمسلمين، من تأخير الصلاة وغير ذلك.

    جاء في بعض الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً أخبره بهذا، ولكن هذا ليس خاصاً به، فقد أخبر به غير حذيفة ، وأحاديث الفتن كثيرة منتشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين : أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو أعلمتكم به لقطعتم هذا البلعوم، ويشير إلى حلقه) قيل: إنه يقصد بذلك أنه لو أخبرهم أنهم يقتلون خليفتهم لم يصدقوه وربما آذوه، فهذا منه.

    والمقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يخص هذه الأمور برجل بعينه، وإنما أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين.

    إنكار المنكر بالقول والفعل

    قال الشارح: [ قوله: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى أي: عن الحمى، وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى.

    وروى وكيع عن حذيفة : أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك . وفيه إنكار مثل هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.

    وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهال فهو شرك يجب إنكاره وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه.

    قوله: وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] استدل حذيفة رضي الله عنه بالآية على أن هذا شرك، ففيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزل الله في الشرك الأكبر لشمول الآية له، ودخوله في مسمى الشرك، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره، والله أعلم.

    وفي هذه الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم ما يبين كمال علمهم بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله].

    1.   

    مسائل باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه

    قال المصنف رحمه الله: [فيه مسائل:

    المسألة الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك ].

    يعني: مثل ذلك في النفع أو الدفع، فإذا كان الإنسان يلبس شيئاً من ذلك فهو مشرك، وسواء كان شركاً أكبر أو أصغر حسب ما يقوم بقلبه.

    [المسألة الثانية: أن الصحابي لو مات وهى عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.

    المسألة الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.

    المسألة الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزيدك إلا وهنا)].

    قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزيدك إلا وهناً) يعني: أن هذه الحلقة تضر، وإن زعم أنها تنفع فهي لا تزيده إلا وهناً، والوهن هو الضعف، أي: يزداد مرضاً إلى مرضه، هذا في العاجل، أما في الآجل فهي شرك يعاقبه الله عليه.

    [المسألة الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.

    المسألة السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئاً وكل إليه.

    المسألة السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.

    المسألة الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.

    المسألة التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة].

    وسبق أن التعلق يكون في القلب، ويكون بالفعل، ولكن إذا حصل بالفعل لا بد أن يكون صدر من القلب، إلا أن يكون الإنسان غبياً، أو لا يعقل، أما إذا كان عاقلاً فالعاقل إنما يبعثه على عمله ما في القلب من نية، وهذا هو تعلق القلب، فمن علق شيئاً من ذلك فقد وقع في الشرك، والشرك وإن كان أصغر فأمره عظيم ليس سهلاً، فلا يجوز التساهل في مثل هذه الأمور، والإنسان إذا اعتمد على الله جل وعلا وتوكل عليه فإنه يكفيه.

    وإذا وقع في مرض أو في أمر من الأمور التي يخشاها فعليه أن يلجأ إلى الله، وعليه أن يدعو ربه، ويتجه إليه، ويتوكل عليه، وينزل به حاجته، هذا هو الذي ينفعه في الواقع، مع أنه لا مانع من فعل الأسباب المباحة من الأدوية وغيرها، فإنه يجوز أن يتداوى إن لم يكن ذلك مستحباً كما مضى، فإذا لم يكن الدعاء ممنوعاً محرماً فإنه يكون من الأسباب المباحة، أو الأسباب المسنونة المستحبة.