إسلام ويب

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    الإيمان بالملائكة

    قال صلى الله عليه وسلم: (وملائكته) .

    يقولون: أصل الملك مألك، والمألك أو الألوكة الرسالة، والملائكة هم رسل الله إلى الخلق، وحقيقة الملائكة -أقصى ما نعرفه عنهم-: عبادٌ مكرمون، وهم عالمٌ نوراني خلق من النور، ويتفق أهل السنة على أن الملائكة ليسوا كالبشر، ولذا لا يقال فيهم: إنهم حيوان ناطق كالإنسان؛ لأن الإنسان حساس نامٍ، أي: يبدأ من الصغر ثم ينمو ويكبر، والملك ليس يحتاج إلى نمو، وإنما يخلق على ما هو عليه.

    ولهذا لا طاقة للعقل في إدراك كنه الملك، وقد جاءت أحاديث توقف العقل عند حده.

    طوائف الملائكة وأعمالهم

    جاء في أمر جبريل عليه السلام، لما طلب منه رسول الله أن يريه ذاته على طبيعته، أنه ظهر له وقد سد الأفق كله، وفي الصحيح: (ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد أو راكع يذكر الله).

    ويتفق علماء السنة أيضاً بأن الله جعلهم طوائف، ولذا: التاء في: (ملائكته) ليست للتأنيث ولكنها للطوائف المتعددة، فهناك ملك الوحي جبريل عليه السلام، وهناك ميكائيل الموكل بالأرزاق وما ينزل من السماء إلى الأرض، وهناك عزرائيل الموكل بقبض الأرواح ومعه أعوانه وجنوده، وهناك ملك الجبال ومن يساعده، وهناك ملائكة في البحار، وملائكة موكلة بالأرحام كما جاء في الحديث: (إن الله موكلٌ بالرحم ملكاً)، فإذا جاءت النطفة أخذها وسأل ربه: مخلقةٌ أو غير مخلقة، ما أجله وما رزقه؟ وشقي أم سعيد؟ وهكذا ملائكة يتعاقبون فينا بالليل وملائكة بالنهار: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].

    وكما يقول العلماء: مع كل إنسان أربعة من الملائكة، أحدهم عن أمامه، والآخر عن يساره حفظة له، وهناك ملائكة يكتبون عليه أعماله: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وكذلك ملائكة موكلون بالسؤال في القبر وهما منكرٌ ونكير، وإن كان ابن رجب أو غيره ينفي هذه التسمية ويقول: (عبادٌ مكرمون)، (كرام كاتبون) فهم كرامٌ وليسوا مناكير.

    قالوا: منكر ونكير، أي: ليسوا على خِلقة الملائكة ولا على خلقة البشر، بل لهم شكل خاص، وبعضهم يقول: ملائكة المؤمن مبشر وبشير، وملائكة غير المؤمن منكر ونكير.

    إذاً: الملائكة طوائف لا يحصيها إلا الله.

    فهناك من وكل بأعمال العباد، وهناك من خلق لعبادة الله وحده، كما جاء في الحديث (البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة)، وهناك من الملائكة من قد يرسل من الله بشيء خاص، كما جاء في صحيح مسلم: (بأن جبريل عليه السلام كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ سمع صوتاً فرفع رأسه إلى السماء، وقال: هذا باب في السماء فتح اليوم لم يفتح قبل اليوم قط، ثم قال: هذا ملك نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل إلى الأرض قبلها قط، ثم جاء وقال: السلام عليكم يا محمد! أهديك نورين، وذكر له الفاتحة وخواتيم سورة البقرة)، وجاء في الأحاديث الأخرى تأتي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي الفاتحة وسورة البقرة ليلة الإسراء والمعراج من كنز تحت العرش.

    وفي غزوة بدر لما كان صلى الله عليه وسلم يرتب المسلمين ويصفهم عندما نزلوا أول منزل، فجاء الحباب بن المنذر وقال: يا رسول الله! أمنزلٌ أنزلكه الله فلا قول لأحد، أم هي الحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال: فإن الرأي عندي أن نتقدم إلى آخر بئر ونبني لنا حوضاً نملؤه ماء، ونغور بقية الآبار.

    وإذ هو في هذه الحالة فإذا بملكٌ نزل وجبريل مع رسول الله في أرض المعركة، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: الرأي ما قال الحباب ، فنظر رسول الله إلى جبريل وقال: أتعرف هذا يا جبريل؟ فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    فقال جبريل: ما كل ملائكة السماء يعرفها جبريل، ولكن ظاهر عليه أنه ملك وليس شيطاناً، فالجنس يعرف جنسه، وانتقل صلى الله عليه وسلم إلى حيث أشار الحباب، ويهمنا أن ملكاً نزل بهذا.

    وفي عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف لما اشتد أمر المشركين على رسول الله، قال جبريل: يا محمد! هذا ملك الجبال، إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل هذا، وهكذا السحاب له ملك يسوقه، وهكذا العالم كله بتدبير الله على ما يلقي من الأوامر على الملائكة.

    وجوب الإيمان بعالم الملائكة الغيبي ودليله

    نحن إن لم نشاهد الملائكة فإننا آمنا بالله الذي أرسل رسوله وأنزل كتابه، وآمنا برسول الله الذي بلغنا عن الله وأخبرنا بوجود الملائكة، هل نقول: لا نؤمن بها لأننا لم نرها؟

    لا والله، بل من لطف الله بالأمة أن يري بعض أفراد الأمة بعض آحاد الملائكة، وهذا ما أشرنا إليه عند قضية ابن عباس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما جاء العباس يستأذن على رسول الله ولم يأذن له وهو يراه بعينه داخل البيت، فرجع مغضباً، فقال له ابنه: لعله مشغول بالرجل الذي عنده، قال: وهل عنده أحد؟ قال عنده رجل: فرجع، ولما رجع كان الرجل قد ذهب، فقال: يا رسول الله! جئتك أستأذن عليك ثلاثاً فلم تأذن لي، ويقول هذا الغلام: إنك كنت مشغولاً برجل عندك، فقال صلى الله عليه وسلم للغلام: (هل رأيته يا غلام، قال: بلى رأيته، قال: هذا جبريل ذهب عني آنفاً).

    وجاء في صورة دحية الكلبي.

    وكذلك قضية الرجل من الأنصار: خرجت مع أهلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقاوم رجلاً، فجلست وظننت أن له حاجة، ثم صرت أرثي لطول قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب الرجل جئت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته، قال: (هل رأيت الرجل؟ قال: قلت: نعم، قال: تدري من هو؟ هذا جبريل، ولو سلمت عليه لرد عليك السلام، وما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

    وخديجة رضي الله تعالى عنها لما غاب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهراً، وكان من عادته أن يذهب هو وعلي رضي الله تعالى عنه في أي مكان من الأمكنة يعبدان ربهما، فلما غاب عنها قامت تطلبه، وخافت عليه من قريش، وأخذت غداءه معها، فلقيها جبريل في صورة رجل، قال: إلى أين أنت ذاهبة يا خديجة ؟ قالت: ذاهبة إلى محمد، قال: وأين محمد؟ قالت: لا أدري.

    فلما وجدت رسول الله وجاء إلى البيت جاء جبريل وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: (أقرئها من الله السلام، وأن الله يبشرها بقصرٍ في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، يرى ظاهره من باطنه)، إلى آخر الحديث، وهذه خديجة ترى جبريل في صورة رجل.

    وكذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم أتم المائة بالعابد، وخرج تائباً إلى القرية التي يعبد الله فيها، فمات في وسط الطريق فأتته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة يختصمون فيه، فيرسل الله إليهم ملكاً في سورة رجل فيحتكمون إليه.

    وكذلك الرجل الذي خرج يزور أخاه في الله في قرية، فأرسل الله إليه ملكاً على صورة إنسان، وقال: أين تذهب؟ قال: أزور أخاً لي في الله. قال: هل بينك وبينه قرابة أو شراكة في تجارة؟ قال: لا، قال: أحبك الله الذي أحببته فيه. إلى غير ذلك من الصور التي هي من آحاد رؤية بعض البشر لبعض الملائكة.

    إذاً: على بقية أفراد البشر أن يؤمنوا ببقية أفراد الملائكة، وقد جاءت النصوص في عمومها تشمل أركان الإيمان المذكورة، قال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285]، إلى غير ذلك، وهذا ما ينبغي على كل مسلم أن يؤمن به، أي: بأن لله ملائكة على أية حالة أو أي صفة كانوا.

    مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر

    هناك قضية قد يخوض فيها بعض الناس وقد يكف عنها البعض، ونحن نشير إليها لأنه ربما يتناولها طالب علم، وهي: أي الفريقين أفضل من الآخر البشر أم الملائكة؟ وهل هناك مفاضلة بين الملائكة وبين بني البشر، أم ليست هناك مفاضلة؟

    خير ما تقرأ في ذلك أيضاً: شرح العقيدة الطحـاوية، فقد ذكر كلام الفريقين، وذكر بعض كلام العلماء في الإعراض عنها؛ لأنها لا يترتب عليها حكمٌ فقهي، ولأننا لسنا مسئولين عنها، ولكن إن عرض القول فيها فهناك من يقول:

    مؤمنو البشر وخواص المؤمنين والأنبياء خيرٌ من الملائكة، ويستدلون بأن الله لما خلق آدم ثم علمه الأسماء عرضهم على الملائكة، قال: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ [البقرة:32-33] ثم قال: اسجدوا له، فلما خلق الله آدم بيده وأكرمه بالعلم، أمرهم بالسجود إليه.

    ولكن أجاب عن ذلك الفريق الآخر: بأن يوسف عليه السلام حينما جاءه أبواه خروا له سجداً، وليس معنى ذلك أن يوسف أفضل من أبيه ومن سائر أهله، والسجود طاعة لله بأمر الله وهو امتثال لأمره، والسجود لا يقتضي الأفضلية؛ لأنه تكريم من الله لآدم وليوسف.. إلى أشياء عديدة في هذا الباب، ولكن كما أشرنا: لا حاجة إلى الخوض فيها، ولسنا مسئولين عنها، ولم يأت حديث صحيح صريح في هذا الباب، ومن أراد الاستزادة في هذا المبحث بالذات فليرجع إلى الطحاوية ففيه الكفاية.

    علاقة الملائكة بالبشر

    وكما أن الملائكة في الدنيا فهم كذلك في الآخرة، وقد بين الله سبحانه ارتباط مؤمني البشر بالملائكة كما في قوله سبحانه: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا.. [غافر:7] الآية، وهذا نوع من الملائكة.

    كما أن بعض المفسرين كـالقرطبي يذكر عند قوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]، قال: نوع من الملائكة مراقب على عامة الملائكة، وهنا يدخلون في فلسفة: هل الملائكة تحاسب وتسأل أم لا؟

    وبعضهم يقول: والروح هو جبريل عليه السلام ومنهم: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، وهذا نوع من الأنواع زيادة في ذلك اليوم والله أعلم.

    ونحن نؤمن بما أخبرنا الله تعالى به، وأخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [غافر:7]، أي: يؤمنون بالله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، برابطة الإيمان: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، فهؤلاء الملائكة يدعون للبشر، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ .. [غافر:8]، إلى آخر السياق.

    وهناك أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:30-31]، ولاية وصداقة، ونصرة وتأييد من الملائكة للمؤمنين في الدنيا، وقد وجدنا ذلك فعلاً في غزوة بدر، حيث نزلت الملائكة وكانت تقاتل معهم.

    ويوم القيامة: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24]، فهؤلاء الملائكة أولياء للمؤمنين وتنزل عليهم في آخر لحظة، وهم طوائف عدة، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، وعلى هذا: فالواجب على المسلم الإيمان بالملائكة على ما يريد الله من حقيقة ذاتياتهم.

    1.   

    الإيمان بالكتب

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكتبه) .

    الكتب: جمع كتاب، وأصله الكتب والكتابة يقولون: الخياطة، والكِتبة الغربة في القربة أو نحوها، وقالوا: الكتابة مأخوذة من الخياطة؛ لأن الكتابة رصف حرف بجانب حرفٍ كما ترصف الغرزة بالإبرة بجوار الأخرى، ومنه: الكتيبة، أي: جمع الأفراد تحت لواء واحد.

    ويقول العلماء: لقد أنزل الله سبحانه وتعالى مائة كتاب، ومائة وعشرين صحيفة، ستين لشيث، وثلاثين لإدريس، وثلاثين لإبراهيم، ويختلفون في عشر، وهل نوح نزل عليه صحف.. آدم نزلت عليه؟ نحن نؤمن بما أنزل الله سبحانه، فكل كتاب أنزله الله على رسله فنحن نؤمن به، ونؤمن بأن القرآن الكريم هو خاتم الكتب، وقد وعى كل ما سبقه من الكتب، وصار مهيمناً عليها.

    وكما يتفق العلماء بأن جميع الكتب السماوية المعروفة: التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، وما سبق ذلك من الصحف، كلها تضمنها القرآن الكريم، ونحن نؤمن بوجودها، ولا نعمل إلا بخاتمها وهو القرآن الكريم، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لـعمر حينما جاء بصحيفة من التوراة يقرؤها مستحسناً ما فيها؛ فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: (يا ابن الخطاب ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو جاء موسى ما وسعه إلا اتباعي).

    وبعض العلماء يزيد خطوة ويقول: كل الكتب المتقدمة حواها القرآن، وكل القرآن حوته الفاتحة، ولذا سميت أم الكتاب وأم القرآن، وقالوا في معنى ذلك: لأن جميع أبواب الفقه أو التشريع أو العلوم التي جاءت في القرآن أصولها موجودة في الفاتحة؛ لأن القرآن بكل مدلولاته إما بيان حق لله، وإما بيان للماضي، وإما بيان للمستقبل، وإما بيان لحق الخلق فيما بينهم ولم يبق شيءٌ بعد ذلك.

    فمن بيان حق الله: الحمد والثناء على الله، والاعتراف بأنه رب العالمين، وبصفاته: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وبالمستقبل: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] ، وبحقه عليهم أيضاً إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وبحق الخلق أيضاً: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وتاريخ الماضي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، (صراط الذين أنعمتَ) في الماضي، (عليهم) من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    جاء في التوراة أن الله كتب الألواح لموسى، وجاء في غير ذلك: أن الله أنزلها، ويذكر ابن كثير في قوله تعالى في سورة القدر: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، أن القرآن نزل ليلة أربعة عشر، ونزلت التوراة يوم ستة أو اثني عشر، وبين أن الكتب السماوية كلها أنزلها الله في رمضان: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185].

    وعلى هذا: فإن الإيمان بوجود الكتب المتقدمة، وإنزالها من عند الله هداية للبشر، وبياناً للصراط المستقيم، وبياناً لحق الله على الخلق، وفيما يصير عليه الخلائق فيما بينهم ... كل هذا من الواجبات.

    1.   

    الإيمان بالرسل

    قال صلى الله عليه وسلم: (ورسله) .

    الرسل: جمع رسول، ولا يحصي رسل الله في الناس إلا الله، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78]، ولكنهم يتفقون على عدد معين، ويذكرون منهم أيضاً تمييزاً: أولي العزم من الرسل، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم.

    والرسل هم من اصطفاهم الله من خلقه لخلقه، وهم بشر من البشر، لكن اصطفاهم الله وميزهم وطهرهم وأوجب لهم الطاعة بما أنزل عليهم.

    وخاتم الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقال تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285]، وهذا ردٌ على اليهود الذين لم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمد، وردٌ على النصارى الذين لم يؤمنوا بموسى ولا يؤمنون بمحمد، والأمة الإسلامية تؤمن بجميع رسل الله، ومن جحد رسالة رسول واحد فكأنما جحد الرسالات كلها؛ لأن طريقها واحد.

    ولذا نجد الإسلام يقر شهادة المسلم على الكافر، ولا يقر شهادة الكافر على المسلم؛ لأن المسلم يؤمن برسالات الأنبياء كلها التي يؤمن بها الكافر، وزيادة الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والكافر يقف عند حد رسوله موسى إن كان يهودياً، وعند حد عيسى إن كان نصرانياً، ولكن المسلم يؤمن بجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

    وهنا يتفق العلماء على أننا مع أننا نؤمن بجميع الرسل؛ لكن ليس لنا اتباع أحد إلا خاتم المرسلين، ولهذا بين صلى الله عليه وسلم أن نبي الله عيسى إذا نزل في آخر الزمان يكون متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.