إسلام ويب

دروس الحرم [9]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    النذر

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام: [وعن ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه].

    ما علاقة الأيمان بالنذور؟

    اليمين ملزم، وكذلك النذر، ومن حنث في يمينه فعليه أن يكفر، وبعض أقسام النذر حكمها كفارة اليمين.

    إذاً: اقتران الأيمان بالنذور هو لقوة الصلة بين البابين، وقد ساق المؤلف في خصوص النذر حوالي ثمانية أحاديث.

    معنى النذر

    ما هو النذر؟ وما مشروعيته؟

    النذر هو: أن يلزم الإنسان نفسه لله بشيء، يقول: لله عليّ نذر أن أصوم يوماً، ألزم نفسه لله بشيء وهو صوم يوم، أو بصدقة كذا، أو بصلاة كذا، أو بتلاوة كذا، أو بحج، أو بعمرة؛ فهو ألزم نفسه بما لم يكن لازماً عليه.

    حديث: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، الجمهور على أن الصوم عام، كالصوم الواجب من فرض الشرع أو بالإلزام الشخصي؛ بأن ألزم نفسه بصوم يوم لم يكن لازماً عليه، وبعضهم قالوا: المعنى: إذا كان صوماً لازماً بالشرع فلا قضاء عليه، لأن الذي أوجب عليه الصوم هو الذي أماته.

    فلو كان مريضاً وعليه صيام وعجز عنه، وكان هذا الصوم مما أوجبه على نفسه فعليه الوفاء؛ لأن الله ما ألزمه وإنما ألزم نفسه فعليه الوفاء، إذاً: فرق بين ما التزم به الإنسان بنفسه وبين ما ألزمه الشارع به، وقيل: المعنى صوم النذر خاصة.

    إذاً: النذر هو أن يلزم المرء نفسه لله بشيء.

    مشروعية النذر

    النذر ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع.

    يستدل العلماء بقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] امتدح الله الموفين بالنذر، وأصرح من هذه الآية قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35]، نذرت به، وهو لا يزال في الغيب ما وضعته بعد.

    ومريم عليها السلام ماذا قالت؟

    بأمر من الله وبتعليم من الله: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26].

    إذاً: هذا نص في مشروعية النذر في كتاب الله.

    وفي السنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وأقر صلى الله عليه وسلم من نذر نذر طاعة، وأورد عليه حالة فيها نذر يشتمل على حلال وحرام ومعصية وطاعة، فألغى ما لا يجوز، وأقر ما يجوز، وذلك في حديث الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه)؛ لأن الصوم عبادة، وبقية تلك الأشياء ليست عبادة، وفي الحديث: (إن الله لغني عن أن يعذب أحدكم نفسه).

    ولما سئل عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فطلبت من أخيها أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (لتمش ولتركب).

    إذاً: السنة جاءت بتقرير النذر، والقرآن الكريم يذكر لنا قضايا نذر في الأمم الماضية، وما ذكرها لنا إلا لأنها مشروعة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه.

    ما ينعقد به النذر

    بم ينعقد النذر؟ وفيم ينعقد؟

    ينص ابن قدامة في المغني بأن النذر لا ينعقد إلا باللفظ، أما لو نوى في نفسه وحدث نفسه بنذر ولم يتلفظ به فلا ينعقد.

    أقسام النذر

    واستخلص العلماء من مجموع الأحاديث الواردة في باب النذر أقسامه، قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: النذر خمسة أقسام:

    الأول: نذر مطلق أي: لم يذكر فيه المنذور، يقول: لله عليّ نذر، ولم يسم هذا النذر، فهذا نذر مطلق عن تسمية المنذور.

    الثاني: نذر لجاج، وهو قول الإنسان في الخصومة والغضب: لله علي نذر كذا، إذا تخاصم مع إنسان ولج معه في الخصومة وغضب قال: إن كلمتك فلله علي أن أحبو في الشارع، فهذا نذر غضب، ونذر لجاج، واللجاج هو المخاصمة.

    الثالث: نذر مباح، يقول: لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي.

    الرابع: نذر معصية.

    الخامس: نذر تبرر، أي: فعل البر.

    النذر المطلق هو الذي لم يعين فيه ما هو المنذور، ترك أن يسمي شيئاً مخافة أن يعجز عن الوفاء به مثلاً، فكفارته كفارة يمين.

    نذر اللجاج هو مخير فيه بين أن يأتي بنذره على ما فيه من مشقة وثقل، وبين أن يخرج منه بكفارة؛ لأنه خرج في ساعة الغضب وفي خصومة.

    النذر المباح كذلك، إن شاء فعل الأمر المباح، وإن شاء أعرض عنه وعليه كفارة.

    نذر المعصية يحرم الوفاء به، وهل عليه كفارة أم لا؟ يرجع هذا إلى مسألة نذر المعصية هل ينعقد أو لا ينعقد؟ فقد جاء في الحديث كما تقدم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) وجاء الحديث الصريح: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) وقوله: (فلا يعصه) هل انعقد النذر وانحل بكفارة أم لم ينعقد فلا كفارة فيه؟

    اختلفت وجهة النظر عند العلماء، فقيل: إنه لم ينعقد أصلاً، وقيل: انعقد وعليه كفارة يمين، وهناك بعض التفصيلات والتفريعات التي تدخل في هذا، وكل مباحث النذر ترجع إلى هذه الأمور.

    إذا نذر مكروهاً فلا ينبغي أن يأتي به، كما لو نذر بطلاق زوجته، فالطلاق مكروه، فلا يفي به، ويخرج منه بكفارة.

    نذر التبرر هو نذر عبادة، يقول مثلاً: لله عليّ أن أصوم يوماً، هذا النذر إما أن يكون خالياً عن الشرط، ابتداءً من نفسه، مثلاً كان كسلان عن الصيام، يرى الناس يصومون الإثنين والخميس والأيام البيض وكذا وكذا، وهو لا يصوم، فيقول: لله علي نذر أن أصوم يوم الإثنين، فهذا نذر تبرر مطلق عن شرط، فعليه أن يأتي به إلا إذا عجز فينتقل إلى الكفارة.

    وإما أن يكون مشروطاً، يقول مثلاً: لله علي نذر إن شفى الله مريضي أن أصوم عشرة أيام، فهذا نذر تبرر بصيام عشرة أيام لكنه مشروط بشرط، فكأنه معاوضة بيع وشراء، فإن أعطاه الله ما اشترطه عليه وفى بنذره، وإذا لم يعطه الله ما شرط كان في حل؛ لأن المشروط لم يحصل، وليس عليه كفارة وليس عليه أي شيء.

    هذه أقسام النذر فيما يتعلق بالمنذور، والأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله كلها تدور حول هذه النقاط وحول هذه المباحث، إلا أن تفريعات الفقهاء واستنتاجاتهم وسعت الباب إلى حد بعيد، فمثلاً عند نذر المعصية قالوا: لو نذر أن يذبح ولده، كما نذر عبد المطلب أن يذبح ولده، فماذا يفعل؟ لأن ذبح الولد معصية!

    قالوا: يكفر بذبح شاة: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، وعبد المطلب نحر مائة بدنة كما حكمت الكاهنة في فداء عبد الله بعشرة إبل ثم عشرة عشرة حتى بلغت المائة، فكانت هي الدية عند العرب، ثم جاء الإسلام فأقرها.

    فإذا نذر أن يتبرع بجميع ماله، فيتصدق بالثلث، كما في حديث أبي لبابة لما وقع منه ما وقع، وجاء وربط نفسه في سارية المسجد وجعل على نفسه إن تاب الله عليه أن يخرج من ماله كله في سبيل الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: (يكفيك الثلث، تصدق بالثلث والثلث كثير).

    ومن العلماء من يقول: إن عين ألفاً فعليه الوفاء، وإن كان مائة ألف أو شيئاً كثيراً يعجز عنه فكفارة.

    وتوسعوا في الجزئيات في باب النذر وفرعوا على ما تقدم من الأقسام الخمسة.

    هذا مجمل مباحث النذر، وسنمر على الأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله لنطبق هذه المبادئ وهذه الأقسام على تلك النصوص إن شاء الله.

    كراهة النذر المشروط

    قال المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن النذر وقال:إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه].

    القرآن ينص على النذر، والسنة تنص على النذر، والرسول يقرر الكثيرين على النذر، وفي هذا الحديث نهى عن النذر، فهذا النهي نحمله على التحريم أم على الكراهة؟

    على الكراهة؛ لأن الأصل الإباحة، والأصل الجواز، فإذا جاء النهي عن الجائز فيبقى النهي للكراهة، لأن الإنسان قد يمد في نذره ثم يعجز عنه.

    ثم ما قيمة النذر في حياتك؟ هل قولك: لله عليّ نذر إن شفى الله مريضي أن أفعل كذا، فهل سيشفيه من أجل أن تفعل؟! إذا قلت: إن شفى الله مريضي ذبحت شاة، فإذا كان الله قد قدر وفاته، فهل قولك هذا سيجعل الله سبحانه وتعالى يشافيه؟!

    النذر لا يأتي بخير، ولكن قد يصادف نذرك إرادة الله فيقع ما طلبت، الله يريد الشفاء ذبحت أو لم تذبح، فقد قضى الله أنه يشفيه، حتى لو لم تنذر أن تذبح الشاة، إذا نذرت إن شفى الله مريضك أن تذبح شاة، والحال أن الله قدر شفاءه، فإنك لو لم تقدم النذر هل ستذبح الشاة؟ لا.

    إذاً: النذر لا يغير إرادة الله، ولا يقدر على جلب ما لم يرده الله.

    إذاً: فما الفائدة منه؟

    (يستخرج من البخيل) لو قيل له: اذبح أرنباً أو اذبح دجاجة يقول: لا، لكن بالنذر استخرجنا منه شاة، وهذا نهي عن المباح، فهو نهي تنزيه لئلا يقع الإنسان فيما لا يقدر عليه أو يعجز عنه.

    قال رحمه الله: [وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفارة النذر كفارة يمين) رواه مسلم ، وزاد الترمذي فيه: (إذا لم يسم)].

    أي: فإن أطلق النذر ولم يعلقه بشيء فكفارته كفارة يمين، ومفهوم المخالفة من قولنا: (ما لم يعلقه بشيء) أنه إن علقه يكون حكمه حكم النذر المسمى، وعليه أن يأتي بما سماه إن كان في استطاعته، والعلماء يقولون: لا نذر في مستحيل، ولا في معصية.

    معنى: (لا نذر في مستحيل ولا في واجب في أصل الشرع) أنه لو قال: لله علي أن أصوم يوم الخميس الأخير من الشهر الماضي، هل يمكن صومه؟ لا، فلا نذر في مستحيل.

    وإذا قال: لله علي نذر أن أصوم رمضان الآتي إن أحياني الله!! وهل صوم رمضان متوقف على النذر أو مفروض في أصل الشرع على الناذر وغير الناذر؟ إذاً لا ينعقد هذا النذر؛ لأنه في واجب في الشرع.

    إذاً: لا نذر في مستحيل ولا في واجب في الشرع، ولا فيما لا يملك، كأن يقول: لله علي نذر إن شفى الله ولدي أن أعتق عبد فلان، لكنه ليس ملكه، وبعضهم يقول: ينعقد، وعليه أن يشتري عبد فلان ويعتقه.

    ومن مباحث نذر المعصية أنه لو نذر صوم يوم العيد، فصوم يوم العيد محرم والجمهور أنه لا ينعقد، والإمام أبو حنيفة يقول: ينعقد، ولكن يخرج منه بكفارة يمين؛ لأنه ممنوع من صومه، فإذا كان ممنوعاً من صومه فلا يذهب نذره بدون شيء، بل عليه كفارة يمين، وهناك من يقول: لا كفارة عليه ولكن يقضي يوماً مكانه، والله تعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.