إسلام ويب

دروس الحرم [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    كتاب الأيمان والنذور

    باسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    كتاب الأيمان والنذور

    عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فكفر عن يمنيك وائت الذي هو خير)، متفق عليه، وفي لفظ للبخاري : (فائت الذي هو خير وكفّر عن يمينك)، وفي رواية لـأبي داود : (فكفّر عن يمنيك ثم ائت الذي هو خير) ، وإسنادما صحيح.

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله؛ فلا حنث عليه) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان ] .

    من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير

    الشرح:

    قال رحمه الله: عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمنيك وائت الذي هو خير) متفق عليه.

    هذا الحديث يعتبر باباً بذاته، وهو كيف يخرج الإنسان من عهدة اليمين ويسلم الحنث فيما بينه وبين الله؟ أي: ليس يتعلق بها حقوق للآخرين، وليست في معرض القضاء والدعاوى، وليست في معرض الصلح والإصلاح، ولكن في حلف الإنسان نفسه ومنهجه في تعامله، كما لو قال: والله! لا أكلم فلاناً. فهذا يمين، ولكن قوله: لا أكلم فلاناً. إن التزم بهذا اليمين وطال به المدى؛ فقد يؤدي ذلك إلى قطيعته لأخيه المسلم ونحو ذلك، فقد يكون سبب اليمين مشكلة بينه وبين هذا الشخص، أو عللاً قائمة، أو مزاحمة ومنافسة، أو خصومة، أو حسداً، أو أي شيء آخر سَبَّبَ هذه اليمين فحلف على أن لا يكلمه، ثم بعد مدة ذهبت تلك العلة، وصفا الجو، ورأى أن يكلمه، فلأن يكلم أخاه خير من أن يبقى على خصومته، كما جاء في الحديث: (لا يحق لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام).

    وهذا الحالف أراد أن يخرج من عهدة هذه اليمين، ويعود إلى كلامه مع صاحبه، ماذا يفعل؟

    أعرض مسألة عرضت على بالي، وأنا أتهيب من المسائل التي لا أجد لي فيها سلفاً ذكرها واعتمدها في هذا الموضوع.

    إذا جئنا إلى كتاب الله، وجئنا إلى كفارة الظهار، ماذا نجد؟ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [المجادلة:2] ماذا؟ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [المجادلة:3]، (يعودون) أي: يريدون العودة إلى الحياة الزوجية فيعود المظاهر إلى زوجته بإمساكها، لأن المظاهر هو بين أحد أمرين: إما أن يمضي ويتركها في ظهارها ولا تحل له بعد ذلك، أو أنه يَحلُّ يمين الظهار، وجاء القرآن فماذا قال؟ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّاِ [المجادلة:3].

    ما معنى الظهار؟

    معناه: أن يقول لزوجته: (أنت عليّ حرام كظهر أمي).

    إذاً الظهار يُحرِّم وطء الزوجة.

    وهنا: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3]

    ولكن الله حييٌ يكني ولا يصرّح، كقوله في سورة أخرى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43].

    وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فهنا نص صريح بأن يكفّر عن يمين الظهار من قبل أن يطأها، ولم يقل: يتماسا ثم يكفر، فنجد هنا أن النص القرآني الكريم يقدم الكفارة على المماسة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4]، فيصوم شهرين حتى تتم الكفارة بالصيام، ولا يقرب زوجته حتى تتم الكفارة، ومن لم يطق الصيام فليطعم ستين مسكيناً، وهذا فيه تفصيلات لا يتسع المجال لذكرها.

    والذي يهمنا: التنصيص على أنه يكفّر (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، فلو أخذنا هذه الآية الكريمة وجعلناها شاهداً أو قرينة لا نقول: نصاً، فذاك موضوع وهذا موضوع، لكن التنصيص على تقديم الكفارة في نظيرها، ويستأنس به في تقديم الفعل -تقديم الكفارة- ووجدنا القرآن يقدم الكفارة على الفعل، ووجدنا (ثم) ترجح تقديم الكفارة على الفعل.

    يقول القرطبي رحمه الله: لا يجوز له أن يعود في الظهار قبل أن يكفر، فإن عاد قبل أن يكفر عصى الله.

    وعليه أن يكفر خلافاً لمن يقول: سقطت الكفارة؛ لأن الله قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3]، أفإذا وطأها من قبل أن يتماسا سقطت الكفارة؟ يعني: أعتدي وتسقط الكفارة؟ لا، بل يكون قد ارتكب إثماً وعليه الكفارة قضاء؛ لأن محلها قبل المجيء، إذا حلفت على يمين ووجدت غيرها خيراً منها، فلا تكن عنيداً مصرّاً على القطيعة، فهذا صديقك وهو أخوك وبينكما عشرة و(عيش وملح) وصداقة.

    وهذا الحلف له ما يفكه، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل للإنسان من كل ضيق مخرجاً، وكنت -منذ زمن- أقول: لا يوجد في الإسلام طريق مسدود.

    افرض أنه في ساعة غضب، حلف هذه اليمين، ثم بعد ذلك تأسف وندم، فهل يظل حبيس يمينه أو نجد له مخرجاً؟ الجواب: نجد له مخرجاً.

    والثانية أيضاً: قضية اللعان، رجلٌ رأى بعينه ما لا يصبر عليه الحيوان، ولكن السيف على رأسه، إن أتى ببينة أربعة شهود، وإلا جُلد ظهره، إن سكت سكتَ على غيظ، وإن تكلم خاف السوط على ظهره.. فماذا يفعل؟

    قال سعد بن عبادة : (أتركه وأمضي وأذهب وآتي بالشهود؟! -ويعود وقد حاجته ومضى- والله لئن رأيت لأضربن بسيفي)، وبعض الروايات: (بين فخذيها)، والذي يكون هناك يحصل السيف.

    إذاً: الطريق -فعلاً- مسدود، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل للزوج الذي شاهد المكروه من أهله مخرجاً، ولهذا لا يكون اللعان إلا بين الزوجين، أما إنسان اتهم بالزنا وقال: أنا ألاعن! لا، أو امرأة ادعت الزنا وقالت: أنا ألاعن، لا؛ لأنه لا يلحق الزاني أو الزانية معرة ما يلحق الزوج في زوجته.

    إذاً في هذا الحديث: إيجاد نافذة يخرج منها الإنسان فيما عليه في يمين ووجد ما هو خير له، ولا يحرم من الخير ولا يلزم بتلك اليمين، بل يأتي بما يفكها ويكفر عنها، وبهذا يكون قد تحلل منها، والله تعالى أعلم.

    الاستثناء في اليمين بقول: (إن شاء الله)

    قال رحمه الله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)، رواه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان .

    الشرح

    هذا الحديث جار على أسلوب العربية؛ لأن القرآن -وهو أصل هذا الدين الكريم- عربي، فأسلوبه يتمشى مع الأساليب العربية، وكذلك السنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أفصح العرب والعجم بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر)، يعني: جمع أطراف الفصاحة في أفصح قبائل العرب.

    كلمة (إن شاء الله) عند علماء اللغة دالة على الاستثناء، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، لأنك لا تدري ما الذي سيحصل؟

    والاستثناء عند علماء العربية له شروط:

    أولاً: أن يكون وقوع الاستثناء متصلاً بالكلام، كما لو قال شخص: والله لا أكلم فلاناً إن شاء الله. وإذا كان الفصل بشيء لا يؤثر غالباً، كأن يأخذ نفساً، أو يبلع ريقه، أو كحة، أو عطاس.. وغيرها من الأمور التي لا تأثير لها، ولا تعتبر فاصلة بين حديث وحديث، فهذا الاستثناء يظل معتبراً.

    لكن إن دخل حديث أجنبي عن موضوع المستثنى والمستثنى منه وفصل بين المستثنى والمستثنى منه؛ كقول أحدهم: والله! لا أكلم زيداً، أتدرون لماذا؟ لأنه فعل كذا وفعل كذا، وحاولت معه ووسّطت فلاناً، وكذا وكذا.. إن شاء الله، هل جاء هذا الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، أم أن بينهما فاصلاً أجنبياً عنه؟ فصل بينهما بأجنبي عنه، هذا واحد.

    الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.

    إذا قال: عليّ لزيد، مائة دينار إلا خمسة دنانير، فالمستثنى من جنس المستثنى منه.

    ولو قال: عليَّ لزيد ألف دينار إلا إردباً من التمر، فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، وجمهور علماء اللغة يقولون: هذا الاستثناء باطل ويلزم بالمائة كاملة؛ لأنه استثنى ما ليس من جنس الذي اعترض به، وبعض مُنصفي علماء العربية يقول: يصح ونقدر قيمة ما استثناه ونخصمه مما اعترف به، فلو قال: له عليّ مائة دينار إلا بعيراً، فالبعير ليس من الدنانير، فيقول هذا القائل من أهل اللغة: نقدر كم قيمة البعير؟

    فمثلاً: قيمة البعير خمسة دنانير، فيكون استثنى خمسة دنانير من المائة، لكن جمهور علماء العربية يقولون: لا، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه.

    الشرط الثالث: ألاّ يكون المستثنى أكثر من الباقي من المستثنى منه، كما لو قال له: علي مائة إلا ستين، فاستثنى من المائة ستين وصار الباقي أربعين، وهذا لا يصح؛ لأن الاستثناء وضع لرفع الأقل تداركاً.

    وعلى هذا: إذا تمت شروط الاستثناء كان صحيحاً واعتبر وعمل به، هذا من حيث الناحية اللغوية، والكتاب والسنة على هذا المبدأ، وإذا قال شخص: والله! لأعطين زيداً كذا أو لآخذن منه كذا إن شاء الله، فكلمة: (إن شاء الله) هنا أعطته مفتاح الباب، إن شاء بقي على ما حلف، وإن شاء فتح، وخرج من عهدة هذا اليمين؛ لأنه استثنى وعلقه على المشيئة، وهذا راجع لعلم الله وراجع لذات الله سبحانه ونحن ما عرفنا: شاء الله أو لم يشأ الله؟! لكن هل حنث في يمينه أو لم يحنث؟

    فإذا شاء الله أن يفعل وقع الفعل بالذات، وعرفنا أن الله قد شاء الفعل، وإذا طالت المدة ولم يفعل، عرفنا أن الله لم يشأ له أن يفعل.

    فعلى كل لا يهمنا في هذا الحديث أن الاستثناء في اليمين إذا استوفى شروطه نفعه، إلا أن بعض العلماء يقول: لا يصح الاستثناء في اليمين إلا بالمشيئة، لكن في بقية الحقوق لا مانع، فإن قال: له عليّ كذا إلا كذا، فهذا معتبر في المعاملات وفي الحقوق، لكن في الأيمان التعبدية والمنعقدة بين العبد وبين ربه تختص بالمشيئة... والله سبحانه وتعالى أعلم.

    صفة يمينه صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب)، رواه البخاري .

    الشرح:

    هذا بحث في صحة اليمين بصفات الله؛ لأنه مقلب القلوب هو الله سبحانه وتعالى، ومعنى تقليب القلب، هل هو مثل ما تقلب السلعة أو تقلب الحبل أو تقلب المروحة؟ لا، وإنما هو تصريفه؛ لأن القلب كما يقولون عضو صنوبري معلق في الصدر، فليس هناك تقليب، وإن كان لديه حركة لكن في محله لا ينقلب، ولكن الغرض من تقليب القلوب هنا، إنما هو التصريف المعنوي.

    وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2735548637

    عدد مرات الحفظ

    684463127