إسلام ويب

دروس الحرم [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    السبق

    مشروعية السبق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي ضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق).

    مسجد بني زريق كان وراء مسجد الغمامة من الجنوب الشرقي، وكان موجوداً إلى عهد قريب وشاهدناه، والحيفاء إلى الشمال جهة بئر عثمان، والمسافة ستة أميال.

    ما معنى الخيل المضمرة؟ العرب تضمر الخيل للسبق وللحرب، وتضميرها من الضمور، وهو أن تعلف مدة طويلة علفاً زائداً عن حاجتها لتسمن سمناً وافياً، ثم تشمس في مكان قليل الهواء، وتجلل، أي: توضع عليها الجلال ومع ضيق المكان، وعدم وجود الهواء، وكثرة الجلال يكثر عرقها، والعرق يخرج بفضلات الجسم، وتبقى عضلاتها، فهم يسمنونها، ثم يخففون سمنها بإخراج العرق منها، فتكون قد اجتمعت قواها وتخلصت من ثقلها الذي هو رطوبة الجسم، وغير المضمرة تأكل وتنام كعادتها.

    فهم يضمرون الخيل ويعدونها للجري؛ لأنها تكون أخف جسماً وأقوى، وتكون أدعى إلى السبق، وفي الحرب تكون أدعى إلى الصبر على الكر والفر، فهي أمسك من غيرها.

    ما يشترط في المسابقة

    ومن هنا قال العلماء: يجب في السبق أن يكون الفرسان من نوع واحد، فلا يصح السباق بفرس عربية أصيلة مع فرس غير عربية، ولا مضمرة مع غير مضمرة؛ لأن هذا فيه تفاوت، لكن تكون حقيقة القوة والمعادلة والسبق إذا كانا متساويين.

    وكذلك الفارسان اللذان يركبان يجب أن يكونا متقاربين في الوزن والثقل، وبهذا يتم لنا تحديد المسافة ونوعية الخيل، فإذا اختلف واحد من هذا فسد عقد السبق، ولا يجوز ذلك، والإبل ليس فيها تضمير.

    وبعض العلماء ألحق بالفرس كل ما له حافر، ويذكرون ذلك عن الشافعية، ويلحقون بالبعير كل ذي خف كالفيلة، ولكن المعهود عند العرب أنهم لا يقاتلون على فيلة، ولا يقاتلون على كل ذي حافر؛ لأن كل ذي حافر لا يصلح للكر والفر كالخيل، قال عليه الصلاة والسلام: (الخيل معقود بنواصيها الخير) .

    شروط جواز الجعل للمتسابقين

    فإذا كان نوع الخيل واحداً، والمسافة محددة في كل عقد مع الجنس، فهنا تبقى عملية السبق بينهما إذا جعل أحدهما الجُعل للسابق ولم يدفع الثاني شيئاً، فنفترض أن السبق بين اثنين، فالمال الذي يدفع جائزة للسابق، من أين يأتي؟

    إن كان من واحد منهما على أن من سبق منهما أخذه، فلا مانع، فإن سبق الدافع استرجع حقه، وإن سبق الآخر أخذه.

    أما إذا دفع كل منهما جزءاً، وقالا: الجميع لمن يسبق، فلا يجوز؛ لأنه قمار!

    وإذا جاء ثالث غيرهما وقال: تسابقا فمن سبق منكما فجائزته عليَّ، فلا مانع؛ لأنه ليس بين المتسابقين مقامرة إذا كان الأمر كذلك بإيجاد الجائزة من ثالث غير مشترك.

    الأئمة الثلاثة يقولون: أي واحد تدخل بينهم وتبرع بجائزة فلا مانع، ومالك يقول: لا يصح هذا التبرع إلا من ولي الأمر؛ لأنه هو الذي من حقه أن يأخذ من بيت مال المسلمين ويعطي، والجمهور يقولون: هو متبرع، وليس في ذلك غضاضة عليه.

    إذا لم يكن هناك ثالث تبرع بالجائزة، ولم يقبل واحد من الاثنين أن يدفع الجائزة بمفرده، وقالا: لا بد من مشاركة في الجائزة أنت تدفع النصف وأنا النصف، يقولون: إن جعلا محللاً بينهما جاز، ومن هو المحلل؟

    المسابقة الآن على خيل، وكلا الفرسين في الطرفين من جنس واحد، والمحلل شخص ثالث يدخل معهما بفرس من نوع فرسيهما ويكون من عادته السبق، وكلا المتسابقين يظنان أنه قد يسبق، ويعتقدان أنه يمكن أن يسبق، لا أن يكون عاجزاً وهما يعلمان أنه لن يسبق، لأن دخوله حينئذ سيكون شكلياً ما له قيمة؛ لأن السبق سيكون بينهما فقط، والثالث معروف أنه لا يسبق، فهذه حيلة لا تصح.

    فيشترط في المحلل الذي يدخل بينهما أن يكون نظيرهما تماماً، فإذا دفع أحد المتسابقين النصف، ودفع الثاني النصف الآخر، ودخل هذا المحلل على أساس أنه لو سبق أخذ الجائزة التي دفعها الطرفان، وإذا سبق واحد من الاثنين أخذها؛ لأنه يوجد ثالث يمكن أن يفوز بالجائزة، فهنا سلمت من المقامرة، هذا ما يتعلق بالسبق في الخيل والإبل.

    أما النصل، وهي: الرمي بالسهام، فيكون بين اثنين أو بين فريقين، خمسة مع خمسة، أو عشرة مع عشرة، أو أكثر أو أقل، فإن كان الرمي بين اثنين فبعض العلماء يقول: يوضع لكل واحد هدفاً مستقلاً، هذا يقف هنا وهدفه أمامه هناك، والثاني هدفه أمامه هناك، وبعضهم يقول: يبقى الهدف واحداً، ويرميان تباعاً لا في وقت واحد، فإذا حددت مسافة الهدف بين أطراف أصابع القدمين وهدف الإصابة؛ كذا قدماً أو كذا متراً تحددت.

    كم يكون الرمي مثلاً؟ قال: الرمي عشر مرات، كل واحد منهما يرمي عشرة أسهم، ثم يقولون: من أصاب بأكثر العشرة فهو الفائز، فكل واحد منهما يرمي عشرة أسهم.

    وننظر الأول كم أصاب من العشرة، والثاني كم أصاب، فمن كانت إصابته أكثر فهو الفائز.

    أو يقولون: الرمي من عشرة أسهم ولكن الفوز من إصابة خمسة، الذي يصيب خمسة من عشرة فهو فائز، فهنا يبدأ الفريق الأول يرمي إذا كان الهدف واحداً، وإن كانا هدفين فيرميان معاً، فإن أصاب أحد الفريقين الخمسة التي هي نصاب الفوز فاز، وإن أصاب الفريق الثاني الخمسة أيضاً تساويا، فلا جائزة، ولا يقال: نصلح بينهما، فالقرعة لا تدخل هنا، وإن كان الهدف واحداً فالأول يرمي إلى أن يصل إلى الخمسة، ثم يأتي الثاني ويرمي إلى أن يصل إلى الخمسة، ومن لم يصب خمسة أسهم من العشرة فليس بفائز، ومن أصاب خمسة فأكثر من العشرة فهو الفائز.

    وهكذا إذا كانوا جماعة، فريق من عشرة أشخاص، وفريق من عشرة أشخاص، والرمي من عشرة سهام، فكل فريق سيرمي مائة سهم، كم مجموع الفوز من مجموع الفريقين؟ نقول: الفوز بإصابة خمسين، سواء كان الفريق الأول شخصين أو خمسة أو أكثر، على حسب العدد المتفق عليه.

    إذا وصل الفريق الأول بإصابة خمسين سهم وصل إلى الفوز بالجائزة، وإذا وصل الفريق الثاني بمجموعه إلى أربعين أو إلى تسعة وأربعين، وليس بلازم أن يكون كل واحد من العشرة يصيب مثل بعض، ولو اثنين أصابوا الخمسين فهذا الفريق قد فاز، هذا ما يتعلق بعموم موضوع السبق بين المتسابقين.

    نعود إلى متن الحديث، وهو الحديث الأول: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من ثنية الوداع إلى الحيفاء ستة أميال)، إذاً: لا مانع من أن يكون هذا المقدار على هذا النوع من الخيل في المسابقة، وسابق بين الخيل غير المضمرة من الثنية إلى مسجد بني زريق، ومسافتها ميل واحد، والله تعالى أعلم.

    [وعنه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرّح في الغاية)].

    سابق صلى الله عليه وسلم بين الخيل، وفضل القرّح أي: الخالصة الأصيلة، يقال: ماء قراح، أي: صاف، وكذلك الخيل القرّح هي الأصيلة.

    ولأصالة الخيل عند العرب تاريخ، وهواة الخيل يجعلون سجلاً لولادة خيلهم، فإن كان عنده ثلاثون رأساً من الخيل من ذكور وإناث للتناسل، فعنده سجل يسجل فيه مواليد الإنتاج، ويسجل فيه سلالة الأم وسلالة الأب، الأم هذه من أين؟ أمها ما نوعها؟ وأم أمها من أين؟ ويتبع تاريخها إلى مدى بعيد، فإذا لم يدخلها هجين قيل عنها: قرّح، أي أنها من سلالة خيل صافية، وكذلك الأب، ويغلون أثمانها إذا استوفت الشروط، وهو أن تكون من سلالة خيل صالحة لم يدخل في نسلها هجن، فكان يفاضل صلى الله عليه وسلم بينها وبين غيرها؛ لأنها أقوى وأزهى وأنسب للسباق.

    لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر

    [قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر)].

    فـ(لا سبق إلا)، هذا الأسلوب عند البلاغيين يسمى: النفي والإثبات، وهو أقوى أنواع الحصر.

    (لا سبق): نفي جميع أنواع السبق، (إلا): إثبات للمطلوب: نصل، حافر، خف، فـ(لا) نفت جميع صور وأفراد وأنواع السبق، ولو قيل: (لا سبق) ولم يستثن لنفي كل سبق في أي نوع من الأنواع؛ لكن لما جاءت إلا وهي من أدوات الاستثناء، وقع الاستثناء، ويشترط أن يكون متصلاً وألا يفصل بين المستثنى والمستثنى منه بزمن طويل أو.. أو.. إلى آخره، فـ(إلا) تثبت بعض أفراد المنفي.

    وهذا الأسلوب أقوى أنواع الحصر، كما في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فلو أن إنساناً يقول: لا إله، فإنه يكون قد نفى جميع الألوهية، حتى نفى الألوهية عن رب العزة، أي: إذا قال: لا إله، فمعناه أنه لا يعترف حتى بألوهية رب العالمين، لأنه نفى جميع الألوهية، ثم تأتي (إلا) وتثبت الألوهية لله وحده.

    فـ(لا) نفي لجميع الآلهة، و(إلا) أثبتت المطلوب، وهو الله الواحد.

    فكذلك هنا، والحصر ينفي ما قبل إلا، ويثبت ما بعد إلا، وقد يكون هناك أدوات حصر أخرى مثل: (إنما) كان يقول: إنما السبق في كذا وكذا، والتقديم والتأخير، مثل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يعني: لا نعبد غيرك، ولا نستعين بغيرك.

    فهنا جاء الحديث بأسلوب النفي والإثبات وهو أقوى أنواع الحصر، فنفى السبق في كل شيء واستثنى من ذلك هذه الثلاث.

    إذاً: لا يجوز لأحد أن يدخل مع صاحبه في سباق لم يأت به نص، والنص إنما جاء بهذه الثلاث، فلا سبق في غيرها.

    كلمة: (لا سبق) عامة، بجعل وبغير جعل، لكن المراد هنا ما فيه المحظور وهو الذي بالجعل، أي: لا يجوز السبق بجعل إلا في هذه الثلاثة، وأما بدون الجعل في السباحة، أو في الجري، وفي جميع أنواع الرياضيات؛ فلا مانع في ذلك.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738873139

    عدد مرات الحفظ

    684558708