إسلام ويب

الهجرة النبوية [8]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    نزول النبي صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد وصل بنا الحديث عن الهجرة إلى وصول الركب المبارك إلى قباء وبناء المسجد بها، ثم النزول من قباء إلى المدينة، ومروره صلى الله عليه وسلم بأحياء الأوس والخزرج، وكلما مر بحي تلقاه أهله: هلم يا رسول الله إلى العَدَد والعُدَد والمنعة، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة).

    إرشاد الله لناقة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكان إقامته

    أشرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمر لما يُسخر الله إليه الناقة ليخرج من عهدة تحمل مسئولية مجاملة فريق على آخر، وهذا من الحكمة الإلهية.

    وأيضاً مما يشعر بأن الله سبحانه يجعل عند للحيوانات إدراكاً، ما جاء في الموطأ في باب فضل يوم الجمعة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها من فجر يوم الجمعة إلى غروب الشمس، فرقاً من الساعة)، فالحيوانات تعرف أن الساعة تقوم يوم الجمعة وتصغي بسمعها للنفخة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    وما جاء في نص القرآن الكريم من خبر الهدهد وما رأى عليه بلقيس وأصحابها، وجاء مستنكراً أنهم يسجدون للشمس والقمر ولا يسجدون لله.

    أيضاً في مقالة النملة: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    وهذه أمور يثبتها القرآن الكريم.

    إذاً: لا مانع من أن الله سبحانه يهدي الناقة إلى المكان الذي يريد الله أن يكون مقراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون على رسول الله لوم ولا مسئولية في أن يقدم فريقاً على فريق.

    وكان الأوس والخزرج كفرسي رهان عند رسول الله، إذا فعل الأوس مكرمة بادر الخزرج إلى أن يفعلوا مكرمة مثلها، ولما جاءت الناقة نزلت في حلة بني النجار وكان أعز حي في أحياء المدينة فبادر الناس هناك لرسول الله: في بيتي، عندي يا رسول الله، هلم إلى بيتي، وهو ينتظر ساكتاً، ثم التفت إلى ناقته ورحله فوجد الناقة بدون رحل، فقال: (أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: المرء مع رحله) فتكون المشكلة قد انتهت، ولا أحد يستطيع أن يقول: لماذا اخترت أبا أيوب؟

    قصة تبع اليمن وبناء بيت أبي أيوب الأنصاري

    من يقرأ كتب السيرة يجد روايات عجيبة لبيت أبي أيوب ، وإن اختلفت في سياقها فإنها تتفق في المغزى والمعنى.

    ما هو بيت أبي أيوب هذا؟ ومن أبو أيوب؟

    يقولون: إن أحد التبابعة من ملوك اليمن مر بالمدينة وهو في طريقه إلى أفريقيا، وبعض الروايات تقول: وكان معه مائة وثلاثون فارساً وضعف ذلك راجلاً، ومعه من أجل العلم والحكمة العدد الكبير، فلما وصلوا إلى المدينة تبايع أربعمائة من أهل العلم والمعرفة ألَّا يخرجوا من المدينة مع الملك، مع أنهم جاءوا معه وهم رفقاؤه.

    فسألهم الملك: علام امتنعتم؟ وعلام تحبون البقاء في هذه البلاد؟ قالوا: إن البيت -البيت العتيق- وهذه البلدة تتشرف ببعثة نبي آخر الزمان اسمه محمد، ونحن نقيم ننتظره.

    فأراد أن يقيم معهم ووثق من كلامهم.؛ لكن ما استطاع.

    تقول هذه الرواية: فبنى أربعمائة بيت لكل واحد بيتاً، واشترى أربعمائة جارية فأعتقهن وزوج كل واحد بجارية وأعطاه عطاءً جزلاً، وبنى بيتاً حتى إذا جاء النبي سكن فيه، وكتب كتاباً وختمه بالذهب وأعطاه إلى كبير هؤلاء العلماء والحكماء، وقال: إن أدركته أبلغه سلامي وأعطه كتابي، ومما كتب فيه:

    شهدتُ على أحمد أنه رسول الله خالق النسم

    ولو طال عمري إلى عهده لكنت وزيراً له وابن عم

    شهد بأنه آمن برسول الله، ولو أنه أدركه لكان وزيراً له، أي: معيناً مساعداً وابنَ عمه.

    وختم الكتاب وقال لكبير العلماء: إن أدركته فأعطه كتابي، وإن لم تدركه فأعطه لولدك، وولدك لولده، وولد ولدك لولده، حتى يصل إليه.

    تقول هذه الرواية أيضاً: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وصل الكتاب إلى رجل اسمه أبو ليلى، فذهب به إلى رسول الله في مكة، فلما جاء به قبل أن يكلمه قال: (أنت أبو ليلى ؟ قال: من أنت؟ والله ما وجهك بوجه ساحر، كيف عرفت أني أبو ليلى؟ قال: معك الكتاب كذا، قال: بلى) هذه رواية.

    والرواية الأخرى تقول: إن هذا الملك لما مر بالمدينة خلف ولده عليها ملكاً، ومضى في سبيل رحلته، ثم أتى موسم جني الثمار فذهب إلى حائط رجل وصعد على النخلة وأخذ يجني من رطبها، وهي ليست مِلْكَه، فجاء صاحب النخلة وضربه بالمنجل في رأسه فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبَّر.

    انظروا الحمية إلى أين؟! من أجل قليل من الرطب يقتل الملك عليها، وكما يقال: غمط الحق غصة، فليس هناك إنسان يقبل الظلم على نفسه، حتى الحيوان لا يقبل الظلم على نفسه، ولا يوجد إنسان يقبل انتهاب ماله وهو قادر على أن يرده؛ ولكن أما كان حقه أن يقول له: انزل، لماذا صعدت؟

    وفي عودة الملك وجدهم قد قتلوا ولده، فأراد أن يقتلهم جميعاً، فحاصرهم، فكانوا يقتتلون نهاراً ويكفون عن القتال ليلاً، وطال الحصار إلى أن نفد طعام الجيش المقاتل، فقال أهل المدينة فيما بينهم: هذا الجيش ما عنده طعام، وليس من الإنصاف أن نقاتل قوماً جياعاً في النهار، ونأوي إلى بيوتنا ونسائنا نطعم ونشبع ونستريح.

    فقالوا: نخرج لهم العشاء.

    فتعجب الملك وقال: والله ما وجدت مثل هذه القرية، نقاتلهم نهاراً ويُقْروننا ليلاً؟! جيش محاصِر يقاتل ولما نفد زادهم لم يقل عدوهم: الحمد لله غداً نأخذهم ونذبِّحهم. بل قالوا: نطعمهم ونقاتلهم.

    وأبت عليهم مروءتهم أن يقاتلوا عدواً يقع تحت وطأة الجوع، قالوا: ليست هذه مكافأة، مثل الفارس يقاتل راجلاً، فعليه أن يترجل مثله، أو يمهله حتى يجد فارساً يجول ويصول معه، وهكذا كانت شيمة العرب، الفارس لا ينازل إلا من كان عدلاً له

    فتعجب الملك من أمرهم؛ وبينما هو على تلك الحالة إذ خرج إليه حبران من أحبار اليهود بالمدينة، وسألاه: أيها الملك! ماذا تريد؟

    قال: أريد أن أنتقم لولدي وأستأصل أهل هذه القرية.

    قالا له: إنك لن تسلَّط عليهم.

    قال: ولماذا؟

    قالا: إنها مهاجَر آخر نبي؛ أيهاجر إليها وهي خراب؟! ليس معقولاً.

    ثم تكلما واستمع منهما، فوجد عندهما علماً، فاستأنس لهما وصدقهما.

    فلما خاطباه وسمع كلامهما، ووجد عندهما علماً، اتعظ وتنازل عن دم ولده، وسأل أهل العلم، وهذا هو الواجب على الملوك والرؤساء والزعماء والقادة: أن يرجعوا إلى العلماء؛ لأن عندهم هدى ونوراً من الله، وهذان كانا على كتاب وعلى دين سماوي.

    فقالا له: ارحل عنها، وابن بيتاً، فإذا جاء نبي ذلك الزمان لجأ إليه، فبنى بيتاً وكتب كتاباً.

    فسواء كان اختيار المدينة من الأربعمائة الذين تبايعوا وتعاهدوا على البقاء ينتظرون، أو كان بسبب قتل ولد الملك، المهم أن الملك بنى بيتاً وكتب كتاباً ودفعه لكبير العلماء أو لواحد من أبناء هذين الحبرين.

    وقالت الرواية الأولى: الأوس والخزرج من أبناء الأربعمائة.

    وقالت الرواية الثانية: أبو أيوب من نسل كبير الأحبار الذين بقوا في المدينة.

    فلما علم أن عندهما علماً قال: لابد أن تصحباني إلى بلادي اليمن، فامتنعا عليه، فقال: لا غنى لي عنكما، وأخذهما قسراً عليهما، فتبعاه.

    وتتمةً للفائدة: فإن هذا الملك وهو في طريقه إلى مكة خرج عليه رجلان من هذيل، قالا: أيها الملك! إنك قادم على مكة، ونريد أن ندلك على كنز بها، إن أنت أخذته أغناك الدهر كله.

    قال: وما هو؟

    قالا: كنز في جوف بيت العرب. يعنيان: اهدم الكعبة وخذ الكنز.

    فلما سمع ذلك دعا الحبرين وسألهما، قالا: أيها الملك! لقد أرادا هلاكك. غدراً بك، قال: ولأي شيء؟! قالا: إن هذا البيت هو البيت العتيق، أعتق من أيدي الجبابرة، ما تسلط عليه جبار إلا أهلكه الله، فأرادا لك الهلاك، وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر فأظهر لهما إذا أتياك قبولك والموافقة واصحبهما معك إلى مكة حتى يشتركان في الهدم.

    فلما وفدا عليه من الغد قال: جزاكما الله خيراً، دللتماني على كنز عظيم، ولا أريد أن آخذ الكنز وحدي، وحيث دللتماني عليه لابد أن تذهبا معي ونقتسم المال.

    فقالا: لا نريد منه شيئاً، هو لك وحدك.

    قال: عجيب! تدلاني على كنز ولا تريدان منه شيئاً، إذاً: الأمر فيه خيانة، وضرب أعناقهما.

    ثم سأل الحبرين: ماذا تشيران عليَّ إذا أتيت البيت؟

    قالا: تدخله متواضعاً لله وحده، وتكرم جيرانه، وتكسوه.

    انظروا يا إخوان! هاهم أحبار اليهود، وهاهو ملك المجوس وثني وهو في طريقه إلى الإيمان يعظم البيت ويسمع نصيحة العلماء في زمنه، فيدخل مكة متواضعاً، ويعظم حرمة البيت، ويكرم جيرانه، ويكسو الكعبة.

    وصدق الله العظيم: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران:96-97].

    فالبيت له رب يحميه من زمان قديم كما قال عبد المطلب: جئتك أطلبك إبلاً لي أخذه رجالك.

    قال: قد كنتَ عظيماً في نظري والآن صغرت، جئت أهدم بيت عزك وشرفك ودينك، فتترك الكلام معي فيه وتكلمني في إبل؟!

    قال: نعم. الإبل لي وأنا أطالب بها، أما البيت فله رب يحميه، لست أنا الذي أحميه.

    وما أشبه الليلة بالبارحة! ينادون بإنقاذ الحرمين، وجهلوا وعميت بصائرهم عن واقع الحرمين، هل الحرمان مقفولان؟

    الحرمان بلدان مفتوحان ليل نهار، والحرم في مكة مفتوح أربعاً وعشرين ساعة، والحرم في المدينة يُقفل ساعات من الليل، وما خلت الكعبة وقتاً من الأوقات من طائف لله، ففي كل وقت وفي كل أوان يأتيه رجال: وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] يطوفون ويسعون ويعتمرون.

    ولكن إذا أراد الله فضيحة شخص جعل فضيحته من طريقه هو، والمسجد النبوي ما خلا من زائر أو مُصَلَّ من مسلم على رسول الله وصاحبيه.

    لماذا هؤلاء الناس يأتون من جميع أقطار الإسلام، لماذا لا يوجد من قال كلمة ذم؟ بل العكس كلٌّ يعترف بالجميل، يرفع الواحد أكف الشكر لله أن يجد الحرمين في هذه النعمة، نسأل الله أن يديمها علينا وأن يتمها لنا.

    إكرام الأنصار وأبي أيوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    نرجع إلى بيت أبي أيوب ونزول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك البيت الذي بناه ذلك الملك لينزل فيه نبي آخر الزمان إذا هاجر إلى المدينة.

    ومن هنا يقول بعض العلماء تعليقاً على ذلك: نزل في بيته؛ ولم يكن لأحد منة عليه، وقد شاهدنا في أول الهجرة: لما قدَّم أبو بكر رضي الله عنه الرواحل ماذا قال رسول الله؟

    قال: (لا أركب بعيراً ليس لي، قال: هو لك يا رسول الله، قال: لا. الثمن، بكم اشتريتهما؟ قال: بثمانمائة، قال: هو عليَّ بثمنه)، فلم يقبل إلا مثامنة.

    ثم لما أراد بناء المسجد -على ما سيأتي أمره أيضاً تتمةً لهذه الجزئية- كانت الأرض ملكاً لرجلين: سهل وسهيل فقال: (ثامنوني عليها، قالا: خذها، قال: بل بالثمن، فاشتراها منهما بعشرين ديناراً ذهباً، دفعها أبو بكر رضي الله تعالى عنه في حينه)، وهذه من مكرمات أبي بكر.

    نزل صلى الله عليه وسلم بيت أبي أيوب، ففرح الأنصار بنزول رسول الله، وكان أشد الفرح من الحي الذي نزل فيه، وفي كل ليلة كان يجتمع على باب أبي أيوب القصعة والقصعتان والثلاث والأربع والخمس، كلهم يريدون أن يحصلوا على شرف وبركة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامهم.

    لما نزل صلى الله عليه وسلم نزل في الدور الأول، وأبو أيوب وأم أيوب في الدور العلوي، تقول الرواية: استيقظ أبو أيوب ذات ليلة، وقال لـأم أيوب: (كيف ننام في علوٍ رسول الله تحته؟!).

    انظروا يا إخوان! لا أحد يقول لي: حرام وحلال؛ أو دليله في كذا، فهذا إحساس وشعور بالتعظيم، وتكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشعور الإيمان، قال: (كيف ننام في علوٍ رسول الله تحته؟! يقول: فتجنبنا جانباً ونمنا إلى الصباح، ورواية أخرى تقول: انكسر حِبٌّ لنا -الحِب: الزير الصغير- فقمت أنا وأم أيوب فزعين، وعندنا قطيفة واحدة هي لحافنا، فقمنا نجفف الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله فيؤذيه).

    وسواء كان الإحساس الأول أو كان الخوف الثاني، فكل ذلك يدل على توقير وتكريم واحترام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (فلما أصبح الصباح غدوت على رسول الله وقلت: يا رسول الله! أما البارحة فلم أنم لا أنا ولا أم أيوب ، قال: وما ذاك؟ فذكر له إحدى الروايتين، وقال: يا رسول الله، أريد أن تكون أنت في العلو؛ لأنك يوحى إليك، ونحن نكون في الأسفل، قال: يا أبا أيوب في الأسفل أهون عليّ، وأرفق بأصحابي الذين يأتونني).

    انظر المراعاة إلى أين؟! قال: عندما أكون في الدور الأول يجيء الذي يزورني فيجدني أمامه؛ لكن إذا كنت في الأعلى احتاج الزائر إلى الصعود ففيها مشقة عليك وربما مشقة على أصحابي.

    قال: لا يا رسول الله، أنا لا أستريح أبداً وأنا فوق، فنزل على رغبته، وكان صلى الله عليه وسلم في علو البيت وأبو أيوب في أسفله.

    كان أبو أيوب رضي الله تعالى عنه إذا صنع الطعام يقدم القصعة أولاً لرسول الله، فيتناول منها ما شاء الله، ثم يأخذها أبو أيوب، يقول: ونتتبع مواضع يده التماساً للبركة، وفي يوم من الأيام رجعت إلينا قصعتنا ولم نرَ فيها أثر أكله منها، فقمت وصعدت حالاً: أستغفر الله وأتوب إليه يا رسول الله! ماذا فعلنا حتى غضبتَ علينا ولم تأكل طعامنا، فقال: (يا أبا أيوب ، ما غضبت عليك، وما تركته غضباً، ولكن فيه من تلك البقول -كان فيها كرَّاث ونحوه- فكلوا أنتم، قال: كيف نأكل ما لم تأكله أنت؟ قال: لستُ كأحدكم، إني أناجي من لا تناجون)، هنا عادت الفوارق؛ أنا ما آكل منها، ولا يليق لي أن آكل منها؛ لكن أنتم كلوا.

    إذاً: هناك أشياء تكون من خصائصه صلى الله عليه وسلم يُمنع منها وتُباح للأمة، كما يوجد العكس؛ فقد تكون هناك أشياء تباح له صلى الله عليه وسلم وتحرم على الأمة، ويسمونها الخصائص.

    مما أبيح له وحرم علينا: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50] وكذلك الوصال: (لستُ كأحدكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).

    إذاً: وبعد ذلك لم يضعوا له في الطعام من هذه البقوليات، وبقي في بيت أبي أيوب حتى تحول وبنى بيوتاً لزوجاته، وأول ما بنى لـعائشة.

    بناء النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد بالمدينة

    في هذه الأثناء لما نزل عند بيت أبي أيوب كان أمام بيته مكاناً يسمونه: مربد - وهو يقع عند مكتبة عارف حكمت وبعضهم يقول: البيت الذي هو مقابل المكتبة وبينهما الزقاق فقط، وبضعهم يقول: هو مكان المكتبة.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (لمن هذا المربد؟ قالوا: ليتيمين أو لـسهل وسهيل ابني عمرو ، فدعا بهما وجاء وليهما، وقال: ثامني على هذه الأرض -وقيل: مربد، وقيل: نخيل، وقيل غير هذا فقال: هي لك يا رسول الله، وأنا أرضيهما عنها بأرض بدلاً منها أو بقيمتها، قال: لا. ثامنوني عليها، فثامنوه واشتراها صلى الله عليه وسلم ودفع أبو بكر قيمتها عشرين ديناراً ذهبا).

    نحن في هذا المقام نعلق ونقول: هذه من مكارم أبي بكر، ولا يوجد مسلم يأتي يصلي في هذا المسجد إلا ولـأبي بكر فضل عليه وله أجر معه.

    بناء النبي صلى الله عليه وسلم لحجر أزواجه

    وبدأ صلى الله عليه وسلم وبنى أول حجرة شرقي المسجد، فقال أبو بكر لرسول الله: (بنيت الحجرة! لماذا لم تبن بزوجك عائش -وكان عقد عليها وعمرها سبع سنين وبلغت تسع سنين عندما دخل بها- قال: ما عندي ما أمهرها) أي: ليس عندي صداقها.

    وقد جاء عنه النهي عن أن يدخل الإنسان على المرأة قبل أن يدفع لها شيئاً، كما جاء في زواج علي بـفاطمة رضي الله تعالى عنهما أنه (لما خطبها قال له الرسول: ماذا تعطيها؟ قال: ليس عندي شيء، قال: أين درعك الحطمية، أعطها إياها.

    أما ماذا ستفعل بالدرع؟! فكما تشاء، تتملكه أو تبيعه أو ترده على زوجها، المهم أنه صداقها.

    فقال: ما عندك ما تمهرها؟ أنا أمهرها عنك.

    ودفع أبو بكر لـعائشة صداقها، وهنا نقف وقفة طويلة، فالرجل العاقل إذا وجد الزوج الصالح لابنته، فلا يتساهل في الشروط أو الطلبات فقط، بل يعينه بما يستطيع.

    ما المانع ما دام يجد الكفؤ لابنته، فهي ليست ما كثة عنده في البيت؟!

    عندما تدفع أنت وتشتري رجلاً طيباً وتطمئن إليه ويكرم ابنتك؛ أليس أحسن من أن تبيعها وتأخذ ثمنها وغداً ترجع عليك؟!

    ما أطيب السنة وما أجملها وأوسطها وأيسرها!

    ثم كان عليه الصلاة والسلام كلما تزوج امرأة بنى لها حجرة، وصارت حجرات زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرق إلى الشمال، وبيت حفصة من الجنوب.

    إلى هنا وصلت رحلة الهجرة إلى غايتها، ويمكن أن نعتبر ما تقدم الحديث عنه من أول تدبير النبي صلى الله عليه وسلم بنوم علي في فراشه، وإعداد أبي بكر الرواحل، والاتفاق مع ابن أريقط ، ومواعداته إلى الغار بعد ثلاث، كله بداية وتاريخ ومنهج الهجرة؛ إلى أن وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبدأ في بناء المسجد.

    1.   

    نتائج الهجرة النبوية

    تمت الهجرة؛ ولكن ما نتائج الهجرة؟

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مكة يقابل الوثنيين المشركين، وهم جبهة واحدة، وقوم سذج، بمعنى: لم تسبق إلى عقولهم أفكار: عقائد.. طرائق.. مناهج.. متعددة مختلفة؛ ولكن إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، ولذا كان الواحد منهم إذا تعقل وتروَّى ووضح له الحق سرعان ما يؤمن.

    عمر بن الخطاب عندما ذهب لأخته لينتقم منها لأنها أسلمت هي وزوجها، سمع القرآن فتحول وتغير، وقال: (دلوني على محمد)؛ كل هذا في لحظات.

    سراقة يدرك رسول الله في الطريق ليأخذه لينال الجُعل من الإبل، ففي أول النهار كان يطلبه وفي آخر النهار صار يحرسه.

    لماذا؟

    كان عندهم فطرة نقية سليمة، مغطىً عليها بغطاء الوثنية، وكان هذا الغطاء سهل الانتزاع.

    فئات المجتمع في المدينة

    حينما جاء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد المجتمع في المدينة مكون من يهود ومشركين، وهنا تعددت الجبهات.

    بعد أن وصل صلى الله عليه وسلم وبدأ يظهر سلطانه نبتت نابتة النفاق.

    إذاً: أصبح في المدينة ثلاث جهات؟

    · مشركون صرحاء.

    · ويهود. حاقدون وحاسدون.

    · وجنس مذبذب يعمل في الخفاء، في الظاهر لك وفي الخفاء عليك.

    وكان المنافقون أخطر بلا شك.

    إذاً: على الدارس أن ينظر كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم الموقف في المدينة من ثلاث جهات:

    الجهة الأولى: الجبهات المتعددة، كيف يوفق فيها، حيث أصبح في المدينة أربع فرق:

    1- يهود مستوطنون على حقد:

    مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:105] هذا موقفهم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:105].

    وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة:109].

    وبعد هذا كله: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [البقرة:111].

    أولاً: ما يودون أن ينزل عليكم خير؛ لكن الله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:105].

    ثانياً: نزلت الرحمة: فحاولوا أن يردوكم ما استطاعوا كفاراً حسداً منهم لكم.

    ثالثاً: جاءوا للتشكيك: قالوا: الجنة لا يدخلها إلا يهودي أو نصراني، وأنتم لن تدخلوها.

    هذا موقف اليهود.

    2- موقف المشركين.

    3- القلة المسلمة.

    4- نابتة النفاق.

    موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين في المدينة

    والعجيب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرخى العنان للمشركين، وتركهم مع المسلمين.

    ومن وقائع مواقف المسلمين مع المشركين: أن أحدهم بالأمس كان له صنم في فناء بيته، وكان يُعنى به ويعطره ويطيبه، ولم يكن ابناه قادرين أن يقولا لأبيهما شيئاً، وأرادا أن يلقناه درساً!

    ماذا يفعلان؟

    عمدا إلى هذا الصنم فنكساه ليلاً، فيصبح أبوهم فيلقى الصنم منكساً، فيغضب لهذا، فيعدِّله ويثبته.

    ثم طال الزمن وقال: أنا تعبت معك، لو أعلم من الذي يفعل فيك هذا لانتقمت لك؛ لكن هذا السيف عندك، من عدا عليك فانتقم لنفسك، فمن الغد لا وجد الصنم ولا وجد السيف.

    أخذا هذا الصنم وأخذا السيف معه وبحثا عن كلب ميت، وجاءا وربطا الكلب والصنم ورمياه في بئر معطلة، فلما أصبح لم يجده، فأخذ يبحث يميناً ويساراً حتى وجده، وأراد الله له الهداية. وكما قلنا: إن أهل الوثنية كانوا على الفطرة، لكن تحتاج من يقشع عنها الغشاء.

    فلما نظر قال: لو كنت إلهاً حقاً ما قرنت مع كلب ثم رده وغسله ووضعه محله؛ ولكن ترك عبادته، وقليلاً قليلاً تركه بالكلية، ورجع إلى صوابه وأسلم، فكان المسلمون مع المشركين وهم كلهم من جنس واحد ومن عائلة واحدة ومن قبيلة واحدة، كانوا يأتون ببعضهم وكان بعضهم يتبع بعضاً.

    مصعب بن عمير لما جاء المدينة قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بني عبد الأشهل، وجاء سعد بن معاذ فجلس هناك ومعه بعض الأشخاص، فقال سعد لأحد جلسائه: اذهب إلى هذا الرجل وقل له: (اذهب عنا لقد أفسدت علينا شبابنا) وكان ما زال على الشرك؛ فجاءه وتكلم عليه.

    فقال له مصعب: أوَ غير ذلك؟

    قال: وما هو؟

    قال: أن تجلس وأعرض عليك ما عندي، فإن قبلته فبها ونعمت، وإلا كففتُ عنك ما تكره.

    قال: أنصفت.

    لاحظوا العقل! حاكمه إلى عقله، فطلب منه أن يجلس فيسمع ثم يشاور عقله، فإن وجدت وصاحبه أيضاً عاقل قال: أنصفت، وركز رمحه وجلس يستمع، فلما عرض عليه الإسلام وقرأ عليه شيئاً من القرآن قال: نِعْم هذا! ونطق بالشهادتين ورجع لأصحابه.

    قال جليس سعد : والله لقد رجع إليك فلان بوجه غير الذي ذهب به عنك

    قال له: ماذا قلت؟

    قال: قلت له ما أمرتني به.

    قال: ما أغنيت عني شيئاً، ثم قام وجاء، إلى مصعب فقال له تلك المقالة.

    قال له جليسه: هذا سيد بني الأشهل، اصدِقِ الله فيه، وهنا رأس مال الداعية إلى الله، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، فلما جاءه أيضاً تكلم عليه واشتد في الكلام.

    قال: أو غير ذلك؟

    قال: وما هو؟

    قال: تجلس وتسمع ما أقول، فإن طاب لك فبها ونعمت، وإلا كففت عنك.

    قال: أنصفتَ.

    وركز رمحه وجلس، فلما سمع قال: ما أحسن هذا! ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟.

    قال: يغتسل وينطق بشهادة الحق.

    فذهب فاغتسل وجاء ونطق بشهادة الحق، وذهب إلى قومه ووقف وقال: يا معشر بني عبد الأشهل! ما تعلمونني فيكم؟

    قالوا: سيدنا.

    قال: كلامكم عليَّ حرام.. رجالكم ونساؤكم وكبيركم وصغيركم حتى تشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسول الله؛ فباتوا عن بكرة أبيهم مسلمين.

    ماذا فعل مصعب مع هؤلاء؟ صدَقَ الله فيهم، وأخذهم باللطف وأسمعهم كتاب الله.

    وهكذا الوثنية ما لم يكن فيها عناد، انظر إلى الوليد لما سمع القرآن قال: (والله إن لِكلامه لَحلاوة...) إلى آخر كلامه، ولكن العناد الذي حصل كان سببه كما قالوا: حملوا فحملنا، وأطعموا فأطعمنا، ثم قالوا: منا نبي، فماذا نقول نحن؟ فكان امتناعهم عناداً.

    فهذه الوثنية أمرها هيِّن؛ لكن الخطر كل الخطر، مِمَّن يحمل الحقد والحسد.

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة

    واجه النبي صلى الله عليه وسلم:

    قوة نجد، ويهود، وتوجد قلة مسلمة يحافظ عليها، ونبتت نابتة النفاق.

    لما وصل صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله بن سلام هو حبر اليهود وأعلمهم وأعلاهم نسباً، فلما سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وعرف أنه النبي حقاً، وشهد شهادة الحق، ثم قال: (يا رسول الله، إن اليهود يعلمون منزلتي فيهم ومكانتي؛ ولكنهم قوم بُهت، ادعهم وسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فدعا اليهود، قال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا.

    قال: ألا تسلموا؟ قالوا: لا، قال: وإذا كان عبد الله بن سلام قد أسلم!

    قالوا: حاشا لله، ولا يمكن أن يسلم!

    قال: اخرج عليهم يا عبد الله ، قال: يا معشر يهود! والله إنكم لتعلمون أنه النبي الحق والذي كنا ننتظر مجيئه، أسلموا تَسلموا، قالوا: أنت أكذبنا وابن أكذبنا، قال: يا رسول الله! هذا الذي كنت خائفاً منه).

    اختصام المهاجرين والأنصار في سلمان

    ممن بادر بالإسلام أيضاً: سلمان الفارسي ، بعضهم يقول: أسلم بعدما جاء الرسول إلى المدينة، وبعضهم يقول: أسلم وهو لا يزال في قباء أول قدوم النبي إلى المدينة، وكان على نخلة لسيده الذي اشتراه، يشتغل فيها ويجني رطباً.

    ولما سمع بوصول محمد صلى الله عليه وسلم جاء بشيء من الرطب، وقدَّمه وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك وعلى أصحابك، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا. وهو لم يأكل، فقال سلمان : هذه واحدة.

    ثم ذهب وجاء من الغد بمثلها، وقال: يا محمد! هذه هدية مني إليك، فأكل وأكلوا معه، فقال: هذه الثانية.

    فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمس يقول: هذه واحدة، وسمعه من الغد يقول: هذه الثانية. فلما أراد أن يدبر قال: هلمَّ يا سلمان انظر الثالثة، وكشف له قميصه عن خاتم النبوة بين كتفيه، قال: انظر الثالثة يا سلمان ؛ لأن في كتبهم أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويوجد خاتم النبوة بين كتفيه، فلما رآه سلمان أهوى عليه وقبَّله، وقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنك رسول الله.

    سلمان الفارسي -مثلما يقولون- مُنْتَهٍ أمرُه؛ لأنه أخذ يتنقل من فارس إلى العراق، وكلما جاء إلى أحبار وإلى علماء يرفعونه إلى غيرهم، حتى دفعوه إلى أحبار الشام، وأحبار الشام دفعوه إلى يثرب، قالوا: انتظره في يثرب فإنها دار هجرته.

    فجاء إلى المدينة ينتظر مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا حينما كان في غزوة الخندق وقسم النبي صلى الله عليه وسلم أهل المدينة إلى قسمين: راية للماهجرين، وراية للأنصار، اختلفوا في سلمان؛ المهاجرون يقولون: سلمان تحت رايتنا؛ لأنه آتٍ من الخارج، والأنصار يقولون: سلمان تحت رايتنا؛ لأنه كان موجوداً ينتظر رسول الله.

    ففض هذه الخصومة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (سلمان منا آل البيت). أي فخر هذا؟!

    هكذا واجه النبي صلى الله عليه وسلم تلك الطوائف المختلفة.

    1.   

    بناء الرسول لمجتمع المدينة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً

    حركة الهجرة من بلد إلى بلد تعتمد كثيراً على الناحية الاقتصادية؛ لأن مواردَ البلد حركةُ أهلها، فإذا استقدمت أشخاصاً واستقبلت العديد من غير أبنائها كان ذلك على حساب مواردها، والعالم اليوم عند هجرة كل شعب ينزل به ضيم ويضطر إلى الهجرة إلى جواره، أول ما يفكر فيه أهل البلد المضياف اقتصادياته وتأمين حاجيات المهاجرين؛ هذا أمر طبيعي، فكيف عالجت المدينة استقبال المهاجرين وموارد المدينة آنذاك أغلبها في يد اليهود: الصياغة والصرافة والزراعة والتجارة، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهون في شعير عند يهودي.

    وجابر بن عبد الله مات أبوه وهو مدين ليهودي.

    جاء اليهودي يطالب بالدين في أوسق من تمر، فقال له: خذ ثمرة البستان هذه، قال له: بل تكيل وترد لي الأوسق التي أخذها أبوك.

    لم يقبل أن يأخذ الثمرة كلها، ويقعد جابر كئيباً، حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ومشى في البستان ودعا بالبركة، فوفى اليهودي، فوفاه وبقي عنده الكثير.

    يهمنا أن المتحكم في الاقتصاد هم اليهود؟

    إذاً: كيف تعالَج هذه الناحية؟

    سيأتي معالجتها بالإخاء وصفاء النفس؛ وعفة المهاجرين، وبذل وإيثار الأنصار.

    بيَّن سبحانه في قسمة فيء بني النضير: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر:8] أخرجوا منها وليس باختيارهم ولا استطاعوا أن يحملوا منها شيئاً.

    مثال ذلك صهيب لما جاء مهاجراً وأدركته قريش وقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، والآن صرت ذا مال، وتريد أن تفوتنا بنفسك وبمالك؟!

    قال: لو دللتكم على مالي، أترجعون إليه وتتركونني.

    قالوا: نعم.

    قال: مالي دفنته في المكان الفلاني، ولما وصل بشره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح البيع أبا يحيى)، اشترى نفسه.

    لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا [الحشر:8] يقابلهم:

    وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9].

    يا إخوان! نحن نعاصر هذه الأحداث التي تعيشها دول الخليج العربي، ولنا إخوة من الكويت أخرجوا من ديارهم وأموالهم فعلاً، واختاروا ما شاءوا من جيرانهم سواءً من دول الخليج أو من السعودية أو غيرها، أعتقد أن كل إنسان يدرك أن لهؤلاء الناس حقاً فيما عنده بقدر استطاعته، والناس يتفاوتون في هذا المجال، لا نقول: الإيثار على النفس، ولا نقول: الشح والبخل والضن بما في اليد، بل علينا أن نساعد هؤلاء، فقد كانوا أغنياء في بلادهم، أعزةً في جماعتهم، أهل يسار في بيوتهم، وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

    إذاً: هذا الحدث أو هذا الموقف يذكرنا بما يجب علينا كإخوة في الله قبل كل شيء، ثم كإخوة في الوطن والعروبة والجوار، كل دواعي مكارم الأخلاق تدعونا إلى أن نقف بجانبهم وأن نساندهم.

    كان هذا الموقف مما واجهه النبي صلى الله عليه وسلم وواجهه المهاجرون مع الأنصار، فكان مجتمع المدينة قسمين:

    مهاجرون يتعففون، حتى إن الأنصاري كان يقول لأخيه المهاجري: هلم أقاسمك مالي، هلم أنزل لك عن إحدى زوجتي، فـابن عوف قال: بارك الله لك في زوجاتك، وبارك الله لك في مالك، دلني على السوق، وذهب يعمل.

    علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يمر على امرأة قد جمعت الطين والتبن وعندها البئر قالوا: ما بال هذه المرأة؟ قال: ما وجدت من يحمل لها الماء حتى تعجن هذا الطين لتصلح بيتها، قال: علام تؤاجرين الرجل، قالت: الدلو بتمرة، فملأ لها عدة دلاء، وأخذ عدة من التمر ورجع بها إلى رسول الله، قال: من أين هذا يا علي ؟ قال له: من كذا وكذا، فأكل معه منها.. يد عاملة، منتجة.

    إذاً: ما أشبه الليلة بالبارحة، هذه هي الناحية التي عالج بها الإسلام الموقف من الناحية الاقتصادية.

    أما الناحية السياسية في تلك الطوائف المتعددة فقد عالجها رسول الله بأقصى حكمة، فجمع الجميع وكتب كتاباً: (هذا ما تعاهد عليه الأوس والخزرج واليهود بالمدينة، كل قبيلة تحمل تبعتها -يتعاونون فيما بينهم- ولا تحمي قبيلة صاحبَ دخيلة ولا صاحب جناية، ومن آوى كذا فعليه كذا، والأمر في المدينة كذا، وما اختلفتم فيه فأمره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومما عاهد عليه اليهود: أن لا يعينوا عليه عدواً، وأن يعينوه فيما نابه)، أي: لا يتأخرون في المساعدة إذا لزم الأمر.

    وهكذا صارت كل الأحزاب والفرق الموجودة في المدينة ضمن معاهدة رسمية يرجع أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما من الناحية الأخرى بين الأفراد فقد آخى بين المسلمين.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.