إسلام ويب

الهجرة النبوية [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والأعمال التي قام بها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استقبل كأحسن ما يكون الاستقبال، وقيل في ذلك:

    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

    إلى آخر تلك الأبيات.

    بناء النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد

    قال أنس رضي الله تعالى عنه: (أقبل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فاستنارت وأنار منها كل شيء، وتوفي صلى الله عليه وسلم فأظلمت وأظلم منها كل شيء).

    استقر النبي صلى الله عليه وسلم ببيت أبي أيوب، ثم اشترى أرض هذا المسجد وبناه، ثم جدده بعد عودته من خيبر في السنة السابعة، ثم توالى التجديد عليه.

    وهناك بعض الجزئيات ربما يتساءل عنها بعض الناس في خصوص هذا المسجد نشير إليها إشارة خفيفة، بعد أن بينا ارتباط المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، في اختصاصها بشد الرحال إليها ومضاعفة الأجر فيها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها على ما هو مدونٌ في تاريخها.

    مما يتعلق بسؤال البعض وخاصة المالكية في مضاعفة الأجر في هذا المسجد، والحديث المكتوب على الجدار الأعلى في السقف في الواجهة هنا: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام).

    ويتطلع البعض إلى كلمة: (مسجدي هذا) ما حكم الزيادة التي طرأت على هذا المسجد بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ وتلك الزيادة بدأت من زمن عمر رضي الله تعالى عنه، ثم عثمان ، ثم بعد ذلك الخلفاء والملوك والأمراء، وقد وضح ذلك عمر رضي الله تعالى عنه حينما رأى بعض الناس يتجنبون الصلاة فيما زاده، وقد زاد فيه من جهة الغرب وجهة الجنوب، ولم يزد من الشمال ولا من الشرق، فقال لهم: (والله لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الزيادة ما زدته، ثم إن المسجد ضاق بالمسلمين ثم قال: والله إنه لمسجد رسول الله ولو امتد إلى ذي الحليفة).

    وبعضهم يذكر رواية: (ولو امتد إلى صنعاء) فهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضاعفة الصلاة موجودة لمن صلى في أي طرف من أطراف المسجد.

    واتفق العلماء على أن كل ما كان محجوراً بسور لا يدخل إليه إلا عن طريقه، فإنه من المسجد تصح فيه الجمع، وتنعقد فيه الجماعة، ويصح فيه الاعتكاف وله أحكام المسجد من تجنب الجنب والحائض.

    إبرام النبي صلى الله عليه وسلم للمعاهدات مع بعض الطوائف في المدينة

    ثم توجه النبي صلى الله عليه وسلم لبناء الأمة، وذلك كما أشرنا أنه صلى الله عليه وسلم واجه في المدينة تيارات متعددة بخلاف مكة، مكة كان أمامه فيها تيار الشرك والوثنية، وكانت أمة فطرية ساذجة قوية في عقيدتها، فإذا وجدت الحق سرعان ما انتقلت إليه، وتقدمت لنا النماذج والأمثلة في موقف عمر وحمزة وغيرهم.

    عمر يذهب إلى أخته وزوجها لينتقم منهم ويعذبهم على إسلامهم، فيخرج من عندهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه، وما ذلك إلا أنه سمع من كتاب الله وقرأ من الوحي المنزل شيئاً من سورة طه.

    وهكذا لما جاء مصعب بن عمير إلى المدينة مع أهل العقبة الثانية، وكان يزور الأوس والخزرج على مياههم وجاء إلى بني عبد الأشهل في العالية، وجاءه سعد بن عبادة وقال: اذهب عنا لا تفسدنّ علينا شبابنا ونساءنا وسفهاءنا، والحربة بيده، فما كان منه إلا أن قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تجلس وأسمعك مما عندي، فإن وجدت شيئاً تقبله فبها ونعمت، وإلا كففت عنك، قال: أنصفت -وهذا هو العقل- فجلس وقرأ عليه من كتاب الله، فما كان منه إلا أن شهد شهادة الحق.

    وجاء سعد بن معاذ وقال: ما أغنيت عني شيئاً، ماذا فعلت مع الرجل؟ قال: قلت له الذي قلت لي، فقال: لم تغن عني شيئاً، وجاء بنفسه وهو سيد القوم، فقال جليس مصعب : اصدق الله في هذا الرجل، فإنه إن يسلم يسلم قومه كلهم.

    فجاء متوعداً ومهدداً فقال له مقالته الأولى: تسمع فإن وجدت شيئاً يرضيك فبها ونعمت، وإلا كففت عنك؟ قال: أنصفت، فجلس وسمع من كتاب الله وقرأ عليه آيات؛ فما كان منه في الحال إلا أن قال: ما أحسن هذا! ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يغتسل غسل الجنابة ويتشهد شهادة الحق، فذهب واغتسل وتشهد وذهب إلى قومه وقال: يا معشر بني عبد الأشهل! ماذا تعرفونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وأميرنا، قال: كلامكم عليّ رجالكم ونسائكم حرام حتى تسلموا جميعاً، يعني: ذاهب يهدد ويتوعد فينقلب داعية إلى الله! كان الأمر عندهم عناداً، لكن الإقناع إن يسر الله كان سهلاً.

    لكن كان في المدينة أصحاب ديانة سابقة، وأصحاب حقد وحسد: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109] إذاً فيواجه عدواً لدوداً حاسداً حاقداً، والحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة التي عندك، والله سبحانه وتعالى يقول: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:105].

    فهنا وثنيون مثل الذين كانوا في مكة، لكن انظروا إلى اليهود فهم أهل كتاب، ثم نبتت نابتة نفاق، ويوجد أقلية مسلمة، فأصبح الآن جو المدينة مركباً من مسلمين قلة، ومن مشركين من العرب، ومن يهود من أهل الكتاب، ومن منافقين بين هذا وذاك، إذاً: كيف يواجه صلى الله عليه وسلم تلك التيارات ويضمن السلامة للقلة المؤمنة؟!

    كتب المعاهدة، ومن أراد من طلبة العلم أن يرجع إليها فهي في كتب السيرة لـابن هشام أو ابن كثير أو غيرهم، ومضمونها أنه صلى الله عليه وسلم جمع الجميع وقال: هذا كتاب محمد صلى الله عليه وسلم على أهل المدينة، أن كل قبيلة تحمل مسئوليتها، أي: أن كل فرد من قريش ومن لف لفها قومٌ ومن جنى منهم جناية فهم المسئولون عنه، والأوس قوم، ومن جنى جناية منهم فهم مسئولون عنه، وكذلك أهل الكتاب، وكل قبيلة حملها مسئولية بعضها البعض، أي: فإذا جنى إنسان جناية من قبيلة فقبيلته مسئولة عنه، يعقل بعضهم عن بعض، وهو الموجود الآن من أن دية قتل الخطأ على العاقلة.

    ومن جنى جناية أو دفيعة ظلم فلا يحق لأحد أن يخفيه ولو كان ولد أحدهم، وما تنازعوا في شيء فمرده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ العهد على الجميع بأن الكلمة والمرجع في إدارة المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن هنا: أمن شرور أولئك الطوائف وتلك الاتجاهات المتعددة، بعدما تم ذلك وأصبحت المدينة موحدة سياسياً.

    مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار

    توجه النبي عليه السلام بعد ذلك إلى بناء الأفراد، فآخى بين المسلمين، فآخى بين حمزة وزيد بن حارثة مولاه، ليس هناك شرف نسب ولا علو الحسب، فـحمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بينه وبين مولاه زيد بن حارثة ، وبينه وبين علي .

    الشاهد: آخى بين المهاجرين أنفسهم وبين المهاجرين والأنصار، وأصبحت تلك الأخوة بمثابة أخوة النسب، بل مقدمةٌ عليها إذا لم يكن الإسلام موجوداً، فلو أن شخصاً آخى بينه وبين شخص آخر وهما مسلمان، ولأحدهما أخ كافر، فإن الأخوين بالمؤاخاة في الإسلام يتوارثان، والأخ الكافر لا يرث أخاه المسلم، فحلت المؤاخاة محل النسب إلى أن نزلت آية المواريث: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:6].

    السؤال هنا: كيف سلك الإسلام طريق المؤاخاة وماذا جنى من ورائها؟!

    المتأمل في منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في المنهج العلمي، لإيجاد الأخوة بين أبناء المسلمين، ونتائج تلك الأخوة يجدها وحيدة لم توجد قبل الإسلام، ولم توجد أي طائفة ولا أي نظام ولا أية دعوة في العالم كله وصلت إلى ما وصل إليه الإسلام في تلك المؤاخاة، ولا جنى أحد من وراء أي مؤاخاة ولا ارتباط كما جنى الإسلام من تلك المؤاخاة.

    1.   

    الإنسان وفطرته المكونة من عنصرين

    ماذا فعل الإسلام؟!

    لكي نعلم ماذا فعل نجد أن الإسلام دين الفطرة، ولا يكلف الإنسان إلا بمقتضى ما افترض الله عليه؛ لأن الذي يطلب من إنسان خلاف فطرته يكلفه بشيء غير مستطاع؛ لأنك تطلب منه غير ما جبل عليه، تطلب من الحديد ذهباً؟ لا. تطلب من الرمال فضة؟ لا يمكن، لكن تطلب من اللبن جبناً، وتطلب منه زبدة؟ نعم؛ لأنها موجودة في ذاته، افعل الطريقة التي تخلص بها الزبدة من الحليب .. وهكذا.

    فطرة الإنسان في ذاته مكونة من عنصرين:

    العنصر الأول: العنصر المادي، الماء والطين، وهذا موجود من أول ما خلق الله آدم عليه السلام، حيث كان العنصر المادي من تراب: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ [ص:71] والطين: تراب وماء، ثم: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29].

    إذاً: الإنسان من أول ما خُلق خُلق من مادة وروح، وهكذا إلى اليوم وإلى ما شاء الله، كل مولود مكون من عنصرين: مادة وروح، المادة ترجع إلى أمور الماديات في الدنيا، طعام وشراب وزواج وتكاثر، والروح مرجعها: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85].

    كان منهج الإسلام على أساس هذا التكوين الفطري للإنسان، أما عنصر الروح فهذا كما قال تعالى: مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] وما دام أنه من أمر ربي فليس للبشر التصرف في الأرواح، فلا يستطيعون تكييفها وتمزيجها أبداً، ومردها إلى الله: (الأرواح جنودٌ مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).

    وكانت منحة وهبة وعطاء من المولى سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103] وقال: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63].

    إذاً جانب الروح موكولٌ إلى الله، والله سبحانه امتن على هذه الأمة وذكرها بهذا الامتنان وتلك النعمة: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103] إلى مائة سنة كما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (في حرب طاحنة ما وضعت أوزارها ولا توقفت رحاها إلا قبل الهجرة بخمس سنوات) وتقول أم المؤمنين رضي الله عنها: كانت تمهيداً لمقدم رسول الله فقد كرهوا حياة القتال، وكرهوا الحروب التي ظلت لمدة مائة سنة، يعني: يولد المولود فيها ويشب ويقاتل ويموت ويأتي ولده من بعده أيضاً شرير؛ إذاً: (كنتم أعداء) تلك العداوة سببها أمور الدنيا، لا يوجد دين يتقاتلون عليه، فالله سبحانه وتعالى امتن عليهم وألف بينهم وأصبحوا بنعمته إخواناً، تلك النعمة هي نعمة الإسلام حينما ذهب نفر منهم إلى الحج في موسم الحج قبل الهجرة وبعد البعثة، ولقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام فقبلوه، وقالوا: لا تسبقكم اليهود عليه، فكانت تلك النعمة أولى أبواب الرحمة التي فتحها الله لهم، وكانوا بنعمته سبحانه إخواناً.

    الجانب المادي: لو نظرت إلى الكون بكامله، لا تجد فيه فردا مطلقاً قط إلا المولى سبحانه وتعالى، فهو واحد أحد فرد صمد، أما ما عداه فهو مفتقرٌ إلى غيره.

    وكما يقول علماء الاجتماع: فالإنسان مدني بطبعه، يعني: طبيعته أن يعيش مع غيره، يتعاونون على أمور الحياة، وكما يقولون في العصر الحجري -أو ما قبله على ما يسمونه تسمية من عندهم- في أعماق التاريخ قبل أن يسكن الإنسان البيوت كانت الكهوف، والله تعالى أعلم، فكان يخشى الإنسان عادية الوحوش، فيتجمعون ليحمون أنفسهم، ثم جاءت الحراثة والصناعة، هذا يحرث.. وهذا يطحن.. وهذا يخبز.. وهذا كذا، إلى أن تعاون الأفراد في حياتهم، وأنت الآن تجد الناس من القمة من رئيس الأمة ومن أولي الأمر والخليفة والملك.. إلى رجل الشارع.. إلى البواب في عمارته وأبواب قصره، الكل يتعاون في حياته، لا الملك يستغني عن البواب عند الباب، ولا البواب مستغن عن الملك، هو يعطيه المكافأة، وهكذا الحياة معاوضة، إذا جئت إلى الكائنات الأخرى تجد المزاوجة ولا تجد الفردية، تجد سماء يقابلها أرض، بحار يقابلها جبال، تجد النباتات تلقيح ما بين ذكورة وأنوثة، حتى الكهرباء الآن سالب وموجب، ما في واحد منها يستقل بذاته.

    إذاً: التضامن والتآخي وجمع الأجناس أمرٌ كوني فطري يقوم العالم عليه، والقاعدة قبل هذا:

    الناس للناس من بدو وحاضرة بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خدم

    وكل محتاج إلى الآخر في أمور الدنيا، الروح من عند المولى سبحانه، بقيت أمور الدنيا يأتي القرآن الكريم فيرد الناس إلى الأصل ويربطهم بالمنبت الأول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الحجرات:13] ما قال: يا أيها المؤمنون، أو الذين آمنوا أو الأتقياء، بل (يا أيها الناس) عربكم وعجمكم، مسلمكم وكافركم، شرقيكم وغربيكم: إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13] ولذا يقول علي رضي الله تعالى عنه:

    الناس من جهة التكوين أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء

    وهذا التفاخر من جانب أمور مقاييس الحياة، والله قد جعل مقياساً ثابتاً فقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] وليست مجرد دعوى، ولهذا الأصل لو رد كل إنسان إلى أصله إذاً أنا وأنت أخوان، أنا وأنت أبونا وأمنا آدم وحواء وإن بعدت المسافة بيننا، لكن هناك خيوط مثل خيوط الشبكة، فكذلك كل فردٍ في العالم يجره خيط فيربطه بآدم وحواء.

    وجاءت قصة عن معاوية مع الأعرابي الذي دخل عليه وقال: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أعطيتني عطائي، فقال معاوية : رحم بيني وبينك وأنا قاطعه؟! قال: نعم، قال: والله أخطأنا، لكن لا أعرف رحماً بيني وبينك حتى أقطعه، وقد نسيت، فذكرني! قال: الرحم الذي بيني وبينك في آدم وحواء، فقال، نعم. هذا رحم ثابت، ما أستطيع أن أنكره وهذا يستحق الصلة، فكتب له بدرهم، وأخذ الكتاب وذهب إلى بيت المال وهو فرحان، فإذا ببيت المال يعطيه درهماً، فيقول: الخليفة يكتب العطاء بدرهم! قال: هذا الذي كتب لي، قال: ارجع إليه، فرجع وقال: ما هذا يا معاوية ! أنت بنفسك تكتب وتتعب نفسك لبيت المال بدرهم! قال: والله يا أخا العرب لقد سألتني برحم لو أنني وصلت هذا الرحم كله بدرهم ما بقي في بيت مال المسلمين درهم.

    ما قال له: ليس بيننا رحم، لكن قال: الرحم موجود ولكن العطاء بقدره.

    1.   

    الإخاء في ظل شريعة القرآن

    القرآن الكريم في تشريع الإخاء رد الأفراد إلى الأصل، فإذا كنت أنا أخاك وأنت أخي، إذاً أنا وأنت من أصل واحد، يبقى النتيجة أن نتآخى أو نتعادى، ثم جاء إلى هذا الأصل وأبعد عنه عوامل تقطيعه، ومن جانب آخر سلط عليه روافد تغذيه.

    وأنتم تعلمون في زراعة الشجرة أنه توضع بذرة صغيرة، ثم إنك تراقبها دائماً، وتنظر إليها إذا نبت نبات آخر فتأخذه، وإذا كان هناك حشرة حولها تقتلها، ودائماً تتعاهدها بالماء لماذا؟

    تحافظ عليها مما يضرها، وتمدها بما ينميها، وهكذا كل مشروعٍ في العالم.

    فهذه الشجرة شجرة الإخاء وجدنا القرآن الكريم يحوطها بسياج الحفاظ عليها، ويمدها بأنواع الغذاء الذي ينميها، ويحوطها مما يضرها، انظر إلى ألواح العداوة فيه كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) فحرّم الإسلام على المسلم دم أخيه وعرضه وماله، يعني: سدّ عليه أبواب النزاع؛ لأن النفوس لا تتشاح إلا في واحدة من هذه الثلاث.

    بل كما قيل: الضروريات الخمس، حفظ المال وجعل فيه حد القطع، وحفظ الأنساب وجعل فيه حد الرجم والجلد، وحفظ الأعراض وجعل فيه حد القذف، وحفظ الدماء وجعل فيه القصاص، وحفظ العقول فشرع حد الخمر، وحفظ الدين وجعل فيه القتل للردة.

    فحفظ على المسلمين كل ما به قوام وجودهم، فإذا حفظ عليهم أديانهم ودماءهم وأموالهم وعقولهم وأعراضهم وأنسابهم وأموالهم، وأصبح كل في حده لا يعتدي على الآخر، فلن يقع بين الناس نزاع.

    ثم يقول الله في هذا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11]، وأيضاً: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12]، فرتب ثلاثة أمور: لا تظن السوء بأخيك، وإن غلب عليك الشيطان وأدخل إلى ذهنك ظن السوء فلا تتجسس حتى تتأكد مما ظننت، فإن تجسست ووقفت على مكروه، فلا تنقل بذلك وتغتابه عند الناس.

    حفظ القرآن لدماء المسلمين

    كل ما سبق شرع لحفظ ما بين الأفراد من نوازع الشر التي تقع بينهم، وإذا تأملتم ما قبلها: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، سبحان الله! هذا الوقت الذي يأتي متزامناً مع مشكلة الخليج، لو أن العالم الإسلامي طبق هذه الآية، والله ما كنا في حاجة إلى هذا المأزق، وقد كتبت هذه المحاضرة سنة ثلاث وثمانين، وألقيت في الجامعة الإسلامية، وهذه الآية هيئة أمم إسلامية، وبوليس دولي من كتاب الله.. الطائفتان تقتتلان، نصلح بينهما، من الذي يصلح؟ محكمة عدل إسلامية.

    فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ، من الذي يقاتل؟ دولة ضعيفة؟ أم دولة واحدة؟ وهل تدخل في شئون الغير؟ لا، بل قوة من العالم الإسلامي تقوم باسم الإصلاح، فتكون هي التي تقاتل هذه الفرقة الباغية.

    لو كان هذا قد حدث في أول حركة لبنان، وكانت تخرج قوات من البلاد العربية والإسلامية وفيها قوة الردع لتردع الباغي، فلو أن العالم الإسلامي لمؤتمر مكة في عهد الملك خالد رحمه الله، تبنى الكويت هذا المشروع، وعرض على المؤتمر وأقر، لكنه ما حرك ولا خرج إلى حيز التنفيذ.

    فلو أن العالم الإسلامي عاد إلى كتاب الله وإلى تشريع رسول الله، وإلى ما جاء عن الله لمصلحتهم، والله ما احتاجوا إلى أحد بعد ذلك.

    (فقاتلوا)، إذاً: قتال الباغي واجب على المسلمين، لكن من الذي يقاتل؟ المعتدى عليه عاجز عنه، وهل دولة تتحمل هذا القتال؟ فإنها لا تقدر، ولا تستطيع، وقد يكون الباغي أقوى منها، وقد يكون ذلك من باب التدخل في شئون الآخرين، لكن باسم الأمة الإسلامية، وباسم ردع الباغي، وتمويل القتلا يكون على جميع الأمة الإسلامية، ويعسكر فيما تختاره الأمة العربية، ولا يكون خاضعاً لقيادة دولة معينة حتى لا يكون جيش احتلال.

    فلو نفذ هذا من تاريخ عام ثلاثة وثمانين إلى الآن، وهو ما يقارب حوالي تسعة عشر عاماً لانعكست الحال تماماً.

    إذاً يا إخوة: لو أخذنا هذه الآية: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [الحجرات:9]، ليس كهيئة الأمم يستخدم فيها حق الفيتو فينقض القرار العادل لمصلحة جهة من الجهات، لا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: لوجه الله، وتنفيذاً لأمر الله.

    صون القرآن للأعراض

    قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ [الحجرات:11] كأنه يقول بعد أن انتهى القتال مع الأمة الباغية، إن من أسباب القتال أو من تبعات القتال لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11] كأن السخرية تأتي بالقتال.

    وقال: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12]، وسوء الظن مع الآخرين يدفع للتجسس، والتجسس يحمل على الغيبة.

    رعاية الإسلام لشجرة الأخوة

    أيها الإخوة! حرم الله على المسلمين أفراداً وجماعات الاعتداء، وجعل كل عنصر من عناصر الحياة الحيوية الستة راجعاً عليها، فحفظ للأمة كيانها، ومن جانب آخر: جاءت الروافد التي تغذي تلك الشجرة العظيمة التي تستظل فيها شعوب العالم، انظروا إلى بداية السيرة النبوة، وبداية ظهور الإسلام، هل كان الإسلام عربياً؟!

    لا، فإن الله قد اختص واصطفى من العالم العرب، واصطفى من العرب بني هاشم، واصطفى من بني هاشم محمداً صلى الله عليه وسلم، ولكن هل جعله للقرشيين، أو للهاشميين، أو للعرب؟

    لا. بل للناس كافة، ولهذا وجدنا تلك الدوحة الرائعة بأغصانها المورفة، وظلالها الناعمة؛ يستظل فيها سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، بأي معنى من المعاني وصلوا لهذا؟ أبعرق القومية العربية، أو بعرق التربة والأرض؟ لا والله، إنما هو بإخوة الإسلام.

    ولما اختلف الأنصار مع المهاجرين بشأن سلمان في حفر الخندق، وذلك حينما جعل صلى الله عليه وسلم راية للمهاجرين وراية للأنصار، جاءوا في سلمان واختلفوا، هؤلاء يقولون: سلمان منا؛ لأنه مهاجر من بلاد الفرس إلى المدينة، وهؤلاء يقولون: لا؛ لأنه كان هنا ينتظر قدوم رسول الله حتى جاء، والرسول صلى الله عليه وسلم يفض النزاع بينهم، فيقول: (سلمان منا آل البيت)، بأي معنى يصبح من آل البيت؟ أبشهادة ميلاد؟ أم بحفيظة وبطاقة شخصية؟ لا والله، لا بعرق ولا بدم ولا بجن ولا بإنس ولا بشيء، إلا بالإسلام، ولهذا كان يقول:

    أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم

    ما رجع للعنصر الفارسي، بل قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه، ولذا قيل:

    لقد رفع الإسلام سلمان فارس كما وضع الكفر النسيب أبا لهب

    سلمان فارس رفعه الإسلام، والكفر وضع أبا لهب صاحب أعلى نسب في قريش.

    إذاً: جعل الله الروافد لتلك الدوحة ليستظل بها وينعم فيها جميع شعوب العالم، وتلك الروافد التي تغذيها كل يوم وكل شهر وكل سنة، بل وكل لحظة، كما قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، فتلتقي أنت وأخوك هناك، هذا في السوق الشرقية، وهذا في الغربية، وهذا في الشمال، وهذا في الجنوب، فإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أتيتم تسعون لذكر الله.

    في اليوم يعلن خمس مرات: حي على الصلاة.. حي على الفلاح، فيلتقي أهل الحي كل يوم خمس مرات، ويلتقي أهل القرية كل أسبوع مرة، ويلتقي أهل المدينة كلهم في كل يوم عيد فطر وأضحى، ويلتقي أبناء العالم الإسلامي في كل حج في عرفات ومنى، هذه كلها روافد تغذي تلك الشجرة، ويلتقي المسلمون في كل موعد من تلك المواعيد.

    ويأتي الصيام: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، لسنا نحن فقط بل نحن وغيرنا حتى يربطنا بالأمم الماضية، وكذلك الصلاة: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، وكذلك الزكاة حق للمسكين: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، تلاحم وترابط وتعاون وتعاطف.. يفرض الإسلام على الغني حصة من ماله (2.5%) للفقير المحتاج، أي نظام في العالم يربط الأفراد بعضهم ببعض بالمال إلى هذا الحد؟ لا يوجد، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، هم تطهرهم وهم تزكيهم؟ هل هذا المعنى المزدوج موجه لطائفة واحدة وهي المأخوذ منها المال، أم أنه غير موزع على الطائفتين المأخوذ منها والمأخوذ لها؟

    يقول المحققون من العلماء: إنها موزعة على طبقات الأمة الأغنياء والفقراء سواء؛ لأن الفقير حينما يرى المال عند الغني وهو محروم منه يحصل في قلبه حقد عليه، إذ كيف يأخذ المال ويتنعم به وهو محروم منه بالكلية؟ فإذا ما عدل الغني وأعطى الفقير حقه من هذا المال طابت نفسه وذهب منه الحقد.

    مثلاً: بستانك مثمر وجارك ليس له شيء، يرى النخيل يزهر، ثم يراه يرطب، ثم يراه يتمر، ثم تجنيه في الليل وتدسه في بيتك ولم ير منه شيئاً، ماذا سيقول؟ يقول لك: الله يحرقه عليك، يقول: إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر، لكن إذا كان موقفك أول ما تظهر الثمرة وتزهي أن تقول: خذ هذا العذق، وإذا أرطبت قلت: خذ هذا الصندوق، وإذا جنيت، نظرت كم وسقاً فيه، ثم أخرجت اثنين ونصف في المائة حق الفقير، ماذا سيكون موقف هذا الفقير من بستانك؟ إذا قام في الليل ورأى النار فيه، هل يقعد ينظر؟ بل يكون أسبق منك إلى إطفائها؟ إذاً حينما يأخذ الصدقة تطيب نفسه.

    رعاية القرآن للأخوة بالجانب المالي

    حادثتان عجيبتان في هذا الباب يُذكر بها الإخوة أصحاب الأموال؛ ليعلموا أن أداء حق الله هو الخير والبركة والحفظ والنماء.

    كلنا يقرأ في سورة القلم قصة أصحاب الجنة، قال الله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:17-28] يعني: تستثنون حق المسكين، أبوهم كان يخرج حق المساكين كل سنة، ولما مات استكثروه.

    فمنعوا الفقراء، فلما بيتوا النية كان أمر ربنا أقرب، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30].

    وانظر إلى الجانب الثاني في الحديث الصحيح: (بينما رجل يمشي في فلاة من الأرض إذ سمع صوتاً في السحاب يقول: اسقي حديقة فلان).

    سبحان الله! في قصة أصحاب الجنة: (طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم)، وهنا: (يا سحابة اسقي مزرعته)؛ فيمشي الرجل في ظل السحابة حتى توقفه على رجل قد أمطرت على أرضه ونزل الماء، وإذا برجل يحول الماء في حياضه، فأقبل عليه: يا فلان، فإذا به رجل غريب يعرف اسمه، فسأله عن اسمه وقال: أخبرني ماذا تصنع في مزرعتك؟ قال: لماذا تسألني؟ فأخبره، قال: إن كان كذلك فإني أقسم ثمرتها أثلاثاً، ثلث أدخره لي ولعيالي، وثلث أعيده فيها السنة الثانية، وثلث أتصدق به. قال: بهذا سقيت.

    الفرق بين الاثنين: أن حديقة أصحاب الجنة قائمة مثمرة منتجة، لكن لما بيتوا النية بأن يحرموا المساكين طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:19-20]، وهذا لما كان يعطي حق المسكين، كان المولى يتولى مزرعته ويسقيها.

    الآن بعض الآبار يبست، وهم يحفرون الآبار والماء غائر، أما هذه فيأتيها السقي من السماء.

    إذاً: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة:103]، تطهر بها قلوب الفقراء، فإذا أصبحت طاهرة وتوجهت إلى الله بالدعاء كانت حرية أن يستجاب لها.

    جعل الله الزكاة من روافد إمداد شجرة الأخوة في الإسلام لنمو وتقوية التعاطف بين المسلمين، ولهذا لما عطل الناس هذا المرفق، وسدوه عن شجرة أخوتهم تحول وجاء ما فيه مادة محرقة.. جاءت الاشتراكية، وقالوا: نحن شركاؤكم في هذا المال، وجاءت مبادئ هدامة أفسدت على الناس حياتهم الاقتصادية، والآن تبدأ روسيا تتراجع ويعلن رئيسها أنه يفكر في السماح للإنماء الفردي بعد تجربة طويلة استمرت أربعين أو خمسين سنة.

    فالزكاة من أقوى عوامل الإخاء؛ لأن عدم الزكاة تجعل الناس طبقات؛ واحدة في الثريا والأخرى في الثرى، لكن الزكاة تنزل من في علياء الثريا وترفع من في حضيض الثرى ويلتقيان معاً على صعيد واحد، نعم توجد مفارقة درجات، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] هذا نظام الحياة، لكن إذا حفظ الغني حق الفقير عنده طابت نفس الفقير ورضيت.

    وهكذا أيها الإخوة يأتي الصيام فتجوعان معاً وتجتمعان على منظر لا يوجد في العالم إلا في هذا المسجد النبوي، تمد السفرة ويجلس من لا يعرف بعضهم بعضاً إلا باسم الإسلام، والكل صائم لله ينتظر الله أكبر ويتناول الطعام، إخاء عملي، ممن بالمشرق ومن بالمغرب في هذا الشهر.

    ثم يأتي العامل المتكرر اليومي، يقول صلى الله عليه وسلم: (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وقال: (تهادوا تحابوا)، هذه الأخوة التي أوجدها الإسلام في الدنيا بين أفراده تصحبهم إلى أن يدخلوا الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]، حتى من كانت بينه وبين غيره حزازة وخصومة وحقوق في الدنيا زال عنه الحقد ونزع، وعادت القلوب إلى فطرتها، وأصبحت الصدور سليمة إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    ربط القرآن بين المؤمنين وغيرهم من المخلوقات

    هذه الأخوة -كما سمعنا من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه- لم تقف عند حد البشر، بل تعدت ووصلت بين حملة عرش الرحمن وبين مؤمني هذه الأمة، كما قال الله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُو [غافر:7]، يعني: أخوة الإيمان بين مؤمني هذه الأمة وبين حملة العرش رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:7-9].

    وهذه نصيحة للدعاة، وللإخوة الذين يدعون الآخرين فيما يمكن أن يرطب القلوب أو يفسح المجال، يمكن أن نقول: تلك الأخوة ربطت بين الإنسان والحيوان، بل أيضاً بين الإنسان والملائكة حملة العرش.

    وفي السير أن سفينة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان راجعاً من غزوة، فإذا بالأسد قد حاصر الناس على الطريق.. الأسد على الطريق ولا أحد يقدر أن يمشي، فقال: ابتعدوا، فتقدم إلى الأسد، وقال: أيها الأسد! أنا صاحب رسول الله قد عزمت عليك لتفسحن لنا الطريق، فما كان من الأسد إلا أن ابتعد وتنحى عن الطريق وتركهم يمشون.

    ويقولون: بعض الملوك في عصر من العصور جاءه بعض العلماء ينصحه، وكان قد تجاوز الحد، فكان من طغيان هذا الملك أنه أراد أن يقتل من نصحه، لكن لمكانة هذا الرجل أراد أن يتشفى بقتله، وكان عنده من أنواع الوحوش الشيء الكثير، فعمد إلى أسد من الأسود وجوعه ثلاثة أيام، ثم جاء بالرجل في ميدان ليطلق عليه الأسد ويرى هو وأعوانه كيف يفترس الأسد هذا الشيخ الضعيف، فلما جاء بالعالم إلى هذا الميدان، وعرف العالم مجيئه إليه قام يصلي، ثم وهو في حالة سجوده يأتي الأسد يدور حوله ويشمشم، وإذا به يأتي بجانبه يمد يديه، فلما سلم الرجل أخذ بدون خوف أو هلع!

    ثم قالوا له: بعدما رفعت من السجود رأيناك تفكر، ففيم كنت تفكر؟ قال: والله كنت أفكر هل لعاب الأسد طاهر أم نجس فيفسد عليّ صلاتي؟ قيل له: ما تفكر في الموت والخوف؟ قال: لا. ربي سبحانه وتعالى يحميني. فما الذي ربط بين هذا الأسد وهذا الرجل؟.

    ورابطة العبد بربه آخت بين الإنسان والجماد، أبو العلاء بن الحضرمي لما ذهب لفتح البحرين وعلم أهل البحرين أنه آتيهم حازوا السفن إلى جزيرتهم، وإذا به عند شط البحر ليس معه إلا سفينة البر وهي الجمال، فقال لأصحابه: إني عزمت على شيء. قالوا: ماذا؟ قال: نخوض البحر، لقد أراكم الله آية في البر وهو قادر على أن يريكم آية في البحر.

    وكانوا قبل ذلك وهم في الصحراء قد نفد ماؤهم وكادوا يموتون عطشاً، ينتظرون الموت، فإذا في القائلة يرون سحابة من بعيد تقصدهم، والسحابة ما دامت آتية فسوف تمر وتذهب، فلما أظلتهم أمطرت وشربوا وسقوا دوابهم، وملئوا أوعيتهم بحمد الله ومشوا.. تلك آية، فقال: إن الله قادر على أن يريكم آية كذلك في البحر. قالوا: على بركة الله. فتقدم قائدهم ووقف وخاطب البحر قائلاً: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله -إن القاسم المشترك بينهم أنهم كلهم لله- عزمت عليك لتجمدن لنعبر نقاتل عدو الله. ثم قال: اعبروا باسم الله.

    يقول ابن كثير في البداية والنهاية في إيرادها: ما ترجل الفارس، ولا احتفى المنتعل، وكأنهم يمشون في الصحراء، وعبروا وقاتلوا وانتصروا ورجعوا.

    إذاً: ارتباط العبد بالله، والمؤاخاة بين الفرد والآخر لم تقتصر على الإنسان والإنسان، بل امتدت إلى عالم الملائكة، والحيوان، فعليك أن تقوي صلتك بالله، وعليك أن تحافظ على تلك الأخوة بينك وبين إخوانك.

    أيها الإخوة الكرام: إن هذا المنهج العملي في الإسلام هو الذي يهمنا، وليس مجرد: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    ثم كيف توصل النظام الإسلامي إلى أن يوجد أخوة بين المسلمين؟

    أولاً: ردهم إلى أصلهم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13]، شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13].

    ثانياً: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103]، جانب المادة في الجسم حافظ على حقوقه وحرم الاعتداء على تلك الحقوق، وسلط روافد الخير التي تنمي وتغذي دوحة الإخاء.

    وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعلنا من المتحابين في الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.