إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الوديعةللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أصول الإسلام التعاون على البر والتقوى، ومما يدخل في هذا الأصل العظيم: حفظ الودائع، وهو من الأخلاق العالية والقيم النبيلة، وقد كان هذا الخلق محموداً عند الناس في الجاهلية فكان من محاسنهم التي أقرها الإسلام واستحبها لمن كان قادراً على القيام بأمر الوديعة، ولو تلفت الوديعة في يد المودع عنده فإنه غير ضامن؛ لأنه مؤتمن، ما لم يفرط أو يتعد، وللوديعة مباحث كثيرة يذكرها العلماء في كتب الفقه، وغالبها مباحث اجتهادية.

    1.   

    شرح حديث: (من أودع وديعة فليس عليه ضمان)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أُودع وديعة فليس عليه ضمان) أخرجه ابن ماجة ، وفي إسناده ضعف].

    تعريف الوديعة لغة واصطلاحاً

    نأتي إلى موضوع الوديعة.

    الوديعة في اللغة: من ودع الشيء. بمعنى: ترك، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] أي: ما تركك، يقول: دع عنك كذا، أي: اتركه عنك، وقالوا: إن الودعية متروكة عند المودع، وقيل: من الوداعة، والوداعة: السكون، (فأتوها وعليكم السكينة والوداعة والوقار) فإما أن تكون من الاستقرار والسكون عن التقليد والحركة بإيداعها عند المودع، وإما أن تكون من الترك، بأن تركها صاحبها مستقرة عند المودع، ومهما يكن أصلها في اصطلاح أهل اللغة فإن أصل الوديعة في الشرع: أن يجعل إنسان مالاً له عند غيره يحفظه له، ويقولون: إن عقد الوديعة عقد جائز، ولكل من الطرفين إنهاؤه متى شاء.

    الأدلة على مشروعية الوديعة

    وقالوا: إن الوديعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.

    أولاً: الكتاب: فقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] والوديعة أمانة.

    ثانياً: السنة: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ويدخل فيه الاستعارة والإجارة والوديعة: ثالثاً: والإجماع: أجمعت الأمة على ذلك.

    وهي مشهورة عبر التاريخ في الجاهلية والإسلام، فأما في الإسلام فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان موضع إيداع أهل مكة.

    يقولون: ما كان لإنسان شيء يخاف عليه إلا وأودعه عند محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ لأمانته، ولما أراد الهجرة خلف علياً رضي الله تعالى عنه لأمرين: الأمر الأول: التعمية على العدو، بأن المسجى تحت البردة هو محمد صلى الله عليه وسلم عليه وسلم؛ فينتظرونه.

    الثاني: الأمانات، فلما أراد الهجرة صلى الله عليه وسلم أودع تلك الودائع عند أم أيمن ، وكلف علياً أن يردها لأصحابها بعد أن يخرج؛ لأنه لو ردها قبل الخروج للفت الأنظار إليه، وكان من أهم عوامل نجاح الهجرة الكتمان.

    وأما في الجاهلية: ففي قصة السموءل مع امرئ القيس ، حينما أتى امرؤ القيس إلى السموءل وأودعه سلاحه، وذهب يجمع رجالاً وسلاحاً لقتال أعدائه، فشعر أعداؤه بذلك، فجاءوا إلى السموءل لأخذ سلاح امرئ القيس فامتنع، وقال: إنها وديعة وأمانة ولا أخفر الأمانة والوديعة. وكان محصناً في حصنه، فعجزوا أن يصلوا إليه، فوجدوا ولده خارج الحصن، فهددوه بقتل ولده إن لم يسلم سلاح امرئ القيس فامتنع، وقتل ولده على نظره وعينه ولم يسلم الوديعة والأمانة!

    حكم الوديعة

    لعظم مكانة الأمانة قالوا: إنها تستحب، وقد تجب إذا علم المودع أنه إذا لم يقبلها ضاعت، وهو أمين عليها، أما إذا وجد من يستقبلها غيره، أو رأى من نفسه الضعف، فخشي أن يفرط فيها إما بضياع، أو طمع فيها بأن تضعف نفسه أمامها؛ فلا يحق له أن يقبلها.

    إذاً: الوديعة أمانة، والوديعة: مال الغير يحفظه غيره، ويكون أميناً في ذلك.

    والحديث يتكلم عن جانب واحد من جوانب الوديعة: بأن المضمَّن لا يضمن؛ لأن يده عليها يد أمانة، والأمين لا يضمن، ولأنه أمسكها لحظ صاحبها لا لحظ نفسه، فهو غير متهم.

    وهناك جوانب أخرى متعددة في الوديعة، وابن قدامة رحمه الله أورد في المغني في مباحثها ما يقارب من خمس وثلاثين صفحة، كلها تدور حول تحقيق المناط في الضمانة، والضمان، وعدم الضمان، والأصل في ذلك: أن المودع لا يضمن ما لم يأتِ موجب الضمان: من تفريط أو تعدٍ، وسبق أن قلنا: إن موجبات الضمان في القوانين الوضعية وفي الأحكام الشرعية أحد الأمرين: التفريط أو التعدي، والفرق بين القتل الخطأ والعمد: أن الخطأ بسبب التفريط، والعمد بسبب التعدي العامد والعدوان، وهكذا كل من فرط في حق الغير ضمن، وكل من تعدى على حق الغير ضمن؛ لأنه فعل ما ليس له أن يفعله، فعلى الإنسان أن يحرص، وأن يأتي بالعمل على وجهه الكامل.

    تعدد مباحث الوديعة

    مباحث الوديعة طال بحثها عند الفقهاء: من الذي يحق له أن يودع، ومن الذي يستحق أن يستودع ويقبل الوديعة، صفة حفظ الوديعة عند المودع بين حفظها ومستوى حرزها، وإذا كانت تحتاج إلى إنفاق والمودِع ليس موجوداً فماذا يفعل؟! وإذا أراد السفر وخشي عليها، ولم يجد صاحبها ولا وكيلها فماذا يفعل؟! أيحملها معه في السفر وهو مظنة الإتلاف؟! أم يودعها عند غيره؟! وهل يضمن بإيداعها عند غيره أم لا؟! وإذا خلطها بماله وكان من جنسها: دارهم مع دراهم، دنانير مع دنانير، تمر مع تمر، زيت مع زيت؟! وإذا خلطها مع غير جنسها: بر مع شعير، وهكذا أيضمن في هذه الحالات أو لا يضمن؟ وإذا كانت في حرز، مثل: كيس أو صندوق ونحوه ففك رباط الكيس أو الصندوق، ولو لم يخرج منها شيء أيضمن أم لا يضمن؟ وكل هذه المباحث موثقة أو مفصلة في كتب الفقه كما أشرنا ذلك عن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى.

    وأهم ما ينبغي التنبيه عليه: أن الصناع سابقاً لم يكونوا يضمنوا؛ لأن الصنعة في أيديهم أمانة، ولكن في زمن علي رضي الله تعالى عنه لما كثر ادعاء الصناعة وتلف السلع ضمنهم، وقال: سداً للباب، وسداً للذريعة، فإذا علم الصانع أن موضوع الصنعة في ذهب أو نحاس أو خشب أو خياطه أو غير ذلك إذا تلف لا يضمن فرط، وإذا علم أنه يضمن بأي حال من الأحوال أتقن.

    تلف الوديعة

    لو ادعى المودع أن الوديعة تلفت بحدث عام كغرق أو حرق أو سرقة أو نحو ذلك، وادعى بأن الوديعة تلفت في هذه الأحداث! فينظر هل لديه بينة على وجود هذا الحدث من حيث هو، بصرف النظر عما تلف فيه، فإن أقام البينة على وجود ذلك الحدث برئ، فإذا قال: إن بيته قد أحرق -عياذاً بالله- وأحرقت الوديعة مع متاعه وماله، فلا يكلف البينة على أن الوديعة أحرقت بعينها، ولكن يكلف البينة على وجود الحريق في بيته؛ لأن هذه الأمور العامة لا تكاد تخفى، فيشهدها الجيران وغيرهم، وكذلك ما كان بعيداً عن الجيران، ويشيع أمرها في القرية، فإذا ادعى تلفاً بحدث عام كلف البينة على إثبات ذلك الحدث.

    وإذا ادعى أن الوديعة سرقت وماله لم يسرق ضمن؛ لأنه أحد أمرين: إما لا سرقة أصلاً، أو تفريط في وضعها في غير حرزها، ولماذا لم يسرق ماله معها؟! أما إذا ادعى بأنه وضعها في حرز ماله هو، بأن كان لديه صندوق في البيت يؤمن فيه أمواله فوضعها معها، فادعى أن الصندوق قد سرق، أو كسر وأخذ ما فيه، فحينئذ يقبل قوله، ويكون لا ضمان عليه.

    جحود الوديعة

    عند رد الوديعة هل يشهد على الرد أو لا يشهد؟!

    وإذا جاء صاحب الوديعة يطلبها فقال: لا شيء لك عندي، ولم تودعني شيئاً، ولم آخذ منك شيئاً. فلما ضيق عليه قال: هاه! نعم.. صحيح، أنت أودعتني ورددتها عليك. ضُمِّن؛ لأنه بقوله: رددتها عليك كذب نفسه في قوله: لم تودعني شيئاً. فأصبح خائناً كذاباً، والمؤتمن ليس بكذاب.

    أما إذا قال: وديعتي عندك. فقال: ليس لك عندي شيء، ثم قال: أنا أودعتك. قال: نعم أودعتني ولكن ليس عندي لك شيء؛ لأني رددتها عليك في الوقت الفلاني. فكلمة (ليس لك عندي شيء) تحتمل عدم الوديعة بالكلية، وتحتمل ردها إليه بعد الإيداع، فإذا قال ابتداءً: ما أودعتني، ثم رجع واعترف يكون ضامناً.

    ولو أنه أخذ الوديعة وتصرف فيها، ثم بعد زمن ردها إلى محلها، فهو ضامن إن تلفت، وتبرأ ذمته بردها إن أعادها في موضعها أو إلى صاحبها.

    سفر المودَع عنده

    إذا أراد السفر ووديعته عنده ماذا يفعل؟!

    عليه أن يبحث عن صاحبها أو وكيل له يسلمها إليه، سواء كان هذا السفر ضرورياً أو غير ضروري؛ لأنه له حق في ذلك، فإذا لم يجد صاحبها ولا وكيله جاء إلى الحاكم، وقال: عندي وديعة كذا، وأريد السفر، ولا آمن تركها في البيت، فيردها للحاكم، والحاكم مأمون على ذلك ويضعها حيث ما يحفظها.

    وإذا لم يجد الحاكم، أو كان الحاكم بعيداً عنه، فماذا يفعل؟!

    قالوا: إن نظر إلى أمين آخر يمكن أن يأمنه على ماله هو فأودعه إياها، فتلفت عند المودع الثاني، قالوا: لا ضمان عليه؛ لأنه في حالة ضرورة، وأودعها عند مؤتمن هو يأتمنه على ماله، فليس مفرطاً ولا متعدياً.

    أما إذا أودعها عند شخص عادي ليس معروفاً بالأمانة فتلفت، فهو ضامن؛ لأن صاحبها ارتضاه هو ولم يرتضِ هذا المودع الجديد؛ لأنه لا يعرف عنه شيئاً.

    إذاً: فالمباحث عديدة وواسعة في ما يتعلق بالوديعة.

    غالب مباحث الوديعة اجتهادية

    النصوص في أمر الوديعة قليلة، وكل أبحاثها اجتهادية، ومردها إلى هذا الحديث وإلى غيره من العمومات كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] وحديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) فهذه نصوص جانبية يؤتى بها في مباحث الوديعة، في ضمانها وفي ردها إلى صاحبها.

    من دقائق مباحث الوديعة

    ومن الدقائق في هذا الباب: ما يذكره الفقهاء: مِن أن مَنْ أودع وديعة فجاء صاحبها يطلبها، فقال: نعم، ولكني الآن جائع، وأريد أن آكل، فله المهلة، أو قال: نعم، ولكني الآن متعب وأريد أن أستريح؛ فله الراحة، أو قال: أنا الآن أكلت وامتلأت بطني، وأريد المهلة حتى ينهضم الطعام، وأستطيع أن أتحرك براحة، فيعطى المهلة.. وهكذا؛ لما له فيه مصلحة.

    أما إذا طلبها منه بعيداً عن موطنها، فمثلاً: أودعه بالمدينة ولقيه بمكة، وقال: ائتني بوديعتي، فليس له حق في تكلفته في هذا الوقت، وللمودَع عنده أن يقول: وديعتك حيث أودعتني بالمدينة.

    وإذا قال: إذا رجعت إلى المدينة فابعث بها إلي، فعليه أن يدفع مؤنة ردها وإرسالها؛ لأن مئونة إرسالها تابعة لها، وهي على صاحبها، ولا يكلف المودع بأجرة نقلها، قليلة كانت الأجرة أو كثيرة.

    وبهذا القدر نكتفي، ومن أراد الزيادة والتفصيل فليرجع إلى كتب الفقه، وهذا الذي نبهنا عليه وننبه عليه دائماً: أن على طالب العلم أن يجمع بين مراجع الفقه ومراجع الحديث، فالحديث أصل يرجع إليه في تطبيق القواعد، والفقه تفصيل الجزئيات فيما يطرأ على الموضوع أو يظن به.

    والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736981672

    عدد مرات الحفظ

    684500320