إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [1]

كتاب البيوع - باب الشركة والوكالة [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام يحث على عمارة الأرض من أجل عبادة الله فيها، ومن ذلك أنه حث على التجارة والتعاون فيها بأنواع الشركات، وهذه الشركات أقسامها كثيرة، وأحكامها عديدة، وترتبط بها أحكام الوكالة، والعلم بهذه الأحكام يبين سماحة الشريعة ويسرها وحكمتها.

    1.   

    معنى الشركة وأنواعها

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد باب الحوالة والضمان وأنواع المعاملات الشخصية: باب الشَرِكة والوكالة، ويقال: شَرِكة وشِرْكة، والشركة تنقسم إلى قسمين:

    شركة أملاك، وشركة عقود.

    فشركة الأملاك: كأن يرث جماعة عن مورثهم بيتاً أو أرضاً أو دابة، فهذه الأرض أو البيت أو الدابة شراكة بين الورثة، كما بيّن سبحانه في إرث الإخوة للأم: فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12] . وهذا النوع من الشركات لا دخل له فيما يبوب له الفقهاء؛ لأنه ملك ثابت على حصص مشاعة، والحصص معروفة: ربع، سدس، نصف، ثلثان، فهي عين مشاعة مشتركة بينهم.

    والقسم الثاني من الشركات: شركة العقود، وهي محل الدراسة في كتب الحديث وكتب الفقه وهي: أن يتعاقد اثنان أو أكثر على نوع من الاشتراك في عمل قابل للكسب والخسارة.

    في شركة الأملاك العين المشتركة بينهم ثابتة على ما هي عليه، ارتفع السعر أو نزل السعر هي بعينها موجودة، ولكن شركات العقود فيها الحركة والبيع والشراء والتصرف، فهي قابلة للربح بزيادة رأس المال وقابلة للنقص والخسارة بنقصان رأس المال.

    شركة العنان

    الشركة التي هي شركة العقود تفصيلها في كتب الفقه، ويقسمها العلماء رحمهم الله إلى خمسة أقسام، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.

    القسم الأول: شركة العنان، وقد أجمع عليها الناس، وهي أقواها وأكثرها تداولاً، وهي: أن يتساوى الشريكان أو الشركاء، ويشترك كل واحد منهم ببدنه وبماله، فيأتي هذا بألف ريال، ويأتي هذا بألف ريال، ويشتركان معاً في تجارة -بيع وشراء- أقمشة، مواد غذائية، سيارات، مصنع، عمل منتج، ويكون الربح شراكة بينهما، والمهم في أركانها أن كل الشركاء يعمل ببدنه ويُعمل ماله. فهذه الشركة أجمعوا على جوازها وصحتها، ولكنهم اشترطوا شروطاً تمنع النزاع عند تقاسم الأرباح، منها:

    أن يكون رأس المال من الجميع واحداً، بأن يأتي الجميع بدراهم، أو يأتي الجميع بدنانير، أو يأتي الجميع بريالات، أو يأتي الجميع بدولارات، لكن هذا يأتي بدنانير وهذا بدراهم أو هذا بريالات وهذا بدولارات، لا؛ لأنهم بعد نهاية العمل عندما يريدون أن يصفوا الشركة سيختلفون، هذا كان له ألف ريال وهذا كان له ألف دولار، وسعر الصرف للريال والدولار يختلف، واختلاف سعر الصرف هذا يكون لحساب من؟ فيخلتفون، لكن لما يكون رأس المال واحداً بصرف النظر عن المقدار، فلو كان هذا عنده دولارات، فصرفها ريالات وصارت خمسة آلاف ريال، والآخر عنده ألف ريال، فلا مانع، فالمجموع ستة آلاف ريال، فيعملان والربح على ما شرطاه، حتى بالمناصفة لا مانع، فقد يكون صاحب الألف بحذقه ومعرفته أفضل من صاحبه أبو خمسة آلاف، فتكون خبرته في البيع والشراء تعوض النقص في رأس ماله على ما اتفقا عليه.

    إذاً: يشترط فيها اتحاد رأس المال، ولا يشترط فيه التساوي. ويشترط أن يعمل كل منهما مع الثاني، فمثلاً فتحا محل (سوبر ماركت)، يحتاج إلى أكثر من عامل، فهذا على المكينة في الحساب، وهذا مع الزبائن يناول، ويأتيان بصبيان أجراء، وما لهم دخل في الشركة، والمهم أن أصحاب رأس المال يعملون، فهذه شركة العنان.

    ويشترط فيها أيضاً: معرفة رأس المال للكل، فلو جاء واحد وقال: خذ هذا المال شراكة، ولا ندري كم هو! فهذا لا يصلح، ولابد أن يكون رأس المال معروفاً للطرفين.

    ويشترط أن يكون رأس المال منهما حاضراً، فلا يقل أحدهما: رأس مالي دين عندي أو سأعطيك فيما بعد، فيصير رأس المال كله من جهة واحدة، فهذا لا يصح.

    وشركة العنان مأخوذة من عنان الفرس، ففي السباق يكون كل من المتسابقين عنان فرسه متعادلاً مع الثاني، ويكونان متساويان.

    وأنواع الشركات فيها تفصيلات كثيرة جداً في كتب الفقه، لكن نحن نريد أن نأخذ الهيكل العام، ثم نأخذ ما ساقه المؤلف رحمة الله عليه.

    شركة الأبدان

    القسم الثاني: شركة الأبدان، وهي اشتراك بالأبدان، وليس فيها ولا فلس، ليس فيها مال، مثل اشتراك اثنين بمجهودهما، مثل اشتراك قوي وضعيف، ارتضيا أن يكونا شريكين بما يعملانه بأيديهما، مثلاً قال أحدهما: يا فلان! أنا أعمل لحالي، وأنت تعمل لحالك، وبعض الأشياء تكون ضخمة وكبيرة وتتعبنا، فدعنا نشترك، أنت تجمع وأنا أجمع، ونكوّن انتاجاً واحداً، ونكون شركاء فيه.

    مثاله: جماعة ذهبوا يحتشون الحشيش، هذا يحش ويتبع الموجود هنا، وذاك يحش من هناك، وذاك من هناك، ويجمعونه كله، وهم شركاء في هذا المحصول، ومثله أن نصطاد، أخذنا سنانير، وأخذنا شباك، وذهبنا نصطاد بأبداننا بلا مال.

    وهذا النوع من الشركة يمنعه الشافعي رحمه الله، ويقول: كل منهما يعمل عملاً، فيجب أن يكون عمله لنفسه، هذا اجتهد وحصل شيئاً كثيراً، فكيف يأخذ الثاني من حصيلة هذا؟ فصاحب الجهد الكبير حقه أكثر، والثاني جهده قليل وحقه قليل، ولكن الجمهور يقولون: هذا جائز؛ لما سيأتي من حديث: اشتركنا يوم بدر.

    فشركة الأبدان جائزة عند الأئمة الثلاثة رحمهم الله، والهيكل فيها الأشخاص، حتى قال الحنابلة: لو اشترك جماعة بأبدانهم. في بناء عمارة، فأتوا بالحديد، وعملوا الصبة، واشتغلوا حتى أكملوها، فلا مانع.

    ولو اشترك أربعة في الصيد، وفي يوم من الأيام أحد الشركاء مرض، فذهب ثلاثة، فما حصل عليه الثلاثة فالمريض يشاركهم؛ لأنه شريكهم وتخلف بعذر، وإذا طال مرضه وطالبوه أن يقيم مقامه شخصاً آخر وجب عليه ذلك، فإذا جعل معهم رجلاً نيابة عنه فلا مانع.

    وإذا قال: والله! ما عندي أحد، ولا أملك إلا نفسي، فيقولون: إذاً فسخنا شركتك معنا، وبعد ما كانت الشركة بأربعة صارت بثلاثة.

    شركة المضاربة

    القسم الثالث: شركة المضاربة: وهذه الآن موجودة بكثرة، وشركة المضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهي: أن يكون المال من جانب، والعمل من جانب آخر.

    مثلاً: شخص يأتي بألف أو عشرة آلاف ريال أو أكثر أو أقل، ويعطيها لشخص متدرب يعرف ويحسن أعمال التجارة، فيقول له: خذ هذه اتجر فيها والربح بيننا، وعلى أي نسبة؟ على ما اتفقا عليه.

    إن قالوا: للعامل النصف، فيبقى النصف للثاني.

    وإن قالوا: للعامل الثلث، فيبقى ثلثان للثاني.

    وإن قالوا: ثلثان للعامل، فيبقى الثلث لصاحب المال.

    ولماذا على ما اتفقا عليه؟ قد يكون هذا الشخص العامل جيداً، ويمكن أن يفتح الله عليه، ويرزق الله الجميع على يده، ويستفيد صاحب المال وهو جالس في محله. فهذه شركة المضاربة.

    في شركة العنان الربح بينهما على ما شرطاه، والوضيعة والخسارة بينهما على قدر رأس المال، ما فيها شرط، كل دفع ألف ريال، فالخسارة بالنصف، والربح على ما شرطاه، والربح لا يتبع رأس المال، ولكن يتبع الشرط الذي يتفقون عليه، أما الخسارة فهي تبع لرأس المال، فإذا كان الأول دفع ألف ريال، والثاني دفع خمسة آلاف ريال، واتفقا على أن الربح مناصفة، فإذا حصلت خسارة فهل تكون مناصفة، الخمس وأربعة أخماس؟ تكون حسب رأس المال، فالأول دفع ألف ريال، والثاني دفع خمسة آلاف، فيكون السدس على صاحب الألف، والخمسة أسداس على صاحب الخمسة.

    ولو أحدهما دفع عشرة آلاف والثاني دفع أربعة آلاف، فيبقى أربعة من عشرة، هذا عليه أربعون في المائة من الخسارة، وهذا عليه ستون في المائة من الخسارة، وأما الربح فبحسب الشرط.

    وفي شركة المضاربة الربح بينهما على ما شرطاه، والخسارة كلها على صاحب رأس المال، والعامل لا يتحمل من خسارة رأس المال شيئاً، وهذا فيه عدالة، وليس فيه ظلم.

    فالخسارة كلها على رأس المال، والربح بالاشتراك.

    ولا يوجد في هذا غبن، إذا كان صاحب رأس المال حصلت عليه خسارة عشرة في المائة بعد سنة، فالعامل خسر جهده سنة كاملة؛ لأنه ليس له أجرة على صاحب رأس المال، إنما علاقته بهذا العمل، وما يحصل من الربح يأخذ منه حصته، وإذا ما حصل شيء من الربح فما له شيء.

    فإذا وقعت خسارة فالخسارة على صاحب رأس المال، والعامل يكفيه أنه لم يحصل على شيء، فيكونان متعادلين بلا ظلم ولا غبن.

    وهذه الشركة لها شروط منها: أن يسلم رأس المال، وأن يكون معلوم المقدار، وإذا شرط صاحب المال على العامل نوعاً خاصاً من التجارة فلا يصح، فقد يكون هذا النوع لا يمشي في السوق، بل اترك له الاختيار، لكن إذا نهاه عن نوع معين وجب عليه أن يمتنع، فإذا قال: لا تضع رأس مالي في ذي كبد رطب، فيحرم عليه أن يتاجر في ذلك، وإذا جعله فيه فهو ضامن. والمراد بذي كبد رطب: الحيوان، فلو اشترى ثلاثمائة شاة، وجلبها من المنطقة الشرقية إلى الغربية، وفي نصف الطريق مات نصفها، عطش أو تعب ومات، فمن يضمن هذا؟ هو قال له: لا تحطها في ذي كبد رطب، ثم هو حطها فيها!

    فتكون تلك الخسارة على العامل، والعامل لا يضمن شيئاً ما لم يتعد، فإذا تعدى في رأس المال أو فرط في حفظه فهو ضامن، وإذا لم يتعد ولم يفرط، وعمل عملاً عادياً، وكانت الخسارة بحسب حركة الأسواق فلا يضمن؛ ولهذا يقول الفقهاء: إن زيادة ونقصان السعر في الأسواق لا عبرة بها شرعاً.

    فهذا العامل الذي هو أحد الشريكين في المضاربة لا يتحمل من الخسارة شيئاً ما لم يفرط أو يتعدى. وفي نهاية مدة العقد إذا أراد صاحب المال أن يصفي الشركة أو أن يتحاسب ويعرف حصيلته؛ فعلى العامل أن ينضد التجارة، بأن يصفيها نقداً حتى يعرف صاحب المال قدر الربح أو الخسارة، وينبه مالك هنا على ناحية خطيرة جداً، وهي أنه لا يجوز أبداً أن يأتي صاحب رأس المال للعامل ويقول: نحن الآن في آخر السنة فما النتيجة؟ قال: أبشر، فيه خير كثير، والربح عشرون في المائة، فيقول صاحب المال: إذاً: جددنا العقد، فـمالك يقول: لا يصح هذا أبداً، بل لا بد للعامل أن ينضد التجارة، ويحضر رأس المال والربح، ثم يقول لصاحب رأس المال: هذا الربح بيني وبينك، ثم إن شاءا بعد ذلك جددا عقداً ثانياً أو اقتصرا على ذلك الربح.

    ولماذا لا يكتفي مالك بقول العامل لصحاب رأس المال: الربح كذا؟ لأنه يخشى أن تكون المسألة بالعكس، والخسارة عشرون في المائة، والعامل يغطي هذا على صاحب رأس المال من أجل أن يجدد عقداً آخر؛ ليعمل ويعوض، فيكون فيه نوع من الربا أو نوع من إكراه العامل على تحمل خسارة موجودة، فلا بد أن يأتي برأس المال، ويخبر صاحب رأس المال بالموجود، فيعلم هل ربحت تجارته أو خسرت، ثم بعد ذلك إن شاء عقد معه مضاربة جديدة، فهذا القسم الثالث هو شركة المضاربة.

    شركة الوجوه

    الرابع: شركة الوجوه: وهي ليس فيها فلوس، وليس فيها رأس مال، لكن فيها وجاهة، فيها ثقة، فيها شخصية معروفة بالسوق، فيأتي اثنان معروفان لأصحاب الأسواق الذين يبيعون بالجملة، فيقول: تعال -يا أخي- نأخذ أتعابه ونتسبب ونربح، أنا آخذ على وجهي وجاهي عند التجار، وأنت أيضاً تأخذ على وجهك وجاهك عند التجار؛ لأن العملة الصعبة الحقيقية عند التجار هي صدق الكلمة، وما يروج في سوق التجارات عند الناس مثل الصدق والكلمة الصادقة الوفية، فإذا عرف التجار من إنسان الصدق والوفاء، فلو أراد كل ما عندهم لأعطوه، أما اللف والدوران فهي عملة مزيفة، تلف وتدور قليلاً ثم تدوخ وتطيح، ولم يبق لكلمته أي معنى ولو في عشرة ريال، ولو أعطوه شيئاً فهي مجاملة أو صدقة.

    فإذا كان إنسان صادق الكلمة، وفيّ الوعد، أميناً في المعاملة، فجميع التجار يرغبون في التعامل معه، ولو تأخر عليهم الثمن شيئاً ما فلا مانع، فيأتي رجلان من هذا الصنف إلى التجار ويأخذان بضاعة منهم، ثم يبيعان ما أخذاه بجاههما من التجار، ثم يأخذان مرة أخرى ويبيعانه، وهكذا تسير شراكتهما على الوجاهة، ثم بعد هذا يؤديان الحقوق لأصحابها، ويقتسمان الربح على ما شرطاه، وإذا خسر فبقدر ما جمعه كل واحد منهما، هذا أخذ على جاهه عشرة آلاف، وهذا أخذ على جاهه عشرين ألفاً، فمن أخذ على جاهه شيئاً فهو ضامن له، فتكون الخسارة على قدر ما أخذاه، وكل منهما يسمى مدين بالتضامن، فكلاهما متضامن مع شريكه في تسديد الدين، فلو علم أصحاب السوق أنهما شريكان يأخذان على جاههما، ولحقهما دين؛ فلأصحاب السوق أن يطالبوا من شاءوا منهما؛ لأنهما مشتركين، فهذا شركة الوجوه.

    شركة التفويض

    القسم الخامس: شركة التفويض: ويمكن الكثير يعملها، يأتي إنسان صاحب مال لزميله أو جاره صاحب مال يقول له: يا فلان! نحن شركاء فيما عندنا، فوضتك في مالي، وفوضتني في مالك، فكل منهما يبيع ويشتري في ماله بالأصالة، وفي مال شريكه بالوكالة، وبدون تحديد: كم عندك؟ وكم عندي؟

    وبعض العلماء يمنع هذه الشركة ويقول: فيها ضرر، وقد يكون المال الموجود معلوماً لدى الطرفين، والبعض يقول: تجوز ما لم يدخلا فيها كسباً نادراً أو غرامة نادرة، والكسب النادر مثل الميراث، فالأول يعلم أن عنده في دكانه بضاعة مثلاً بخمسة آلاف ريال سواء اتحدت البضاعة أو اختلفت، والثاني عنده بضاعة بعشرة آلاف، وتفاوضا مفاوضة مطلقة في كل ما يملكان، فإذا ورث أحدهما مالاً في أثناء الشراكة، فهل يدخل الميراث في هذه؟

    لا، وإن دخل فيها أبطلها؛ لأن التعاقد كان على الموجود المعتاد، ولو أن أحدهما صارت عليه غرامة، وقعت حادثة ولزمته غرامة، فما دامت شركة مفاوضة فإنه يأخذ من ماله ومن مال شريكه، والشريك ما كان متوقعاً مثل هذه الغرامات النادرة فتبطل بهذا.

    هذه أنواع الشراكات الخمسة، وكتب الفقه فصلتها على حسب موضوع الكتاب وسعته واختصاره، فقد تجد كتاباً من مراجع الحنابلة (كالروض المربع) مثلاً يجملها كلها في ورقتين، وتجد (المغني) مثلاً يفصلها في خمسين أو ستين صفحة، وتجد (المجموع) أيضاً توسع في جزئياتها واحتمالاتها، وذكر لها تفريعات على أصولها.

    ونحن بعد هذه المقدمة لأنواع الشركات نرجع إلى الأحاديث التي في الباب، ونأخذ مدلولها وما ينطبق منها على تلك الشركات الخمسة، فما انطبق عليها فالحمد لله، وما لم ينطبق عليها فنرجع إليها في كتب الفقه.

    ومهما يكن من شيء، فلا يمكن أبداً أن نفقه موضوع الشركات من كتب الحديث، ولا حتى من (فتح الباري) ولا غيره، إنما يفهم ذلك من كتب الفقه والتفريع، لأنها تخرج الجزئيات على الكليات، والفروع على القواعد، وتذكر الأمثلة الكثيرة، فرحمة الله على الفقهاء.

    1.   

    شرح حديث: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه...)

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما)رواه أبو داود وصححه الحاكم ].

    هذا الحديث صدر المؤلف رحمه الله به الباب، لا لنوع من أنواع الشركات الخمسة، وإنما لإطار الشركات كلها، ففيه حث للشركاء على الأمانة والصدق، وتحذير لهم من الخيانة والكذب، يقول المولى سبحانه: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما)، فالله لا يكون مع الخائن.

    معية الله

    ربما يتطلع الكثير إلى معنى: ثالث الشريكين وأقول: أرح نفسك، فهذا من مواطن العقيدة، ومواطن العقيدة ليست قواعد فقهية وإنما هي مبادئ اعتقاديه، وقد قال سبحانه وتعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7]، وقال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، وقال: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، وقال: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، وهذه المعيات حيرت علماء العقيدة، وحيرت حتى السلفيين؛ لأن السلف يقولون: نحن لا نئول آيات الصفات، مثل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وكما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ [الفجر:22]، ونقول كما قال الله، ونقول: هي على مراد الله، لكن المعية أولوها وقالوا: المراد بالمعية: معية علم ونصرة وتأييد كما قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه:46].

    ويتعين على طالب العلم أن يتضلع من علوم العربية، كما أنه يذهب إلى مكة ويتضلع من زمزم.

    وينبغي أن يعلم أحكام علم الوصل والفصل، ومجيء الجمل متتالية، فإن كانت الجملة الثانية معطوفة بالواو فهي بعيدة عنها مغايرة لها، وإن كانت بدون عطف الواو فهي عينها أو جزء منها أو مفسرة لها، فقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] لم يقل بعدها: (وصراط الذين)، بل قال: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، فيكون الصراط المستقيم هو صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7].

    وكذا قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، لم يقل بعدها: (والذين يؤمنون)، بل قال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فيكون الذين يؤمنون بالغيب هم عين المتقين.

    وكذلك هنا لم يقل: إنني معكما وأسمع وأرى، بل قال: مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، فيكون قوله: (أسمع وأرى) تفسير لقوله: (معكما)، كما أن الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] تفسير (للمتقين).

    وهكذا علم البلاغة يكشف لنا كثيراً من الغوامض في كتاب الله، ولما سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى [المجادلة:7] ما معناه؟ وكيف يكون؟ قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، قال: بدأها بالعلم، وختمها بالعلم، فيكون المعنى: معهم بعلمه، وليس هذا من باب التأويل، وصرف الصفة عن معناها، ولكنه تحقيقها وتنزيلها على ما جاء به كتاب الله؛ لأن الله جعله قرآناً عربياً.

    (أنا ثالث الشريكين)، لا تتعب نفسك وتقول: كيف يكون ثالثهم؟ وهناك شريكان آخران فكيف يكون ثالثهم؟ وهناك شريكان أيضاً فكيف يكون هو ثالثهم؟

    العلماء يقولون: (أنا ثالث الشريكين) بمعنى: من كان الله شريكه فإنه ولابد يربح، فالمعنى: وفقهما، وبارك لهما، وأربحهما في تجارتهما، والذين يخرج من بينهم رب العالمين سيكلهم لأنفسهم ويخسرون، فهذا هو المعنى الكلي، ولا تجهد نفسك في مسائل العقائد، ولا تحاول أن تتعمق فيها، ولن تحصل على شيء.

    إذاً: الشركة يكون مبناها على الأمانة، وكما أسلفت أن العملة الصعبة في العالم كله في عالم التجارة هي الكلمة الصادقة، والوعد الوفي، والأمانة، فإذا وجدت هذه الثلاثة في إنسان أياً كان ولو لم يملك إلا درهماً واحداً فهو يملك السوق كله، وإذا فقدت هذه الصفات ولو كان رصيده الملايين أو المليارات فإنه لا يثق التجار بكلماته.

    إذاً: هذا حث على صدق التجارة والأمانة والوفاء، وقد ذكرت لكم قضية الحديد المستورد من إيطاليا لرجل من جدة، هذا وهم كفار، ونحن أحق بهذا الوفاء منهم، وهم لم يفعلوا ذلك ديانة، ورجاء مثوبة عند الله بل من أجل الربح؛ لأن من يسمع عنهم بمثل هذا لن يستعيض عنهم أحداً أبداً، ويكون دائماً يتعامل معهم.

    1.   

    شرح حديث السائب (أنه كان شريك النبي قبل البعثة ...)

    قال رحمه الله: [ وعن السائب المخزومي رضي الله عنه: (أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحباً بأخي وشريكي)رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة ].

    السائب كان شريكاً للرسول قبل البعثة، وجاءه في عام الفتح فقال: (مرحباً بشريكي، ما كنت تماريني ولا تداريني).

    نشرح هذا الحديث على الهدوء وعلى الراحة، وننظر إليه بمناظير بعيدة: (مرحباً بأخي وشريكي) كان شريكه في الجاهلية، فأول فائدة من هذا الحديث أن الرسول اشتغل بالتجارة، وقد اشتغل أيضاً برعي الغنم. يقولون: النماء الاجتماعي يكون إما بالصناعة أو بالزراعة، فما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم إنه اشتغل بالزراعة، فمكة أرض غير زراعية؛ ولهذا لما جاء المدينة، ورآهم يوءبرون النخل، أشار عليهم أنهم لو تركوه فلعله يثمر فتركوه فصار كله شيص!ً، فهو ما جرب زراعة، وهذه أمور دنيوية؛ ولذا قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم مني).

    ورعي الغنم نوع من التنمية، وفيها حكمة، فالغنم حية، وهل كلها تمشي على وتيرة واحدة مثل جهاز ميكانيكي؟ لا، بل واحدة تمشي يمين وواحدة يسار وواحدة تفر واثنتان تتناطحان، فهي أمة، ومن أحسن وأتقن سياسة الغنم فيمكن أن يحسن سياسة بني آدم، فرعي الغنم تدريب له، ويعود على الرفق والحرص على المصلحة، فإنه يبحث لها عن المرعى الخصب، ويحرص على مواعيد سقيها، ويهشها بعصا صغيرة جداً، ثم إذا ولدت وأنتجت الغنم أخذ ولدها بين يديه، وهذا بخلاف رعاة الإبل فما يسوقها إلا بعصا كبيرة، وترى الجمل رافع رأسه فوق، ولازم يرفع رأسه إلى أعلى؛ ولهذا فأهل الإبل هم أهل الكبر والخيلاء، وأهل الغنم هم أهل الوديعة والسكينة، فراعي الغنم يعلم بسياسة الإدارة للأمة، ويحرص على الجماعة، ويكتسب الرفق والرحمة، ويسعى لمصلحة الضعيف، وكل ذلك كان عند رسول الله، فهو مكتمل الأخلاف عليه الصلاة والسلام.

    وأهم شيء في التجارةصدق الكلمة، والوفاء بالعهد، والأمانة، وكل ذلك ظهر منه صلى الله عليه وسلم، ولما سافر في تجارة لـخديجة مع ميسرة ، أكرمه الله بالربح الوفير، فكان ماهراً في التجارة.

    وأقول: ينبغي لطالب العلم أن يكون ذا مهنة، وأن يكون ذا اتجاه منتج، إن كان عنده رأس مال فبتجارة، وإن لم يكن فبرعي غنم، وإن لم يتأت له الذهاب إلى البوادي، وصعب عليه ذلك، وبقي في المدن فينبغي أن يكون عنده صنعة، ويكون عنده طريق للرزق، ونعلم أن كثيراً من العلماء كان يتعاطى التكسب، فـأبو حنيفة كان يتعاطى التجارة،وغيره أيضاً، وعندما يكون عند طالب العلم جانب إنتاج واستثمار؛ فإنه يكون عوناً له على القيام بنفسه، وليس بلازم أن يكون من كبار التجار، ولكن بقدر ما يكفيه، وما يسد حاجته، ونحن نعلم أن كثيراً من طلبة العلم الكبار كان يبيت طاوياً ما عنده شيء، ولكن كانوا أصحاب عفة.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم عمل في التجارة قبل البعثة، وهي من عادة قومه، وجاراهم في ذلك، وكما يقولون: البركة مائة جزء، تسعة وتسعون منها في التجارة، وواحد في بقية الأعمال.

    ويهمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان كفرد من أفراد المجتمع في أمور حياتهم، وإن كان متميزاً بذاته وصفاته؛ لأنهم لما اختلفوا في وضع الحجر الأسود، وكادوا يقتتلون، اتفقوا على أول من يخرج عليهم، فكان الخارج عليهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بخمس سنوات، فكلهم قال بلسان واحد: الأمين ارتضيناه، الأمين ارتضيناه، فكان متميزاً بالأمانة والإصلاح ومكارم الأخلاق.

    زيد بن حارثة خطف من قومه، وبيع في مكة، ووصل إلى خديجة رضي الله تعالى عنها، فوهبته لرسول الله ليخدمه، وكان أبوه يبحث عنه في القبائل، حتى قيل له: إنه في مكة عند بني هاشم، فقدم مكة ووصل إلى الرسول قبل البعثة، وقال له: إن ابني عندك، وقد جئتك بالفداء، وجاء عمه مع أبيه، وقال: ما أحببت من الفداء نعطيك، فقال: (أوغير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أخيره بيني وبينك، فإن اختارني فما أنا بمفادي من يختارني، وإن اختارك فهو لك بدون فداء، قال: والله! أنصفتني، فدعاه، فقال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: اسمع منهما، فسمع منهما، فقال: والله -يا محمد- لا أختار عليك أحداً أبداً! فأبوه قال: ويحك يا زيد ! أتختار العبودية والرق على الحرية؟! وتختار الغريب الأجنبي على أبيك وعمك؟ قال: نعم، والله! مدة ما صحبته ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟) يعني: وجد عند رسول الله ما لم يجده عند أبيه، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكذلك كان قبل الرسالة أولى وأرأف بالشخص من أبويه، صلوات الله وسلامه عليه.

    والشاهد من هذا الحديث: (مرحباً بأخي وشريكي) كلمة: (شريكي)، إذاً: الشراكة أو الشركة كانت معاملة موجودة عند العرب قبل أن يأتي الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، والإسلام جاء فوجد أموراً عديدة، منها ما ألغاها كالربا ومهر البغي ... إلى أخره، ومنها ما أقره، وأنواع من الأنكحة ألغاها وأنواع من الأنكحة أقرها، فالإسلام أصلح أوضاع المجتمع.

    إذاً: هذا الحديث ساقه المؤلف تحت باب (الشركة) ليبين أن الشركة كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام وأقرها، ويجمعون على أنها من العقود الجائزة، والله أعلم.

    1.   

    شرح أثر ابن مسعود : (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر)

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر) الحديث رواه النسائي ].

    يسوق المؤلف رحمه الله هذا الحديث من أجل قوله: (اشتركت)، إذاً: كما أنه صلى الله عليه وسلم كان له شريك قبل البعثة، فكذلك استمرت الشراكة في الإسلام؛ لأن شراكة الرسول صلى الله عليه وسلم مع السائب كانت قبل البعثة، والإسلام أقرها، فيأتي المؤلف بهذا الحديث: (اشتركت أنا وسعد وعمار)، ولم يتم الحديث؛ لأنه ما له غرض في تمام الحديث، والمطلوب من إيراد هذا الحديث إثبات الشراكة بعد الإسلام في بدر.

    إذاً: الشراكة كانت موجودة قبل البعثة، وأقرها الإسلام، والشراكة استمرت بعد مجيء الإسلام وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: (اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر)، هل كان في يوم بدر بيع وشراء أو كان فيه قتال؟

    كان فيه قتال، وجميع البدريين الذين اشتركوا في المعركة ثلاثمائة وأربعة عشر، ولكن اشترك هؤلاء الثلاثة فيما يحصلون عليه من الغنائم، وما ينتابهم من الفائدة، فصار الثلاثة شركاء فيما يأتي به واحد منهم، وما أتى به اثنان يرجع للثلاثة، فأصبحوا هم الثلاثة كشخص واحد، قال: فأتى سعد بأسيرين، ولم آت أنا وعمار بشيء، فهم ثلاثة اشتركوا، فواحد أتى بأسيرين، واثنان من الشركاء ما أتوا بشيء، فماذا كانت النتيجة؟

    النتيجة: أن الثلاثة صاروا شركاء في الأسيرين؛ لأن في المرة الثانية قد يأتي الآخر بثلاثة أسرى، وفي المرة الثالثة يأتي آخر بأربعة أو خمسة أسرى، فما دام تم عقد الشراكة بينهم، فما يأتي من أحدهم فهو شركة بين مجموعهم، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

    وهل اشتراك هؤلاء الثلاثة فيها رأس مال؟ ليس فيها، وتقدم معنا أنواع الشراكة الخمسة، وهذ هي شراكة الأبدان، وهذا يسوقه المؤلف هنا ليبين الدليل على صحة شراكة الأبدان؛ لأن الشافعي رحمه الله يمنعها، ويقول: هؤلاء أشخاص يعملون بأبدانهم، فمن عمل شيئاً فلنفسه هو، ولماذا يشاركه غيره في عمله؟ هو اكتسب وبذل جهداً فلماذا يعطيهم من غير مقابل؟ ولماذا يأخذون ماله بغير حق؟

    فـالشافعي رحمه الله غلب جانب العمومات، ولكن لا اجتهاد مع النص، وهذا يسميه الأصوليون: فساد الاعتبار، فهنا ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا اليوم الأغر يشتركون شراكة أبدان، وسبحان الله ما جاء كل واحد بأسير حتى نقول: كانوا متساويين، بل أحدهم أتى بأسيرين، والآخران ما أتوا بشيء، ونحن قدمنا في شركة الأبدان عن الفقهاء أنه لو أن أحد الشركاء قصر في العمل، وغاب عن المشاركة معهم بعذر، فله نصيبه فيما اكتسبه الآخرون، فإن الشركاء رضوا بغيابه، فإذا لم يرضوا وطلبوا منه إقامة بديل عنه وجب عليه أن يأتي ببديل مكانه، فإذا لم يأت ببديل ولم يرضوا بغيابه فلهم أن يفسخوا شراكته معهم، ويخرج من الشراكة، وليس في هذا مضرة على أحد.

    1.   

    شرح حديث: (أتيت وكيلي بخيبر ...)

    قال المصنف: [ وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً) رواه أبو داود وصححه ].

    هذا الحديث في موضوع الوكالة، وموضوع الوكالة من ضروريات الأخذ والعطاء والحركة؛ لأن كثيراً من الناس تكون له الحاجة والمصلحة التي لا يستطيع أن يؤديها، أو لا يتأتى له أن يدخل فيها، مثل إنسان له حقوق عند بعض الناس، ولا يمكن تخليصها إلا عن طريق السلطة والمحاكمة، وبعض الناس يكون بمكانة من المروءة أو من السلوك ولا يحب أن يجلس في مجلس القضاء، ولا أن يناقشه خصمه، وقد يكون دونه، وقد يتجرأ عليه بكلمة، فهو يعفي نفسه من هذه المقابلات، ويوكل شخصاً عنه في المحاكمة.

    أو إنسان مقيم في بلد، وله مصالح وحقوق في بلد أخرى، ولا يستطيع أن يواصل ويباشر طلبها بنفسه، لبعد المشقة أو لاختلاف الوضع أو.. أو.. إلى أخره، فماذا يفعل؟ هل يضيع حقه؟ لا، يقيم وكيلاً عنه يتولى ذلك.

    إذاً: الوكالة تقتضيها حياة الناس، وقد تكون امرأة ما تحسن الكلام، قال الله: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، وتوجهت عليها دعوى، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها أمام أخيها أو أمام عمها أو غيرهما، فماذا تفعل؟

    هل تذهب عند القاضي تبكي؟ البكاء ما يعبر عن الحق، والقاضي ما تستميله العواطف، والقاضي لا يحكم بعلمه: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر؛ فأقضي له على نحو ما أسمع)، إذاً: هذه محتاجة إلى أن تقيم وكيلاً عنها، ويكون مستوعباً لقضيتها مع خصمها، ويقف أمامه موقف الند للند.

    إذاً: الوكالة أمر تقتضية الحياة، وضرورة التعامل مع الناس سواء كان بالاختيار أو بالاضطرار، وكما يقولون: الوكيل كالأصيل، والوكيل على قسمين: وكيل مستقل، ووكيل مطلق.

    ويذكر الفقهاء من شروط الوكالة وحقوق الوكيل مع الأصيل أن الوكيل يحكي الأصيل فيما ينقله عنه، وفيما يوصله إلى القاضي.

    وهل للوكيل أن يوكل غيره؟ وهل للوكيل إذا وكل في عمل أن ينيب غيره فيه؟

    كل هذه الجزئيات تبحث في كتب الفقه.

    واتفقوا على أنه إذا وكل في أمر، ولم يعط حق توكيل الغير؛ فلا يحق له ذلك، ويجب أن يباشر ذلك بنفسه، ويجب أن يباشر العمل الذي وكل فيه إلا إذا اقتضى الأمر عملاً لا يليق بمثله، كما لو كان وكيلاً في بيع وشراء في متجر، فإنه يباشر فتح المحل، ويباشر عرض المتاع الموجود، ويباشر معاملة الزبائن بكيل أو بوزن أو بذرع أو بمثل ذلك، وهو مسئول عن هذه الأعمال بنفسه، لكن إذا كانت هناك نوعيات في المستودع لمصلحة هذا المحل، ولا يمكن أن يحملها إلا حمال مختص، ولا يمكن نقلها من المستودع إلى المحل إلا بآلة، فهل نقول له: احملها على ظهرك كالحمال؟! لا، لأنه لا يليق به، فله أن يستأجر من يؤدي هذا العمل، ولو أن المحل احتاج إلى إصلاح: ترميم البناء أو الأرض أو السقف، ومثله لا يفعل هذا، فيأتي بمن يفعل هذا على حساب موكله؛ لأنه يعمل ما فيه المصلحة، والوكالة باب واسع تتناوله كتب الفروع، ويلزم على طالب العلم أن يرجع فيها إلى تلك المراجع.

    وفي هذا الحديث أن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل، توجه إلى خيبر لمصلحته أو أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم لحاجة، وبمناسبة ذهابه كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهمة عند وكيل رسول الله في خيبر، فقال: (إذا أتيت وكيلي في خيبر فخذ منه خمسة عشر وسقاً)، وهذا محل الشاهد: (إذا أتيت وكيلي في خيبر)، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له وكيل سواء كان في خيبر أو في الطائف أو في أي مكان.

    مشروعية جعل علامة بين السلطان ووكيله

    هل الوكيل الذي في خيبر يعلم أن رسول الله أرسل جابراً ليأخذ منه هذه الأوسق؟ هل عنده خبر؟ ما عنده خبر، والرسول لم يسبق أن أرسل إليه: سأرسل إليك جابراً ، ولكن في بعض الروايات أنه قال لـجابر : (فإذا طلب منك أمارة فأمسك ترقوته)، والترقوة: العظم المحيط بالعنق، يعني: إذا كلمته فأمسكه في ترقوته، وهذه هي الشفرة، أي: كلمة السر والعلامة حتى يصدقك بأنك وكيل من عندي، ولا أحد يعرف أن هذا بيني وبينك، وما يعرفها إلا أنا، فإذا أبنتها فهي العلامة، وهي أصدق من البرقية، فالبرقية يمكن أن تزور، وهذا نوع من المعاملات مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته مع الناس، فكان يتعامل معهم كغيره من البشر، ما قال له: سيأتيك جبريل ويقول له: كذا، لا؛ لأن التعامل مع الناس يحتاج إلى منهج بشري يستطيع كل إنسان أن يطبقه، كما قال: (إنكم تختصمون إلي، وأنا بشر أقضي على نحو ما أسمع)، هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي في أبسط الأشياء، جاءه الوحي بأن يخلع نعليه؛ لأن فيهما أذى، فخلع نعليه في الصلاة بعد التكبير، فلماذا في القضاء لم يأته جبريل ويقول له: الحق مع هذا والباطل عند هذا؟

    يذكرون في تاريخ القضاء -والله أعلم- يذكره صاحب معين الحكام أنه كان في زمن نبي الله داود؛ إذا أرادوا أن يحتكموا، كانت سلسلة معلقة في سقف المجلس، فإذا تقدم المدعي قال: مد يدك إلى السلسلة، فإن كان محقاً تدلت السلسلة حتى يمسكها بيده، وإن كان مبطلاً بعدت عنه، وإذا أنكر المدعى عليه، قال: مد يدك، فإن نالها عرفنا أنه صادق، وإذا لم ينلها عرفنا أنه كاذب، ويقولون: جاء رجل وادعى على رجل أنه ائتمنه أمانة، ثم طلبها منه فجحدها، فلما علم الخصم أنه تقدم إلى نبي الله داود، وأن السلسلة ستفضحه احتال، فأخذ الأمانة وهي دنانير، فنقر عصاه، ونزل فيها الدنانير حتى ملأها وكبسها، وجاء يتوكأ عليها، فتقدم المدعي الذي له ألف الدينار فطولت السلسلة، فمد يده فأمسك السلسلة، فأنكر المدعى عليه، وقال: أبداً ما له عندي شيء، فقال: أمسك السلسلة، فقال لخصمة: امسك العصا حتى أمسك السلسلة، وفي هذه اللحظة كان حق المدعي عنده، وليس عند المدعى عليه، فمد يده فأمسك السلسلة، وما يمكن أن الاثنين يكونان صادقين، كما جاء في حديث اللعان: (الله يعلم أن أحدكما كاذب)، فلا يمكن الإثبات والنفي في وقت واحد، فأبطل السلسلة عندما وجد تحايل عليها، وفي الحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

    وهذا من باب الشيء بالشيء يذكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع عامة الناس كفرد من الأفراد؛ لأن هذا منهج التعامل مع البشر، ولو أنه كان يعاملهم على منهج الرسالة والوحي، فكيف يفعل من بعده؟ فمثلاً في القضاء قال: (أقضي على نحو ما أسمع)، فلو جاءه جبريل وقال له: هذا محق، وهذا مبطل، وبعده من سيأتي للقضاة؟ لن يأتيهم جبريل، لكن عندهم ما هو في طاقة البشر، القضاء على نحو ما يسمع، وهناك أيضاً فراسة القاضي أو إلهام ونور من الله للقاضي يساعده به على الحكم.

    إذاً: كان النبي عليه الصلاة والسلام له وكيل، والوكيل كان ينوب عنه، وكان بينه وبين الوكيل مثلما يكون بين الموكل ووكيله في العالم كله، من علامات أو أمارات ... إلى آخره.