إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصيام - باب صوم التطوع وما نهي عنه [2]

كتاب الصيام - باب صوم التطوع وما نهي عنه [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنسان بطبيعته البشرية يقع في الذنوب والخطايا، وليس معصوماً منها إلا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعل للعبد أبواباً كثيرة يكفر بها خطاياه ويضاعف بها حسناته، ومن هذه الأبواب باب صوم النوافل، فعلى العبد أن يستغل الفرصة ويكثر من صوم النوافل ليكفر الله عنه سيئاته وخطاياه ويرفع درجاته.

    1.   

    فضل الصيام في سبيل الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفاً). متفق عليه واللفظ لـمسلم .

    يسوق المؤلف هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله)، و(في سبيل الله) يرى بعض العلماء أن ذلك في الجهاد، فإذا خرج الإنسان للجهاد، وكان مرابطاً على الحدود لحفظ وصيانة حدود البلد الإسلامي، وليس هناك كر ولا فر، وليست هناك معركة، ولكنه جالس على حدود البلاد فصام يوماً فهذا اليوم في سبيل الله، ويرى آخرون أن المعنى أعم، وأن من صام يوماً في سبيل الله أي: بدون دافع، وبدون سبب معين، لا هو كعرفات يكفر سنتين، ولا هو كعاشوراء يكفر سنة، ولا هو كست من شوال يعادل مع رمضان صيام الدهر، ولا هو كثلاثة أيام من كل شهر، بل بدون أي سبب ولم يرتبط بأي موجب، ولكن في يوم من الأيام وجد نشاطاً فقال: أصوم غداً في سبيل الله، أو أصوم غداً لوجه الله، فهذا يترتب عليه ما جاء في هذا الحديث: (باعد الله به -أي: بهذا اليوم- عن وجهه النار سبعين خريفاً)، والخريف هو عبارة عن جزء أو فصل في السنة، والسنة فيها فصل الخريف واحد، وفصل الربيع واحد، وفصل الشتاء واحد، وفصل الصيف واحد، فإذا قيل: سبعون خريفاً، أو سبعون ربيعاً، أو سبعون شتاءً فمعناه سبعون سنة؛ لأن الفصل المذكور ليس مكرراً في السنة مرتين، حتى نقسم العدد على اثنين وإنما سبعون خريفاً، أي: سبعون سنة، وهذا يدل على عظيم فضل الله سبحانه وتعالى على عباده حيث يقبل القليل، ويجازي بالكثير، فهذا صوم يوم واحد يباعد الله به بين وجهه وبين النار سبعين خريفاً، ولم يقل: سبعين يوماً، أو سبعين ساعة، أو سبعين أسبوعاً، أو سبعين شهراً، ولكن قال: سبعين خريفاً أي: سبعين سنة، وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، ومما يتعلق بفضل الصوم ما جاء في الحديث القدسي وهو يشهد لهذا: (كل عمل ابن آدم له والحسنة بعشر أمثلها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وكما قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    ورمضان يسمى شهر الصبر، وعلى هذا يكون المؤلف رحمه الله أراد أن يرغب في الصوم تطوعاً مطلقاً، ولو لم يكن في هذه الأيام نص وارد فيها بعينها.

    1.   

    فضل صيام أكثر شعبان

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان)، متفق عليه واللفظ لـمسلم .

    في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عدة قضايا: القضية الأولى أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يداوم الصوم حتى يقول أهل بيته: لا يفطر، وأحياناً يداوم الفطر حتى يقول أهل بيته: لا يريد أن يصوم، أي: أنه ليس في هذا العمل منهج مقعد مرتب منظم كالمشروع وهو رمضان كما قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] وما عداه فهو عمل اختياري، إن شاء صام وإن شاء أفطر، فليس فيه التزام بزمن معين في صوم ولا زمن معين في فطر، وهذا هو عين التطوع أنه إنما يكون باختياره، وهذه قاعدة هامة جداً لئلا يكون للإنسان في النوافل منهج التزام كالفرائض، وأما حديث: (إن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه)، فنقول: نعم، هذا إذا داوم عليه رغبة، وإذا داوم عليه دون إلزام ودون التزام له حتى لا يوهم أنه مفروض عليه.

    القضية الثانية في الحديث: (ما رأيته أكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان).

    والقضية الثالثة في الحديث: كثرة صيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان، ولذا قالت: (أكثر ما رأيته يصوم في شعبان)، وجاء في روايات منها: (كان يصومه كله) (كان يصومه إلا أقله)، فأخذ العلماء من (كله) جواز صوم شهر شعبان كاملاً، ولكن قولها رضي الله تعالى عنها: (وما رأيته أكمل صيام شهر قط إلا رمضان)، فيه أنه كان يكثر الصوم في شعبان.

    سبب إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان

    وهنا يعلل العلماء كونه صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان مع أنه ليس من الأشهر الحرم، وقد جاء في الحديث (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام، فقال: أما عرفتني يا رسول الله! قال: لا، قال: أنا الذي جئت إليك العام الماضي في مثل هذا، قال: ما لي أرى جسمك نحيلاً؟ -أي: نحل جسمك عن العام الماضي- قال: منذ فارقتك يا رسول الله! ما طعمت طعاماً نهاراً قط، أديم الصوم، فقال صلى الله عليه وسلم: من أمرك أن تعذب نفسك؟! صم من الأشهر الحرم وأفطر) وفي بعض الروايات: (صم شهر الصبر -يعني: رمضان- ويوماً بعده، قال: إني أقوى قال: صم شهر الصبر ويومين بعده) إلى أن ذكر له خمسة أيام، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهذا الرجل: صم من الأشهر الحرم، فالصوم في الأشهر الحرم بمقتضى هذا أفضل منه في شعبان، فلماذا كان يكثر الصوم في شعبان؟ يجيب العلماء عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: وهو جواب الجمهور قالوا: قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (هذا شهر يغفل الناس عنه ما بين رجب ورمضان)، يعلق على هذا بعض العلماء ويقول: أي: أن الناس كانوا يهتمون بصوم رجب، ويهملون شعبان، ويصومون رمضان، إذاً: صوم رجب مندوب إليه، وكان معلوماً لديهم، وهناك من السلف من كان يصوم شهر رجب وشعبان ورمضان، والبعض كان يكره ذلك؛ لأن فيه تشبيهاً لها برمضان، ويقول: يستحب أن يفطر من كلٍ من رجب، ومن شعبان بعض الأيام حتى لا يحاكي بهما رمضان، أما الجواب الثاني: فهو عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كان ربما يجتمع عليه صلى الله عليه وسلم صيام الثلاثة الأيام من كل شهر؛ لأن صوم ثلاثة أيام من كل شهر من المندوبات، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وألا أنام حتى أوتر)، فصوم ثلاثة أيام تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ربما شغل عنها بسفر، أو بمشاغل أخرى فتتراكم عليه هذه الأيام الثلاثيات فكان يصومها في شعبان. وهناك جواب ثالث وهو: أن زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن كنَّ من أدركتها الدورة منهن في رمضان تفطر، ثم تؤخر قضاء أيام رمضان إلى أن يأتي شعبان، فيصمن ويقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، فكان يصوم معهن إرفاقاً بهن، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كنت يكون عليَّ القضاء من رمضان فلا أتمكن من قضائه إلا في شعبان لكثرة ما يصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعله كان يصوم أكثر شعبان حتى يعطي الفرصة لزوجاته أن يصمن ويقضين ما عليهن من عدة أيام من رمضان، والله تعالى أعلم.

    1.   

    فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاث عشر، وأربع عشر، وخمس عشر)، رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان .

    حديث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، جاءت فيه زيادة في حديث أبي هريرة بتعيين الأيام، وهي الثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر، يعني: الأيام التي يكون القمر مكتملاً ضوءه فيها والناس مختلفون في ذلك، فـمالك يرى أن الحسنة بعشر أمثالها، واليوم عن عشرة فيقول: يجعل عن كل عشرة أيام من الشهر يوماً، فيأخذ يوم واحد ويوم أحد عشر، ويوم واحد وعشرين، ففي كل عشرة أيام يصوم يوماً، وغيره يقول: يصوم ثلاثة أيام بدون تحديد كما في رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لكن هنا جاء التحديد بثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، وأما حول التعيين في هذه الأيام بالذات، فقد تقدم لنا في الحجامة أنهم يستحبونها بالنسبة لجزء النهار في الظهر، وبالنسبة لأيام الأسبوع يوم الأربعاء، وبالنسبة لأيام الشهر الخامس والسابع والتاسع عشر، وقالوا: إن الحجامة يوم الخامس والسابع والتاسع عشر أحسن، ويكرهونها في الخمسة الأوائل من الشهر والخمسة الأواخر منه، ويستحبونها من نصفه وما بعد، هكذا يقولون، والأطباء وأهل الطب النبوي والطب العربي يعللون استحباب الحجامة في منتصف الشهر فما بعد ويقولون: حينما يكتمل ضوء القمر يكون في الدم هيجان، فإذا جاءت الحجامة أخذت هيجان الدم هذا، وبعض المتأخرين يقولون: إن عملية المد والجزر في البحار مرتبطة باكتمال ضوء القمر، ويقولون: إن جسم الإنسان -كالبحر- مليء بالدم فإذا اكتمل ضوء القمر هاج الدم كما يهيج البحر بالمد والجزر، فيقولون: جاءت السنة بحكمة وهي: أن الصوم من طبيعته أن يكسر حدة الشهوة، وأن يخفف من حركة الدم في الجسم، فإذا ما صام تلك الأيام التي فيها هيجان الدم نقص الغذاء على الدم، وإذا نقص الغذاء على الدم خفت حدته ولم يكن فيه إثارة على الإنسان كما لو اكتمل طعامه وشرابه في تلك الأيام، والله تعالى أعلم.

    1.   

    حكم صيام المرأة تطوعاً مع وجود زوجها

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)، متفق عليه واللفظ للبخاري زاد أبو داود (غير رمضان).

    لا يحل لامرأة مؤمنة ملتزمة بالكتاب والسنة وملتزمة بحق الزوج عليها أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه إلا رمضان، وصوم المرأة هو كصوم الرجل، فعندها رمضان وعندها عدة من أيام أخر، وعندها كفارة، وعندها نوافل الصوم، مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء، والإثنين والخميس، فإذا كان صوم المرأة فرضاً معيناً فليس للزوج منعها، مثاله: نذرت أن تصوم يوم مجيء ولدها من السفر، فجاء فصامت؛ لأنها تعين عليها الصوم يوم مجيئه، كأن جاء بالليل وبيتت الصوم وأصبحت صائمة، فبمجيء ولدها أصبحت ملزمة بالنذر وهو فرض عليها لا يحق للزوج أن يمنعها؛ لأنه فرض محدد بزمن، ولو منعها فسيفوت النذر عليها، أما ما عدا ذلك، كقضاء رمضان فليس محدداً بزمن؛ لأن هناك عدة من أيام أخر، وها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كانت يكون عليها قضاء من رمضان، وتأجله إلى أن يأتي شعبان حينما يكثر صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا قالت: لمكانة رسول الله مني؛ لأن الرسول له دورة على زوجاته، فإذا جاء دورها وجدها غير صائمة.

    وكذلك رمضان لا يحق له منعها؛ لأن وقته مجدود، وهو حق لله فرضه عليها وعليه، فلا يحق له أن يمنعها؛ لأن أذنها بيدها وأمرها من عند الله، إذاً: لا يحق لامرأة أن تصوم غير رمضان، وغير ما يساوي رمضان من النذر المعين إلا بإذن زوجها، وأما غير ذلك فالأولى أن يسمح لها؛ لأن الله تعالى يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، ولا ينبغي أن يضيق عليها ويمنعها. ومن هنا ينبغي أن نعلم بناتنا وزوجاتنا حق الزوج على زوجته، فهذا الصوم وهو عبادة لله، ومن أعظم القربات عند الله، ومع هذا يمنعها الشرع أن تصوم إلا بإذن زوجها، يا سبحان الله! يشترط إذن الزوج على عبادة الله! نعم، لعظم حقه؛ لأن حق الزوج على زوجته ليس بالأمر الهين، وخاصة فيما يتعلق بالزوجين مع بعضهما؛ لأنه لا عوض عنها، ولا بديل منها، فهي أحق الناس بالوفاء بحقه.

    ولذا جعل المولى سبحانه القوامة في البيت للرجال قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا [النساء:34]، بالفضل الذاتي للرجولة على النسوة، وبما أنفقوا، ولهذا جاءت النصوص عديدة في هذا الباب ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرأة طلبها زوجها ولو كانت على ظهر قتب، فامتنعت إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة باتت وزوجها ساخط عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح).

    فالرسول صلى الله عليه وسلم عظَّم حق الزوج على الزوجة، ومن ذلك ما جاء في الحديث العظيم: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ليس سجود عبادة وإنما سجود تحية، وكذلك الزوجة لها حق على زوجها، وعليه أن يوفيها حقها، بل ينبغي أن يوفي الزوج الحق الذي عليه أولاً، ثم يطالب بحقه ثانياً.

    إذاً: الحياة الزوجية عشرة ومعاشرة، وازدواج وتبادل منافع، قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228]، وقال سبحانه: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، فلابد من المعادلة في هذه المسألة، ولكن يعظم حق الزوج على المرأة فيما يكون له من حق الإذن أو الرفض في عبادة لله سبحانه.

    1.   

    حكم صيام يوم الفطر ويوم النحر

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر). متفق عليه ].

    نحن نعلم جميعاً أن أيام السنة إنما هي دورة فلكية للشمس.. سبتها.. وأحدها.. وخميسها.. وجمعتها؛ كلها دورة من شروق الشمس إلى غروبها، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يفضل بعض هذه الأيام على بعض لما تشهده من الأحداث، وقد فضل شهر رمضان على بقية الشهور وهو أيضاً دورة زمنية وإن كان في جملته دورة قمرية فأيامه دورة شمسية، ففضله على غيره من الشهور لما شرفه به من إنزال القرآن الكريم فيه، بل أنزل فيه جميع الكتب السماوية، وكذلك شرف وفضل من أيام الأسبوع يوم الجمعة، ومن أيام السنة الفردية يوم عرفات، بل فضل من يوم الجمعة الذي هو فضيل ساعة من الساعات فيه، وفضل ليلة من شهر رمضان المبارك على غيرها، وجعلها خيراً من ألف شهر، كل ذلك لما تشهده تلك الأيام والليالي من الأحداث. ويوما العيد في الإسلام كرمهما الله وشرفهما وجعلهما يومي مكرمة لعباده، ولكأنهم في هذين اليومين في ضيافة المولى سبحانه وتعالى، وما ذلك إلا لوفاء المسلمين بما عهد الله إليهم، وقيامهم به خير قيام، فكان هذا جزاءً لحسن عملهم وإكراماً لطاعتهم ربهم، ويوما العيدين هما: يوم الفطر ويوم الأضحى، أما يوم الفطر فكما نعلم جميعاً أنه يأتي على رأس تمام صيام شهر كامل، فالأمة تصوم شهر رمضان، وتراقب ربها فيه، وكما في الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي)، وهذا جاء في بيان اختصاص الصوم بالمولى سبحانه مع أن كل الأعمال لله، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] ، ولكن خصوص الصوم يقول عنه المولى في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه من أجلي)، فيكون في الخلوة بعيداً عن الناس، وأمامه شهي الطعام وبارد الشراب، وهو جائع وعطشان، لا يرده في خلوته من الفطر إلا مراقبة الله سبحانه، ومن هنا كان الصوم يعود ويورث التقوى؛ لأن التقوى هي اتخاذ الوقاية مما يغضب الله سبحانه وتعالى، فدوام هذه المشاهد يجعل عند الإنسان قوة مراقبة، ويقرب من المولى سبحانه وتعالى أكثر وأكثر، ويزيل الحجب والحواجز التي تبعده عن الله سبحانه وتعالى، فكأن المولى سبحانه يقول لعباده: أمرتكم فامتثلتم، وكلفتكم فأطعتم، وها أنتم أتممتم صيام الشهر، فهلموا إلى ضيافتي، ومن هنا نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر؛ لأن من صام يوم الفطر كأنه يقول: يا رب! أنت جعلت هذا اليوم مأدبة لعبادك وأنا في غنىً عنها، وإذا استغنى عن مأدبة المولى فإن هذا تكبر، وهذا تعالٍ على الرب سبحانه وتعالى، ولذا لا يقبل الله صوم هذا اليوم. وكذلك عيد الأضحى نادى الله في الناس بالحج فجاءوا من كل فج عميق، وأدوا مناسكهم، وأدوا طاعة الله في تلك المواقف الكريمة، ثم أفاضوا من عرفات والحج عرفة، وهو ذاك المشهد الكبير الذي يتجلى المولى سبحانه فيه لأهل الموقف -كما أشرنا سابقاً- فيباهي بهم الملائكة ويقول: ماذا يريد العباد، ولماذا جاءوا إليّ؟ فيقول الملائكة: ربنا! إنك تعلم أنهم جاءوا إليك يرجون رحمتك ويخشون عذابك، فيقول متفضلاً: (أشهدكم أني قد غفرت لهم)، وقد أشرنا مراراً إلى الحكمة في سؤال المولى للملائكة في ذلك اليوم، وكما يقول البلاغيون: ليس المراد مقتضى السؤال، ولكن المراد لازم الفائدة؛ لأن السؤال قد يراد منه فائدة الخبر، كإخبار السائل عن مجهول بتعيينه، فإذا قلت: هل جاء زيد؟ وأنت لا تعلم، فيكون الجواب: نعم جاء، وقد يكون السؤال عن لازم الخبر وليس عن الخبر، كأن يكون السائل عارفاً أن زيداً جاء، لكن المسئول مدين للسائل، ووفاء الدين يحل عند مجيء زيد، فهو يريد بسؤاله عن مجيء زيد وعدم مجيئه لازم الفائدة، ولازمها هنا أن موعد الدين قد حل؛ لأن موعد قضاء الدين مشروط بمجيء زيد وقد جاء، فالله سبحانه وتعالى في هذا السؤال لا يريد فائدة الخبر؛ لأنه يعلم بحالهم.

    ويقولون: أنه كان في الأرض عوالم قبل آدم وقبل الإنس وهم الحن والبِن والجن وأمم وقد وقع بينها قتال، وإبليس كان من جند الله أولاً، فالمولى سبحانه وتعالى لما أراد أن يخلق آدم قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا [البقرة:30] أي: مستفسرين لا معترضين: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] أي: مثل الذين رأيناهم من أول؟ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30] فإذا أردت أن تجعل فيها خليفة للذكر والتسبيح فنحن نسبح، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] وأظهر الله سبحانه وتعالى شرف هذا المخلوق الجديد، إذ علمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني؟ قالوا: سبحانك، فقال: يا آدم! أنبئهم، فكان هناك عرض على الملائكة بجعل خلافة في الأرض، والملائكة تخوفت لما شاهدت من قبل، وأشفقت على هذا المخلوق الجديد أن يفسد فيها ويسفك الدماء، فطمأنهم الله وقال:إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

    فجاء آدم وهبط إلى الأرض وتكاثرت ذريته، وعمرت الأرض، وجاء بنو آدم إلى عرفة شعثاً غبراً، وهنا كأن المولى يريد بهذا السؤال لازم الفائدة أي: أنتم كنتم تظنون أنهم سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فها هم جاءوا شعثاً غبراً مجردين، تركوا أوطانهم وأولادهم وأموالهم وتحملوا في سبيل تلك الرحلة المشاق، ماذا يريدون؟ هل يريدون الإفساد في الأرض، أو يريدون سفك الدماء؟ فهذا التساؤل كأنه تنبيه للملائكة على ما كانوا تساءلوا عنه سابقاً ثم قال: (أشهدكم -والله خير الشاهدين- أني قد غفرت لهم، أفيضوا مغفوراً لكم)، وهذه أعظم نعمة على الإنسان، فلقد كان طيلة حياته أسيراً للشيطان يحتنكه، وقد أحاط حبلاً في حنكه يقوده كيف شاء، ليثقله ويحمله ويكبله بكل الذنوب، وهاهو قد أصبح طليقاً خفيفاً، قد خرج من كل ذنوبه، وتخفف من كل أثقاله وقيوده، فيأتي إلى منى وإلى الجمرات ويعلن الحرب على الشيطان: بسم الله الله أكبر، رجماً للشيطان وإرضاءً للرحمان، وقبل هذا لم يكن يقدر، لأنه واقع في الأسر، أما الآن وقد تحرر وطلقت قيوده، ووضعت عنه أثقاله فقد أصبح نشيطاً يعلن الحرب على عدوه، فأي نعمة أعظم من هذه، فيصبحون يوم العيد في ضيافة الله، بل إن الضيافة في عيد الأضحى تمتد إلى ثلاثة أيام وهي أيام منى، فهي أيام أكل وشرب وتبعل، فإذا جاء إنسان وقال: أنا أريد أن أصوم في هذا العيد، فنقول له: أنت مدعو من عند المولى سبحانه فأجب دعوة المولى سبحانه، فلو أن وزيراً من الوزراء جاءته دعوة من الملك فإنه يشرف بهذه الدعوة، فإذا كان شخصاً عادياً جاءته دعوة خاصة ببطاقة وفيها اسمه بتوقيع الملك، فكم سيكون فرحه بهذه الدعوة، وكم سيكون شرفه بهذه البطاقة، بل إنه سيحتفظ بها، وسيعرضها على الناس كل يوم، سبحان الله! فمن المجنون الذي يعرض عن مائدة الله، ومن هنا نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي العيد، وقد اتفق العلماء بجميع مذاهبهم على تحريم صوم يومي العيدين، حتى قالوا: لو أن إنساناً نذر صوم يوم العيد فنذره لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعينه فنذره باطل، وإما أن يعين النذر بعمل، كأن يقول: يوم يجيء فلان من غيبته سأصبح صائماً، فجاء فلان هذا يوم تسعة من ذي الحجة، فإذا جاء يوم تسعة من ذي الحجة فسيصبح يوم العيد صائماً، وهو لم يعين يوم العيد، وإنما عين وصفاً فصادف وفاء النذر في يوم العيد، فقالوا: أيضاً لا ينعقد الصوم ولا يصح، فسواء عين يوم العيد باسمه، أو علقه على وصف فتحقق في يومه فلا يصح الصوم فيه، وهذا مذهب الجمهور، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا عقد النذر وصادف يوم العيد، قال: انعقد نذره وحرم تنفيذه ويصوم يوماً آخر مكانه؛ لأن النذر لازم، ويوم العيد ممنوع صومه، فنأخذه باللازم وننقله إلى يومٍ آخر، وهذا فقه المسألة في صوم يومي العيدين.

    المقارنة بين عيدي الإسلام وبقية الأعياد

    وبهذه المناسبة يا إخوان! في ذكر يومي العيدين، جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة وجد عند الأوس والخزرج أعياداً يحتفلون بها، وهذه عادة الأمم أنهم يجعلون أيام الخير أو المناسبات أعياداً، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (لقد أبدلكم الله بهذه الأعياد يومين خيراً منها: يوم الفطر، ويوم الأضحى)، وأبطل بقية الأعياد، وإن سميت اجتماعية أو شعبية أو غير ذلك، ولو تأملنا أيها الإخوة! في جميع مسميات أعياد العالم عند جميع الأمم لوجدناها تخيلاً وليست حقيقية، وسنجدها أعياداً في الذاكرة وليس في الواقع، بخلاف عيدي الإسلام، ومن هذه الأعياد التي يختلفون بها: عيد رأس السنة، وعيد الجلاء، وعيد الاستقلال، وهذه أعياد عند أهلها؛ لأنهم نالوا فيها الحرية من سلطة المستعمر، ونالوا خلاء بلادهم ممن كان جاثماً عليها، ولأمور أخرى سواء كانت دينية أو كانت دنيوية، ونقول: إن هذا الحدث الذي وقع عند الأمم لا يتكرر، ولم يقع إلا مرة واحدة يوم أن حدث، فمثلاً: عيد الاستقلال، الدولة التي نالت استقلالها نالته مرة واحدة، فيوم أن استقلوا احتفلوا به وصار ذلك اليوم عيداً عندهم، وموعده من السنة الآتية عيد الاستقلال مع أنه قد ذهب وانتهى، إذاً: فهو عيد للذكرى الماضية، وهكذا جميع الأعياد، أما في الإسلام فعيد الفطر يتكرر؛ لأنّا في كل سنة نصوم ونفطر، كل سنة نصوم ونعيّد، فعيد الفطر على هذا واقع فعلي وليس مجرد ذكرى وخيال، وكذلك عيد الأضحى، ففي كل سنة من الأمة من يحجون ويفيضون من عرفات مغفوراً لهم، فيكرمهم الله بعيد الأضحى.

    إذاً: لم يأتِ عيد الفطر ولا عيد أضحى خيالاً أبداً، إنما هو واقع، فعيد المسلمين عملي، يصومون ويعيدون، ويحجون ويعيدون، أما بقية أعياد العالم كله، لا تتكرر على حقيقتها، ولكن على ذكرياتها، مناسبة العيد أنه هو اليوم السعيد الذي عاد على الأمة بخير جديد.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم أبطل أعياداً متعددة متكررة لأنها باطلة وقد انتهى مفعولها، وأصبحت على الذاكرة والخيال، وأبقى عيدي الإسلام لأنها عملية، يأتي موجبهما في كل سنة فتتجدد النعمة بمجيئهما، إذاً: من الناحية التشريعية إبطال الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الأعياد التي كانت عندهم أمر واقعي، والنهي عن صوم يومي العيدين أيضاً كذلك أمر واقعي وعملي، ولا ينبغي لعبد أن يعرض عن ضيافة المولى وإكرامه لعباده في هذين اليومين.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.