إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [3]

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [3]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهر رمضان تتعلق به أحكام كثيرة، وهو أفضل شهور السنة، وفيه فضائل عديدة، ومن الأحكام المتعلقة بدخول رمضان: بيان كيفية ثبوته، واعتبار اختلاف المطالع فيه، وحكم تبييت الصيام من الليل، بالإضافة إلى الاكتفاء بنية واحدة لجميع أيام الشهر، وهذه المسائل اختلف العلماء فيها، فينبغي فهمها لمعرفة الراجح من الأقوال فيها.

    1.   

    أنواع العلوم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد:

    قال الغزالي رحمه الله: العلوم أربعة: علوم عقلية، وعلوم تجريبية، وعلوم ظنية، وعلوم توقيفية.

    أما التوقيفية: فهي كل ما يتعلق بالغيب من صفات المولى سبحانه، وأحوال القبر، وأحوال القيامة، ونعيم الجنة، وعذاب النار -عياذاً بالله-، فكل ذلك توقيفي لا نجزم بشيء منه إلا بخبر يقين عن صادق، فلا نستطيع أن نحكم بشيء، بل نتوقف، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مررت بأخي موسى في قبره قائماً يصلي، ولو كنت هناك لأريتكم قبره بجانب الكثيب الأحمر) ، بالتحديد، ثم إذا به يرى موسى يستقبله مع الأنبياء في بيت المقدس، ثم إذا به يرى موسى في السماء السادسة يستقبله، فهل العقل يستطيع أن يحكم بذلك؟ لا، بل هو توقيف، ومثله قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، هل نستطيع أن نحكم أن حقيقة الخمر واللبن والعسل في الجنة كما هو عندنا؟ والميزان الذي يزن الأعمال، هل هو ميزان حرارة أو ميزان كذا أو كذا؟ والبطاقة التي فيها "لا إله إلا الله" ترجح بسجلات مد البصر، هذه أمور غيبية لا دخل للعقل فيها.

    العلوم التجريبية: مثل علم الطب؛ لأن الصيدلة ومعرفة خواص الأشياء من نباتات أو معادن أو كيماويات إنما هي بحسب التجربة، ويقال في علم الصيدلة: إن أكثر من خمسين في المائة من الأدوية المتداولة اكتشفت عن طريق الصدفة أثناء التجارب! ينتقل الصيدلي أو الكيميائي في معمله من قصد إلى قصد آخر لشيء فاجأه في بحثه.

    أما العلوم العقلية: مثل الرياضيات -الحساب والهندسة- لا يمكن أن قضية رياضية تخطئ؛ لأن القواعد الرياضية لا خطأ فيها، وإنما يأتي الخطأ من العقل الذي يعملها. مثلاً: (5×6= 30 ، 6-5= 1، 1+5= 6 ) فهذه لا تتغير، مهما حورت ومهما دورت في عمليات الأرقام؛ ولذا جعلوا لها الآن قواعد جمادات، فالآلة الحاسبة نظموها على تلك العقليات الرياضية فلم تخطئ، الإنسان يخطئ عشرين مرة، والآلة الحاسبة لا تخطئ لماذا؟! لأنها لا تملك الخطأ، وتعجز عن الخطأ؛ لأن الخطأ نتيجة اجتهاد، والآلة لا اجتهاد لها.

    أما العلوم الظنية: مثل العلوم الفلكية، وإن كان الفلكيون الآن سيروا المراكب في الفضاء، وأرسلوا الصواريخ، وفعلوا وفعلوا، لكن لا زالوا في دائرة الظنيات.

    إذاً: إذا اعتمدنا في الصوم على الحساب فلن نخرج عن نطاق الظنيات؛ ولهذا جاء الحديث صحيح: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة) ، إن كنا في أول رمضان أكملنا عدة شعبان ثلاثين، وإن كنا في آخر رمضان وغم علينا أكملنا عدة رمضان ثلاثين يوماً، وانتهت القضية، والحمد لله.

    1.   

    هل يثبت الشهر برؤية عدل؟

    من الذي يعتمد عليه في الرؤية؟

    إذا رآه مسلم عدل في أول دخوله اكتفي به، وهناك من ينقل عن الشافعي أنه يقول: لابد من شاهدي عدل. وهل الإخبار عن رؤية الهلال شهادة أم إخبار؟

    والفرق بين الخبر والشهادة دقيق جداً؛ لأن كلاً منهما يخبر عن مغيّب، والفرق بينهما: إذا كان مضمون الكلام -أي: مضمون الخبر- له علاقة بشخص ثالث غير المتكلم والسامع فهو شهادة؛ لأنه يشهد على إنسان ما، وإن كان موضوع الكلام لا يتوقف على شخص ثالث فهو خبر، حينما يقول: طلعت الشمس. يريد أن يخبر السامع بطلوعها، فهل هناك شخص آخر يعنيه ذلك في هذا الخبر؟ لا، وإذا قال: سمعت زيداً يقول عند طلوع الشمس: أعط فلاناً كذا. فهل هذا خبر أو شهادة؟ شهادة؛ لأنه يتعلق بحق شخص ثالث، ومن هنا: من اعتبر رؤية الهلال شهادة قال: لابد من اثنين وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ [الطلاق:2] ومن اعتبر رؤية هلال رمضان خبر فيكتفي بواحد، حتى المرأة، فخبر المرأة وخبر الرجل في باب الأخبار سواء، ونحن تأتينا الأحاديث برواية النساء، فهل نقول: هذه امرأة لا نقبل شهادتها؟ لا، فهي تقول: أنا لا أشهد، بل أخبرك بما سمعت؛ ولهذا ورد في الحديث: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم عشية وقال: أشهد بالله أني رأيت الهلال. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي: ألا فافطروا وامضوا إلى المصلى غداً) ، وابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال، فرأيته فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس بالصيام) ، وكل هذا من باب الإخبار.

    ومذهب الجمهور قبول خبر الواحد في دخول رمضان، ويتفقون على وجوب عدلين في خروج رمضان إلا من شذ، والفرق عندهم هو ما قدمنا أن اليقين لا يرفع بشك، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الذي شهد برؤية الهلال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟) سبحان الله! لم يقل: أتشهد أني، بل قال: أتشهد أن محمداً؛ لأن شخصية الرسالة ليست بالأنية، ولكنها المحمدية، قال الله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285]، ولم يقل: آمنت بما أنزل إليك من ربك، فقال: (نعم أشهد، فقبل منه ذلك واكتفى بهذا، وأمر الناس بالصيام) ففي دخول رمضان الأحوط أن نقبل خبر الواحد؛ احتياطاً لرمضان، وأما الخروج فنحن على يقين من صومنا، فلا يخرجنا خبر الواحد، ونحتاج إلى زيادة تأكيد، فإذا شهد عدلان خرجنا عن الصيام، وكان الشهر تسعةً وعشرين يوماً.

    1.   

    خلاف العلماء في اعتبار المطالع

    قوله: (صوموا لرؤيته) خطاب لأهل المدينة في ذلك الوقت أو خطاب للأمة كلها؟ من قال: هو خطاب لمن كان موجوداً في ذلك الوقت، قال: خاص بهم. ومن قال: هو عام للأمة كلها، قال: إذا رئي في بلد وجب على جميع بلاد العالم الإسلامي أن يصوم.

    ولكن وجدنا الأخبار والعمل على اعتبار كل قطر لمطلعه، كما في قضية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مع كريب ، فـكريب أرسلته بعض أمهات المؤمنين إلى معاوية رضي الله تعالى عنه وهو خليفة بالشام، فأدركه رمضان بالشام، ورءوا الهلال ليلة الجمعة، وأصبحوا صائمين يوم الجمعة، ثم جاء كريب إلى المدينة وهم في رمضان، فتحادث هو وابن عباس عن أهل الشام، وعن معاوية وعن رمضان، فقال كريب : أما رمضان فقد رأينا الهلال ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قال: نعم، رأيته وصمنا وصام معاوية وأمر بالصوم. فقال ابن عباس : أما نحن -وكان في المدينة- فلم نره إلا ليلة السبت. فقال: ألا تكتفي برؤية معاوية وصومه؟ قال: لا، بهذا أمرنا رسول الله، فقوله: (صوموا) خطاب لكل قطر على حدة.

    بقي الخلاف والنزاع في تباعد الأقطار وتقاربها، وبعضهم يقول: السياسة تدير الأمر، فإذا تقاربت السياسة صمنا برؤية البلد الفلاني، وإذا تباعدت السياسة، يقولون: لم يثبت عندنا. يا سبحان الله! ونجد كثيراً من طلبة العلم يشغلون أنفسهم بهذه المسألة، فالآن السعودية ثبت عندها رمضان يوم الثلاثاء، من الذي يمنع العالم كله أن يأخذ بهذه الرؤية؟ هل هناك مانع؟ لا يوجد مانع، هل هناك ملزم يجبرهم بالصيام معنا؟ لا، لا يوجد ملزم، فهي أمور شخصية، فهم يقولون: لا نقبل، لا نثق، إذاً: سندخل معهم في ملاحاة، فنقول: حينما يثبت عندكم رؤيته صوموا، وحينما يثبت عندكم رؤيته أفطروا، ونصيحتي: أن هذه القضية بالذات لا ينبغي أن تكون مجالاً للبحث وللنقاش، ولا نتهم الأمة بالفرقة من أجل هذا، أو ندعو الأمة إلى الوحدة في هذا، فلا يوجد حاجة إلى هذا كله؛ لأنه لا تكون هذه الوحدة أبداً، نحن الآن في هذا الوقت هنا، ولو سألت عن بلد يقع شرقاً عنا على بعد ألفين ميل لوجدتهم قد أفطروا من قبل ساعات، وصلوا العشاء، ولو أنك أفطرت هنا وسألت عن بلد في الغرب: هل أفطرتم؟ يقولون: لا، نحن لم نصل العصر بعد! فالتوقيت -مثلاً- بينك وبين الدار البيضاء في المغرب ثلاث ساعات، فنحن نفطر، ونصلي العشاء، ونصلي التراويح، ونرجع إلى بيوتنا، ثم هم يقولون: باسم الله، اللهم! لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا.

    إذاً: لا يوجد وحدة في هذا، وهل هذا يعيب العالم الإسلامي؟ لا، الوحدة تكون عملياً في غير ذلك، الوحدة تكون على تحكيم كتاب الله، الوحدة تكون في نظام الإسلام وفي تشريعه، الوحدة تكون في أعمال المسلمين بما فرض الله، نوحد الزكاة، نوحد الأموال، هل استطاعوا أن يوحدوا العملة النقدية؟ ما استطاعوا؛ لأنها أمور تختص بالبلد، ولا حاجة لكثرة الكلام في هذا، وإذا ما اتحدت قلوب المسلمين، فبنعمة من الله يستطيعون أن يوجدوا الوحدة بأبسط من ذلك، الآن بدءوا يقولون: وحدة التعرفة الجمركية، وحدة التعرفة البريدية، وحدة كذا، وهم الآن مضطرون إلى أن يوحدوا وسائل المواصلات، وتتبادل الشركات تذاكر بعضها بعضاً اضطراراً.

    إذاً: النزاع في كون رؤية الهلال رؤية للعالم كله أو ليست رؤية للعالم كله، هذه أمور نظرية وليست عملية، وعلى هذا فكل بلد له مطلعه، والذي يهمنا أن العالم الإسلامي ينبغي أن يرتبط في دخول رمضان وخروجه بهذه الآية الكونية الكبيرة، ألا وهي: رؤية الهلال، فإن غم عليكم فأكملوا العدة، أما أن نحسب مقدماً، ونعلن الصوم قبل مجيئه بأيام، ونقول: سيكون يوم كذا، والعيد سيكون يوم كذا، على أساس الحساب والتقدير، فالحساب والتقدير قطعاً لا يخلوان من الخطأ، والله ما تعبدنا ولا كلفنا أن نتحمل هذه المشاق، وإذا عرف الحساب بعض الأفراد فمن الذي يحسب لأهل البادية، وأهل الأرياف الذين لا يعرفون حساباً؟ إن قلت: إن الدولة ستخبرهم. فكيف بالذين لم تصلهم مواصلات الأخبار؟ وكم يوجد من أهل البادية في الجبال وفي الكهوف! كم يوجد من البوادي بعيدة عن المواصلات! فهؤلاء عندهم توقيتهم، إذا رءوا الهلال لا يحتاجون إلى إخبار ولي أمر، فيصومون لرؤيته، وإذا رءوا الهلال يفطرون لرؤيته، وهكذا.

    إذاً: قضية الحساب، وقضية تعميم الرؤية، فيها نظر، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا ونواصي ولاة أمورنا إلى الحق، وإلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شرح حديث: (تراءى الناس الهلال...)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود ، وصححه الحاكم وابن حبان ].

    أتى المؤلف رحمه الله بحديث ابن عمر ؛ لأن فيه أن الذي أخبر بالرؤية واحد، وهو ابن عمر ، (تراءى الناس)، أي: كل يرى لعله يراه، لكن ما رآه أحد إلا ابن عمر ، وللأحناف هنا مباحث:

    إن كانت السماء صحواً فلم لم يره إلا ابن عمر ؟ فهم لا يقبلون واحداً، وإن كان في السماء غيم فلا مانع، وقد يخفى الهلال على بعض أولي الأبصار القوية، ومن الضروري للتمكن من رؤية الهلال أول ليلة أن يعلم الرائي أين يكون الهلال في أول ليلة؛ ولذا يتتبعه بعض الناس في خط سير الشمس؛ لأنه يتبعها، فإذا كان يتتبع مجراها فحري أن يرى الهلال، فهو لا يذهب إلى يمين أو إلى يسار مجرى الشمس في غروبها، فإذا كان إنسان يعرف ذلك فلربما يراه، والآخرون لا يرونه لوجود الغيم، وهذا الذي ساقه هنا عن ابن عمر يوافق عليه الجميع.

    إذاً: حديث ابن عمر يثبت قبول خبر الواحد، ونبهنا على الفرق بين أن يكون الأمر خبراً وبين أن يكون شهادة، مواطن الشهادة كما قال تعالى: ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، أما الإخبار فيكفي فيه الثقة، حتى لو أن امرأة أخبرتنا بخبر فلا نرد ذلك الخبر، وكما قيل: وعند جهينة الخبر اليقين. ومن قصص الجاهلية أن امرأة أخبرتهم أن القاتل ظفر به ولي المقتول فقتله، وكانوا يتشاورون: ماذا نصنع؟ وماذا نعمل؟ نقاتل أو لا نقاتل؟ ندفع دية أو لا ندفع؟ وبينما هم على ذلك، قالت لهم: صاحب الدم قتل صاحبه، فقالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب، فالخبر يكفي فيه الثقة، لا مجنون ولا سفيه ولا غبي، فإذا أخبر واحد برؤية الهلال؛ قبل ذلك ولي الأمر، وأمر بالصيام.

    1.   

    شرح حديث: (فأذن في الناس أن يصوموا غداً)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس -يا بلال - أن يصوموا غداً) رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ، ورجح النسائي إرساله ].

    أتى المؤلف رحمه الله بهذا الخبر، وماذا فيه من زيادة على حديث ابن عمر ؟

    ابن عمر يقول: تراءى الناس، ورأيت، وأخبرت، فصاموا، والأعرابي يقول: إني رأيت، فأخبره، فقال: (فأذن في الناس -يا بلال - أن يصوموا غداً) ، الناحية الموضوعية في الحديثين واحدة، وليست هناك زيادة إلا أن ابن عمر صحابي جليل ثقة، حريص على اتباع سنة رسول الله أكثر من غيره، لكن الأعرابي هذا يسكن البادية، ولا نعرفه، وقد قال الله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا [التوبة:97] ، وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [التوبة:98] ، فالأعراب فيهم وفيهم، فجاء المؤلف بحديث شهادة الأعرابي، وهل تثبت شهادته؟ هل قال له: أحضر لي شهوداً، أحضر لي مزكين، أين شيخ القبيلة حتى أسأله عنك؟ لا، بل قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم أشهد. قال: أتشهد أن محمداً -وهذا التجريد كما يقولون- رسول الله) ، ونبهنا على أن الرسالة ليست أنية، لم يقل: أتشهد أني رسول الله؟ لا، محمد بن عبد الله هو الذي أرسله الله قال الله: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:28-29] ، لم يقل: وكفى بالله شهيداً أنك رسول الله، لا، مع أن هناك قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] ، لكن هنا في معرض التقرير قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم أشهد.

    ويتفق العلماء على أن هذا وحده يكفي للعدالة، قالوا: لأن الإسلام يجب ما قبله، فهذا الأعرابي مهما كانت درجته في سلوكه وانحرافه فأسلم، فقد محا الله عنه كل آثار الماضي قبل ذلك، وهكذا التوبة كما نعلم بقضية الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فتداركه الله بلطفه، وهداه إلى التوبة، فذهب إلى عابد من العباد ليس فقيهاً، فقال: هل لي من توبة بعد التسعة والتسعين؟ قال: أعوذ بالله! قتلت تسعة وتسعين وتريد توبة أيضاً؟! قال: يعني ما هناك فائدة؟ قال: لا. قال: إذاً نكمل المائة، وقتله. فحدثته نفسه بالتوبة مرة أخرى، فذهب إلى عالم من العلماء، فقال: يا سبحان الله! ومن يحول بينك وبين الله؟ تب إلى الله يقبل توبتك، ولكن اخرج من هذه القرية التي ارتكبت فيها هذه الجرائم إلى تلك القرية الفلانية ففيها أناس صالحون، فتعبد الله معهم. فخرج فأدركه الموت في منتصف الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة لأنه مقبل عليهم، وملائكة العذاب لأنه مجرم من سابق، فبعث الله ملكاً يحكم بينهم: أن قيسوا بين البلدين، وألحقوه بأقربهما منه، وفي بعض روايات الحديث الصحيحة: (أن الله أوحى إلى هذه أن اقتربي -أي: التي خرج إليها-، وأوحى إلى تلك أن تباعدي) -ورواية أخرى (أن الله سبحانه قربه بصدره - يعني: انقلب وهو ميت ليكون أقرب- فقاسوا فكان أقرب إلى البلد التي خرج إليها قدر ذراع) .

    والذي يهمنا: أن الصحابة مهما كانوا فكلهم عدول؛ لأن الله قد شهد لهم بالعدالة، ولذا يقول بعض علماء الحديث: إن المرسل في الحديث يقبل، وهو الذي سقط منه الصحابي، والتابعي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن التابعي لم يلق رسول الله، ولو لقيه لكان صحابياً، فيقولون: غاية ما في الأمر أن الصحابي غير مذكور وغير معلوم لنا، وعموم الصحابة عدول، فعدم ذكره لا يضر في الحديث شيئاً.

    فهذا الأعرابي مسلم، وثبتت له الصحبة بأنه رأى رسول الله وخاطبه، ولا يشترط في الصحبة طول الملازمة كما يقول بعض العلماء، فاكتفى منه بالشهادتين فقبل خبره، وأمر بلالاً أن يؤذن في الناس بأن يصوموا غداً، ولم يكن عندهم مدافع، ولا برقيات، ولم يكن هناك إذاعة، والأذان كان أكبر وسائل الإعلام.

    1.   

    شرح حديث: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)

    قال رحمه الله: [ وعن حفصة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان ، وللدارقطني : (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) ].

    كأن المؤلف رحمه الله يذكر الأحاديث بالتسلسل التشريعي، فذكر أولاً: (لا تصوموا قبل رمضان بيوم أو يومين) ، قبل أن يأتي الشهر، فإذاً: ما صمنا اليوم ولا اليومين، ثم جاء اليوم الذي يشك فيه فقال: (لا تصوموا يوم الشك) ، ثم تعدى يوم الشك، قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، فهذا تسلسل حدثي ماض، وبعد أن رأينا الهلال، وصمنا لرؤيته، بدأ في بيان الصوم، فإذا كنت رأيت الهلال وثبت عندك وستصوم، فلابد أن تبيت النية بليل.

    وهذا الحديث عن حفصة رضي الله تعالى عنها، وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمر يروي عن أخته هذا الحديث، وبعضهم يقول: هذا موقوف عليها، أي: من قولها هي. والبعض يقول: لا، لقد رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير هذه الرواية. إذاً: حديث تبيت النية للصوم جاء عن حفصة تارة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة موقوفاً صناعة أو شكلاً على حفصة ، ومهما يكن من شيء، فتصحيح الصوم بالنية، وعدم تصحيحه بدونها هل هذا من حق أحد سوى الوحي المنزل؟ فكون الصوم يشترط فيه تبييت النية أو لا يشترط هل من حق أحد أن يجتهد فيه؟ هل من حق أحد أن يتدخل فيه؟ لا، إنما ذلك لا يكون إلا توقيفاً عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً حفصة رضي الله تعالى عنها حينما قالت: لا صيام لمن لم يبيته بليل. لم تأت به من اجتهادها ولا تفكيرها، بل نجزم يقيناً أنها ما قالته إلا بعد أن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤكد هذا أنها زوجه، ومن أقرب الناس إليه، ولا يفوتها مثل هذا، وعلى هذا فهو وإن كان موقوفاً شكلاً على حفصة ؛ لعدم ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو مرفوع حكماً؛ لأنه ليس مما يحتمل الاجتهاد.

    وعلى هذا يكون صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يُجمع -من لم يزمع، من لم يبيت... كل هذه ألفاظ جاءت في هذا الحديث وغيره- الصوم بليل فلا صوم له) ، وكلمة (ليل) هنا: ظرف لنية الصوم نهاراً، ومتى تكون النية إذاً؟

    قالوا: من بعد غروب الشمس أول الليل إلى قبيل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وهذا كله ليل، إذاً: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ليل.

    حكم النية في الصوم

    وهنا يبحث العلماء عن حكم النية في الصوم، فيقسمون الصوم إلى صوم رمضان وما في حكمه: صوم النذر، صوم الكفارة، والقسم الآخر صوم التطوع، والجمهور على أن صوم رمضان وما يلحقه في الحكم لا يصح إلا إذا بيت النية من الليل، ومن أي جزء من الليل؟

    قالوا: من عند غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ففي أي لحظة من ذلك الوقت نوى الصوم فقد حصل المطلوب.

    وقوله: (يبيت) هل يشترط أن يأتي بهذه الألفاظ والقوالب لمعانيها، فيقول: نويت الصوم يوم غد الخامس عشر من رمضان سنة ألف وأربعمائة وخمسة عشر بالمدينة المنورة؟ هل يلزم هذا كله؟ لا أبداً، ونويت الصوم غداً. هل تلزم هذه؟ أيضاً لا، وكونه بعد غروب الشمس علم بثبوت رمضان، وحمد الله أنه أدركه، وغداً سيصوم الناس، وهو مع الناس، فهذه نية، وهذا الإدراك في نفسه هو بنفسه نية، ولو كان نائماً، ولا يدري عن مجيء رمضان، وأيقظه أهله وقالوا: قم! قال: ما الأمر؟! قالوا: قم تسحر. قال: لماذا؟ قالوا: جاء رمضان. قال: الحمد لله، وقام فتسحر معهم للصيام غداً، فهذه نية، فالنية في الصوم هو ورود الصوم على خاطره بالجزم أنه صائم غداً.

    وهل يتعين كل ليلة نية لصيام نهارها أم يكفي من أول ما ثبت رمضان أن ينوي أنه صائم الشهر إن شاء الله، وتكون نية بالجملة تشمل الشهر كله؟

    بعض العلماء كالحنابلة يقولون: تجزئ. ويأتون بقاعدة: هل رمضان بأيامه الثلاثين عبادة واحدة أو كل يوم عبادة مستقلة عن الآخر؟ فمن نظر إلى أن رمضان فرضاً واحداً قال: تجزئه نية واحدة. ومن نظر إلى أن كل يوم فرضاً مستقلاً بذاته قال: لابد لكل يوم من نية. والنية على ما تقدم بيانها.

    وهل صيام رمضان عبادة واحدة أم أن كل يوم عبادة مستقلة؟

    يترجح لي -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه المالكية من أن كل يوم عبادة مستقلة بذاتها.

    ولماذا؟

    يقول المالكية: من أفسد صوم يوم من رمضان، -مثلاً- يوم تسع وعشرين من رمضان، فهل أفسد رمضان كله أو هذا اليوم فقط؟ هذا اليوم فقط، إذاً: هذا اليوم عبادة مستقلة بذاتها، فالأولى تبييت النية لكل يوم.

    وكما أشرنا أن مجرد خطور الصوم على باله ليلاً يجزئ.

    وينبه العلماء على أنه من كان عازماً على سفر، وحجز في الطائرة، والموعد غداً في التاسعة صباحاً، والحجز مؤكد، والتذكرة في جيبه، والسيارة ستوصله إلى المطار، إذاً: السفر بالنسبة لهذا (99.9%)، فهذا الشخص يتعين عليه ما دام في بلده أن يبيت الصوم لذلك اليوم الذي هو غداً مسافر فيه، ولماذا؟ لهذا الواحد من عشرة من مائة، لاحتمال أن يتخلف السفر، -مثلاً-: ألغيت الرحلة غصباً عنه، جاء الذي كان سيسافر من أجله، كأن يكون طلب شيئاً من جدة أو من خارج البلاد وتأخر عليه، وعزم أن يسافر ليأتي به، ففي الصباح الحجز الساعة التاسعة، وفي الساعة سبعة جاء الذي يقول له: خذ حاجتك. فهل سيسافر أم يمتنع؟ سيمتنع لانتهاء المهمة. إذاً: عليه أن يبيت النية، حتى إذا تعطل السفر يكون قد احتاط ومعه شرط صحة صوم يوم غد، وإن حصل سفر فمع السلامة.

    وكذلك المرأة التي تعلم من نفسها مجيء الدورة، ومتعودة أنه يوم كذا تأتي الدورة، وتعلم أن غداً موعد الدورة بعد الظهر، فعليها أيضاً أن تبيت النية للصوم؛ لأن الدورة ليست حركة ميكانيكية مثل الساعة، قد تتأخر إلى ما بعد غروب الشمس، إذاً: تبيت النية للصوم، فإن جاءت الدورة خرجت من الصوم، وإن لم تأت الدورة واصلت الصوم، وصح صومها لهذا اليوم.

    عدم اشتراط تبييت النية في صوم التطوع

    الصوم منه فرض ومنه نافلة، هل يشترط لصحة صوم النافلة أن يبيت الصوم بليل أيضاً أو يصح للإنسان أن ينشئ نية الصوم للنافلة في النهار بعد طلوع الفجر؟

    الجمهور على أنه بالنسبة للنوافل له أن يعقد الصوم في النهار ما لم يكن قد أكل.

    إذاً: تبييت الصوم بليل عام، ويستثنى منه النوافل، وما الذي أخرج النوافل من عموم الصوم؟

    قالوا: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فقال: هل عندكم من شيء؟ قلنا: لا. قال: إني إذاً صائم) (إني إذاً) أي: في هذا الوقت نويت الصوم، فما دام لا يوجد أكل فسأصوم، وهذا بشرط ألا يكون أكل قبل ذلك.

    وبعضهم يقول: لو أكل في يومٍ صومه واجب، وهو غافل عنه، فيمسك حينما تبين له، ويقضي يوماً آخر، فمثلاً: الصبي يبلغ في نصف النهار، احتلم وأصبح مكلفاً، فيمسك عن الطعام في ذلك اليوم، ولأنه قد أكل فعليه قضاء يومه، وإذا لم يكن قد أكل فكثير من العلماء يقول: يجزئه؛ لأنه قبل البلوغ غير مكلف، واليوم سليم لم يقطعه بطعام. والآخرون يقولون: لا، يقضي يوماً غيره؛ لأنه لم يبيت الصوم بليل، ومثل ذلك الكافر إذا أسلم أثناء النهار. والحائض إذا طهرت أثناء النهار، فإنها تمسك لحرمة رمضان، ولأنها أمسكت وصامت نصف نهار، والنهار لا يتجزأ، فعليها أن تقضي هذا اليوم المجزأ.

    هذا ما يتعلق بوجوب تبييت النية للصوم.

    بعض العلماء يقول: بالنسبة للنية الإجمالية من أول الشهر، لو قدر أن هذا الذي نوى إجمالاً طرأ له سفر يبيح الفطر، لكنه اختار الصوم، فهل تجزئه نية الإجمال الأولى أو يتعين عليه لكل يوم نية؟

    قالوا: المسافر عليه أن يبيت النية لكل يوم، وما الذي أخرج المسافر على القول بأن الشهر كله تكفيه نية واحدة؟

    لأن المسلم مكلف أن يصوم الشهر كاملاً، لكن المسافر جاءته رخصة، فله أن يصوم، وله أن يفطر، والمقيم ليست عنده رخصة، وليس مخيراً، بل عليه الصوم، فتكفيه النية الأولى، أما إذا أنشأ سفراً، فالسفر يعطيه حق الصوم وحق الفطر، فهذه الليلة لا ندري هل هو في الغد صائم أم مفطر؟

    فيتعين على المسافر عند الجميع أن يبيت النية لكل يوم؛ لأنه دائر بين جواز الصوم وجواز الفطر، فلا بد أن يحدد.

    هذا ما يتعلق بمبحث تبييت النية في الصوم ما بين فرض وما بين نفل، وما بين سفر وحضر.