إسلام ويب

كتاب الزكاة - باب قسم الصدقات [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من حكمة الله عز وجل أن جعل الناس طبقات مختلفة ومتفاوتة في الرزق، فجعل منهم الأغنياء والفقراء لينظر الشاكر من الكافر، وجعل للفقراء في مال الأغنياء نصيباً، ثم قسم هذا النصيب عليهم، وجعله محرماً على الغني، فلا تحل الصدقة لغني إلا في خمسة أحوال، وقد وضح الشيخ وجه حلها لهم وحكمة ذلك.

    1.   

    شرح حديث: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغنيٍ إلا لخمسة: لعاملٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكينٍ تُصدق عليه منها، فأهدى منها لغني) رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة وصححه الحاكم وأُعل بالإرسال ].

    حسن ترتيب المصنف لأحاديث الكتاب

    نلاحظ أن المصنف رحمه الله رتب هذا الكتاب ترتيباً عملياً، فذكر أولاً كتاب الزكاة، ثم بيَّن لنا ما هي الأموال الزكوية، فبين أنها من بهيمة الأنعام، ومن الذهب والفضة، ومن عروض التجارة، ومما تخرجه الأرض، وبيَّن لنا أنصباء كل نوعٍ من الأموال الزكوية، سواء في بهيمة الأنعام المختلفة، ففي الإبل أول نصابٍ خمس وفيها شاة، وفي الغنم أول نصابٍ أربعون وفيها شاة، وفي البقر ثلاثون وفيها تبيع.

    ثم بيَّن لنا أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً وفيها ربع العشر، وأن نصاب الفضة مائتا درهمٍ وفيها ربع العشر، ثم بيَّن لنا أيضاً عروض التجارة، وأنها تُقوَّم بالأحظ للمساكين بالذهب أو بالفضة وفيها ربع العشر، ثم بيَّن لنا نصاب الحبوب والثمار التي تزكى، وأن أول نصابها خمسة أوسق، وأن ما سقي بماء السماء أو العيون بغير كلفة ففيه العشر، وما سقي بالكلفة ففيه نصف العشر.

    ثم عقَّب على ذلك بزكاة الفطر، وهي صاعٌ على كل إنسان سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً من المسلمين.

    تولي الله تعالى لقسمة الصدقات

    وبعد أن بيَّن هذا كأنه يقول: لقد عرفنا الأموال الزكوية وعرفنا أنصباءها، فلمن تعطى تلك الزكوات التي جمعناها؟

    فجاء بـ(باب قسم الصدقات)، والأصل في هذا ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله لم يكل قسم الصدقات إلى أحد، لا إلى صاحبها، ولا إلى نبيٍ مرسل، ولا إلى عالم فاضل، إنما تولاها سبحانه بنفسه، وكذلك الأموال المكتسبة بغير كدٍ ولا جهد، مثل الميراث، فقد تولى الله قسمته، وبيَّن أنصباء الورثة من الأقارب، كالأبوين والزوجين والأولاد، وبيَّن لكل صاحب فرض فرضه؛ لأن الميراث كسبٌ إجباري، ولا يملك إنسان أن يقول: أنا لا أرث، أو لا أريد الميراث، فنقول له: بل تمتلكه رغماً عنك، ثم بعد أن تمتلكه بالتوريث فتنازل عنه لمن شئت، فهو يدخل في ملكك بالقوة.

    فإذا قالت الأم مثلاً: لا أريد، فاجعلوا نصيبي وهو لأولادي، نقول: جزاكِ الله خيراً، نصيبك يدخل في ملككِ ثم يتحول عنكِ إلى أولادك، وهكذا الزوج لو قال: لا أريد من زوجتي ميراثاً، فنقول: جزاك الله خيراً، بعد أن يدخل في ملكك اعتباراً يتحول إلى أولادها منك أو من غيرك.

    إذاً: الميراث ملكٌ إجباري، ولهذا تولى الله قسمته.

    والصدقات كذلك، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المبادئ في قسمتها، فأما القرآن الكريم فقوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60].

    و(إنما) كما يقول علماء البلاغة: أداة حصر، فبين سبحانه القنوات التي تسير فيها الصدقات، وهي ثمانية أصناف، وجاء في الصفة العامة فيمن يستحق الزكاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث معاذ عندما بعثه إلى اليمن فقال له: (أخبرهم أن الله افترض عليهم زكاةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).

    إذا نظرنا إلى الأصناف الثمانية في الآية الكريمة فسنجد أن عنصر الافتقار موجودٌ فيها كلها بدون استثناء.

    في الآية الكريمة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) قال: (الصدقات) ولم يقل: (صدقة)؛ لأنها بالنسبة لتنوع الأموال الزكوية فهي صدقات: صدقة الإبل، صدقة الغنم، صدقة البقر، صدقة الحبوب، صدقة النقدين، صدقة التجارة، فهي صدقات ولهذا جمعت (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ)، وأداة الحصر تمنع دخول غير المحصور عليهم، فالذي يلي (إنما) هو المحصور، والمحصور عليه يأتي بعد المحصور.

    إذاً: (إنما) أداة حصرٍ بإجماع أهل اللغة، و(الصدقات) محصورة على من يأتي بعدها من الأصناف الثمانية.

    ومن هنا يتبين أنه لا صدقة على غنيٍ؛ لأنه خرج عن نطاق الفقر والحاجة، وهما عنصران موجودان بقوة أو بضعفٍ في الأصناف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة.

    1.   

    الأغنياء المستثنون من تحريم الصدقة عليهم

    هنا بدأ المصنف رحمه الله ببيان من لا تصح لهم الصدقة؛ لأن الذين تصح لهم الصدقة أصناف ثمانية، وأما الذين لا تصح لهم الصدقة فهم صنفٌ واحد وهم الأغنياء، وكما يقال: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، والشيء الذي يمكن حصره في التعليم والبيان ذكره أولاً أولى من الذي لا يمكن حصره، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل: (ماذا يلبس المحرم يا رسول الله؟...) فالسؤال كان عن الذي يلبسه المحرم، فقال: (لا يلبس المحرم...)، فنحن نسأل عن الملبوس، فأفادنا ما هو الذي لا يلبس؛ لأن ما يلبس لا حصر له، ولكن المراد هو اجتناب ما لا يلبس، واجتناب ما لا يلبس معدود.

    إذاً: لا يلبس القُمص ولا العمائم ولا البرانس، ولا السراويل ولا الخِفاف، فهذه أشياء محدودة، أي: فاجتنبها والبس بعد ذلك ما شئت.

    فيكون ذكر ما هو محصور أسهل وأيسر في التعليم من ذكر وتعداد ما لا حصر له، ولهذا بدأ المصنف رحمه الله كتاب تقسيم الصدقات بذكر من لا تحل لهم.

    قال: (لا تحل الصدقة لغنيٍ إلا لخمسة):

    (لا تحل) أي: تحرم ولا تجوز.

    من هو الغني ومن هو الفقير؟

    يختلف العلماء في حد الغني والفقير، فبعضهم يقول: الغني هو: من عنده قوت يومه وليلته؛ لأنه ليس محتاجاً، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن الغني هو من يملك نصاباً؛ لأنه يعطي، والناس أحد قسمين: إما غنيٌ يزكي، أو فقيرٌ يأخذ، فالقسمة ثنائية، فالغني الذي تجب عليه الزكاة هو من امتلك النصاب، والفقير الذي يحق له أن يأخذ الزكاة هو من لم يمتلك نصاباً، ولهذا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله أن تعطي من الزكاة شخصاً يملك مالاً أقل من النصاب قليلاً؛ لأنه بهذا الوصف فقير وليس بغني.

    الصنف الأول: العامل عليها

    فهذه الزكاة أو الصدقة لا تحل لغنيٍ، ولكن هناك حالات اعتبارية تستثنى ولا تكون أساساً في أخذ الصدقة، ولكنها أمور اعتبارية تكون مع الأغنياء، فتحل لهم أخذ الصدقة وأكلها وهي:

    قال: (لعاملٍ عليها)

    العامل عليها هو من الأصناف الثمانية، والعاملون عليها هم الذين يكلفهم الإمام أن يخرجوا إلى البوادي ومواطن الأموال يحصون ويخرصون الأموال على أصحابها، ويأخذون منهم الزكاة نيابةً عن الإمام؛ لأن التكليف بجمع الزكاة من الأغنياء ابتداءً كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليس لديه من الوقت والإمكانيات ما يكفيه لكي يذهب إلى المياه والبوادي وإلى أصحاب الأموال حتى يجمع الزكاة، فكان ينيب عنه من يقوم بذلك؛ لقوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103].

    فـ(خذ) هنا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت، ومن منعها أخذناها)، و(نا) هنا ضمير المتكلمين، والمراد النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غيره: (ومن منعها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لمحمدٍ ولا لآل محمد منها شيء).

    لو وقفنا هنا لوجدنا كم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحمل من أجل الأمة!! يقول: إن الذي يمتنع عن أداء الزكاة سنأخذها منه بالقوة، ونأخذ نصف ماله، وهل سيسلم نصف ماله أو سيقف دونه؟ الجواب: سيقف دونه، وإذا وقف دونه قاتلناه حتى نأخذه بالقوة.

    هذا التكليف من الله في تحميل الرسول صلى الله عليه وسلم مسئوليتها، من أجل ان يقوم بها من يأتي بعده، ولهذا قام الصديق رضي الله تعالى عنه بهذا التكليف حينما امتنع قومٌ من دفع الزكاة إليه، بحجة أنهم مسلمون يصلون ويصومون، وسيزكون أموالهم بأنفسهم.

    فما الفرق بين أن كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أن يؤدوها إلى خليفته أبي بكر ؟

    أجابوا وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يأخذها منا، قد قال الله له: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، وهنا أبو بكر لا يصلي علينا، ولو صلى فصلاته علينا ليست كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فاتت صلاة رسول الله علينا عند إعطائه الزكاة، فلا نعطيها غيره، فهم مقرون بها، فأقسم أبو بكر وقال: (والله! لو منعوني عَقَالاً أو عِقَالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه)، فهو لن يأخذها لنفسه وإنما سيأخذها ويقسمها أيضاً على الأصناف الثمانية.

    وهكذا يُحفظ ماء وجه الفقير، فلا يذهب إلى الغني ويقول: لي حقٌ في مالك فأعطنيه، قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، فقد يماطله ويقول: تعالى إلينا غداً.. أو نحن مشغولون الآن، فيبقى المسكين يتردد عليه من أجل أن يحصل على حقه.

    فحفظ الله كرامة المسكين في الإسلام ولم يعرضه لمذلة السؤال في حقٍ هو واجبٌ له، وكلف رسوله صلى الله عليه وسلم بجمعها، وهكذا الخلفاء من بعده، ومن بعدهم، فكل من قام بأمر المسلمين عليه أن يقوم ويجمعها بنفسه، أو ينيب عنه من يجمعها ويأتي بها ليصرفها في مصارفها، كما فعل صلى الله عليه وسلم.

    فالعاملون عليها هم الذين ينيبهم ولي الأمر بأن يذهبوا ويجمعوا الصدقات من الأغنياء ويعطوها الفقراء، فهذا الذي قام وعمل لن يعمل مجاناً، وإنما هو عامل كالموظف، ومثل هذا يكون غنياً في نفسه، وليس في حاجة إلى الصدقة، ولكن ولي الأمر هو الذي كلفه بجمع الزكاة على أن يعطيه أجره، فيكون العامل على جمع الزكاة أجيراً للفقراء والمساكين وليس لولي الأمر؛ لأن الأجير لم يجمع الزكاة لولي الأمر ليأخذها لنفسه، بل ليوزعها على الفقراء والمساكين، فيأخذ العاملون على جمع الزكاة أجرهم من حق الفقراء.

    إذاً: العاملون على الزكاة هم أجراء وموظفون لحساب المساكين أصحاب الزكاة ليجمعوا الزكاة ويحضروها، فيجب أن يقتطع من حق أصحاب الزكاة أجر الأجراء، ولكن إن تحملت الدولة أجور العاملين على جمع الزكاة من عندها فجزاها الله خيراً، وإن لم تتحملها واقتطعتها من حق الفقراء فلها ذلك؛ لأنهم عملوا من أجلهم وجمعوها إليهم فلهم الحق فيها، فهذا العامل لو كان غنياً يخرج الزكاة عن ماله ويخرج زكاة أشياء عديدة، ولكن له حق من الزكاة؛ لأن ما يأخذه لا يأخذه لفقرٍ ولكن لأجرة العمل، فهو مثل أي موظف، فأعلى موظفٍ في الدولة يأخذ راتباً مقابل عمل، وهذا يأخذ أجراً مقابل عمل.

    ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم أن يكونوا من العاملين على جمع الزكاة؛ لأنهم سيأخذون أجرهم من حق الفقراء، من الصدقات، ولذا يقول بعض الفقهاء: يجوز لبني هاشم أن يكونوا عاملين عليها إن أعطاهم ولي الأمر أجراً من بيت المال، لا من الصدقات التي يجمعونها.

    إذاً: لا تحل الصدقة لغنيٍ. هذه قاعدة عامة، يستثنى منها العاملون عليها؛ لأنهم يأخذونها أجراً على عملهم.

    فالعامل له أن يأخذ أجره مقاطعةً، كأن يكون له في اليوم كذا، أو في الشهر كذا، أو يجعل له نسبة فيما يجمعه، مثلاً: (1%)، أو (0.5%) يجمعه من الزكوات، وهذا يرجع إلى نظر الإمام؛ لأنه يعمل لما فيه مصلحة الطرفين، (الغني والفقير)، والمصلحة مراعاة للجانبين ابتداءً: جانب الفقراء، إن وجد أن من مصلحة الفقراء أن يجعل الإمام للعامل حصةً مقطوعة كنسبة مئوية، أو أجراً معيناً في الشهر أو الشهرين أو في مدة جمع الزكاة، فله ذلك.

    الصنف الثاني: رجل اشتراها بماله

    قال: (أو رجلٍ اشتراها بماله)

    أي: أو رجل غنيٌ اشترى الزكاة بماله، كأن يكون هناك إنسان فقير وجاءته زكوات وكثرت عن حاجته، وكان يحتاج إلى شيءٍ آخر سوى ما جاءه من الزكوات، كأن جاءته عشر شياه وهو يكفيه خمس أو ست يشرب حليبها، والباقي ليس عنده راعٍ يرعاها ولا يريد أن يكلف نفسه الرعي، ويحتاج إلى ملابس لأولاده، ويحتاج إلى الأرز والسكر والشاي، فيبيع من تلك الشياة التي جاءته صدقة؛ لأنها زائدةٌ عن حاجته وقد اقتصر على حاجته ليوجهها في حوائج أخرى.

    فجاء إلى جاره وقال له: جاءتني شياه وهذه زائدة عندي، فإن كان لك رغبة في شاة أو شاتين أو ثلاث بعتها لك، وجاره الغني يعلم أنها جاءت لجاره الفقير صدقة فاشتراها، فهو لم يأخذها على أنها صدقة وإنما اشتراها بماله، ولا فرق عند دفع الثمن بين أن يشتريها من فقير جاءته صدقة، وبين أن يذهب إلى السوق ويشتريها من التاجر.

    إذاً: هذا الغني الذي اشتراها بماله لم يأكلها صدقة، ولم يُتصدق بها عليه، وإنما هي بمقابل ماله ولو كان يعلم بأنها من الصدقات التي تُصدق بها على جاره.

    الصنف الثالث: الغارم

    قال: (أو غارم).

    الغارم ينقسم إلى قسمين: غارمٌ لنفسه، وغارمٌ لغيره.

    والغارم لنفسه تحته قسمان: غارمٌ في وجهٍ شرعي، وغارمٍ في وجه غير شرعي.

    فالغارم في وجهٍ شرعي: مثل إنسان متزوج امرأتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وكل امرأة في كل سنة تلد توأمين، فأصبح في أربع سنين أو خمس سنين عنده عدد كبير من الأولاد، وإمكانياته لا تفي بحاجات هؤلاء، وهو مكلف بأن يسعى لسد حاجاتهم، فأخذ يستدين، والناس يعرفون ظروفه فأقرضوه وداينوه، حتى كثرت عليه الديون وأصبح غارماً لأصحاب الديون، فهذه الديون لحقته بسبب شرعي؛ لأنها لإعالة نفسه وأولاده.

    والغارم لنفسه في وجهٍ غير شرعي: مثل إنسان أخذ يبذر بماله الذي في يده في أمور غير مشروعة، إما أنها من باب التبذير في الحلال أو من باب الإنفاق في الحرام حتى فني ماله، ثم أخذ يستدين، فإذا كان يستدين لينفق في وجوهٍ محرمة لحقته الديون وأصبح غارماً، والديون التي لحقته وأصبح غارماً بسببها لأصحابها أنفقها في وجهٍ محرم، فحينئذٍ ذاك غرم في وجهٍ شرعي لحظه وحظ عياله، وهذا غرم في وجهٍ غير شرعي.

    فالغارم لنفسه غرماً شرعياً له حق أن يأخذ من الزكاة من أجل أن يسدد دينه الذي ركبه بسبب الحاجة وبالوجه الشرعي، وفي ذلك إعانة له على حياته، قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].

    أما الغارم في وجهٍ غير شرعي فلا يعطى من الزكاة؛ لأنه يدفعها في محرم، ويضعها في غير طريقها، ولو أعطيناه لكنا قد أعناه على الإثم والعدوان، والله قد نهى عن ذلك.

    إذاً: الغارم لحظ نفسه تحته هذان القسمان، أحدهما يأخذ والآخر لا يأخذ.

    والغارم لحظ غيره: مثل: رجل من أهل المروءات والنجدة والإحسان والإصلاح بين الناس، وجد عائلتين أو شخصين قد وقع بينهما نزاع وخصومة، والنزاع والخصومة في أموال، والأموال ملتبسة مشتبهة، وكلا الفريقين يدعي على الآخر وأدلتهم غير واضحة.

    فجاء يصلح بينهم بعد أن وقع بينهم النزاع والقتال والقطيعة والخصومة، فقال: أنا أتحمل لكم المال الذي تختلفون فيه مقابل الكف عن النزاع، فكفوا وتصالحوا وكونوا إخواناً، وهذا المال الذي هو سبب النزاع أنا أضمنه، فطالبوه فقال: أنا أجمعه لكم؛ لأنه ليس عنده مقدار المال الذي ضمنه للطرفين، فله الحق أن يأخذ من الزكاة ما يسدد ما ضمنه في ذمته للمتخاصمين؛ لأن في ذلك إصلاحاً بين الناس، حتى أن بعض العلماء قال: ولو كان غنياً فيعطى ولا نرهقه في ماله، حتى لا يتوقف بعد ذلك عن الإصلاح بين الناس.

    فإذا علم أنه سيسدد عنه من مال الزكاة ما ضمنه للغرماء الذين أصلح بينهم، فلن يتأخر في قضيةٍ أخرى أن يدخل فيها بالإصلاح.

    إذاً: الغارم لغيره يُسَاعد ويعطى ولو كان غنياً، ولا نرهقه في ماله؛ لأنه فاعل خير، وما دام فاعل خير فإنه يجب أن نعينه على فعل الخير.

    وأعتقد أن هذا كان معروفاً في الجاهلية عند العرب، فقد كانوا إذا تقاتلت قبيلتان وطال القتال بينهما يأتي شخص ذو نجدة ومروءة ويسعى بين الفريقين بالصلح فيكفوا عن القتال ثم ينظر: ماذا لكل قبيلة عند الأخرى من الدية؟ فتكون هناك المقاصة وما زاد يتحمله هو، سواء من ماله إن كان ذا مالٍ وفير أو يتعاون معه العرب ويجمعون له ما تحمل في ذمته، فيوفي ما التزم به للغرماء.

    الصنف الرابع: الغازي في سبيل الله

    قال: (أو غازٍ في سبيل الله).

    كأن يدعو الإمام إلى النفير العام، وأن كل من كان ذا قوةٍ على القتال فليتقدم.

    فإذا تقدم رجل غني، وقال: أنا أريد سلاحاً، أعطوني سلاحاً وفرساً، ولوازم القتال، فله أن يأخذ من الزكاة ما يجهزه، قيل: لأول غزوة؛ لأنه بعد ذلك إن استشهد فإلى رحمة الله، وإن عاش فله من سهم الغنائم ما يغنيه.

    وإن كان فقيراً لا مال عنده، فعلى ولي الأمر أن يزوده إن استطاع، وإن لم يكن عند ولي الأمر ما يزوده فالكل معذور كما قال الله: تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92]، فهو أدى ما عليه وتطوع بنفسه، ولكن لم يجد آلة القتال، ولا يمكن أن يذهب أعزل ليقابل مسلحاً، فهذا تهور وليس بقتال ولا شجاعة.

    إذاً: الغازي في سبيل الله إما فقير وإما غني، فإن كان فقيراً تعين على ولي الأمر أن يزوده بما يحتاجه من نفقةٍ في السفر، ومن سلاح وملبس ومركب وكل ما يحتاجه المقاتل، وإن كان غنياً فإن تبرع من عنده فهو غازٍ بماله ونفسه، وإن لم يتبرع فهو غازٍ بنفسه دون ماله، وله أن يأخذ من الزكاة ما يجهزه.

    وهنا يقول بعض العلماء: لو أننا قدَّرنا له في هذه الغزوة مسيرة شهر -الذهاب مع المعركة والعودة- ولكنه ذهب وقاتل ورجع في مدة عشرين يوماً، فهل نسترجع من هذا الغازي ما يقابل العشرة الأيام التي كنا قدَّرناها زيادة أم لا؟

    ولو أننا قدَّرنا له في اليوم عشرة ريالات، واستغرق الشهر المقدر له، لكنه بدل أن يصرف عشرة ريالات في اليوم صرف خمسة ريالات، فرجع بنصف المبلغ الذي أعطيناه إياه، فهل يستحق الباقي الذي وفرَّه مما قدرناه له وأعطيناه إياه أم أنه لا يستحقه وعليه أن يرده إلى بيت مال المسلمين؟

    الجمهور على أنه إن كان قد قتر على نفسه وضيق عليها في نفقته وما يلزمه حتى وفَّر شيئاً، فقد وفر من ملكه الذي أعطيناه إياه وامتلكه بوجهٍ شرعي، فما زاد فعليه وما نقص فله ولا يطالب بإعادة شيء؛ لأننا أعطيناه شيئاً مقطوعاً وقلنا: هذا مقابل ذاك.

    فالغارم إذا كان الدين الذي ركبه غرمه لنفسه في الخير أو لغيره، فإن كان لنفسه في نفقته ونفقة عياله، إن أعطي تطوعاً دونما حساب أو تقدير فكل ما جاءه يملكه، وإن كان غارماً لدينٍ أصلح به بين فريقين وتعين الدين الذي غرمه مائة ألف مثلاً وجاءه مائتا ألفٍ أو ثلاثمائة ألف، فعليه أن يرد الباقي إلى بيت مال المسلمين؛ لأنه غنيٌ في ذاته وقد أعطيناه ما لحقه للمتخاصمين، فهو لم يُعط لكي يُتصدق عليه فهو غني، لكنه تصدى للإصلاح بين الفريقين، والإصلاح احتاج إلى مائة ألف، وعلم الناس بذلك فأخذوا يعطونه من حساب الزكاة حتى زاد على الدين الذي هو مطالبٌ به، فما زاد عن الدين الذي هو مدينٌ به وملتزم به بين الفريقين يرده؛ لأنهم لم يعطوه ليتملك ويستغني بمال الزكاة.

    الصنف الخامس: الهدية للغني من الفقير المتصدق عليه

    قال: (أو مسكينٌ تُصدق عليه منها فأهدى منها لغني).

    مثل أن تتصدق على جارك بزكاة الفطر تمراً أو براً أو زبيباً أو غير ذلك، فجئت يوم العيد تزوره فقدم إليك القهوة مع التمر -كما هي العادة- فنظرت وفطنت بأن التمر الذي قدمه إليك هو من تمرك الذي تصدقت به عليه، فهو عنده تمر كثير، وتُصدق عليه بتمور متعددة، ولكن حينما جاء بالقهوة وجاء معها بالتمر صادف أن جاء بالتمر الذي جاءه من عندك أنت، فحينما يقدم لك التمر مع القهوة هل تنظر وتقول: أنا لا أكل هذا؛ لأن هذا من صدقتي عليك، وأنا غني عن أكل الصدقة، أم أنك لا تأكل صدقةً ترجع فيها، ولكن قرىً وضيافة؟

    الجواب: أنك تأكل؛ لأنك حينما تأكل من التمر لا تأكله على أنه منك، بل على أنه منه هو؛ لأنه قد امتلكه بوجهٍ شرعي وأصبح في ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك، إن شاء دفعه في صدقةٍ عنه وعن عياله، وإن شاء باع الزائد، وإن شاء أطعمه فقراء آخرين، وإن شاء ضيفك به.

    إذاً: هذا غني، وهذه الصدقة تصدق بها بالأمس وقُدمت إليه وهو غني، فلا مانع أن يأكلها، فهي تحل له؛ لأنها قدمت إليه لا في إطار الصدقة، ولكن في إطار الضيافة والقِرى.

    ومن هنا -كما يقولون- اختلف الاتجاه واختلف الاعتبار، واختلفت اليد فاختلف الحكم كما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه: (أنه أصبح ذات يوم وقال: ائتوني بغدائي -والغداء كان في الضحى- فقدموا إليه خبزاً وخلاً وملحاً، فقال: لماذا الخل والملح وأنا أرى البرمة تغط باللحم؟ فقالوا: يا رسول الله! إن ما في البرمة لا يحل لك، قال: ولماذا؟ قالوا: إنه لحمٌ تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة -فهذا كلام فقهي صحيح- فقال: هو عليها صدقة ولنا منها هدية)، فيكون قد اختلف الاعتبار واختلفت اليد، مع أن اللحم واحد، فهذه فخذ شاة، وضعت في يد بريرة، فامتلكتها بريرة ، ثم طبختها، فلها بعد ذلك أن تهدي منها لمن تشاء، فحينئذٍ أكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار أنها هدية من بريرة، والمتصدق ذهب لحاله، والصدقة وصلت محلها وانتقلت من المتصدق عليه إلى الآخرين هديةً.

    وهكذا.. هذا غنيٌ تصدق على فقيرٍ بتمرٍ أو بلحمٍ أو بخبزٍ أو بأي شيء، ثم جاء الغني يزوره فقدم إليه طعاماً ومن ضمن الطعام ما كان تصدق به بالأمس عليه، فحينئذٍ تحل له تلك الصدقة؛ لأنها قدمت إليه باسم الضيافة لا باسم الصدقة.

    1.   

    تحريم الصدقة على الغني بمال أو تكسب

    قال المصنف رحمه الله: [وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار رضي الله عنه: (أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلَّب فيهما النظر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقويٍ مكتسب)رواه أحمد وقوّاه أبو داود والنسائي ].

    بعدما بين المصنف رحمه الله أن الصدقة لا تحل للغني الذي عنده من المال ومن الطعام ما يغنيه عنها، جاءنا بنوعٍ آخر من الغنى، وهو غنى غير مباشر، فجاء بحديث أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة، فنظر فيهما فوجدهما جَلِدين، -(الجَلِد) القوي- فنظر فيهما وصوب النظر وتأمل، ثم قال لهما: (إن شئتما أعطيتكما)، ثم بيَّن لهما أن الصدقة التي يطلبانها لا تحل لغنيٍ ولا لقوي مكتسب.

    يعني: إذا كان قوياً في بدنه فهذه طاقة يستطيع أن يستعملها ويتكسب بمقتضاها، فهو غنيٌ بطاقته، وبقوته، وباستطاعته أن يجد طريقاً للتكسب بهذه القوة، فإذا كان قوياً جَلِداً لكنه طلب مجالاً يصرَّف فيه هذه القوة ويتكسب عن طريقها ويستغني بما يتكسب فلم يجد؛ فالقوة وحدها لا تكفي، فهو فقير.

    فالقوي المتكسب لا تحل له الصدقة؛ لأنه بتركه التكسب مقصرٌ في حق نفسه، وكان عليه أن يُعمل تلك القوة في مجال التكسب ويستغني بما يتكسبه، وهذا في حدود الطاقة البشرية للإنتاج، فإذا كنت قادراً على العمل ولديك طاقة، فلا تهملها وتعطلها والناس في حاجةٍ إليها! وكما جاء أن شاباً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فوجده جَلِداً قوياً، فسأله عما يملك، ثم أرشده إلى الاحتطاب والبيع.

    وقد نبهنا سابقاً على أن ما تعانيه كثيرٌ من الدول الصناعية وليست النامية فقط؛ هي مشكلة البطالة، ففي بعض الدول في أوروبا توجد ثلاثة ملايين يد عاطلة... فكيف تعطلت طاقة ثلاثة ملايين؟ فلو اجتمعت هذه في جهاد، أو في حفر الأنهر، أو في بناء الجسور، أو في رصف الطرق، فكم ستنتج قوة الثلاثة الملايين هذه؟

    إذاً: الطاقة البشرية هي أعز ما تكون في الأمة، فإذا تعطلت تعطل كثير من رأس مالها، ولهذا لما قال الشاب: ليس عندي شيء، وليس عندي عمل، وليس عندي مجال، وجهه صلى الله عليه وسلم إلى العمل الحر، فقال: (من عندك في البيت؟ قال: أنا والعجوز، قال: ماذا عندك من أثاث البيت؟ قال: حلسٌ نفترش نصفه ونلتحف بالنصف الآخر، وقعبٌ نأكل ونشرب فيه، قال: عليَّ بهما) فأخذهما وقال: (من يشتري مني هذين؟ فباعهما بدرهمين، وأعطى الشاب الدرهمين، وقال: اذهب فاشتر بدرهم طعاماً واتركه عند أهلك، واشتر بدرهمٍ فأساً وحبلاً وائتني بهما، فذهب وأحضر الفأس والحبل، فأخذ صلى الله عليه وسلم عوداً ووضعه في الفأس وقال: خذ واذهب واحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب واحتطب وباع - ثم أتى فقال صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم حبلاً وفأساً فيحتطب فيبيع فيستغني، خيرٌ من أن يتكفف الناس السؤال أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله).

    وهكذا أيها الإخوة! الصحة والقوة والطاقة غنىً، فعلى صاحبها أن يصرفها فيما يعود عليه بما يغنيه عن الناس، وجميع أعمال الناس في هذه الحياة إنما هي بتصريف الطاقة البشرية، فالموظفون في مكاتبهم وفي جميع دوائرهم يتقاضون مرتباً على الطاقة البدنية أو الفكرية التي يبذلونها كل على حسب موقعه، ولهذا كانت المعاوضة على قدر العطاء.

    فالذي لديه وسيلة التكسب وله مجالٌ في إعمالها يعتبر غنياً بوجود هذه الطاقة، ووجود ما يوجهها فيه ويعود عليه ذلك بالكسب.

    أما إذا كانت الطاقة موجودة ولكن ليس لها مجال، ولم يجد ما يوزعها أو يصرفها فيه، فهو فقيرٌ يحتاج إلى العطاء،

    وبالله تعالى التوفيق.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2742179265

    عدد مرات الحفظ

    684659181