إسلام ويب

كتاب الجنائز [7]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة نعي الميت لها حالات منتشرة بين الناس: فهو إما لتجهيزه والصلاة عليه، وإما للصلاة عليه فقط، وإما للمباهاة والمفاخرة بهذا الميت، وإما نوحاً عليه وتفجعاً وندبةً، وفي هذه المادة بيان هذه المسألة وما يتعلق بها

    1.   

    باب كراهية النعي

    حكم نعي الميت

    وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان ينهى عن النعي) رواه الترمذي وحسنه.

    أنواع النعي والجمع بين النهي والفعل

    يلاحظ في هذا دقة العلماء وأن فن التأليف ليس مجرد جمع نصوص! ففي هذا الحديث كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي، وبعده مباشرة يأتي المؤلف بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى، فقد نعى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم موت النجاشي ، فكيف ينهى عن النعي، وكيف نعى؟!

    وهذا كما أشرنا سابقاً فيما يظهر ذلك بدقة أكثر في الموطأ وصنيع الإمام مالك في الموطأ في إيراد الأبواب يفسر بعضها بعضها، فهنا اتفق الجميع.

    ما هو النعي؟ قالوا النعي: خاص بالإخبار عن الميت، مات فلان، ثم يقول ابن عبد البر : النعي على ثلاثة أقسام:

    نعيٌ لمجرد إخبار أهل وأصدقاء الميت من أجل القيام بواجبه من تجهيزه والصلاة عليه والدعاء له ودفنه، فهذا لا بأس به.

    ونعي للمكاثرة والمفاخرة وأن يذهب أشخاص إلى الأسواق أو إلى غير ذلك، ويعلنون موت فلان، فهذا للمكاثرة والشهرة والكثرة، وهو لا يجوز.

    ونعي كنعي الجاهلية: يا سندنا يا سيدنا يا صفوتنا يا كذا..، ويصفونه بصفات أكثرها زور وبهتان، فهذا من النعي المحرم الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: النعي إخبارٌ بموت الميت، هذا الإخبار إن كان لمجرد الإعلام بموته عند ذويه وأقاربه وأصدقائه، ومحبيه ليشاركوا في مصالحه: من تجهيز ودفن وصلاةٍ عليه، ودعاء له، فهذه سنة، وما عدا ذلك فهو داخل في النهي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مع نهيه عن النعي، نعى النجاشي لأصحابه.

    إذاً بهذين النصين واقترانهما نجد أن هناك نعياً منهياً عنه، ونجد هناك نعياً واقعاً بالفعل منه صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يجتمع النهي والفعل، كما أن السلب والإيجاب لا يجتمعان؛ لأنهما نقيضان لا يجتمعان.

    إذاً النعي المنهي عنه: ما كان فيه من صفات الجاهلية.

    والنعي المثبت المشروع هنا: ما كان من حق الميت وفي مصلحته، ثم إن العلماء ذكروا ناحية أخرى وهي أن الميت إذا نعي نعياً كنعي الجاهلية، فإذا وضع في القبر أتاه الملكان يعذبانه ويقولان: أأنت كذا؟ ويضربانه، فيقول: أنا ما قلت، كما جاء عن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: (أنه مرض فأغشي عليه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وعاده وقال: اللهم إن كنت جعلت له بقية في العمر فعافه، وإن كنت كتبت له كذا فسهل عليه، فتعافى وصح وقال: يا رسول الله! أمي كانت تقول كذا أو أختي كانت تقول كذا، فكنت أعذب على ذلك.

    من هنا قالوا: من نعي نعياً كنعي الجاهلية، فإنه يعذب بهذا النعي، فقيل: وما ذنبه وإنما كان النعي من الآخرين، فأجابه: أنه إذا كان يعلم من طبيعة أهله أنهم يفعلون ذلك، فوجب عليه أن يحذرهم، وأن يمنعهم في حياته كما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا مت فلا تنعوني أي كنعي الجاهلية، فإذا كان يعلم من حالهم أنهم يفعلون شيئاً من ذلك، وأوصاهم أن لا يفعلوا وقال: أنا لا أقبل ذلك، برئت ذمته، ومن فعل أقاربه شيئاً من ذلك بعد هذا فعلى أنفسهم، ويكون هو قد خرج من العهدة.

    نعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي وصلاته عليه

    نأتي إلى الحديث الثاني وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي لأصحابه في اليوم الذي مات فيه) وعرفنا بأن نعي النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو مجرد الإعلام ولا شك، والنجاشي كان في الحبشة وهم بـالمدينة ، لا توجد هواتف ثابتة ولا جوالة ولا وسائل إعلام حديثة، لم يكن إلا الوحي، ولم يكن إلا المعجزة، كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما يقع لبعض صالحي الأمة، كما وقع لـعمر حين قال: (يا سارية الجبل) وإن كان بعض الناس، يطعن في هذه القصة وفي الرواية ويرتب عليها أشياء لا طائل تحتها، بل قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم كشف له ما بينه وبين الحبشة .

    نقول: الرسالة والنبوة والأمور الغيبية، لا نتدخل فيها، ويكفي أن نثبت الخبر، وقد جاء في غزوة مؤتة ، وكان ثالث الأمراء ابن رواحة وذلك لما أرسل صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف، وأميرهم زيد بن حارثة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أصيب: فـجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فـعبد الله بن رواحة ، فإن أصيب فليختر المسلمون رجلاً منهم) ثم كشف الله له عن سير المعركة في يومها، فجلس على المنبر ثم قال (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم قال: أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم قال: أخذ الراية عبد الله وصمت، فلما صمت شك أو توهم الأنصار أنه وقع بـابن رواحة ما يكرهون، ثم أعاد وقال: أخذ الراية عبد الله بن رواحة فأصيب) فكان أشد إيلاماً على الأنصار في هذه الواقعة.

    فهنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الذي أخذها أصيب ثم أخذها فلان، وجاء في ترجمة ابن رواحة أيضاً، وفي قصة مؤتة أن رجلاً جاء بخبرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن شئت أخبرتنا، وإن شئت أخبرتك بالواقع، قال: أخبرنا يا رسول الله! فذكر له ما وقع بالفعل، فقال: والذي بعثك بالحق: ما غيرت حرفاً واحداً مما وقع، ثم قال صلى الله عليه وسلم: الآن أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ألا وهو خالد بن الوليد يفتح الله عليه أو يفتح الله إليه)

    يهمنا بأن الله سبحانه وتعالى يفعل لرسوله ما يشاء، وقد يلهم إنسانٌ عن أمر بعيد عن الواقع، ويكون حقاً، هذه أمور بعيدة عن الحس، وليس للعقل فيها تحكم، ولكن الأمر للواقع الفعلي.

    فهنا نقول: نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي لأصحابه -أي أعلمهم بموته- والنجاشي كما يقولون، لقب مُلك، وليس لقب شخص، فكل من حكم الحبشة يسمى (نجاشي).

    وكان نجاشي الحبشة آنذاك اسمه أصحمة وقيل بالحبشية معناه: عطية، وقيل: ألفاظٌ أخرى، وقيل: كل من ملك الروم قيصر، وكل من ملك الفرس كسرى، وكل من ملك القبط في مصر فرعون، وكل من ملك مصر في غير القبط يسمى العزيز وكل من ملك اليمن يسمى تبعاً، وهكذا ألقاب للملوك وليس للشخص بذاته.

    فـالنجاشي في ذلك الوقت كان لقب ملك الحبشة ، فمن كان قبله يسمى نجاشياً، ومن كان بعده يسمى نجاشياً، كما هو معروف عند الناس في كسرى وقيصر.

    بقي عندنا ما يتعلق بإخباره صلى الله عليه وسلم عن هذا النجاشي في ذلك الوقت، تجدون في منتقى الأخبار مع شرح نيل الأوطار تأتي روايات (مات اليوم رجلٌ صالح بـالحبشة) وفي رواية أخرى (إن أخاكم النجاشي قد مات) فوصفه بأنه كان رجلاً صالحاً، وسماه أخاهم.

    وكونه يخرج ويصلي عليه، فهل النبي يصلي على مسلم أم على غير مسلم؟ هذا أكبر دليلٍ على أن النجاشي رضي الله تعالى عنه أسلم وآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد نذكر ما كان من شأنه في السيرة النبوية، بأن النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع لما اشتد الأمر على المسلمين بموت عمه وبموت زوجه خديجة رضي الله عنها، وكانت تسمى سنة الشدة، أو عام الحزن، واشتد حزنه صلى الله عليه وسلم، وتجرأ عليه بعض من كان لا يتجرأ في حياة عمه، وخرج إلى الطائف ثم رجع ثم قال لأصحابه (إن بـالحبشة ملكاً عادلاً، أرى أن تهاجروا إليه لا يضام أحد في جواره)

    فقال: (ملكاً عادل) لأنه آنذاك، لم يبلغه خبر رسول الله، وفرقٌ بين كلمة (عادل) وبين (عدل)؛ لأن العادل الذي يعدل في حكمه ويعادل بين المتساويين، وذلك مأخوذ من العِدْلة، والعِدْلة هي ما يكون في أحد شقي البعير، عِدلة عن اليمين وعِدلة عن اليسار، فإن تعادلت العدلتان في الوزن والثقل، وكان الحمل معتدلاً استراح البعير، وإن كانت إحدى العدلتين ثقيلة مال وكان البعير تَعِباً في هذا الحمل.

    فالعادل يصدق على كل من عدل في الحكم، وكما هي كلمة عمر رضي الله تعالى عنه: لما بلغه أن عامله في مصر ، أخذ دار امرأةٍ حينما أراد أن يبني الفسطاط ، وجاءت واشتكت إلى عمر ..إلخ، كتب إليه كلمة ونصف فقال: (نحن أحق بالعدل من كسرى) المرأة تعجبت، هذا صاحب الهيمنة وصاحب كذا، يعطي هذه الرقعة وفيها هذه الكلمة، ماذا عساها أن تجدي؟!! وكانت تستثقل رحلتها من وإلى مصر ، فلما وصلت وأعطتها إياه، وضعها على رأسه، وأمر العمال أن يهدموا كل ما بنوه على أرض المرأة، وأمر أن يقيموا لها بيتها على أحسن ما كان، قالت: واعجباً أميرهم هناك، وبهذه الرقعة يفعل كذا، والله هؤلاء الناس على حق!! وأسلمت!

    فنحن يهمنا قوله: (نحن أحق بالعدل من كسرى).

    إذاً: العدل صفة في الملك لمن أراد دوام ملكه، ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم).

    إذاً ملكٌ عادل: وهذا من عقلاء الملوك، فأشار النبي على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليه، فلما هاجروا أرسل أهل مكة بعد بدر للذين هاجروا إلى الحبشة ليثأروا لقتلى بدر ، وأرسلوا عمرو بن العاص

    وكان من دهاة العرب وصديقاً للنجاشي في ذلك الوقت، أرسلوه بهدايا، فجاءه وسجد له على ما كان يتعامل معه، وقال: يا أيها الملك! إن أُناساً منّاً فارقوا ديننا ودين آبائهم، ولجئوا إلى بلادك وليسوا على دينك، وقد أرسلنا قومهم إليك لتردهم إلى قومهم، فقال: ما كان لي أن أرد قوماً اختاروني على غيري حتى أدعوهم وأسمع ما عندهم، وأعرف ما لديهم، فدعاهم، وكان جعفر رضي الله تعالى عنه، هو خطيب القوم.

    وقال: لا يتكلم أحدٌ غيري، فلما دخلوا على النجاشي وعمرو بجانبه، لم يسجد للملك، فقال: انظر! لم يسجدوا لك كما نسجد، -بأسلوب فيه إثارة- فقال النجاشي : ما لك لا تسجد كما يسجد القوم؟ قال: أيها الملك! نحن لا نسجد إلا لله، قال: وما ذاك، قال: كنا في جاهليةٍ جهلاء يأكل قوينا ضعيفنا، ونأكل كذا، ونفعل كذا -وعدد المنكرات- ثم قال: فبعث الله فينا رجلاً منا نعرف نشأته ومولده ونسبه، وصدقه وأمانته، فأمرنا بعبادة الله وحده وبالصدق، وبالأمانة وصلة الأرحام و... و...إلخ.

    وجد النجاشي كلاماً حسناً، كما قال دريد بن الصمة لما أرسل ولده من الطائف إلى مكة انزل وأتني بخبر هذا الرجل، فرجع إليه وقال: والله إنه ليأمر بالصدق وبأداء الأمانة وصلة الأرحام وكذا وكذا، قال: والله يا بني! إن لم يكن ديناً فهو مكارم الأخلاق.

    فهذا قول رجل جاهلي، فكذلك النجاشي سمع كلاماً حسناً فغاظ عمرو بن العاص

    ، وقال: اسأله ماذا يقولون في مريم وابنها عيسى .

    انظروا يا إخوان! الأعداء كيف يكيدون للمسلمين، وكيف يثيرون الشبه، ليحرضوا عليهم أعداءهم، فسأله، فقال: أيها الملك! نقول ما قال الله فيه، قال: وماذا يقول الله فيه؟ فقرأ عليه مطلع سورة مريم ثم قال: نقول فيه: إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ...إلخ.

    فما كان من النجاشي إلا أن أهوى إلى الأرض، وأخذ عوداً ثم قال: والله ما زاد صاحبكم على عيسى ومريم مثل هذه القشة على ما جاء في التوراة والإنجيل .

    ومن هناك دخل الإيمان في قلب النجاشي ، ثم قال لبطارقته: ردوا عليهم هداياهم، لا حاجة لي في هداياكم -أي: هدايا كفار قريش-، فإن الله لم يأخذ مني الرشوة على أن رد لي ملك أبي، وكانت له قصة مع أبيه ومع أخيه ..، ثم قال لـجعفر وأصحابه: سبحوا في بلادي لا يؤذيكم أحد، من اعتدى عليكم كأنه اعتدى عليّ، فصاروا آمنين.

    بعد فترة فإذا بـعمرو يأتي إلى النجاشي مرةً أخرى، ويدخل رجل مُرسَل بكتاب من رسول الله إلى النجاشي ، يشكره على ما صنع بالمسلمين، فذهب عمرو مع أصحابه ودخل على الملك، أو كانوا فروا من مكة لما سمعوا بالنصر في بدر ، ولما سمعوا بظهور الإسلام، قالوا: نذهب عند النجاشي ليس لنا طريق إلا هو، ضاقت بنا الأرض، واجتمع عدد من الصحابة فراراً بالإسلام عند النجاشي يعيشون في ظل ملكه، فرأى عمرو هذا الرسول، فدخل على النجاشي وقال في نفسه: (لئن طلبت هذا الرجل من النجاشي أضرب عنقه، لرأت قريش أني صنعت شيئاً)، فدخل على النجاشي ، وقال: أيها الملك! أطلب منك أن تعطيني هذا الرجل أضرب عنقه، لترى قريش أني فعلت لها شيئاً! يقول: فما كان منه إلا أن صكني على وجهي، حتى سال الدم من أنفي ولطخ ثيابي، ثم كأنه أسف على ذلك، ثم قال: أتطلب مني رسولَ رسول الله الذي يأتيه الناموس من السماء، قال: أيها الملك! أتعلم بأنه رسول الله؟ قال: يا عمرو! والله إنه لرسول الله، ولينصرنه الله كما نصر موسى وعيسى قال: يا أيها الملك! أتبايعني على الإسلام له، قال: نعم، فبسط النجاشي يده وبايعه عمرو على الإسلام، ثم خرج هو وصحبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولقيه في خيبر.

    يهمنا: بأن النجاشي ظهر إسلامه، ومما يذكر عنه جعفر رضي الله تعالى عنه، قال: دعانا النجاشي ذات يوم، فخفنا لماذا دعانا، فلما جئنا دخلنا عليه فإذا به جالسٌ في مجلس في التراب لا فراش عليه، حاسراً رأسه، لابساً ثوباً رثاً -أي قديماً- قال: ففزعنا، فقال: لقد جاءني خبر بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لقي يوم كذا قريشاً في وادٍ يقال له بدر، يكثر فيه الأراك كنت أرعى فيه إبلاً لفلان، وقد نصره الله على عدوه، ففرحت، ولأن الله أوحى إلى عيسى : (إن أنا جددت لك نعمة مجدد لي شكراً)، فمن شكر الله على هذه النعمة جلست هذه الجلسة.

    إذاً النجاشي رضي الله تعالى عنه أسلم على البعد، وقد علم بإيمانه رسول الله، والأخبار المتواترة المستفيضة عنه، ومن هنا لما توفي نعاه لأصحابه وخرج بهم.

    قوله هنا: (وخرج بهم): لماذا لم يصل عليه في المسجد؟! سيأتي الخلاف هل الصلاة على الجنائز تكون في الخلاء، خارج المسجد أو داخله، وسيأتي كلام المؤلف على حكم الصلاة في المسجد إن شاء الله.

    ولكن يهمنا في فقه الحديث، (خرج) قالوا: خروجه ذلك ليبين للآخرين عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين ولو خارج الجزيرة، وأن مطلق الإيمان يجمع بين كل مسلم وبين الأمة الإسلامية أياً كان موقعه، وأيـّاً كان وطنه.

    ثم يقول (وكبر عليه أربعاً) سيأتي التكبير على الجنائز، والتنصيص على أنه كبر أربعاً على النجاشي ، يقولون: كان التكبير قبل النجاشي ، تارةً أربعاً وتارة خمساً وتارة ستاً وتارة سبعاً، فبعضهم يقول: إلى سبع، وبعضهم يرفعها إلى تسع، على اختلاف الأشخاص واختلاف الأحوال، فلما صلى على النجاشي وكبر أربعاً ثبت عليها إلى أن قبض صلى الله عليه وسلم.

    إذاً كان التكبير على الجنائز مختلفاً فيه، واستقر على الأربع بعد النجاشي .

    وسيأتي بحث في عدد التكبيرات في شرح الأحاديث الآتية بعد ذلك حينما يوردها المؤلف رحمه الله تعالى.

    يهمنا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي .

    صلاة الجنازة على الغائب

    ومن فقه الحديث: هل لنا أن نصلي على الغائب أم لا؟

    يقولون في الصلاة على الجنازة: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه) والجنازة أمامنا وبين أيدينا، فإذا كان غائباً كيف نصلي عليه بالنية أو بالقصد؟!!

    فهناك من قال: لا يصلى على غائب، وهناك من قال: يصلى؛ لصلاته صلى الله عليه وسلم، وهناك من قال: هذه الصلاة خصوصية لماذا؟ قالوا: لأن الله لما كشف لرسوله موت النجاشي ، كشف له عن جنازته، فلكأن النجاشي بين يديه وهو يكبر ويدعو له.

    والآخرون يقولون: والذين خرجوا معه، وصفوا خلفه، وكبروا وصلوا على النجاشي هل كانوا يشاهدون الجنازة؟ ما كانوا يشاهدونها، وإنما صلوا تبعاً له، ومن هنا يختلفون في الصلاة على الغائب.

    فبعض العلماء قال: إذا مات إنسان في بلد، ويغلب على الظن أنه لا يوجد فيها من يصلي عليه، ودفن بغير صلاة، صلينا عليه، ولكن وجدنا ذلك كما يقول الآخرون مدفوعاً، بأن لا تخلوا الحبشة من بعض المسلمين، وكذلك أيضاً ما دام قد فعل صلى الله عليه وسلم، ولم يخصص ذلك وذكروا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلـّى على معاذ بن مقرن أو فلان، وهو في تبوك ، والميت في المدينة ، والحديث تكلم عنه ابن كثير بضعف؛ لأن جبريل أتاه وقال (إن فلاناً قد مات، فأسف عليه، قال: هل لك أن تصلي عليه؟ قال: بلى، فقال: بيده هكذا، وفرج له ما بينه وبين المدينة ، فصلى عليه وهو يرى جنازته) .

    فقالوا: هذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، والجمهور على جواز الصلاة على الغائب، وأخذاً من هذا الحديث ومن فعله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من صلى عليه أربعون رجلاً موحداً يشفعون فيه

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم .

    بدأ المؤلف يتجه إلى الصلاة على الجنائز، وبدأ ببيان فضل العدد الذين تتاح لهم الفرصة في الصلاة على الجنازة.

    أولاً: هذا الحديث (ما من رجل يصلي عليه أربعون رجلاً...) جاءت روايات متعددة في هذا المعنى: (لا يشركون بالله شيئاً) وجاء: (مائة رجل) وجاء: (صلى عليه أمة يبلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف)

    ومن هنا استحب بعض العلماء: إذا كان العدد قليلاً أن يقسمهم الإمام إلى صفوف ثلاثة، ولو كان الصف شخصين فقط، لتعدد الصفوف على رواية ثلاثة صفوف، وجاء: (وصلى عليه أربعة من جيرانه الأدنين)

    وجاء: (صلى عليه أربعة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أو ثلاثة؟ قال: أو ثلاثة، قال: أو اثنان؟ قال: أو اثنان، يقول: وسكت أن أسأله عن الواحد) فهذه النصوص، جاءت أن من صلى عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً أو مائة رجل أو أربعة رجال؛ يشهدون له، أو يشفعون فيه، إلا شفعهم الله فيه، وشفاعتهم فيه قالوا: يخلصون له الدعاء، فيدعون له بالمغفرة، وبحسن الجزاء ..إلخ، بنية خالصة، وبقصدٍ طيب بأن الله سبحانه وتعالى يغفر له، وبعضهم يقول: يشفعون، أو يشهدون له بالثناء عليه خيراً، وورد (بأن جنازةً مرت، فأثنوا خيراً، فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت، وقيل: قالها ثلاث مرات، وجبت، وجبت، وجبت ومرت جنازة أخرى، فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، وجبت، وجبت، فقال عمر : ما وجبت يا رسول الله؟! قال: وجبت الجنة بالثناء عليه، ووجبت النار بذمه، أنتم شهداء الله على خلقه)

    وبعضهم يقول: هناك رواية الله أعلم بصحتها: (إن لله ملائكة تنفث على ألسنة الخلق بما تشهد به) كل هذه الروايات متكلم فيها، ولا ينبغي تعمد قول: ماذا تقولون؟ أو على ماذا تشهدون؟ لأن هذه أمور فيها إحراج، ولا ينبغي ذلك، إنما يكون عفوياً إذا اجتمع جماعة، وصلوا على ميت، وأخلصوا الدعاء له، هم بأنفسهم كانوا شفعاء له عند الله بدعواتهم وصلاتهم عليه. فقال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع أو ما صلى أربعون رجلاً على مسلم، أو على ميتٍ، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) وعلى ما تقدم من أن العدد ليس قاصراً على الأربعين ولا على المائة، وبعض العلماء يقول: هذا عدد لا مفهوم له، يعني: ليس له مفهوم مخالفة، فلو جاء عدد مائة ونقص واحد أو عشرة وصاروا تسعين، لا نقول إن هذا يبطل العدد، لا. وبعضهم يقول: إن تلك الحالات أجوبة عن أسئلة قد صدرت.

    بمعنى واحد يسأل: يقول: يا رسول الله! رجل صلى عليه أربعون رجلاً، أيشفعون فيه؟ قال: نعم. ثم جاء رجل آخر وقال: رجل صلى عليه مائة رجل يشفعون فيه؟ قال: نعم. يعني لم يكن ذلك ابتداءً وتحديداً من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كانت أسئلة، والأسئلة مختلفة، تارةً يسأل عن أربعين، وتارةً يسأل عن أربعة، وتارةً يسأل عن مائة، وفي كلٌ يجيب: بنعم يشفعون فيه.

    والله تعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963619256

    عدد مرات الحفظ

    708748830