إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [6]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أحكام وسنن يوم الجمعة الترخيص لمن صلى العيد يوم الجمعة مع الإمام في أن يتخلف عن صلاة الجمعة؛ لوقوع المقصود من صلاة ركعتي العيد والاستماع إلى الخطبة، وأن يقرأ الإمام بسورتي الأعلى والغاشية كما فعل صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لسورتي الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وله عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: (كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ(سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية) ].

    يقول المصنف رحمه الله: وله، أي: لـمسلم الذي روى ما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون). أنه كان يقرأ في الجمعة وفي العيدين (سبح اسم ربك الأعلى)، و(هل أتاك حديث الغاشية).

    ولا حاجة إلى تتبع السورتين في بيان المناسبة، فقد ذكرنا فيما يتعلق بسورة الجمعة والمنافقون ما يكفي من بيان مناسبة اختيار هاتين السورتين في يوم الجمعة، وكذلك هاتان السورتان، أي: الأعلى والغاشية.

    والجمعة والمنافقون متتاليتان في المصحف، وكذلك سبح والغاشية متتاليتان في المصحف، وكل من الثانية تكمل موضوع الأولى.

    ويهمنا هنا زيادة [في الجمعة والعيدين]، وربط الجمعة بالعيدين هو لأن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين، والعيدان هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وسمي العيد عيداً لعوده، أي: لمجيئه وعودته في كل سنة.

    وهنا لفتة بسيطة فيما يتعلق بالعيد في الإسلام.

    فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم وللناس أعياد كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أبدلكم بأعياد الجاهلية عيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى)، وبالتأمل في هذين العيدين نجدهما يتميزان، أو أن العيد في الإسلام يتميز عن العيد في غير الإسلام بأمر عملي؛ لأن الأعياد في غير الإسلام إنما هي ذكريات لا حقائق، بمعنى أن أعياد غير المسلمين لأحداث قد وقعت ثم انتهت، فإذا جاء موعدها من السنة الثانية عيدوا ذكرى لما تقدم، فمثلاً صوم يوم عاشورا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه قالوا: هو يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فصامه موسى شكراً لله، وصامه اليهود، ويعيدون صومه كيوم عيدٍ عندهم، وذكر الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل مع نبي الله عيسى قولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً [المائدة:112] قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا.. [المائدة:113]، فالمسألة مسألة أكل وشرب، فقال عيسى فيما حكى الله تعالى عنه: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا [المائدة:114].

    فكانوا يجعلون يوم نزول المائدة عيداً، والمائدة نزلت مرة واحدة، وكانوا يعيدون في يومها من كل سنة، فالأعياد التي جاءت بعد يوم نزول المائدة ليس فيها مائدة، ولكن ذكرى المائدة، وكذلك الأعياد والطقوس والعادات عند الناس.

    أما أعياد الإسلام فهي حقيقة، وليست ذكريات؛ لأن كل سنة يأتي فيها العيد بموجبه ومسبباته، فعيد الفطر سببه أنه لما أكرم الله المسلمين بأداء واجب صوم هذا الشهر المبارك، جعل لهم ختام صيامهم عيدا، فعيد الفطر في كل سنة ذكرى لحدث حاضر يتجدد في كل سنة بذاته، فكل عيد فطرٍ في الإسلام مستقل، وليس لذكرى ماضية، وكذلك عيد الأضحى، فلما منّ الله على المسلمين بالحج وجاءوا من كل فج عميق، وأمّن لهم السبيل، وأمّن لهم الطعام، وأدوا مناسكهم قال: هلم إلى المائدة. ومائدة الإكرام ثلاثة أيام، فالموائد يطعمون منها ويأكلون ويطمعون القانع والمعتر أيام منى.

    ومن هنا كان الصائم يوم العيد معرضاً عن ضيافة الله.

    فالعيد في الإسلام حقيقة، والأعياد في غير الإسلام من باب الذكرى.

    ومن هنا شرفت الأعياد في الإسلام بشرف أسبابها ومسبباتها، وسن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين أن يخرج جميع الناس حتى النساء والحيض وربات الخدور، فاللواتي لا يخرجن من بيوتهن يخرجن، والحيض يحضرن ويعتزلن المصلى، ويشهدن بركة ذلك الجمع بالدعاء بالخير تكثيراً للمسلمين.

    ومن هنا كان التدرج في اجتماع المسلمين، فيجتمع أهل الحي في خمس صلوات خمس مرات للجماعة، ويجتمع أهل القرية كل أسبوع مرة للجمعة، ويجتمع أهل المصر والقطر وضواحي القرية والمدينة في عيدٍ في صعيد واحد في الخلاء، ويجتمع العالم الإسلامي ممثلاً في أفراده الذين يأتون رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق، في الحج الأكبر أو في يوم عرفة.

    فدين الإسلام دين اجتماعي، ودين جمع الأمة وتوحيدها، فكان صلى الله عليه وسلم بمناسبة هذا الجمع في الجمعة يقرأ هاتين السورتين (سبح والغاشية).

    1.   

    الرخصة لمن صلى العيد يوم الجمعة ألا يحضر الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد، ثم رخص في الجمعة، ثم قال: من شاء أن يصلي فليصل)رواه الخمسة إلا الترمذي ، وصححه ابن خزيمة ].

    يأتي المصنف رحمه الله تعالى بعد بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الخطبة سورة (ق) ويقرأ في الصلاة تلك السور الأربع، ببيان ما إذا اجتمع عيد الأضحى أو الفطر ويوم الجمعة، فالجمعة عيد مستقل، والأضحى والفطر عيد مستقل، وصلاة الجمعة مرتبطة باليوم لا تنفك عنه، فلا تصلى الجمعة في السبت أو في الخميس، فهي مرتبطة بيومها، ولكن عيد الفطر وعيد الأضحى إنما يدوران في الزمن مع القمر، فالأيام تدور دورة شمسية، والأشهر تدور دورة قمرية، فدورة الشمس في أربع وعشرين ساعة، فتأتي بالأيام وبالصلوات الخمس، ودورة القمر في فلكه تأتي بالأشهر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189].

    فهي أشهر قمرية وأيام شمسية، لا تتغير الأيام منذ خلقها الله، فالعيدان مرتبطان بالقمر، فيأتي عيد الفطر في صيف أو في شتاء أو في خريف في أي يوم من الأيام حسب الشهور، وكذلك عيد الأضحى.

    وما دام العيدان متنقلين فيمكن أن يوافقا يوم الجمعة، فيجتمع عيدان: عيد الجمعة ليومها، وعيد الفطر أو عيد الأضحى لمناسبته، وكل منهما يحتاج إلى اجتماع وإلى خطبتين، وإلى صلاة ركعتين، فهل نصلي العيدين معاً الجمعة والعيد الذي حضر، أو نكتفي بواحد منهما؟

    فجاء المصنف بهذا الحديث ليبين ماذا يكون على الناس إذا اجتمعت الجمعة مع أحد العيدين، فقال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد ثم رخص في الجمعة).

    و(ثم) للترتيب والتراخي، فصلى العيد في يوم العيد ورخص في الجمعة بعد ذلك.

    قوله: (ثم رخص) الرخصة عند الأصوليين مأخوذة من المعنى اللغوي، أي: الشيء اللين، كما قال الشاعر:

    ومخضب رخص البنان .... .....

    ومنه الثمن الرخيص؛ لأن العيشة فيه تكون لينة، بخلاف الثمن الغالي حيث تكون شديدة، فرخص البنان: لينه، ورخص السعر لين العيش، فرخص معناه: ليّن وخفف في الحكم، ولذا تكون الرخصة مع الشدة، والشدة تقتضي الترخيص، ولذا حينما تقع مجاعة أو يكون الإنسان في خلاء، ويشتد عليه الجوع، ولم يجد إلا الميتة -والميتة محرمة- رُخص له أن يأكل الميتة تخفيفاً عليه من حكم المنع الذي يؤدي إلى وفاته.

    فالرخصة: رفع حكم بحكم آخر مع بقاء الحكم الأصلي، أو: إباحة ممنوع بنص متجدد بعد المنع مع بقاء حكم المنع، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] مع قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:173]، فلما أباح الله ورخص للمضطر أكل الميتة أبقى الحكم على التحريم، وأعطى المضطر رخصة الأكل منها حتى يجد كفاف العناء، فهي في الحال محرمة، ولكن أبيح له، ولذا قالوا: الحدث يمنع الصلاة، وقد لا يجد الإنسان ماء أو قد يجده ويعجز عن استعماله، فجاء التيمم بديلاً عن الوضوء، فهل التيمم يرفع الحدث الذي كان يتطلب الماء، أو أنه أباح له الصلاة مع وجود الحدث؟

    فالجمهور على أنه أباح له الصلاة والدخول فيها رخصةً، لكن المنع الأساسي موجود، والحدث باق، ومنهم من يقول: التيمم يرفع الحدث.

    والصحيح أنه مبيح له مع بقاء الحدث، والدليل على ذلك أن رجلاً كان في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصل الصبح، فمضى إليه رسول الله، فقال له: ألست مسلماً؟! قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، ثم جاءت قضية التيمم فتيمم وصلى، فلما جيء بالمرأة ومعها المزادتان قال: أين صاحب الجنابة؟ قال: أنا. قال: خذ فأفرغه على جسمك. أي: من حدث سابق، فهو تيمم رخصة للصلاة، ولكن تيممه الذي صلى فيه لم يرفع عنه الحدث، بدليل: (خذ فأفرغه على جسمك).

    فالرخصة: إباحة الممنوع مع بقاء حكم المنع.

    فحكم الجمعة باق، ولذا من أتى الجمعة مع صلاة العيد أجزأته.

    وفي بعض الروايات: (وإنَّا لمجمِّعون).

    وعند مالك في الموطأ أن عثمان رضي الله تعالى عنه: اجتمع في عهده العيد ويوم الجمعة، فصلى العيد، ثم رخص لأهل العالية، وأهل العوالي كانوا يأتون يصلون الجمعة في المسجد النبوي في المدينة، فلما اجتمع العيد ويوم الجمعة في عهد عثمان رضي الله عنه صلى العيد بمن حضر، ثم رخص لأهل العوالي إذا رجعوا ألا يرجعوا مرةً أخرى؛ لأن فيه مشقة في الذهاب والمجيء مرتين للعيد وللجمعة، وهنا رخص صلى الله عليه وسلم في الجمعة.

    وجاء في بعض السنن أن في خلافة ابن الزبير -وكان في مكة- اجتمع العيد والجمعة فصلى العيد بالناس، ثم جاء الناس للجمعة فلم ينزل إليهم، وطلبوه للجمعة فلم يأت، وكان ابن عباس بالطائف، فلما جاء أخبروه بما فعل ابن الزبير ، فقال: أصاب السنة.

    خلاف العلماء في سقوط الجمعة يوم العيد

    ويبحث العلماء في قوله: (رخص في الجمعة)، فإذا جاء وقت الجمعة ولا جمعة فهل يصلون ظهراً أو أن الجمعة هي فرض اليوم وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؟

    فمنهم من يقول: لما رخص في الجمة سقطت وسقط فرض الظهر في ذلك اليوم؛ لأن الجمعة هي فرض يوم الجمعة، ويكون الظهر لمن لم يدرك الجمعة، أو كان من أهل الأعذار كالمريض والنساء والعبيد والصبيان والمسافر، فإذا سقطت الجمعة عن أهل الأعذار لأعذارهم صلوا ظهراً، وهولاء رخص لهم في تركها.

    فمن نظر إلى أصل الرخصة قال: رخص لهم وبقي الأصل، فيصلون الظهر، واستدلوا بما فعل أصحاب ابن الزبير ، فإنهم صلوا وحداناً، وقالوا: كيف يترك -وهو إمام وصاحب بيعة- المجيئ إليهم؟ فقالوا: لعله صلى الظهر في بيته.

    ولما لم يخرج إليهم وصلى الظهر جماعة يكون قد سن ظهراً يوم الجمعة، وهذا ممنوع.

    وهل الرخصة في ترك الجمعة يوم العيد لمن كان من الضواحي كأهل العالية كما فعل عثمان ، أو أنه على عمومه ويترك الجميع حتى الإمام كما فعل ابن الزبير ؟

    فهناك من يقول: يرخص لعامة الناس، ما عدا من يحضر مع الإمام لإقامة شعار الجمعة، وهناك من يقول: إنما يكون الترخيص لمن كان بمثابة أهل العالية، وهناك من يقول: رخص ولكن نصوص الجمعة الواجبة والتحذير منها تعارض هذا الترخيص، فعلى الناس أن يصلوا عيداً وجمعة، كما قال الشافعي رحمه الله.

    والراجع أن الترخيص في ترك الجمعة لمن كان يتكلف المجيئ إلى الجمعة كتكلفه المجيئ إلى العيد، أما من لم يتكلف ذلك، فالله تعالى أعلم.

    فالتعارض قائم، والأحوط المجيء، ولكن الذي عليه الجمهور أن على الإمام أن يصلي الجمعة حضر معه من حضر، ومن لم يأتِ الجمعة وقد حضر العيد فلا يعنف، ولا يقال له: لم تركت؟ فله من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرج، والله تعالى أعلم.

    [ ثم قال: (من شاء أن يصلي فليصل) ].

    قوله: (من شاء)، أي: من شاء أن يصلي الجمعة، فالتخيير قائم مع وجود الرخصة، فمن شاء استعمل الرخصة، ومن شاء تركها ورجع إلى الأصل، وهذا هو أرجح الأقوال.

    1.   

    السنن الواردة بعد صلاة الجمعة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) رواه مسلم ].

    هذا شروع في بيان السنة يوم الجمعة، والسنة يوم الجمعة نجد فيها خلافاً، فهناك من يقول: ليست هناك سنة راتبة.

    وفرق بين السنة الراتبة والسنة المطلقة، وقد جاء في السنن الرواتب حديث ابن عمر أنه حفظ عن رسول الله عشر ركعات، وجاء حديث آخر فيه: اثنتا عشرة ركعة، قبل الصبح ركعتان، وقبل الظهر أربع وبعده ركعتان أو أربع، وأربع قبل العصر، وبعد المغرب ركعتان وركعتان بعد العشاء، فهذه سنن راتبة مترتبة مع الفريضة، لكن سنة الضحى ليست مرتبة مع غيرها، ولكن قائمة بذاتها، وكذلك صلاة الليل نافلة مطلقة.

    أما الجمعة فبعض العلماء -كالأحناف- يقولون: راتبة الجمعة كراتبة الظهر، أقلها ركعتان قبلها، وركعتان بعدها، ولكن الحديث فيه: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، وصلى ما تيسر له...)، فقال: (ما تيسر)، وليس فيه عدد معين.

    ولذا قال الآخرون: لا راتبة للجمعة. قالوا: إذا جاء مبكراً فله أن يصلي ما تيسر له، سواءٌ أصلى ركعتين أم صلى أربعاً، أم صلى ستاً، أم صلى أكثر من ذلك، فليس هناك شيء محدود قبلها.

    ولكن جاء في الحديث هنا أنه يصلي بعدها أربعاً، وجاء التفصيل بين أن يصلي في المسجد وأن يصلي في بيته، فإذا صلى نافلة بعد الجمعة في المسجد فليصل أربعاً لهذا الحديث، وإن لم يصل في المسجد وصلى في بيته صلى ركعتين.

    فالحديث عامٌ، ولكن يحمل على ما جاء في الحديث الآخر، فمن تنفل للجمعة بعدها في المسجد صلى أربعاً، ومن أخر تنفل الجمعة إلى البيت اجتزأ بركعتين، كما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وغيرها، وبهذا تكون الراتبة أو النافلة بعد الجمعة بحسب ما سيصيلها فيه، فإن كان في المسجد فأربعاً، وإن كان في البيت فركعتين، والله تعالى أعلم.

    فإن قيل: كيف تجزئ ركعتان في البيت عن أربع في المسجد؟ ولماذا لا تكون أربعاً في المسجد أو في البيت، أو ركعتين في البيت أو في المسجد؟

    والجواب: أنه قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في غير هذا الموضع من باب الإيماء والتنبيه قوله: (خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة)، فالتي في البيت معها الأفضلية، وما دام أن معها الأفضلية فإن ركعتين تساويان الأربع.

    وقالوا أيضاً: صلاة المرء في بيته فيها فوائد جانبية:

    أولاً: التماس البركة بذكر الله والصلاة في المكان؛ لأن البيت الذي لا صلاة فيه ولا تلاوة فيه كالقبر المهجور.

    ثانياً: أن في البيت أطفالاً ونسوة يعلمهم الصلاة، وفيه كذلك حث الأهل الموجودين الذين لم يصلوا على الصلاة، وحث للنسوة اللواتي ما عليهن جمعة أن يصلين الظهر، وذلك حينما يأتي ويصلي النافلة.

    فما دامت الصلاة في البيت لها عدة فوائد عامة وخاصة فتكون لها الأولوية، ويجزئ فيها الركعتان بدلاً عن الأربع في المسجد.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: [ (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) ] هل معناه: فليصل بعدها فوراً، أم أن قوله: (بعدها) يصدق على التسويف.

    والواقع أننا نجد أحاديث وآثاراً في أن الإنسان لا يصل النافلة بالفريضة، وجاء عن بعض السلف: أن لا يتنفل حتى يتكلم، ويرى بعض العلماء أنه يندب له أن يتحول من مكانه، أي أنه يُوجِد فاصلاً حسياً بين الفريضة والنافلة، حتى لا يظن ظان أن هذه النافلة متممة لتلك الفريضة.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) ليس معناه بعدها على الفورية والمتابعة حتى تكون كجزء منها، بل يفصل بين النافلة والفريضة بفاصل محسوس، إما بكلام، وإما بانتقال إلى مكان آخر.