إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [8]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أفضل النوافل صلاة الضحى، وقد رغب النبي عليه الصلاة والسلام فيها ترغيباً شديداً، وأوصى بها بعض أصحابه، فينبغي معرفة فضلها وأحكامها، ومن ثم المحافظة عليها.

    1.   

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله) رواه مسلم ].

    هذا الحديث الأول من أحاديث عائشة جاء بالنفي أم بالإثبات؟ بالإثبات، وسيعقبه حديث جاء بالنفي، فإذا قدم ابتداء حديث الإثبات فكأنه يشير ابتداء إلى ترجيح الإثبات، فنأخذ هذا الحديث، تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ...) و(كان) في الغالب تدل على الدوام والاستمرار، لم تقل: صلى الضحى يوماً، (ويزيد ما شاء الله) يعني: مرة يصلي ثمان ركعات، ومرة عشر ركعات، ومرة اثنتي عشرة ركعة، وقد جاء المؤلف بحديثها في آخر الباب: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في الضحى بنى الله له بيتاً في الجنة) وهذا جزء من حديث: (من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين)، (من صلى أربعاً كتب من التوابين الأوابين)، (من صلى ثمان ركعات بني له كذا..، أو كتب له ثواب كذا)، (بني له قصر في الجنة..) كل هذا تدريج مع الركعتين.. والأربع .. والثمان .. والاثنتي عشرة ركعة.

    فحديثها الأول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى أربعاً، ويزيد...) كأنها تقول: أقل ما صلى أربعاً، في هذا الحديث إثبات صلاته صلى الله عليه وسلم بالضحى، قبل أن نأتي بالنفي نأتي بالأحاديث التي تلائم الإثبات، فعن أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي رضي الله تعالى عنهما قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتي يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات في الضحى، ما رأيت أخف منهما، ولكنه يتم الركوع والسجود) فقالوا: هذه ثمان، وعائشة تقول: أربع، وثمان يتفق مع قول عائشة : (ويزيد ما شاء الله) والثمان تزيد عن الأربع، فهذه أحاديث تثبت صلاة الضحى، والذين ينفون الضحى -كما سيأتي عن ابن عمر وغيره- يقولون: صلاة رسول الله عند أم هانئ يوم فتح مكة صلاة الفتح، وليست صلاة الضحى، فأجاب الآخرون وقالوا: كم من فتح فتحه الله على رسوله! وهل جاء في الغزوات ما يسمى صلاة الفتح؟ تشرع سجدة الشكر، الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث علياً إلى اليمن، وكتب إليه بأن بني فلان أسلموا كلهم عن بكرة أبيهم، فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب سجد شكراً لله، وهذا من نصوص أحاديث سجود الشكر، الذين أسلموا في اليمن، والخبر جاء إلى المدينة، فسجد شكراً لله، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما فتح المدائن، ودخل إيوان كسرى صلى فيه ركعتين شكراً لله، مع أنه فتحت خيبر، وفتحت مدائن أخرى ولم يكن هناك صلاة، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كم من غزوة غزوها ولم يفعلوا ذلك، وجاء هناك في سنن الرواتب المطلقة سنة الفتح.

    إذاً: يكون حديث أم هانئ تبعاً لحديث عائشة الأول، فـعائشة تقول: (أربع ويزيد ما شاء)، وأم هانئ بينت أنها ثمان ركعات، وجاء في حديث آخر من أحاديث إثبات صلاة الضحى: (كل سلامى من الناس كل يوم يصبح عليه صدقة)، والسلامى: المفصل في جسم الإنسان، وفي بعض الأحاديث: (في جسم كل إنسان ستون وثلاثمائة سلامى) لا تقل: لماذا لا تقل: ثلاثمائة وستون مثل ما يقول الناس؟ العدد في اللغة العربية يقرأ من اليمين، أنت تقرأ: (ألم) من اليسار أم من اليمين؟ الكتابة العربية تقرأ من اليمين، فكذلك العدد في اللغة العربية ينطق من الآحاد فالعشرات فالمئات.. خمس وعشرون ومائة، بخلاف اللغة الإنجليزية أو الأعجمية فإنها تقرأ من اليسار، عندما نقول: سنة ألف وأربعمائة وأربع عشرة هذا غلط، ونقرؤه عربياً صحيحاً فصيحاً بأن نقول: سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وألف، نقرأ من اليمين آحاد.. عشرات.. مئات.

    فالحديث يقول: (كل سلامى من الإنسان كل يوم يصبح عليه صدقة، قالوا: ومن منا يستطيع ذلك؟) هل أحد منكم يقدر على هذا ولو تمرة؟ ستون وثلاثمائة تمرة تكون أكثر من صاع أو صاعين، من يستطيع كل يوم أن يتصدق بصاعين؟ صعب.

    قالوا: (ومن منا يستطيع ذلك؟ فيقول صلى الله عليه وسلم -يأتي لهم بعملة بديلة- : التحميدة صدقة، والتسبيحة صدقة، والاستغفار صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وتدله على الطريق صدقة، وأمر بمعروف صدقة) إذاً: صدقات كثيرة، وهذه ليس فيها درهم ولا دينار، وما دامت مجاناً خذ ما تريد، ثم قال:: (ويجزئ عن هذا كله ركعتا الضحى) إذاً: صلاة الضحى أقلها ركعتان، ثم يأتي بعد ذلك أربع ثم ثمان، ويأتي بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، هذه الأحاديث في جانب من يقول بمشروعية صلاة الضحى وسنيتها.

    فإذا جئنا إلى الأحاديث التي هي أعلى درجة في الإثبات والصراحة، فعندما يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي..) لماذا لم يقل: أوصاني رسول الله؟ لأن رسول الله مشترك للجميع، لكن (خليلي) ليست لكل إنسان، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء:125] فالأنبياء كثر.. والرسل كثر.. يقول العلماء: الخلة أخص حالات الحب، وسبق أن قدمنا بأن الاصطلاحات الشرعية منقولة من الحقائق اللغوية، أنت عندما تفعل هكذا.. في الوضوء يقال: خللت الأصابع، وتخليل الأصابع: هو إدخال الإصبع بين الإصبعين لتتأكد من مرور الماء عليها، وهو مأخوذ من أصل النبات الذي يسمى الخلة، وأعواد الخلال ماذا نفعل بها؟ نخلل بها الأسنان.

    انظروا إلى الصورة! ما بين الأسنان أهي فجوات متسعة تدخل فيها الأصبع أم أنها ضيقة؟ بل هي ضيقة، على قدر العود، وكذلك إذا خللت الأصابع هكذا.. هل هناك فراغ بين الأصابع المخللة؟ لا. بل هي مزدحمة، قالوا: كذلك الخلة في الحب هي استغراق محبة الخليل خليله، بحيث لم يبق هناك فراغ في القلب لغيره.

    إذاً: (أوصاني خليلي) هذه وصية مثلما يقولون: موصى عليها، وصية فيها اعتناء، وصية معنى بها، وسبق أن أشرنا بأن الوصية والوصلة متقاربان في اللفظ والمعنى، تقول: وصلت فلان بكذا.. يعني: أعطيته، وصيت لفلان بكذا، يعني: وصيت له من بعدك بوصية يأخذها، إذاً: فيها إيصال الخير، والشخص لا يوصي إلا لمن يحب، ولا يوصي لعدو، ولا لشيء مكروه، ولهذا أشرنا سابقاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ : (يا معاذ ! والله إني لأحبك، وأريد أن أوصيك) قدم المحبة ليعلم معاذاً أن مصدر هذه الوصية الحب، قال: (والذي نفسي بيده يا رسول الله إني لأحبك أوصني، قال: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) اللهم أعنا جميعاً؛ لأنه كما قيل: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية، ولا قوة: على طاعة إلا بالله.

    فقوله: (أوصاني خليلي)، فإذا كانت الوصية من خليل كريم يكون محلها وموضوعها عظيماً، والواجب على الموصى إليه أن يعتني بها، ولهذا قال أبو هريرة : (فلا أدعهن حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام، وركعتي الضحى) فإذا نظرنا إلى المقارنة: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر) فإنها تساوي صيام الدهر.

    إذاً: صلاة الضحى بدلالة الاقتران تساوي ما ذكر معها، أقل ما يمكن أن يقال في ذلك، ثم لنأت إلى ما يذكره صاحب الترغيب والترهيب، وأرجو من كل طالب علم أن يرجع إليه في تلك النصوص، جاء فيه: (يا ابن آدم! اكفني أول النهار بركعتين أكفك آخره)، وجاء أيضاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً، فرجع قريباً، وغنم كثيراً، فقالوا: ما أسرع هذا البعث! وما أكثر غنيمته! فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على أقرب من ذلك عودة، وأكثر من ذلك غنيمة؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: يسبغ أحدكم الوضوء، فيعمد إلى المسجد فيصلي ركعتي الضحى..) يعني: يكون أكثر غنيمة من الذين ذهبوا فغزوا وغنموا بسرعة، ورجعوا بالغنائم! غريب.

    ومن المجرب -يا إخوان- عند كثير من الناس، وما نسمعه من الآخرين، أن من تعود ركعتي الضحى إذا صلى ركعتي الضحى يظل طوال نهاره مستبشراً مطمئن النفس، قرير العين، قل أن يرد عليه ما يكدر خاطره، ويكفي أنه لم يكتب من الغافلين، وكتب من الأوابين، وغفر له ذنبه، وبني له بيت في الجنة، مع اختلاف عدد الركعات، وليس هناك إلزام بالعدد.

    فإذا انتهينا من الجانب الثاني وهو الحديث الآخر لـعائشة رضي الله تعالى عنها ننتقل إلى أوقاتها وما جاء في عدد ركعاتها، والله المستعان.

    1.   

    شرح حديث: (ما رأيت رسول الله يصلي قط سبحة الضحى..)

    قال رحمه الله: [ وله عنها رضي الله عنها أنها سئلت: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه). وله عنها رضي الله عنها (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه يصلي قطُّ سبحة الضحى، وإني لأسبحها) ].

    هذا يا إخوان هو موقف العلماء، ومن شرح الله صدورهم، وأنار بصائرهم عندما يواجهون مثل هذه الأحاديث، الحديث الأول صحيح لا شك فيه، والحديث الثاني أيضاً صحيح انفرد به مسلم ، وفي البخاري أيضاً تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى إلا إذا قدم من مغيبه)، يعني: إذا جاء من سفر، هل يوجد تعارض أم ليس هناك تعارض؟

    هناك تقول: (كان يصلي أربعاً)، وهنا: (ما كان يصلي)، فالنفي منصب على الصورة في غير المنصوص عليها وهي: قدومه من مغيبه.

    إذاً: عند قدومه من مغيبه يتفق مع الحديث الأول في إثبات الصلاة، وإذا لم يكن قادماً من مغيبه يختلف مع الأول، ولقائل أن يقول: القادم من مغيبه السنة في حقه أمران:

    ألا يطرق أهله ليلاً، وأن يسبق إعلامهم بقدومه، فإن لم يتمكن بدأ بالمسجد وأرسل من يعلمهم، وإذا بدأ بالمسجد سيصلي أم سيترك الصلاة؟ سيصلي، فهذا يذكره العلماء من آداب السفر، وبين صلى الله عليه وسلم السبب فقال: (حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة...) حفاظاً على كيان الأسرة، وإبعاداً عن مظان السوء، إذا كان الإنسان غائباً عن زوجته فإنها لا تقدّر زوجاً عندها، فلم تتهيأ لاستقباله، وغالباً تكون في ثيابها الرثة، فإذا فاجأها على تلك الحالة ربما رأى ما لا يريد، فانطبعت تلك الصورة في ذهنه، فيحصل هناك تخلخل في الروابط الزوجية؛ لأن الزوجة كما قالت المرأة البدوية لابنتها: لا يرى منك إلا كل مليح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح -وتنصحها بعشر نصائح معروفة- وتعهدي وقت نومه، ووقت سروره، ووقت كذا وكذا.... إلخ.

    فإذا فاجأ المرأة وهي في تلك الحالة ربما لا يعجبه هذا المنظر، وقد تلصق الصورة في الذهن، وربما تقول: الزوج غائب فرصة أذهب أزور أمي، فرصة أزور خالتي.. جارتي، احتاجت إلى حاجة وزوجها غائب بدلاً من أن تتثاقل إلى إنسان تذهب هي بنفسها لتقضي حاجتها، فيصادف مجيء الزوج وهي غائبة، ويأتي الشيطان يوسوس: انظر من يوم ما ذهبت وهي ما تجلس في البيت، من يوم ما ذهبت وهي خراجة ولاجة، ويجد مجالاً للإفساد، لكن عندما يخبر بأنه قادم تتهيأ.

    وحكيت لنا قصة: كان رجل غائباً، وأرسل للزوجة ميعاد العودة، وكانوا كما تعرفون يسافرون على الإبل، فقبل أن يقدم بيومين رأى فيما يرى النائم أن كبشين ينتطحان على فرج امرأته، فاشمأز جداً، ولذا كما يقولون: تفسير المنام إلهام، لأنها موحية، ففزع وذهب إلى طالب علم يسأله فضحك، قال: لماذا تضحك؟ هل الناس يقتتلون عليها؟! قال: لا، قال: إنها علمت بمقدمك فاستعملت المقص فجرحها، إنها تتهيأ!

    ويحكى أن رجلاً كان غائباً، فقدم وقال: الوقت ليل، وما عندي من أخبرهم، والمسجد الآن ما فيه أحد، فذهب وطرق الباب وكان حديث عهد بعرس، وفي البيت أبوه وأمه وزوجه، ترون هذا الليل الطويل من الذي يكون ساهراً يعد النجوم؟ ومن الذي هو نائم ومستريح؟ ومن اليقظان ومن النائم؟ الزوجة ساهرة كما يقولون: ساهرة الليالي، والأب والأم في حال النوم، وما عندهم شيء يشغلهم، فأول من سمع الطرق الزوجة، فحالاً أسرعت، ففتحت لزوجها واستقبلته، وكانت أمه كلما طلع الفجر تذهب توقظها للصلاة، فذهبت في ذلك اليوم فإذا بالرجل في الفراش وهي لم تعلم أن ابنها قد جاء، فذهبت لزوجها وقالت: أدرك زوجة ولدك ومن معها في فراشه.

    طبعاً أمور مثل هذه كما يقال: تغلق الذهن، ما كان منه إلا أن فزع إلى السيف، وجاء وحز رأسه، ثم قامت الزوجة، وجاءت وطرقت على أبيه الباب، ثم قالت: قم وار ولدك، ذبح ولده بيده! فقالوا: هذه نتيجة مخالفة السنة، لو كان أهل البيت علموا بمجيئه لفرحوا وهللوا، ولكن لما فاجأهم ولم يعلم البقية إما أن يقع خطأ، وإما أن يقع سوء في العشرة بين الزوجين.

    والآن الحجاج والزوار والعمار، والعمال الذين يسافرون ويرجعون يسر الله لهم الاتصالات، وشخص مسافر وشخص راجع، فليحذر الإنسان أن يفاجئ أهله، يقول: اتركني آتيها على غفلة أنظر ماذا تعمل! هذا ليس من المروءة في شيء! بل هي الدناءة في عينها، أنت لا تدري ما هي الظروف، وإذا كنت شاكاً في أهلك فلا يستحقوا أن يكونوا معك، يجب أن تكون الثقة متبادلة، فإذا لم يتيسر له فليأت إلى المسجد، فسيجد الأولاد في المسجد أو الجيران، وقبل أن يصلي تحية المسجد يكلف أحد المارة: أخبر بيت فلان بأنه جاء وهو الآن في المسجد.

    فهنا في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان يصلي سبحة الضحى إلا إذا قدم من مغيبه)، كان صلى الله عليه وسلم في الغزوات يقدِّم من يأتي بالبشرى، كما في غزوة بدر، أرسل ابن رواحة وعبد الله بن زيد على راحلة رسول الله القصواء ببشرى الفتح والنصر ومجيء الأسارى، وكذلك في فتح مكة إلى غير ذلك.

    فإذا قدم قلنا: على الإنسان أن يبدأ بالمسجد، وكان بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فإذا بدأ بالمسجد بطبيعة الحال علم أهل بيته، وإن كانوا سمعوا بالبشرى من أول، إذاً: مقدمه من مغيبه هل هذا كان لصلاة الضحى أم كان لدخول المسجد ليبدأ به؟

    ابن عمر رضي الله تعالى عنه -كما في رواية موطأ مالك برواية محمد بن الحسن - كان إذا أراد سفراً سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه قبل أن يسافر، وإذا رجع من سفر بدأ بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، وإذا أراد أن يسلم، سيدخل على طول يسلم أم تحية المسجد أولاً؟ معروف في السنة بأن تحية المسجد تصلى أولاً.

    فإذاً: إلى هنا حديث عائشة وسط بين الحديث الأول وحديثها الثالث، فهي سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط، يبقى هذا نفي صريح، والأول إثبات صريح، والوسط: (إلا إذا قدم من مغيبه)، ولكنها مع النفي تقول: (وإني لأسبحها) لم يصلها وأنت تصليها على أساس ماذا؟ أنت ما رأيتيه يصليها وتقولي: (وأنا أسبحها) لا تخالفيه! لا، هنا موقف العلماء: الجمع، هل هناك جمع بين النفي والإثبات أم ترجيح؟

    وكما يقول العلماء: إذا تعارض الحديثان فلا طريق إلا الجمع بين الحديثين ما أمكن، أو ترجيح أحدهما على الآخر، فبعضهم سلك طريق الجمع، وقالوا: ما صلى سبحة الضحى قط، وأنا أستحبها، (ما صلى) بمعنى: ما داوم عليها في المسجد كما تفعلون اليوم في ذلك الوقت، وفي بعض الروايات -ويسوقها بكاملها صاحب طرح التثريب- تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (ما صلى، وكان يترك الشيء الذي يحب أن يفعله مخافة أن يكتب على الناس، وكان يطلب التخفيف وإني لأسبحها)، يعني تقول: ما كان يصلي وهو يحب صلاتها، ويترك ذلك مخافة أن تفرض لدوامه عليها، وأنت تصليها لماذا؟

    قالوا: اتخذت طريق الجمع، تقول: ما رأيت، ولكن علمت بأنه يريد أن يصلي، فتخبر عن علمها بعدم رؤيتها، وتخبر عن رغبته بما سمعت من غيرها، هذا نوع من أنواع الجمع! وجمع آخر، قالوا: إن قولها: (ما صلى أبداً) -كما أشار ابن العربي وغيره- أي: ظاهراً وكان يخفيها، وبعضهم يقول: هي امرأة من تسع نسوة أمهات المؤمنين، وقد يكون وقت صلاة الضحى للنبي صلى الله عليه وسلم ليس عند زوجاته، ويكون في المسجد، فإذا جاء من يثبت صلاته كـأبي هريرة وغيره وأنس فيكون: (من حفظ حجة على من لم يحفظ)، ويكون هذا إما طريق الجمع بأنها تنكر حالة صلاتهم التي يداومون عليها وفي المسجد، حتى قال البعض: إنها كانت تغلق عليها الباب وتصلي الضحى، إمعاناً في إخفائها.

    وعلى كلٍ: مذهب الجمهور تقديم النصوص الواردة في مشروعية صلاة الضحى، وفي بيان فضلها وأجرها والوارد فيها بالأحاديث الصحيحة سواء كان في (كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة) أو في حديث البعث الذين بعثهم رسول الله، أو في حديث: من صلى ركعتين أو صلى أربعاً، أو صلى ثمان، أو حديث: (يا ابن آدم! اكفني ركعتين في أول النهار أكفك آخره)أو في حديث أبي هريرة : (أوصاني خليلي...) كل هذه نصوص عند الجمهور تثبت مشروعية صلاة الضحى وتبين فضلها.

    1.   

    شرح حديث: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)

    قال رحمه الله: [ وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) رواه الترمذي . ]

    في أواخر هذا البحث يأتي المؤلف رحمه الله بعد أن أورد ما يشعر بالخلاف، ويشير إلى الترجيح لأول وهلة، ويبين عددها؛ أخذ يبين وقتها.

    فقوله: (صلاة الأوابين) ما هي صلاة الأوابين؟ وهناك الحديث الآخر: (صلاة الضحى صلاة الأوابين)، وروي أن صلاة الأوابين ما بين المغرب والعشاء، ولا تعارض: فتكون هذه صلاة للأوابين في النهار، وهذه صلاة للأوابين في الليل، فلا تعارض في ذلك، ولكن فيما يتعلق بالضحى حين ترمض الفصال، الرمضاء: التراب الحار، وذلك عندما تشتد الشمس، وتكون الأرض رملاً، وأهل الإبل يعرفون ذلك بالتوقيت تماماً، والفصال جمع فصيل، وهو الذي انفصل عن أمه وهو صغير لم يبلغ سنة، فإذا كان يمشي وراء أمه وارتفعت الشمس كما يقال: في ربع الدائرة؛ لأن الدائرة تنقسم نصفين: نصف نهار، ونصف ليل، من نقطة طلوع الشمس إلى نقطة غروبها تتوسط الدائرة سطح الأرض الأعلى نهار، وسطحها الأدنى ليل، فالنصف الأعلى نهار يقسم إلى أرباع:

    الربع الأول وقت الضحى، الربعان مجتمعان يعني: النصف حينما تزول الشمس وقت الظهر، الربع الثاني وقت صلاة العصر، والربع الرابع عندما تغرب الشمس ويأتي وقت المغرب.. أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] دلوكها أي: زوالها عن كبد السماء.

    فعندما تطلع الشمس يكون في أول طلوعها أشعة هادئة باردة لطيفة أو كما يقول الأطباء: مليئة بفيتامين (د) فهو مقو للأطفال المصابين بالكساح نافع للعظام، فإذا ارتفعت الشمس إلى أن تصل إلى ربع الدائرة احترت واشتدت الحرارة، والفصيل لا يستطيع أن يتابع المشي، يربض، فأهل الإبل يحملونه على ظهر أمه وإلا لا يستطيع أن يمشي، انظروا التوقيت سبحان الله العظيم! لم يقل: الساعة الفلانية؛ لأنه لا ساعات في ذلك الوقت، ما كل إنسان يقيس النهار بالساعة، مع أنهم يعرفون الوقت بحركة الظل، وإلى الآن هناك بعض الفلاحين يقيسون الزمن بالظل، وينصبون عوداً، وينظرون إلى ظله، أول ما يكون إلى جهة الغرب، ثم يتحول، وكلما ارتفعت الشمس يقصر الظل، ويتحول إلى الجنوب أو إلى الشمال، ثم تزول الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغرب، ويقيسون بالأصابع ويضعون أعواداً، يجلسون يعدون اثنتا عشرة ساعة بالنصف ساعة وبالربع ساعة.

    والمزولة كانت موجودة في المسجد هنا في الداخل، وهي الآن موجودة عند غرفة المشايخ، فهي تقيس النهار بظلها.

    ولكن لما كان التشريع مبسطاً، ومقدراً للفطرة (أمة أمية) وقت صلى الله عليه وسلم بالأمر العملي؛ لأن أهل الحضر وأهل المدن عندهم التوقيت بالساعات يسهل عليهم، لكن أهل البادية وقت لهم بما يعرفونه بطبيعة حياتهم ومخالطة حيواناتهم، فوقت الضحى عندما ترمض، وهنا: متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟

    نجد بعض العلماء يقول: يبدأ وقت صلاة الضحى في الوقت الذي تصح فيه صلاة العيد، لكن لما كانت الشمس تأتي من تحت تكوير الأرض حينما تظهر على الحافة كأنها لاصقة في الأرض، فعندما يرتفع قرص الشمس عن حافة الدائرة قدر الرمح في الهواء، هذا وقت ارتفاع الشمس قدر الرمح، إلى متى يمتد؟

    قالوا: إلى ما قبل الزوال، وهذا توقيت الفقهاء رحمهم الله، ويكون التوقيت بـ(حين ترمض الفصال) هو وقتها الأفضل لها، إذاً: يكون لوقتها بداية: وهو ارتفاع الشمس قدر الرمح، ونهاية: وهو قبل الزوال، وفضيلة: وهو وسطها عندما ترمض الفصال.

    وهناك قد يجد الإنسان بعض التفاصيل بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفريضة.. -أي: الصبح- وجلس في مكانه لا يتكلم بشيء من أمور الدنيا حتى أشرقت الشمس، فصلى ركعتين كان كحاج معتمر، ومن صلى ركعتي الضحى كان كمعتمر) إذاً: يوجد صلاة إشراق، وصلاة ضحى! قالوا: اللغة فيها: ضحى وضحىً وضحاء، ممدود ومقصور، وقالوا: ضحوة النهار أوله، والضحى وسطه، والضحاء قريب الزوال، هكذا تقول كتب اللغة، فيكون الإشراق أوائل شروق الشمس، وهو أول ما يمكن أن تصلى فيه الضحى لمن كان جالساًبعد الفريضة، وطلعت الشمس، فصلى ركعتين ورجع إلى بيته، يليه بعد ذلك سنة الضحى وهي مستقلة.

    وبعض العلماء يقول: سنة الإشراق وسنة الضحى سواء، أو أحدهما تجزئ عن الأخرى، إن صلى الإشراق أجزأته عن الضحى، وإن صلى الضحى أجزأته عن الإشراق، ولكن الإشراق مشروط بأن يصلي الصبح ويبقى في مصلاه، وهذه لها حكمة، لم يقل: في مكانه، لكن: (مصلاه) والمصلى: قد يطلق على اسم المكان الذي هو موضع الصلاة، يعني: صلى في الصف الأول وبقي في مكانه في الصف الأول، ومصلاه يطلق أيضاً لغة على عموم المسجد، كقولهم: هذا مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعضهم يقول: مصلاه بالمعنى الضيق المحدد الذي جلس فيه، يعني: لا يقوم ويذهب يدور يميناً ولا يساراً، ولا ينتقل من مكان إلى مكان، وهذا ما يشهد له فعل الصديق رضي الله تعالى عنه، كان يصلي الصبح ويجلس، فإذا ما طرأ له ما يقتضي القيام وضع رداءه، وقال: انتظروا سأعود، فبعض الناس نظر فإذا لا يوجد أحد عنده، فلما رجع قال: تخاطب من بقولك: (انتظروا سأعود) وما عندك أحد؟ قال: عندي، قال: من؟ قال: الملائكة، هم جلساء يسمعون الذكر، وأنا طرأت لي حاجة تجديد الوضوء حتى لا ينصرفون عني ويحسبون أني ذهبت، فأعلمهم أني راجع إن كان لهم رغبة بالبقاء بقوا.

    فمعنى في مصلاه أي: المكان الذي صلى فيه، وهذا يدل على الالتزام والمداومة، أما لو كان يطلق المصلى على عموم المسجد فإنه يستطيع أن يذهب هنا أو هنا كأنه ليس عنده ثبات أو استقرار، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شرح حديث: (من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً...)

    [ وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة) رواه الترمذي واستغربه ].

    سبحان الله! ما أعظم الجنة، وما أعظم نعيمها! قصر في الجنة باثنتي عشرة ركعة، قد يقول إنسان: الجنة رخيصة أم الاثنتا عشرة ركعة غالية، ماذا تقولون؟ الجنة والله ليست رخيصة! (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) إذاً: الجنة ليست رخيصة، عرفنا قيمتها، والسوط الذي هو نصف متر حتى لو كان مربعاً خير من الدنيا وما فيها من قصور ومن فلل ومن.. ومن.. إلخ.

    إذاً: الثمن يعادل المثمن، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:111] ، هذا ثمن غالٍ جداً.. النفس والمال ثمن للجنة، ولكن أيضاً المنعم بالنفس وبالمال هو الذي اشتراها، يعطيك ويشتري منك.

    إذاً: المسألة إكرامية من الله بأن يعطيه الجنة، إذاً: هذا يغلي قيمة ركعتي الضحى، ما دام أن المثمن غالٍ إلى هذا الحد يكون الثمن بالتالي مساوياً، وأين المساواة هنا؟

    إذا أردنا أن نقرب الموضوع نأخذ الحديث الثاني وإن كان أضعف سنداً: (من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، من صلى أربعاً كتب من الأوابين، من صلى ثمان غفر له ذنبه، من صلى اثنتي عشرة ركعة بني له قصر في الجنة) إذاً: هذا الذي سيداوم على اثنتي عشرة ركعة في الضحى هل نتوقع منه الغفلة عن ذكر الله؟ لا، إذا كان في غير وقت الصلاة يصلي الضحى هل يترك صلاة من الصلوات الخمس؟ ليس معقولاً أن يحافظ على النوافل ويضيع الفرائض!

    إذاً: هذا بيان وتقوية وتشجيع وندب للشخص أن يداوم على الصلاة المفروضة، ثم بالتالي يصلي النوافل.

    1.   

    شرح حديث: (صلى الضحى ثماني ركعات في بيت عائشة)

    قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات) رواه ابن حبان في صحيحه ]

    الحديث الذي مضى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ما كان يصلي إلا إذا أتى من مغيبه) وهنا تقول: (دخل بيتي وصلى...) هل هناك تعارض؟ ليس هناك تعارض، ممكن أن نقول: دخل من مغيبه فصلى، كم صلى؟ ثماني ركعات، أو نضيف هذا إلى الأحاديث التي فيها مشروعية الضحى، ويكون عن أم المؤمنين أربعة أحاديث بدلاً من ثلاثة، ويهمنا أنها أضافت إلى الأربع المتقدمة: (ويزيد ما شاء الله)، يبقى ثبت عندنا ركعتان، وأربع، وثمان، واثنتا عشرة، وبالله تعالى التوفيق.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.