إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [9]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نقل الصحابة رضوان الله عليهم لمن بعدهم كل هيئات النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ حتى إنهم نقلوا شكل الأصابع ووضعها في حال الركوع والسجود. وبعض هيئات الصلاة اختلفوا فيها، مثل: جلسة الاستراحة، والقنوت في الفجر والوتر، والظاهر أن هذا كله من خلاف التنوع، وعلى ذلك فكله جائز.

    1.   

    شرح حديث: (كان إذا ركع فرج بين أصابعه)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله:

    [وعن وائل بن حجر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه)، رواه الحاكم .

    هنا هيئة الأصابع في حالة الركوع والسجود، يقول وائل بن حجر رضي الله عنه وهو من أمراء اليمن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع ألقم كفيه ركبتيه، وفرج بين الأصابع.

    إذاً: وضع الأصابع على الركبتين حال الركوع تكون مفرجة، ليتمكن من قبض الركبة كاملة، وليس هذا من باب الاستناد على الركبة، ولكنه هيئة من هيئات الصلاة، وهو أدعى لمن يطيل الركوع أن يساعده، وعلى هذا: إذا سجدت فضع كفيك مضمومة الأصابع.

    ومن مجموع الحديثين نأخذ هيئة وضع الكفين على الأرض مع الأصابع.

    فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقلون لنا من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزئيات: كيف كانت أصابعه حال الركوع مع الركبتين؟ كيف كانت أصابعه حال السجود مع الكفين؟ وقد تكون تلك الحالات خفية؛ فمفرج الأصابع وضامها مسائل لا يدركها إلا من تأملها وقصدها، فهم ينقلون إلينا ذلك.. حتى إنه ليرى بياض إبطيه، إذاً: هذه صورة من الصور المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم تأتي صورة أخرى وقد تكون أدق، وتَقدَّم لنا في قراءة الفاتحة وبعض الآيات أو السورة بعد الفاتحة: أنه كان يقرأ بعد الفاتحة سورة صغيرة أو ما تيسر من القرآن في السرية، أما الجهرية فهي مسموعة، قالوا: كيف كنتم تعلمون قراءته في السرية وأنتم لا تسمعونها؟ قالوا: نعرفها بتحرك لحيته، وكان يرفع صوته أحياناً، فنقلوا لنا تحرك اللحية، ورؤية بياض الإبط، ووضع الأصابع على الركبة، وضع الأصابع عند السجود؛ فهل هذه الأشياء أظهر أم وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع؟ وأيهما أوضح؟ وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع أوضح بلا شك، حتى إن ضعيف النظر يدركها، لكن الأصابع مفرجة ومضمومة واللحية تتحرك لا يدركها إلا من تأملها، وكان قوي النظر.

    ولذا نقول: لا تشددوا فيما لم يثبت به أثر، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم مفصلاً، فكل ما جاء في وضع اليمنى على اليسرى هو في حالة القراءة، أما نص صريح ولو حتى ضعيف في أنه كان صلى الله عليه وسلم بعد أن يرفع من الركوع يضع اليمنى على اليسرى، فأعتقد لو بحثا ليلاً ونهاراً فلن نجد ذلك، وطلبنا من الإخوة أن يبحثوا في كتب الحديث والفقه، وأن يأتونا بنص صريح ولو ضعيف على أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع من الركوع وضع اليمنى على اليسرى فلم نجد، وسننتظر لعل الله ييسر لأحد ولو في مخطوطة من المخطوطات.

    إذاً: الأمور الفقهية تجمع لها أطراف الصور، وصفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلت لنا بهيئاتها، ونعلم أنه إذا لم يقبض بعد الركوع ولا قبل الركوع فالصلاة صحيحة، لكنه ترك هيئة من هيئات الصلاة، أو فعل شيئاً ظنه هيئة من هيئاتها، والذي نؤكد عليه: أنه لا ينبغي لمن رأى وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع وفعل ذلك أن يعترض على من لم يفعل، ولا من لم ير ولم يفعل أن يعترض على من فعل، لماذا؟ لا من جهة الثبوت وعدمه ولكن من جهة صحة الصلاة.

    1.   

    شرح حديث: (رأيت رسول الله يصلي متربعاً)

    قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)رواه النسائي ، وصححه ابن خزيمة . ].

    المتأمل في ترتيب هذا الكتاب المبارك يرى أنه كان من الأولى تأخير هذا الحديث إلى ما بعد عدة أحاديث؛ لأنه سيأتي بيان كيفية صلاة العاجز عن القيام، ومجمل ذلك إلى أن نصل إليه إن شاء الله.

    تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)، ولم تُعْلمنا هل كانت تلك الصلاة فريضة أو نافلة، ولكن إذا كان الخبر عن أم المؤمنين عائشة فإن تلك الصلاة تكون في البيت، والقرائن تدل على أن رؤيتها إياه صلى الله عليه وسلم في البيت، وصلاته في البيت هي نافلة.

    إذاً: نحمل هذا الحديث على صلاة النافلة، وبإجماع المسلمين أن النافلة تصح من مؤديها قائماً وقاعداً، وجاء الحديث بأن: (صلاة القاعد على النصف -أي: في الأجر- من صلاة القائم) وهذا في النافلة بلا نزاع.

    أما الفريضة فيجمعون على أن القيام ركن فيها: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

    على هذا بقي الكلام في هيئة: (متربعاً)؛ لأنه سيأتينا البحث فيما بعد عمن عجز عن الصلاة قائماً ماذا يفعل، وستأتي النصوص في بيان الهيئة والكيفية لصلاة المريض أو العاجز عن القيام، وهي عدة روايات وأحاديث مفصلة سيتم الكلام عندها إن شاء الله، لكن يهمنا صورة التربع في الصلاة.

    أنت لو كنت قائماً منتصباً شاخصاً، أو نائماً متمدداً أيضاً كخط مستقيم، لو جلست كجلسة التشهد وأرجلك تشكل حرف (l) أو كما يقولون:زاوية، لكن إذا ثنيت الساقين أمامك،وجئت بمقياس؛وجدت جلستك على هيئة تربيع؛الطول بعرض الفخذ، والعرض بطول الساق، والظهر تجد الجلسة على شكل مربع، هات مقياس وقس من الأربع الجهات، ستجد أن المقياس متقارب، هذا هو الجلوس متربعاً، ولكن عند الفقهاء: أن هيئة التربيع أن تضع قدم الرجل اليمنى تحت فخذ اليسرى، ظهر القدم إلى الأرض، وبطن القدم تحت الفخذ، والساق اليسرى تجعل قدمها تحت الفخذ اليمنى، جاعلاً ظهر القدم إلى الأرض، وبطن القدم إلى الفخذ، هذه صورة الجالس المتربع. أما حالة العاجز والمريض فكما أسلفنا سيأتي لها نصوص تبيّن حالة العاجز والمريض عن القيام كيف يصلي، ولا تسقط الصلاة بحال من الأحوال، ولو متكئاً على عصاً أو مستنداً على جدار على تفصيلات جزئية يذكرها العلماء في كتب الفقه، وعلماء الحديث في شرح الأحاديث الواردة، ولعلها تأتي بعد عدة أحاديث إن شاء الله.

    وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (رأيت رسول الله)، من نعم الإسلام، ومن النعم علينا أن يكن أمهات المؤمنين ينقلن لنا ما كان في داخل بيت النبوة، من كان سيراه داخل ذلك البيت؟ حتى أخص أصحابه ممن يصحبه في المسجد لن يراه، ولكن من فضل أمهات المؤمنين علينا أن يذكرن لنا هذا، كما قال الله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، والحكمة هي: ما يتلقونه قولاً أو فعلاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجح عندنا بالقرائن: أن هذه الصلاة التي رأته فيها عائشة إنما هي نافلة.

    1.   

    شرح حديث: (اللهم اغفر لي وارحمني ...)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني)، رواه الأربعة إلا النسائي ، واللفظ لـأبي داود وصححه الحاكم . ].

    المؤلف رحمه الله بعد أن بين لنا السجود (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك)، بين ما سيفعله من سيرفع من السجدة الأولى، وقبل أن يعاود إلى السجدة الثانية؛ فجاءتنا الصلاة بهذا الترتيب الفعلي، وهيئة السجدة: أن يضع كفيه مضموة الأصابع رافعاً مرفقيه، فإذا رفع من السجدة وجلس تلك الجلسة ماذا يقول؟

    هنا جاء الدعاء: (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني)، وهناك ألفاظ أخرى (واجبرني) بدل: (وارحمني).

    طلب المغفرة والرحمة من الله

    هذه الجمل الخمس لو نظرنا في مجموع دلالتها: نجد المغفرة وهو طلب أخروي شامل، وارحمني: زيادة في المغفرة؛ لأن الغفران هو الستر والتغطية، والرحمة إنما هي إغداق النعمة على العبد، شاءت رحمة الله إدخاله في رحمة الله، فيمكن كما يقال: المغفرة أمر سلبي، والرحمة أمر إيجابي.

    (واهدني): الهداية أمر عام في أمور الدنيا والآخرة، والهداية في الدنيا هي: التوفيق لأعمال الخير والنجاح والمساعي، يهدى إلى طريق البر، وإلى فعل الخيرات مع الناس، والهداية في أمور الدين هي: التوفيق بالعمل الصالح والنتيجة كما جاء القرآن الكريم في أعظم مسألة في أعظم سورة في كتاب الله، وفي أعظم موقف بين يدي الله، وبعد التحميد والتمجيد والثناء على المولى سبحانه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    طلب العافية من الله

    قوله: (وعافني): العافية أعظم مطلوب للإنسان، وكما جاء في ليلة القدر؛ لما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: ماذا أقول إن أنا صادفتها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، تأمل هذا الموقف! أحب الناس إلى رسول الله، وتسأله عن أعظم مطلب عند المسلم وفي ليلة القدر: ماذا تقول فيها؟ وخير الخلق صلى الله عليه وسلم يقول هذا لأحب الناس إليه، أي: أنه سينصح لها كامل النصح، (قولي: اللهم ...)، وهذا التعليم ليس خاصاً بها، وإنما نقلته لنا لنتأسى بها فيكون للجميع، كما جاء الحديث: (قولي لواحد منكم كقولي لألف واحد)، تشريع عام، ونجد أيضاً المقدمة بين يدي الحاجة والسؤال: (اللهم إنك عفو ...)، هذا ثناء على الله بالصفة التي تريد الباب منها، كأنك عندما تريد أن تطرق باب العفو عند الله، فإنك تثني عليه بهذه الصفة، فلا أقول: اللهم يا رزاق اعف عني، يا رحمان يا رحيم اعف عني؛ لأن هذه لها أبواب مستقلة، يا رحمان يا رحيم ارحمني، يا رزاق يا كريم ارزقني، يا هادي اهدني، فتكون هذه من بابها، فجئت إلى باب العفو وطرقته وأثنيت على الله بتلك الصفة التي تريد أثرها يصل إليك.. أنا عفو ماذا تريد؟ أريدك أن تعفو عني.

    وإذا تأملنا هذا المطلب! فإن الإنسان في الدنيا والآخرة يريد المعافاة، والمعافاة: السلامة من الابتلاء، ويكون في عافية، والإنسان بماذا يبتلى؟ يبتلى إما في بدنه بالمرض، أو ولده وماله وزوجه بالفتنة، فإذا عوفي في بدنه فالحمد لله، وإذا عوفي في ولده بأن كان رضياً موفقاً مهدياً، وعوفي في زوجه: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ [التغابن:14]، وإذا عوفي في سلوكه مع الآخرين وفي كل أمور دنياه، فإذا جاء إلى الآخرة وحظي بعفو الله سبحانه كان مآله إلى الجنة، إذاً: هو في دنياه معافى من البلاء، وفي أخراه معافى من العذاب؛ فتكون قد جمعت له هذه الكلمة خيري الدنيا والآخرة.

    وقد جاء في الحديث: (من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه)؛ لأن الأمن في السرب أيضاً من المعافاة، معافى من اللصوص والاعتداء والظلم، (عنده قوت يومه وليله؛ فقد حيزت له الدنيا بحاذفيرها)، وماذا في الدنيا أكثر من هذا؟ البدن متعافٍ، والقوت الذي يشبعه عنده، والمأوى موجود فهو آمن مطمئن، ولو بحث وراء ذلك من متعة لم يجد بعد ذلك شيئاً، فالدنيا كلها بين يديه بمتعها.

    طلب الرزق من الله وعلاقته بالقدر

    قوله: (وارزقني): هذا الرزق مضمون فعلاً عند الله، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] .. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها)، وفي الحديث الآخر: (إن الرزق ليطلبك كما تطلبه، ولن تموت نفس من الدنيا حتى تستوفيه، فأجملوا في الطلب) اجعل الطلب جميلاً، والله سبحانه وتعالى قد وعد بالرزق عنده: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، ومع ذلك يأمرنا بأن نسأل الرزق، ونقول لأولئك الذين يتكلمون في القدر: إنما قدره الله سبحانه وتعالى وخفي علينا، وما شرعه الله فهو واضح إلينا، ونحن مكلفون بأن نأخذ ونعمل بما كلفنا به، أما ما وراء ذلك فلا دخل لنا فيه.

    كم شوشت على كثير من الناس علاقة العلم والقدر من المولى والأمر والتكليف من العبد، والله يقول: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] إن الله سبحانه قد قدر كل شيء قبل إيجادك بآلاف السنين، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23]، ... لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد:25]، وهي المعجزات الموضحة لصدق رسالتهم، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25].

    مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ [الحديد:22]، هل اطلعنا عليها؟ أرسل الرسل بالبينات ومعهم الكتاب يقرأ، وميزان العدالة يطبق، ماذا علينا نحن في هذا الموقف؟ هل نحن مأمورون بمقتضى ما كتب في اللوح المحفوظ، أم أننا مطالبون بتطبيق ما في الكتاب والميزان؟ بالكتاب والميزان، وهنا الرزق مضمون، ويكلفنا المولى أن نسأله الرزق، فهل هو تحصيل حاصل؟ لا والله، هناك أمر وقدر في علم المولى سبحانه، وهنا تشريع يجب الامتثال له، وهناك صورة قد يتيه الإنسان سنوات حتى يحصل عليها، وهي أن يكون الأمر عند الله وفي قدر الله على خلاف ما أمر به، وإنما يأمر به لتظهر نواحي اختيار العبد في القبول أو الرفض.

    الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما جاء إلى إسماعيل وقال: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، وفي هذا تكليف لإبراهيم أن يذبح إسماعيل؛ فهل امتثل إبراهيم وأطاع إسماعيل أم رفضا؟ بل شهد الله لهما بالطاعة: فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات:103]، أي: استسلما لأمر الله وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]، إلى الخطوة الأخيرة في عملية التنفيذ لأمر الله، ولم يبق إلا جرة السكين: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:104-105]، افتحوا آذانكم يا إخوان! واتجهوا إلى المولى أن يشرح صدورنا، إن المولى عز وجل حينما أمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل عليهما السلام كان في علمه وقدره أنه لن يذبح، ومع ذلك يقول له: اذبح! كيف يقول له: اذبح وهو يعلم أنه لا ذبح، وهو لم يقدر ذلك؟!

    حينها علمنا بأن الله يعلم بأنه لا ذبح، ولم يقدر الذبح، وأمر إبراهيم بأن يذبح حال علمه سبحانه أن لا ذبح؛ لتظهر تلك الوقفة الكريمة من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:102-103]، وكانت النهاية: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [الصافات:104] ، وهناك: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:105] .. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، إحسان إبراهيم وإسماعيل على أي شيء وهو لم يفعل؟ في القدر أنه لن يذبح، وهو نفذ خطوة القدر، وكان من المحسنين؛ لأنه أجاب وأطاع الله في الأمر الذي وجه إليه، وأمر القدر كان غائباً عنه.

    إذاً: الأمر والقدر من جانب الله، والتكليف والفعل يختص بالعبد، وإثابة العبد أو عقوبته على اختياره لأمرين هما سواء: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، لو كان غير إبراهيم وقيل له: اذبح! لقال: ما أنا بذابح! ولو كان غيره إسماعيل لقال: لست بمذبوح، ولن أسلم نفسي لك! ولكنهما تلقيا أمر الله التكليفي كأنه أمر كوني لا محالة منه، فكانا من المحسنين.

    وهنا الرزق مضمون: (ويؤمر بكتب أربع كلمات: أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أم سعيد)، رزقه مكتوب قبل أن يولد وهو نطفة في الرحم، وهنا قال: (وارزقني)، وإذا كان رزقك مكتوباً فلِمَ تسأل الله؟ نعم، أنا أُِمرت أن أسأل الله الرزق مع أنه مكتوب لأكون ممتثلاً أمر الله فيما كلفني به.

    ومن هنا نجد أن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر ودعاء؛ ولذا جاء: (الدعاء مخ العبادة)، وليس هناك عبادة تخلو من الدعاء، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ولا جهاد، ولا أي عمل من العبادة لله إلا الدعاء فيه مثل تيار الكهرباء في الجهاز .. مخ العبادة، والإنسان بلا مخ هيكل، والعبادة بلا ذكر ولا دعاء هيكل، لذا كان الدعاء مخ العبادة، وجاء في الحديث: (الدعاء هو العبادة)؛ لأنه إنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

    الرد على من يقول بخفة ركن الجلسة بين السجدتين

    هذا الدعاء الذي مر بنا بين السجدتين كم يستغرق من الوقت؟ لو قلتها بالسرعة المتوسطة لا بطيئة ولا سريعة هل يستغرق ذلك نصف دقيقة؟ أريد أن أقول: هذا يرد على من يقول: الجلسة بين السجدتين والرفع من الركوع ركن خفيف، وتقدم لنا أنه جاء عنه صلى الله علي وسلم بعد الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) وفي هذا أيضاً رد على من يقول: إنه ركن خفيف، ونجد من يقوم قائماً للقراءة فيركع، ثم عند الرفع لا يستقر قائماً ولا ثانية واحدة! وهذا مخالف لهذه السنة النبوية الكريمة، وكذلك يكون ساجداً ويرفع من السجدة، وقبل أن يستقر جالساً يهوي مرة أخرى، متى دعا؟ لم يدع بشيء، إذاً: المحروم من حرم نفسه من هذا الدعاء في هذين الركنين.

    1.   

    شرح حديث جلسة الاستراحة

    قال رحمه الله: [وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً)، رواه البخاري . ].

    هذه يسمونها جلسة الاستراحة، يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر) بمعنى: الصبح ركعتين شفع، والركعة الأولى وتر، فالأولى من الصبح وتر، والظهر أربع ركعات، والأولى والثالثة منه وتر، والثانية والرابعة منه شفع، وهكذا، فالأولى من الصبح والأولى والثالثة من الرباعية والأولى والثالثة من المغرب هذه وتر، فتأتينا قاعدة: لم يقل الأولى من الصبح والظهر والعصر والمغرب والثالثة من كذا وكذا.. لا هذه جملة قاعدة مطردة: (إذا كان في وتر من صلاته)، والوتر في الصلاة يتحقق بالأولى في الصلوات الخمس، وفي الثالثة من غير الثنائية.

    (لم ينهض حتى يستوي قاعداً)، هذه يسميها الفقهاء جِلسة الاستراحة، ولا مشاحة في الاصطلاح، لأننا لو قلنا: لماذا الاستراحة؟ أين التعب الذي جاء؟ ما زلنا في الركعة الأولى، وليس هناك موجب للتعب الآن؛ لأن الاستراحة تكون نتيجة للتعب، فهي ليست الجلسة بين السجدتين بل بعد سجود السجدتين في الركعة الأولى، ويريد أن ينهض ليأتي بالركعة الثانية، ولكن قبل أن ينهض ويستوي قائماً فإنه ينهض من سجوده إلى قعود، ثم ينهض إلى القيام من قعود لا من سجود.

    ونجد بعض الفقهاء يقول: هذه الجلسة لا يجوز فعلها؛ لأنها زيادة في الصلاة، وكلمة استراحة تكون عن كسل، ولكن لا ينبغي وجود خلاف؛ لأنهم متفقون على أن هذه الفعلة هيئة من فعله صلى الله عليه وسلم، وعلى كل فإن السنة في هذه الصورة إذا سجد السجدتين في الركعة الأولى وأراد أن ينهض فلا ينهض من سجوده إلى قيامه، ولو تأملنا الحركة الطبيعية لإنسان ساجد: الجبهة والكفين في الأرض، ثم أردنا منه أن ينهض من سجوده قائماً، هل كل إنسان يستطيع أن يفعل هذا؟ ليس من السهل، لكن حينما ينهض من السجود إلى قعود؛ فهذه هيئة تتناسب مع طبيعة الإنسان، وأيسر له في قيامه من كونه يقوم من سجوده، والذين قالوا: إنها لا تجوز، وأنها عمل زائد عن الركوع والسجدتين، يجاب عنهم بأن النص جاء عنه صلى الله عليه وسلم وهو يتمشى مع الإرفاق بالمصلي، ولا ينبغي أن يقال فيه: إنه عمل خارج عن الصلاة أو زائد عن الصلاة، بل نقول: إنه السنة، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي).

    1.   

    شرح حديث: (قنت شهراً بعد الركوع)

    قال رحمه الله: [ وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً بعد الركوع؛ يدعو على أحياء من العرب ثم تركه)، متفق عليه ].

    حديث أنس هذا أصح الأحاديث التي وردت في الباب، وأنس له عدة روايات في النوازل وفي غير النوازل، وله حديث أنه بعد الركوع، وحديث أنه قبل الركوع، فـأنس له دور كبير في باب القنوت، وهذا الحديث هو من المتفق عليه.

    (قنت صلى الله عليه وسلم شهراً)، أي الشهور هذا؟ إذاً: قبل ذلك لم يكن قنوت، وعليه فالقنوت ليس مشروعاً ابتداءً مع الصلاة، وإنما هو أمر عارض، وتاريخه أشار إليه أنس ، ولكن في الجملة: (يدعو على أقوام).

    سبب قنوت النبي صلى الله عليه وسلم على أحياء من العرب

    يتفق الجميع بأن سبب مشروعية القنوت في النازلة التي قنت فيها صلى الله عليه وسلم شهراً في الصلاة: أنه كان يدعو على أقوام، وتاريخ هذا القنوت وتلك النازلة بعد غزوة أحد بأربعة أشهر، وهي حادثة القراء، عندما جاء رجل من قبل نجد وعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فلم يقبله ولم يبعد، ثم قال: يا رسول الله! لو أرسلت رجالاً قبل نجد يدعون إلى ما تدعو إليه لعلهم يجيبونك، قال: (أخشى عليهم أهل نجد؟ قال: أنا كافل لهم)، فتخير صلى الله عليه وسلم أربعين رجلاً من القراء، وليس معنى القراء: أصحاب التجويد المحترفين القراءة، لكن كان يقال لطلبة العلم ولحملة كتاب الله قراء؛ فأرسل صلى الله عليه وسلم أربعين بإمرة رجل منهم، فلما جاءوا إلى بئر معونة قدموا خطاباً لـأبي الطفيل ، فلما رأى الخطاب وقبل أن يقرأه قتل هذا الصحابي، ثم استعان على الرفقة البقية بجماعته فأبوا عليه، وقالوا: قد أعطينا فلاناً عهداً في حفظهم يعنون الصحابة، فاستعان برعل وذكوان وعصية، فأجابوه، وكان القوم في مقيلهم، فإذا بهؤلاء الناس يحيطون بهم، فتناولوا سيوفهم وقاتلوا حتى قتلوا جميعاً، ما عدا رعيان الإبل ورجل كان ضمن الجرحى، فالرعيان رءوا الطيور تحوم حول المكان؟ فقالوا: ما حامت هذه الطيور إلا على شيء، فجاء اثنان ووجد أصحابهم على تلك الحالة، فقال واحد: نرجع إلى رسول الله نخبره، وقال الآخر: والله ما أذهب وأترك أصحابي، بل أموت على ما ماتوا عليه، وأخذ يقاتل القوم حتى قتل، والثاني أخذ أسيراً، والذي كان في الجرحى حسبوه من القتلى، ففي الليل تحامل على نفسه وجاء وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبر رسول الله حزن حزناً شديداً -كما في رواية البخاري رحمه الله- ثم أخذ يدعو عليهم.

    وتعددت الروايات في هذا، فمنهم من يقول: (في الصلوات الخمس)، ومنهم من يقول: (في المغرب والفجر) ومنهم من يقول: (في الفجر فقط)، فنجد الروايات متعددة في موضع قنوت تلك النازلة.

    إذاً: مبدئياً سبب وتاريخ مشروعية القنوت كان بعد أحد بأربعة أشهر، وبسبب مقتل القراء، فحزن عليهم صلى الله عليه وسلم، وأخذ يدعو على الذين قتلوهم.

    وحديث أنس هذا أول حديث يورده المؤلف، وفي هذا لفت نظر طيب جداً؛ فبدأ بحديث بدء المشروعية، وعرفنا متى وجد القنوت ولأي سبب، ومما يتعلق بعلم الحديث: أن لفظ الحديث هنا يدعو على أحياء من العرب، وأحياء فيها عموم وخصوص .. عام من جهة عموم أفراد الحي، وخاص من جهة أنه ليس على العرب جميعاً.

    بحث فيمن يحق له القنوت

    هنا يأتي بحث الفقهاء: هل في القنوت يدعو الإمام على مجمل جماعة أم يسمي أفراداً بأعيانهم؟

    هذا خاص بالإمام؛ لأن الرسول بصفته إمام المسلمين هو الذي دعا، ولا يجوز لفرد من أفراد الناس أن يدعو أو أن يقنت في النوازل بمفرده؛ لأن الرسول لم يأمر الناس أن يفعلوا، وفعله بنفسه، وهذه من أبحاث الحديث وفيها الخلاف، وجاء في بعض الأحاديث الأخرى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في قنوته في بعض النوازل سمى أشخاصاً، مثل نازلة سلى الجزور في مكة، وفي أحد سمى: أبا سفيان وصفوان ، فسمى أشخاصاً بأعيانهم، وقد يكون الدعاء في نازلة للمؤمنين بنصرهم وتأييدهم، وقالوا: روت عائشة وغيرها: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت لغيبة عثمان حينما قيل: إنه قتل) ، فقنت ورفع يديه، ودعا لشخص بعينه.

    (يدعو على أحياء من العرب): أحياء جمع حي، وهم الجماعة القاطنون بمنزل مستقل، وجاءت تسميتهم بـ: رعل وذكوان وعصية. وهم قبائل تلك المنطقة الذين طوقوا أولئك القراء وقتلوهم.

    تحرير النزاع في حكم القنوت في الفجر

    قال رحمه الله: [ ولـأحمد والدارقطني نحوه من وجه آخر، وزاد: (وأما في الصبح؛ فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا). ].

    في حديث أنس : (قنت شهراً ثم ترك) لماذا؟ انتهت المهمة، وإلى هنا محل اتفاق، لكن بجمع أطراف الحديث وطرقه ورواياته زيادة على ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، فروىأحمد رواية أخرى: (أما الصبح ...)، ولماذا ذكر الصبح هنا، نفهم من قوله: (أما الصبح) أن القنوت السابق لمدة شهر في جميع الصلوات ثم ترك، أما الصبح وهو إحدى الصلوات الخمس فلم يزل يقنت فيها حتى فارق الدنيا.

    إذاً: حديث أنس خاص في النوازل، وقوله: (حتى فارق الدنيا) عام في نوازل وغير نوازل، وحديث أنس فيه عموم الصلوات الخمس، وفيه خصوص صلاة الصبح، لكن نجد علماء الحديث يقولون: إن القنوت في النوازل فقط على ما جاء في المتفق عليه من حديث أنس ، وينفون القنوت في غير النوازل، ففريق قال: أما الصبح فلا زال يقنت بصفة دائمة نوازل أم غير نوازل حتى فارق الدنيا، والآخرون يقولون: انتهت بانتهاء الشهر، ونتنبه إلى دقة مآخذ الفقهاء من الألفاظ في هذا السياق.

    إذاً: انتهينا إلى مسألتين: الرواية المتفق عليها، وفيها القنوت في النوازل فقط، وهذا مما لم يختلف فيه أحد، والرواية التي عند أحمد زيادة على ما عند الشيخين، وفيها إثبات القنوت في الصبح خاصة، وهذا الذي أخذ به من أخذ أن القنوت في الصبح، وستأتي الأحاديث الأخرى تبين أن القنوت كان في الوتر، والشافعي والمالكية أخذوا من هذه الرواية القنوت في الصبح، وإن اختلفوا هل هو قبل الركوع كالمالكية، أم بعد الركوع كالشافعية، وسيأتي تفصيله إن شاء الله.

    1.   

    شرح حديث: (كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم)

    قال: [ وعنه رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم) صححه ابن خزيمة . ].

    أنس رجع مرة أخرى لقنوت النوازل، وهناك: (أما الصبح فلا زال يقنت حتى فارق)، من هنا قال بعض العلماء: أنس يقول: ما كان يقنت إلا إذا دعا في النوازل، ولكن هذا الأثر يُعارض بآثار أخرى على ما سيأتي إن شاء الله، ويهمنا الروايات المختلفة عن أنس نفسه، وهنا قال: (إلا إذا دعا على قوم من الأعداء، أو دعا لقوم من المسلمين والمستضعفين)، وكونه صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم في نازلة؛ فهذا محل اتفاق بين العلماء، وعلي رضي الله تعالى عنه كان في حربه مع أهل الشام، وعمر رضي الله تعالى عنه كان إذا أرسل جيشاً يدعو له ويقنت.

    إذاً: القنوت في النوازل عند الدعاء لقوم أو على قوم ماضٍ في طريقه، وهو من عمل الخلفاء الراشدين.

    1.   

    شرح حديث: (أي بني! محدث)

    قال: [ وعن سعد بن طارق الأشجعي رضي الله عنه قال: (قلت لأبي: يا أبت! إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني! محدث) رواه الخمسة. ].

    هنا سؤال: أكانوا يقنتون في الفجر؟

    وهو سؤال عن القنوت في تلك الأزمنة، وعن خصوص القنوت في الفجر، فقوله: (أي بني محدث) هل هو في الفجر أم في عموم القنوت؟ في الفجر؛ لأن عموم القنوت ثبت عندنا، إذاً: قوله: (أي بني محدث) منصب على كونه في الفجر، ولذا قال قوم: القنوت دعاء، وكلام البشر ينبغي أن يكون في النافلة لا في الفريضة، لكن إذا ثبت بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصلوات الخمس، وليس في صلاة واحدة فلا حاجة لرده، ولذا يتكلم المؤلف وغيره على ضعف هذا الأثر.

    1.   

    شرح حديث: (علمني كلمات أقولهن في قنوت الفجر)

    قال: [ وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر). ].

    هذه لطيفة من لطائف المؤلف، فلما أورد (أي بني محدث) موجهة للصبح؛ أراد أن يبين لنا متى يكون، فجاء بحديث الحسن بن علي ، وقنوت الوتر إذا ثبت لا ينفي قنوت الصبح، ولكن يهمنا أنه أثبت قنوتاً في الوتر، ومن هنا: أخذ الأحناف والحنابلة أن القنوت محله الوتر، وأخذ المالكية والشافعية أن القنوت محله الصبح، وبهذا يكون التسلسل مع المؤلف على هذا السياق.

    ومن قوله (علمني كلمات أقولهن): قال بعض العلماء: ينبغي ألا يتعدى الإنسان في قنوته على هذه الكلمات التي علمها رسول الله للحسن ، وقالوا: هذا دعاء في الصلاة ينبغي أن يتقيد به المسلم، والآخرون قالوا: وهل نهى عن غيرها؟ قالوا: لا، قالوا: إذاً: علمنا، كما جاء في التشهد كان يعلمنا التحيات كما يعلمنا السورة من القرآن، ولما جاء معها (كما يعلمنا السورة من القرآن) هل تكون مثل هذه المطلقة؟ لا، هناك يجب أن يتقيد؛ لأن السورة من القرآن، لا يصح فيها الزيادة ولا النقص، بخلاف علمني، لا مانع أنه علمه هذه وقد يعلم غيره غيرها، لكن يهمنا ثبوت القنوت في الوتر، وبه أخذ من قال من الأئمة رحمهم الله.

    قال: (اللهم اهدني فيمن هديت)، هذه ألفاظ يحفظها الشافعية خاصة ومن أخذ بهذا الدعاء، ومن أخذ بدعاء علي فإنه أوسع من ذلك، والذي يهمنا أنه جاء تعليم كلمات تقال في قنوت الوتر، وجوهر الموضوع عندنا إثبات القنوت في الوتر، وأن الرسول علم الحسن كلمات فيه، فإذا كان علم كلمات في قنوت الوتر فهذا دليل على إثبات القنوت في الوتر.

    ومثله: (ماذا أقول إن أنا زرت المقابر؟ قال: قولي: ...) وعلمها ما تقول، فهذا أخذ منه العلماء تقرير جواز زيارة النساء للمقابر ما لم يتكلمن بما هو مناف للشرع.

    قال:: ( [ اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تبارك ربنا وتعاليت)، رواه الخمسة. ].

    أعتقد أن أمثال هذه الألفاظ مرت علينا مراراً، ولكن يهمنا الجديد فيها: (فإنك تقضي ولا يقضى عليك)؛ لأنه سبحانه مالك الملك، وهو يجير ولا يجار عليه، فهذا من هذا الباب، ومن أجاره الله لا أحد يستطيع أن يصل إليه بشيء، (ولا يجار عليه): لا يمكن لكل الخلائق في الدنيا أن يجيروا إنساناً من عذاب الله على الله، لا يقولون: يا رب لا تعذبه ونحن أجرناه! من أنت حتى تجير على الله؟.

    قال: [ وزاد الطبراني والبيهقي : (ولا يعز من عاديت)، وزاد النسائي من وجه آخر في آخره: (وصلى الله تعالى على النبي). ].

    كل هذه الزيادات موضع خلاف؛ فهناك من يقتصر على ما اتفق عليه ويترك ما انفرد به الراوي، ولكن القاعدة الأصولية والحديثية: زيادة الثقة مقبولة، فإذا جاء النسائي بزيادة: (وصلى الله على النبي) فهي مقبولة، وإذا وجدت قرائن وشواهد لها تكون مؤيدة أكثر، ونحن عندنا من آداب الدعاء ومن شروط قبوله: أن تبدأ فتحمد الله وتصلي على رسوله، وتختم أيضاً بالصلاة على رسوله؛ فإنه حري أن يستجاب لك.

    إذاً: الزيادة التي زادها النسائي لا تعارض معها بل يوجد في عموم الأحاديث ما يؤيدها.

    1.   

    شرح حديث: (كان رسول الله يعلمنا دعاء ندعو به..)

    قال رحمه الله: [ وللبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح)، وفي سنده ضعف ].

    الحسن يقول: (علمني كلمات أقولهن في قنوت الوتر)، وهذا يقول: (ندعو به في القنوت من صلاة الصبح)، وكما ذكرت لكم أن مبحث القنوت وجدت فيه آثار شبه متعارضة، منها ما يصح سندها، ومنها ما لا يصح، وما يثبت في موضع ينفى في موضع آخر، فهذا بعدما أثبت لنا كلمات في قنوت الوتر يأتينا بكلمات في قنوت الصبح.

    ونجد الأئمة رحمهم الله يختلفون في مواقع القنوت، وهل يكون اختلافهم هذا من عندياتهم ومرئياتهم أم إزاء هذا السيل من الأحاديث؟ بل إزاء هذه الروايات، ومن أخذ برواية الوتر أو برواية الصبح هل يعاب عليه؟ لا، وهذا أهم ما يكون في المسألة.

    وكنت أود لو تضاف هذه لمسائل ابن القيم رحمه الله التي قال فيها: (ألفاظ الأذان والإقامة وأنواع -النسك الثلاثة- وضربات التيمم، لا ينبغي لإنسان أن يعترض على من أخذ ببعض الروايات فيها)؛ فمن أخذ بالإفراد لا يعاب عليه، ومن أخذ بالتمتع لا يعاب عليه، ومن أخذ بالقران لا يعاب عليه؛ لأن في كل نوع من أنواع هذه الأنساك الثلاثة أحاديث صحيحة، وكذلك ألفاظ الأذان: جاء الأذان بالتربيع وبالتثنية، وجاءت الإقامة شفعاً ووتراً، فمن أخذ بالتثنية فلا يعاب عليه، ومن أخذ بالتربيع لا يعاب عليه، ومن تيمم بضربة فلا يعاب عليه، ومن تيمم بضربتين فلا يعاب عليه، وأقول كذلك: تضاف إليه هذه المسألة: من قنت في الوتر لا يعاب عليه، ومن قنت في الصبح لا يعاب عليه، والله تعالى أعلم.