إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • درج النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه كل ما لا يحسنون فعله بالقول والفعل ولو تطلب ذلك منه إعادته عدة مرات، وقد اشتهر عند أهل الحديث حديث: المسيء صلاته، وفيه جمع الرسول عليه الصلاة والسلام أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها، وأكد في ثنايا الانتقال من ركن إلى آخر على أهمية الاطمئنان فيه إشارة منه إلى أن الصلاة ليست مجرد حركات بلا معنى، ولكنها أفعال خاصة يراد بها نيل رضا الرب عز وجل.

    1.   

    شرح حديث المسيء في صلاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    فقال المؤلف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري ، ولـابن ماجة بإسناد مسلم : (حتى تطمئن قائماً).

    ومثله في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان : (حتى تطمئن قائماً).

    ولـأحمد : (فأقم صلبك حتى ترجع العظام).

    وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع : (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه) وفيها: (فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله).

    ولـأبي داود : (ثم اقرأ بأم الكتاب، وبما شاء الله).

    ولـابن حبان : (ثم بما شئت)].

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الصلاة، أي: من مباحث الصلاة بيان صفتها، وصفة الشيء: هيئته التي يكون عليها، وبيان صفة الصلاة جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بوسائل البيان المعروفة بالقول وبالفعل، أما بالفعل فكما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه: أنه صعد المنبر -وكان من ثلاث درجات- واستقبل القبلة وهو على الدرجة الثالثة فقرأ ثم ركع، ثم رفع من الركوع، ثم رجع القهقرى حتى نزل إلى الأرض وسجد في أصل المنبر؛ لأن الدرجة التي كان عليها لا تتسع للسجود، ثم رفع من السجود وهو في الأرض، ثم سجد السجدة الثانية، ثم قام وصعد المنبر، وقرأ وركع ورفع، ثم رجع القهقرى وسجد السجدتين، ثم تشهد وسلم ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).

    فهذا بيان لصفة الصلاة بالفعل، وهي الحالة التي تكون أيسر تعلماً؛ لأننا وجدنا أن الطفل يرى أبويه يصليان وهو لا يعرف شيئاً، فيأتي يحاكي كلاً منهما في الفعل وإن كان لا يعرف القبلة من غيرها، فربما واجه أباه وسجد تجاهه وليس تجاه القبلة، لأنه يرى حركات فيقلدها.

    وهكذا الحيوانات الراقية قد تقلد ما ترى من حركات؛ فالتعليم إما بالرؤية وإما بالسماع، والرؤية أقوى أثراً؛ لأن الإنسان بإمكانه أن يرى عدة مرئيات في وقت واحد، بينما لا يسمع عدة أصوات في وقت واحد أبداً، ولهذا أمثلة مما جاء في كتاب الله من إفراد السمع وجمع البصر كقوله: السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [النحل:78]، ونجد علماء التفسير يقولون: في اللغة العربية السمع مصدر، والمصدر يستعمل للمفرد والمثنى والجمع، ونقول بجانب ذلك: إن طبيعة الإنسان في السمع لا تمكنه من أن يصغي لصوتين أو ثلاثة في وقت واحد ويعي ما قيل، بخلاف الرؤية، انظر إلى البساط الذي تجلس عليه، في وقت واحد ترى لوناً أحمر وأخضر وأصفر وأسود وأبيض في نظرة واحدة.

    ولذا تهتم دور التعليم بوسائل الإيضاح المرئية أكثر من المسموعة، فهنا صلى الله عليه وسلم بين صفة الصلاة فعلاً، وكذلك في الحج قال: (خذوا عني مناسككم)، فكانوا ينظرون كيف يطوف، ويسعى، ويقف بعرفات، ويبيت بالمزدلفة، ويرمي الجمرات، وينحر الهدي... إلى آخره.

    فيكون فعله صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    وهذا الحديث بيان بالقول، ويعتني به علماء السنة والحديث، ويسمونه حديث المسيء في صلاته؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه، فقال له صلوات الله وسلامه عليه: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فرجع فصلى كما صلى أولاً، ثم جاء فسلم فقال: (ارجع)، وفي المرة الثالثة قال: والذي بعثك بالحق! لا أعرف غير هذا فعلمني، فالرجل اجتهد ثلاث مرات وصلى كما يعلم.

    إسباغ الوضوء

    في هذا الحديث بدأ صلى الله عليه وسلم بتعليمه لازم الصلاة، وهو الطهارة لها فقال: (إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء)، فالرجل لم يتوضأ عندنا، ولم يره الرسول يتوضأ، ولكن من حكمة المفتي وفقهه وفطنته أن يراعي مصلحة المستفتي وكما تقدم حديث: (إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟) فماء البحر يصلح للوضوء ولا يصلح للشرب، فكان السؤال في خصوص الوضوء بماء البحر، فكان الجواب أبعد من ماء البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، ما الذي أتى بالميتة هنا والسؤال إنما هو عن طهارة ماء البحر؟ لماذا أفتاهم بحكم الماء وزادهم حكم ميتة البحر؟

    وهل هذا غير مطابق للسؤال؟ بل هذا هو الجواب الحكيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك من حال السائل أنه إذا التبس عليه الوضوء من ماء البحر وهو يداوم ركوب البحر، فمن باب أولى أن يلتبس عليه حكم ميتة البحر، أو أنه في حاجة إلى معرفة حكم ميتة البحر؛ بحكم طول ركوبه البحر، فبيّن له حكم ما لم يسأل عنه؛ لأنه من لوازم المسئول عنه.

    وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم رأى الرجل في المسجد لم يحسن الصلاة، فبدأه بتعليم لازم الصلاة، فإذا كان لا يحسن الصلاة فلعله أيضاً لا يحسن الوضوء، فقال له: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ) والإسباغ التعميم، مثل قولك: صبغت الثوب، أي: عممته بالصبغ، والدروع السابغات هي التي تغطي المقاتل وما يخشى من إصابته في المعركة، ولما قالت بعض زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع وخمار يا رسول الله؟! والخمار هو ما تخمر المرأة به رأسها ووجهها، والدرع هو ما تلبسه على جسمها كاملاً، فقال: (نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور القدمين)، إذاً: الدرع يكون سابغاً إذا كان يغطي ظهور القدمين، فإذا كان مرتفعاً عنها فليس بسابغ.

    (فأسبغ الوضوء) أي: توضأ وضوءاً سابغاً، وفي غزوة تبوك توضئوا على عجل فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في أعقاب بعضهم لمعاً بيضاء، والعقب هو: مؤخر القدم عند التقاء الساق بالقدم عند العرقوب، وهذا التجويف قد لا يغسل عندما يمر عليه الماء، وقد يكون تجمع الهواء يمنع الماء من النزول إلى البشرة، فنادى صلى الله عليه وسلم وقال: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)، (أسبغوا الوضوء)، أي: اجعلوا الوضوء سابغاً على أعضائه بحيث لا يكون فيه عضو منكشفاً، ولا يترك جزء من العضو المراد غسله لا يصل إليه الماء، ولهذا رأى المالكية وجوب الدلك؛ حتى يتأكد من أن الماء قد لمس جميع البشرة.

    إذاً: (أسبغ الوضوء) بمعنى: أن تجعل غسل الأعضاء كاملاً، فإذا أسبغ وضوءه تمت الطهارة، ولم يذكر له عدد الغسلات، وجاء في تعاليمه صلى الله عليه وسلم: مرة ومرتين وثلاث، وأقل ما يجزئ في الوضوء مرة، وأكمل الغسلات ثلاث.

    اشتمال الحديث على أركان الصلاة

    قال عليه الصلاة والسلام: (ثم استقبل القبلة وكبر)، هذا الحديث يقول فيه بعض العلماء: هو أصل وأساس ما لا تصح الصلاة إلا به، وكل ما ذكر فيه واجب في الصلاة، وتبطل بتركه؛ لأنه جيء به في معرض التعليم، والتعليم أهم ما يكون لما تصح به الصلاة، ولا يجوز تأخير البيان للأمر الواجب عن وقت الحاجة؛ لأن هذا الرجل لم يحسن الصلاة، وهو في حاجة إلى أن يتعلم ما يصححها؛ فلا ينبغي أن يترك بيان شيء له يتعلق بصحتها، ولذا قالوا: كل ما ذكر في هذا الحديث فلا تصح الصلاة إلا به، وهل ما لم يذكر فيه تصح الصلاة بتركه؟

    قالوا: إذا وجدنا عملاً زائداً عما جاء في هذا الحديث، وصح سنداً، ولم يتعارض مع ما جاء في هذا؛ فنضيفه أيضاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر له ما يشترط في الصلاة، وترك ذكر بعض الأشياء التي تركها لا يبطل الصلاة. وتوسط قوم فقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم علم الرجل ما رأى أنه لم يحسنه، وما رآه يحسنه سكت عنه، وذكر له الوضوء على مظنة أنه في حاجة إلى تعليمه.

    استقبال القبلة

    قال صلى الله عليه وسلم: (ثم استقبل القبلة)، ومعلوم أن الرجل كان يصلي إلى القبلة؛ لأنه رأى الناس يصلون إليها، ويعرف أن الصلاة تكون باتجاه القبلة، لكن لما كان الحديث في سياق التعليم شملها، وجاءه بمقدمة الصلاة وهو إسباغ الوضوء، ثم بأول حركة في الصلاة للإنسان وهي: استقبال القبلة.

    وبالإجماع أن الصلاة لا تكون إلا للقبلة، ما عدا في بعض الأحوال الاضطرارية أو التي يكون فيها تسامح، مثل النافلة في السفر، والفريضة في السفينة والطائرة في الوقت الحاضر، فقد يتعذر على الإنسان استقبال القبلة، فيتسامح فيها، فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    إذاً: الأصل استقبال القبلة في الفريضة، ويسقط هذا الأصل في النافلة، كما كان صلى الله عليه وسلم في سفره يصلي ورده بالليل على راحلته حيث توجهت به، فقد تكون القبلة وراءه، مثل أن يأتي من مكة إلى المدينة ويريد أن يصلي صلاة الليل، فلن يوقفها، وليس هو ذاهب ناحية مكة، فيصلي وهو مستدبر القبلة، وهذا لظروف السفر، وهذه الصلاة نافلة، أما الفريضة فلا تكون على ظهر الرواحل، ولا لغير القبلة، فينزلون ويصلون على الأرض، ويتمكنون من السجود، بخلاف الراحلة فإنه سيومئ عليها إيماءً، اللهم إذا كان هناك مطر وطين ولا يستطيعون السجود حتى في الأرض، فإذا كان ليس هناك سجود في الأرض فإنهم يبقون على رواحلهم، ويومئون على الرواحل بدلاً من أن يومئوا على الأرض؛ بسبب المطر والطين، وقد تقدمت التفصيلات في استقبال القبلة، وأن الفرض على البعيد هو استقبال الوجهة: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144].. فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144]، فمن كان في المدينة، لا يتأتى له أن يستقبل عين الكعبة، ويكون مسامتاً لها كالسهم، ثم إن خطوط الأرض بطولها وعرضها لا يمكن أن تحصر في سمت الكعبة، فيكون هناك مشقة بتكليف البعيد استقبال عين الكعبة، والفقهاء يقولون: الناس بالنسبة إلى الكعبة من حيث القرب والبعد ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: قسم يصلي في داخل المسجد الحرام، فهذا يتعين عليه أن يكون مسامتاً للكعبة، الصف حلقة دائرة، وحيثما كان يكون صدره مقابلاً لبنية الكعبة، هذا إذا كان في نفس المسجد.

    القسم الثاني: من كان في بيوت مكة، فيجب أن يستقبل المسجد لا عين الكعبة.

    القسم الثالث: من كان آفاقياً خارج مكة إلى آخر محيط الدائرة في الكرة الأرضية، فإن قبلته شطر المسجد الحرام.

    نحن الآن في المدينة شمال مكة، ومكة في الجنوب، فكل من توجه إلى الجنوب فهو مستقبل القبلة؛ لأن الشطر الجهة، أو نصف الكرة، النصف التي هي فيه من هناك، والنصف الذي نحن فيه من هنا.

    (فاستقبل القبلة)، أي: بالقدر الذي تستطيعه، بما يتوجب في حقك بالنسبة إلى بعدك أو دنوك من الكعبة؛ لأن هذا تعليم عام؛ فيتوجب على كل من كان داخل الحرم أن يستقبل عين الكعبة، ومن كان بمكة إلى موطن الحرم، ومن كان بعيداً إلى شطر مكة.

    تكبيرة الإحرام

    وبعد استقبال القبلة يكبر، وهو المعروف عند الفقهاء بتكبيرة الإحرام؛ لأنها تجعل المصلي في حرم الصلاة، وأصبح محرماً عليه ما كان جائزاً خارجها، فيحرم عليه الكلام والطعام والشراب والمشي والالتفات، وكل هذا يحرم بمجرد التكبير.

    ومن هيئة التكبير: أن يكون مع التكبير رفع اليدين حذو المنكبين.

    وهناك من يناقش في هندسة التكبير مع الرفع، هل أو يرفع ثم يكبر، أو يكبر ثم يرفع، أو يرفع مع التكبير؟

    الذي عليه الفقهاء: أن كل ذكر جاء مع حركة في الصلاة، فإن الذكر الوارد يشغل بالحركة، فإذا كان قائماً يقرأ وأراد أن يركع وسيكبر للانتقال، لا يقول: الله أكبر، ثم يركع، أو يركع ثم يقول: الله أكبر، وإنما يكون نطقه: بـ(الله أكبر) مع حركته إلى تمام الركوع، قالوا: ليشغل فراغ الوقت في الحركة بالذكر الوارد لها.

    ويرفعهما: حتى يحاذي بهما منكبيه، وبعضهم يقول: إلى شحمتي أذنيه، وكما يقول علماء الحديث: ليس هناك اختلاف؛ لأن من نظر إلى شحمتي الأذن نظر إلى أطراف الأصابع، ومن نظر إلى المنكبين نظر إلى منتهى الكف، فإذا رفع الإنسان يديه وكان منتهى الكف عند الكتف، كانت الأنامل عند شحمتي الأذن، فسواء قلنا: عند منكبيه، فيكون فالنسبة لمنتهى الكف، أو قلنا: لشحمتي الأذن؛ فالنسبة لأطراف الأصابع، وكلاهما سواء.

    ما يقرأ في الصلاة

    قال عليه الصلاة والسلام: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وذلك بعد أن تكبر، وجاء الوصف برفع اليدين في نص آخر مصاحباً لها، (ثم) كما يقولون: للترتيب والتراخي، ولكنها هنا للترتيب، استقبل القبلة أولاً، ثم كبر، ولا تكبر وأنت على الشرق ثم تستقبل القبلة، أولاً استقبل القبلة، ثم يترتب على الاستقبال التكبير، ثم بعد التكبير القراءة، فتكون القراءة بعد أن يستوفي استقبال القبلة والتكبير.

    (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وجاء في بعض الروايات: (إن كانت الفاتحة معك تقرؤها، ثم ما تيسر من القرآن)، وهنا ما تيسر، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، فالقرآن كله ميسر، ولكن التيسير نسبي، فشخص يسر الله له حفظ القرآن كله، وأنت تمكث مدة حتى تحفظ الفاتحة، ما تيسر لك، وما استطعت أخذه وحفظه، وبعض العلماء يقول: أيسر المتيسر في القرآن الفاتحة، وبعضهم يقول: الفاتحة مفروغ منها، ولكن ما تيسر معك بعد الفاتحة، والنص هنا بعد التكبيرة مباشرة، على الترتيب: (اقرأ ما تيسر معك).

    فنقول: إن كان حافظاً للفاتحة فهي المتيسر، وهي المقدمة، وإذا لم يكن يحفظ الفاتحة ويحفظ غيرها مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، فهل يقرأ بها أم لا؟

    نعم، إذا لم يكن يحفظ الفاتحة، وقرأ سورة غيرها من سور القرآن فتجزئه، فإذا لم يكن حافظاً للفاتحة ولا غيرها من سور القرآن القصيرة، فماذا يفعل ولابد من ذكر هنا؟

    إذا لم يكن يحفظ شيئاً من القرآن فليحمد الله ويسبحه ويهلله ويكبره، هذا عندما يذكر المؤلف تلك الروايات، فهنا العمل مسترسل، استقبل وكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن.

    في الحج ما ما استيسر من الهدي وهو شاة، وهنا ما تيسر من القراءة وهي الفاتحة؛ ولهذا يقول الشافعي رحمه الله: إن حفظ الفاتحة فرض عين على كل إنسان، فإلى أن يتعلمها لا يقول: أنا لا أعرف ولا أحفظ ويسكت، فإلى أن يتعلمها يأتي وينتقل إلى التسبيح والتحميد كما سيأتي.

    1.   

    كيفية الركوع والسجود والطمأنينة فيهما

    قال عليه الصلاة والسلام: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، لاحظوا هنا يا إخوان: (كبر، ثم اقرأ ما تيسر، ثم اركع) هل هناك شيء من عمل الصلاة متروك؟

    دعاء الاستفتاح بعد التكبير، وهذا وارد عنه صلى الله عليه وسلم؛ فـأبي هريرة سأل الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر: أراك تسكت بعد التكبير وقبل القراءة، (قال: أقول: ...) فهنا لم يذكره في هذا الموطن لأنه ليس بواجب، فالرسول لم يعلمه للمسيء صلاته، ولكن ما دام قد جاء بنصوص أخرى ننظر في هذه النصوص، وهل هي في درجة الإيجاب أو الندب أو غير ذلك؟ المهم هنا في هذا السياق ترك ذكر دعاء الاستفتاح، فقال: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، هنا وصف الركوع بأنه ملازم ومصاحب للاطمئنان، فقال: (حتى تطمئن) أي: وأنت في حالة الركوع، وسيأتي حديث : (حتى يعود كل فقار إلى مكانه)، وسيأتي أيضاً أنه لم يصوب رأسه ولم يشخصه، يقول بعض السلف: حتى لو وضع القدح على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو راكع لم يتدفق، فقد كان معتدلاً اعتدالاً مثل الزاوية القائمة، فاعتدال الظهر لم يكن فيه انحناء، فاركع واستمر راكعاً حتى تطمئن، وليس بمجرد الهوي والوصول إلى مستوى الركوع ترفع، فإذا ركعت واستوى الظهر منحنياً ووصلت إلى حد الركوع فعلاً انتظر قليلاً، واطمئن واصبر في حالة ركوعك، يعني: انحناء في الحركة حتى تصل إلى درجة الركوع، ومع هذا الانحناء والوصول إلى درجة الركوع تظل ثاتباً تنتظر مطمئناً في هذه الحالة، إذاً: الطمأنينة تساوي الانحناء.

    ثم قال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)، أي: ثم ارفع من الركوع حتى تعتدل قائماً، وهذه النقطة ينبغي على بعض الإخوان أن يراعيها، وهي الرفع من الركوع، والجلسة بين السجدتين؛ لأننا نجد في كتب بعض المذاهب من يقول: هو ركن خفيف، ولم يأت خفيف ولا ثقيل في الصلاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم علّم الرجل أن يطمئن بعد أن يركع، وعلمه أن يرفع حتى يعتدل وبعض الناس ليس عنده طمأنينة في القيام، فبمجرد أن يصل إلى الاعتدال يهوي إلى السجود، وهذا لا يصح، فالاطمئنان في الاعتدال بعد الركوع كالاطمئنان في الركوع نفسه، فالركوع ركن، والطمأنينة في هذا الركن ركن.

    ثم قال: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، وهنا أراح الناس من معركة شكلية، وهي: هل يبدأ يسجد بيديه أم بركبتيه؟ الصحيح أنه يسجد كيفما يتسهل له، والمهم أن يسجد على الأعظم السبعة، ينزل بركبتيه أو بيديه على ما تيسر له، بعض الناس ما شاء الله! رياضي ينزل بأطراف أصابعه على ركبتيه، ويقوم مثل الغزال، وبعض الناس يريد من يساعده، فلا نضيق على الناس، ولا نحجر واسعاً، واسجد كيفما تيسر لك، أما إذا كان الكل عندك سواء: فننظر ماذا صح من الكيفيتين: هل ينزل على ركبتيه أو على يديه؟ لا يبرك كبروك البعير، وكيف يبرك البعير؟ وهل ركبتاه في الأمام أم في الخلف؟

    مسألة طويلة عريضة، ومتفقون بالإجماع أنه كيفما نزل إلى الأرض فقد سجد.

    فهنا قال: (ثم اسجد)، ولم يذكر له التفصيلات، والسجود: هو تمكين الجبهة من الأرض، لكن جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)، أي: القدمين، واليدين، والركبتين، وهذه ستة، والجبهة وهي السابعة، لكن جاء هنا ركن خفيف على ما قال الأحناف: (وأشار بإصبعه إلى الأنف)، أي: أن الأنف لا تساوي الجبهة في أعضاء السجود، لكنها لا تترك، كما جاء في حديث ليلة القدر: (فأراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين)، ويقول الراوي: والله! لقد رأيت الطين على أرنبة أنفه، إذاً: وصلت الأنف إلى الأرض.

    ويفسر العلماء كيفية السجود على سبيل الإجمال: أن يكون باسط الكفين، فلا تضم، وبعض الناس يقول: يعجن، ووالله ما أدري ما هذا العجن! لكن حينما يكون الإنسان طاعناً في السن، ويريد أن ينهض، فيضمها من أجل أن يستطيع النهوض، لكن في كل الحالات سواء إذا كان مثل المرأة عندما تعجن، أو مثل الإنسان عندما يعجن في العجين، فهذه لم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة، إنما قال بها بعض العلماء لوجود حديث عند أبي داود في ذلك، ولكنها حالة رئيت وصورة نقلت! واتفقوا أنه في حالة السجود يكون باسطاً لأصابع كفه، ناصباً لقدميه على رءوس الأصابع.

    وهنا نرجع إلى سبعة أعظم، فقد ذكر القدمين وهما اثنان، مع أن كل قدم فيه خمسة أصابع، لكن ليست هي المقصودة، فالقدمان عشرة أصابع، والكفان عشرة، فصارت عشرين، فالرسول ذكر سبعة، وذكر اليدين والكفين وهي المعتبرة، وأن تكون القدمان منتصبتين، وأطراف أصابع القدمين متجهة إلى القبلة، فإذا كان يصعب عليه هذا الشيء، بأن كانت أصابعه قصيرة، فلا مانع لو ظلت قدمه على رءوس أصابعه ولم يثنها إلى القبلة، ولو صعب عليه وثناها إلى الخلف فليس هناك مانع، لكن إن أمكنه ذلك فهو الأفضل.

    (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، وليس بمجرد أن تصيب جبهتك الأرض فترفعها، ولكن تطمئن، وحد الاطمئنان في السجود والركوع إلى متى؟

    عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن الرسول سجد وأطال في السجود، ثم همت أن تغمزه، قالت: ظننت أنك قبضت)، أي: لطول سجوده، وهل كل إنسان يستطيع ذلك؟ لا، فإذا كان الإنسان يصلي وحده فيطول كما شاء، لكن لا ينعس! والمالكية يقولون: إذا نعس وهو راكع لا تبطل الصلاة، وإذا نعس وهو ساجد بطلت، قالوا: لأن النعاس مع الركوع يكون خفيفاً، ولو زاد لسقط على الأرض، بخلاف النعاس مع السجود، فيوجد سبعة أركان يعتمد عليها؛ فيشبع نوماً ولا يسقط.

    فإذا كان الإنسان وحده فلا حد للطمأنينة، أما إذا كان يصلي بالناس فكيف يكون الحال؟

    يرى العلماء رحمهم الله أن أقل الطمأنينة بقدر ثلاث تسبيحات، وأذكر عالماً كان في زمن الملك عبد العزيز، وكانوا ثلاثة من العلماء، واحد في مكة واثنان في المدينة، وكان أحدهم مسئولاً عن التفتيش في التدريس، وواحد ندبه للصلاة، فقال: بشرط أني في السجود والركوع أسبح ثلاث عشر تسبيحة، فالملك عبد العزيز يغفر الله له قال: هذا تطويل على الناس، فجاء الرجل وسألته: لماذا اشترطت هذا الشرط وفي السنة: (من أمّ بالناس فليخفف)؟ فقال: أنا لا أريد أن أصلي بالناس، ولذا اشترطت هذا حتى يقولون لي: أنت لا تصلح للصلاة! وفعلاً ما تولى الإمامة.

    فجعلوا حد الطمأنينة أن الجسم -والعمود الفقري مركب من عدة فقرات- حينما يكون قائماً ويتحرك الظهر إلى الركوع، فإلى أن تطمئن الفقرات في أماكنها وتستقر هذه طمأنينة، وكذلك في السجود.

    وهناك بحث أصولي: الزائد عن الواجب واجب أم ليس بواجب؟

    فمثلاً: أقل الواجب ثلاث تسبيحات، فإذا سبح عشرة وكان وحده وليس إماماً، فهل العشر تسبيحات واجبة أم الواجب الإتيان بثلاث، والسبع ليست بواجبة؟ وماذا يترتب على هذا؟

    هل يثاب على العشر تسبيحات ثوابه على الواجب؟ في الحديث القدسي: (أفضل ما تقرب العبد إلي بما افترضته عليه)؛ لأن أجر الواجب أعظم من أجر التطوع، أو أن الكل واجب لأنه متصل ولا فاصل بينها، يهمنا أن أقل ما يصدق عليه طمأنينة في الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين قدر ثلاث تسبيحات، وفي الاعتدال من الركوع إذا أتى بالزمن الذي يسع الثلاث يكون قد اطمأن، وإن زاد زاد الله له في حسناته.

    (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)، أي: من السجود حتى تطمئن جالساً، ولا تقل: هذا ركن خفيف، وترفع وتعود إلى السجود دون أن يستقر الجسم قاعداً، لابد أن توجد هيئة الجلوس ومعها طمأنينة. (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، أي: اسجد السجدة الثانية كما سجدت الأولى حتى تطمئن ساجداً. (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، وإذا فعل هذا في صلاته سواء كانت ركعتين أو أربع، فهل بمجرد ما فعل هذا انتهت الصلاة؟!

    أين الجلسة للتشهد الأوسط والأخير؟ وأين التسليم؟ فهل ذكر له جلستي التشهد؟ لم يذكرهما، وهل ذكر له التسليم؟ لم يذكره؛ ولذا قال الأحناف -وإن كان هذا لم يتفق عليه في مذهبهم-: أنه إذا انتهى من التشهد، وصدر منه ما ينافي الصلاة فقد تمت صلاته؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يذكر له السلام كعلامة على الخروج من الصلاة، والجمهور يقولون: افتتاحها التكبير، واختتماها التسليم.

    فهنا يقول العلماء: إنما ذكر له الطمأنينة لما رآه يتعجل ولا يقيم للصلاة طمأنينتها، وسكت عن الجلوس للتشهد السلام؛ لأنه رآه جلس وتشهد وسلم، فهو ليس بحاجة إلى تعليم التشهد ولا السلام، فيكون حديث المسيء في صلاته إنما فيما رآه صلى الله عليه وسلم من تقصير الرجل، وسكت عن الباقي المجزئ، وهذه وجهة نظر من يرى أن هذا الحديث خاص بما جهله الرجل، وبما لم يحسنه في صلاته التي رآه فيها صلى الله عليه وسلم.

    وإلى هنا انتهى شرح الحديث في الجملة.