إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب الأذان [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأذان من شعائر الإسلام العظام، فقد تضمن إعلان أصول الإسلام، ففيه تكبير الله وتعظيمه، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وفيه الدعوة إلى عمود الإسلام وهو الصلاة، والترغيب فيها، وهذه الشعيرة العظيمة لها أحكام وآداب ينبغي العلم بها.

    1.   

    مشروعية الأذان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الأذان:

    عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: (طاف بي وأنا نائم رجل فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، فذكر الأذان -بتربيع التكبير من غير ترجيع، والإقامة فرادى، إلا قد قامت الصلاة- قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لرؤيا حق ...) الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود ، وصححه الترمذي وابن خزيمة ].

    لاحظوا ترتيب المصنف في التبويب، فإنه بعدما أنهى أحاديث توقيت الصلوات الخمس، جاء بباب الأذان، فكأنه يقول: إذا دخل الوقت جاء الأذان، وإذا أذن جاءت الإقامة، وإذا أقام جاءت الصلاة، وهذه صفتها وكيفيتها.

    والأذان لغة: الإعلام، وكل كلمة وجدت فيها: الهمزة والذال والنون فاعلم أنها من مادة الأُذن، وفقه اللغة يقول: إن أصل وضع اللغة للمحسوس ثم يتفرع عنه إلى المعنوي، فالأُذن هي مادة أذن، وكلما سمعت بكلمة مركبة من هذه الحروف فاعلم بأن فيها إعلام.

    تقول: الآذن والمأذون، الآذن هو الذي يُلقي في أذن المستأذن الإذن بالدخول، وتقول: هذا مأذون وهذا آذن، أذنت لك في كذا، آذني في كذا، وقال الشاعر:

    (آذنتنا ببينها أسماء).

    يعني: أعلمتنا وأنذرتنا، وهكذا أصل مادة الأذان من الأُذن؛ لأن المتكلم يلقي في أذن السامع ما يريد أن يلقيه، فكان الأذان إعلاماً، وهو في الشرع: إعلامٌ مخصوص بلفظ معين في وقت معين.

    وشرع الأذان بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكانوا في بادئ ذي بدء يعلم بعضهم بعضاً بالوقت، فإذا مر إنسان على بيت آخر قال له: جاء الوقت، وهكذا يمر بعضهم على بعض، فيُعلم بعضهم بعضاً بدخول الوقت حتى يجتمعوا إلى المسجد، فإذا دخل الوقت يصلون.

    ثم اجتمعوا وتشاوروا ليروا وسيلة مناسبة ليعلموا بها دخول الوقت، فقال بعضهم: (نتخذ ناقوساً، فقال صلى الله عليه وسلم: الناقوس للنصارى، وقال بعضهم: ننفخ بوقاً، فقال صلى الله عليه وسلم: البوق لليهود، وقال بعضهم: نوقد ناراً، فقال صلى الله عليه وسلم: النار للمجوس)، وإيقاد النار إعلام سريع، فهو مثل البريد أو المواصلات، وكان يمكن أن يصل الخبر من الحجاز إلى العراق عن طريق النار في ربع ساعة، وقد كان الناس في الحالات الخطيرة الهامة، إذا كانوا ينتظرون جيشاً مغيراً أو ينتظرون قدوم أمر خطير؛ يجعلون المنارات على رءوس الجبال، وفيها موضع يوقد فيه النار، وتعلمون مدى سرعة الضوء، فسرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت، فإذا وصل الخبر المدينة أشعل صاحب المدينة النار في منارته، وهكذا الذي يليه، وليكن بينهما -مثلاً- مائتا كيلو، فإذا رأى النار فإنه حالاً حينما يرى ضوء النار من المدينة يشعل النار عنده، وحينما يشعل النار عنده يرى الآخر ضوءها ولو من بعد مائتا كيلو أو أكثر من ذلك فيشعلها، وهكذا حتى يصل الخبر بإشعال النار إلى بغداد مثلاً، وذلك قد يكون في نصف ساعة، وهذا أسرع من الطائرة، وأسرع من الصاروخ.

    المهم أنهم عرضوا وسائل الإعلام، وكلها أعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مشهورة عند كافرين، ونحن قد أُمرنا أن نخالفهم، لا أن نسير في ركابهم، بل لا نشابههم في شيء، فانصرفوا ولم يتفقوا على شيء، فجاء عبد الله بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم، ولم أكن بنائم) أي: هو في حالة بين كونه نائماً وغير نائم، وهذه حالة قد تعرض لبعض الأشخاص، فيرى بعض الأشياء وهو في أوائل النوم، ولم يتمكن النوم منه، ولم يكن مستقيظاً تمام الاستيقاظ، بل يكون في حالة بين بين، قال: (رأيت فيما يرى النائم، ولست بنائم، رجلاً عليه بردين أخضرين يحمل ناقوساً، فقلت: هل تبيع لنا هذا الناقوس؟ قال: وماذا تفعلون به؟ قلت: نعلم به للصلاة قال: ألا أدلك على غير ذلك؟ قال: بلى، فألقى عليه الأذان -كما هو معروف الآن- ثم تنحى قليلاً وقال: ثم تقولون -وألقى عليه ألفاظ الإقامة-، فجاء عبد الله بن زيد إلى الرسول فأخبره بذلك، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها لرؤيا حق، قم فألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك)، فالذي رأى الرؤيا، وشرع الأذان على يده لم يباشره، ولكن باشره من هو أولى منه.

    ومن هنا نأخذ أن تعيين المسئوليات يكون بحسب من يصلح لها، لا بحسب مراعاة شخص أو مناسبة أخرى، فهذا الذي رأى الرؤيا بالأذان ألقاه على بلال ، وقام بلال ورفع الصوت به، فلما سمع عمر رضي الله تعالى عنه تلك الألفاظ جاء يجر رداءه وقال: (يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل ما أسمع الآن فيما يرى النائم)، وهكذا شرع الأذان برؤيا منام، وجاء على يدي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا نجعل الفقه في جانب، وننظر إلى هذا الواقع، رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى وحي الله في كل صغيرة وكبيرة، وهذا الأذان -وهو أعظم شعار في العالم الإسلامي- يشرع بهذه الطريقة، فلم يوح به على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأته جبريل عليه السلام ويعلمه الأذان مباشرة أمام الناس كما جاءه وقال: أخبرني عن الإسلام؟ أخبرني عن الإيمان؟ أخبرني عن الإحسان؟ أخبرني عن الساعة؟ وكل ذلك يجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عدا أمر الساعة، ثم ولى، فقال: (أعيدوه، فلم يدركوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم)، ونظير ذلك عند مقدمه صلى الله عليه وسلم من الهجرة، عندما هاجر من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله يأتيه الوحي، لكن عندما تلقاه الناس وشيعوه من قباء إلى المدينة، كل منهم يقول: هلم عندنا يا رسول الله! كان يقول: (دعوها فإنها مأمورة) -أي: الناقة التي يركبها- فكان يوحى إليه في الصغيرة والكبيرة ولكن هنا يقول عن ناقة عجماء: (إنها مأمورة) ولماذا هذا؟ لاشك أنه لحكمة عظيمة، أما موضوع الأذان فنقول -والله تعالى أعلم-: لقد جاء الأذان بإكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جعلت الشهادة برسالته قرينة بشهادة لا إله إلا الله، حيث يقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، ثم يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، فلما كان في الأذان تعظيم وتكريم للرسول صلى الله عليه وسلم باقتران اسمه مع اسم رب العالمين، وكان ذلك حظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا شرع بواسطة أحد الناس وأفرادهم، فإنه يكون قاطعاً لألسنة أولئك المتربصين الذين يرمون سهام التشكيك في ضعاف الناس، فلو شرع على لسان النبي لقالوا: إن محمداً هو الذي جاء باسمه مع اسم الله، ولكن لما جاء بواسطة شخصين غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يستطيع إنسان -مهما بلغ به التشكيك، ومهما بلغ به الحقد على الإسلام- أن يطعن في رسول الله بذلك، بل أتى به من أتى، ثم هو قرر أنها رؤيا حق، فتشريع الأذان ليس برؤيا من حيث هي، ولكن بتقريره صلى الله عليه وسلم أن تلك الرؤيا حق، أي: أن ألفاظ الأذان حق. فيكون مشروعاً، والسبب تلك الرؤيا، ثم التثبيت والتقرير منه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم الأذان قبل دخول الوقت

    قال المصنف رحمه الله [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن بلالاً أذن قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام) رواه أبو داود وضعفه ].

    هذا الحديث مما احتج به الإمام أبو حنيفة على أنه لا يجوز أذانٌ قبل الوقت، وبلال رضي الله تعالى عنه أذن، وكان هو المؤذن للصلاة، فإذا بأذانه وقع قبل تحقق طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى حيث أذن وينادي بصوت مرتفع: (ألا إن العبد قد نام)، وهذه صفة العبودية لله سبحانه وتعالى وحده؛ لأن بلالاً قد أعتق؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه اشتراه وهو في مكة وأعتقه، فهو عتيق لـأبي بكر رضي الله عنه قبل أن يهاجر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

    (ألا إن العبد قد نام)، وإذا كان قد نام فيكون قد غفل عن تعيين الوقت، والأذان في الوقت بدقة، فرجع ليعلم الناس بهذا؛ لأن أذانه سيغر من يصلي في البيوت، ومن يريد الصيام عن الطعام، فلما يعلموا بأنه قد نام، وأن الأذان الأول جاء في غير وقته؛ يستطيع الصائم أن يأكل، ويعيد الذي صلى صلاته؛ لأنها وقعت قبل الوقت.

    فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: هذا بلال أذن قبل الوقت، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعلم عن نفسه بأنه قد نام.

    إذاً: بلال ما كان يؤذن إلا في الوقت، ولكن السنة أثبتت أن بلالاً كان يؤذن قبل الوقت، والذي يؤذن في الوقت إنما هو ابن أم مكتوم .

    اختلاف العلماء في الأذان للجمعة قبل الزوال

    أخذ الجمهور من هذا الحديث: أنه لا يجوز الأذان للصلاة إعلاماً بدخول الوقت قبل أن يدخل الوقت، وهذا في جميع الأوقات الخمسة ما عدا الجمعة، فإنهم اختلفوا في جواز الأذان لها قبل دخول الوقت، فالأئمة الثلاثة يقولون: لا يؤذن للجمعة إلا بعد دخول وقت صلاة الظهر، وهو: زوال الشمس عن كبد السماء، ومالك رحمه الله يذكر في الموطأ: أن جعفراً كان له طنفسة عند جدار المسجد الغربي، فإذا غطاه الظل أذّن المؤذن وبدأ في صلاة الجمعة، ومعلوم أن الظل أو الفيء لا يكون إلى جهة المشرق إلا بعد زوال الشمس عن كبد السماء إلى جهة الغرب؛ لأن الظل عكس الشمس، إذا كانت الشمس في المشرق فالظل يكون إلى المغرب، وإذا كانت في المغرب فالظل يكون إلى المشرق، فنص مالك رحمه الله: أنه لا يجوز النداء للجمعة إلا كما يجوز للظهر، وهذا ما عليه المذاهب الثلاثة.

    أما الإمام أحمد رحمه الله فإنه يجوّز صلاة الجمعة قبل الزوال، ولهذا يجيز الأذان لها قبل ذلك، ويقول: الجمعة عيد، وتصح صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس وقت الضحى إلى قبل الزوال، فالأمر عند أحمد متسع، ولكن المنصوص عن أحمد : أن المستحب ألا تكون الجمعة إلا بعد الزوال.

    إذاً: مذهب أحمد جواز إيقاع صلاة الجمعة قبل الزوال، ولكن المستحب عنده ألا تكون إلا بعد الزوال، وبهذا يتفق مع الجمهور، والله تعالى أعلم.

    1.   

    مشروعية القول مثل ما يقول المؤذن

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه ].

    هذا الحديث -يا إخوان- يستوجب وقفة طويلاً؛ وذلك لهذه السنة النبوية الشريفة: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)، والمثلية هنا ليست في الهيئة والكيف، ولكن في اللفظ فقط؛ لأن المؤذن يقول بصوت مرتفع ليسمع الآخرين، ولكن نحن إذا كنا في المسجد أو في الطريق أو في البيت أو في أي مكان إنما نحكي قول المؤذن لأنفسنا لا للغير؛ لأننا لا ننادي أحداً يأتي إلينا، وهذا ملفت للنظر!

    أنا أسمع المؤذن وأعي ما قال، فإذا قال: الله أكبر، أدركت معنى ذلك، وإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أدركت كذلك، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، كل هذه معانٍ أنا أدركها، فلماذا أقول بلساني وأسمع نفسي أو من بجواري هذا القول؟

    نتأمل ذلك من جانبين:

    الجانب الأول: معاني الأذان، نجد الأذان قد جمع قواعد التوحيد وأصوله، ونظير ذلك التلبية في الحج، فالتلبية إعلان برفع الصوت، وهي شعار الحج، والأذان نداء برفع الصوت وهو شعار الإسلام، وإذا أخذت اللفظ الأول: ( الله أكبر الله أكبر ) فإنك تستشعر عظمة الله، وأنه أكبر من كل كبير، ما قال: الله كبير، بل أكبر -أفعل التفضيل- كل ما كبر في نظرك أو في اعتقادك أو في حسبانك فالله أكبر من ذلك.

    وتأتي بالشهادتين تجدد العهد مع الله أنك تشهد أن لا إله إلا الله، وتجدد العهد بأنك تشهد أن محمداً رسول الله، وهما شهادتان يجزئ التلفظ بهما في العمر مرة واحدة، فيدخل الإنسان بهما الإسلام، ولكن تجديدهما أفضل الذكر وأقرب القربات إلى الله سبحانه وتعالى.

    فإذا سمعت ( حي على الصلاة ) فهو نداء يناديك باسم الله الأكبر، و(حي) بمعنى: أقبل على الصلاة التي هي عماد دينك، وهي حصن لك، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعين على نوائب الحياة وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45].

    و(حي على الفلاح) تشعرك بفلاحك في الدنيا والآخرة، و(الله أكبر) حتى لا يشغلك عنها شيء، (لا إله إلا الله).

    فإذا تأملنا معاني هذه الألفاظ تحتم على السامع أن يقولها بلسانه ويسمع نفسه، لتكون عملياً تطرق القلب، وتملأ السمع، فيكون في حالة الأذان متوجهاً إلى الله سبحانه.

    الجانب الثاني: المؤذن يؤذن وأنت في شغل، ففي الفجر وأنت في نوم، وفي الظهر وأنت في القيلولة، وفي العصر وأنت في العمل، وفي المغرب وأنت في عملٍ أو على طعام، وكذا في العشاء، فكل أوقات النداء أوقات شغلٍ، فإذا سمعت ( الله أكبر ) وكنت في نومك أو في عملك عرفت أن الله أكبر، ويجب أن تقوم وتنهض وتجيب حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإذا كنت في عملك في النهار مشتغل في متجرك، أو مشتغل في مصنعك، أو مشتغل في عمل بيتك، مهما عظم هذا العمل، وتسمع (الله أكبر)؛ علمت بأن الله أكبر مما في يدك، ومما يشغلك عن أداء الصلاة، فمن أجاب هذا النداء تهيأ له.

    وتوقيت الصلوات مرتبط مع تلك الحركة الكونية للشمس، وهذا الضوء الذي ينفجر من ظلام الليل آية من آيات الله، ثم إذا بالشمس تدور حتى تصل إلى كبد السماء، ثم تتحول إلى الغروب، ثم تتضيف إلى الغروب، ثم هي تغرب من هذا الكون عن هذا الجهة وتمضي في سبيلها، حركات يتغير من أجلها الكون بأسره!

    وإذا تأمل الإنسان هذا، وكان خالي الذهن، وجلس في عراء من الأرض، وعند نهاية الليل وعند إقبال النهار، يتأمل في هذا الكون ليل يمضي، وفجر يأتي، وحركة لا يقدر عليها إلا القوي المتعال، فيستدل بتفكره في هذه الحركة الكونية على عظمة الله وقدرة الله، فإذا سمع المؤذن يقول: الله أكبر، فكأنه يقول له: إن الذي يأتي بهذه الحركة، ويغير مجرى الزمن، ويغير أوضاع الكون هو الله، فيمتلأ قلبه إيماناً بالله.

    وهكذا تتعلق أوقات الصلوات الخمس بتغير أحوال الزمن وبمسيرة الشمس، وكل حركة في ذلك تنادي بأن الله أكبر.

    إذاً: الأذان ليس مجرد كلمات تطرق السمع، ولكنها معانٍ جليلة، تعلقت بأحداث كونية عجيبة، ولهذا جاءت السنة النبوية بأن تصغي إليه، وتردده، فإذا كنت تعمل بيدك وأذنك مع المؤذن ولسانك يحكي قوله فما يفرغ المؤذن من أذانه حتى تكون قد استخلصت نفسك مما أنت فيه، وجمعت شعورك وإحساسك إلى معاني هذا النداء، فتنفض يدك مما أنت فيه، وتذهب وتتوضأ وتأتي إلى بيت الله لأداء الصلاة.

    فقوله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول)، ليست المسألة بالعبارات، وليست المسألة ذكر كلمات، ولكن لتعيش بوجدانك وروحانيتك وإحساسك وشعورك مع هذا النشيد الأعلى: الله أكبر، لا إله إلا الله.

    ترديد الأذان لمن سمع مؤذنين في وقت واحد

    وهنا مباحث فقهية: إذا كنت تسمع أذاناً واحداً فإنك تقول مثل ما يقول وتخرج من العهدة، وإذا كان هناك أذانان، سواءً في مسجد واحد يأذنان معاً أو متواليين أو في عدة مساجد وتسمع أذان كل مسجد عقب الأخر.. هل تكتفي بإجابة المؤذن الأول فقط أو تردد مع كل مؤذن الأذان كل ما سمعت ذلك؟

    يوجد قاعدة أصولية: إذا تعدد السبب هل يأتي المسبب أم لا؟

    هناك حالتان:

    - حالة يتعين فيها الإتيان بالمسبب في كل مرة.

    - وحالة يجزئ فيها مرةً واحده.

    فمثلاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (آمين، آمين، آمين) حينما صعد المنبر، فقالها ثلاث مرات في ثلاث درجات، وسئل عن ذلك فكان مما قال: (أتاني جبريل عليه السلام فقال: رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل عليك، قل: آمين)، فقالوا: إن تكرار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع ذكره متعين، فهذا متعدد السبب، ويتعين إيجاد المسبب عند وجوده، فكلما سمعت ذكره صلوات الله وسلامه عليه تعين عليك أن تصلي وتسلم عليه.

    وهناك من الأمور ما يتعدد ويتكرر ويجزئ عنها شيء واحد مرة واحدة، كما في نواقض الوضوء، لو أن إنساناً كان على وضوء ثم أحدث ما ينقض الوضوء ثم أحدث حدثاً آخر ثم أحدث حدثاً آخر، فإنه يجزئ عن ذلك كله وضوء واحد؛ لأن الأحداث لا تجدد الحدث عند الإنسان، الحدث هو واحد وإن تعددت أسبابه، فيكفي لرفعه وضوء واحد، وكذلك الغسل إذا لم يغتسل للحدث الأول ولا للثاني فإنه يجزئ عنه غسل واحد.

    فهل الأمر يقتضي تكرار المأمور به أم لا؟ فهنا قال: (إذا سمعتم فقولوا)، قد سمعنا الأول وقلنا مثله، فهل نقول مثل المؤذن الثاني بالأمر الأول؟

    أكثر العلماء أنه كلما سمعت مؤذناً يؤذن فعليك أن تقول كما يقول، وهناك من يقول: تكفي المرة الأولى، ولكن الأول أصح.

    حكم ترديد الأذان أثناء الصلاة

    وهل تقول كما يقول المؤذن وأنت في صلاة؟

    بعض العلماء يقول: نعم؛ لأن الأذان كله ذكر لله، وأنت في الصلاة تذكر الله سبحانه وتعالى، وعند (حي على الصلاة) تقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وهناك من يعارض إذا كنت في صلاة وسمعت المؤذن.

    والبعض يقول: إن في الصلاة لشغل، فلا تجبه وأنت في الصلاة، وبعضهم يقول: يجوز ذلك في النافلة ولا يجوز في الفريضة؛ لأنه يتسامح في النوافل مالا يتسامح في الفرائض، والله تعالى أعلم.

    واختلف الفقهاء في مسألة: هل تقول كما يقول مقيم الصلاة حين يشرع في إقامتها أو أن ذلك خاص في الأذان فقط؟

    ما يقول السامع للأذان عند الحيعلتين؟

    [ ولـمسلم عن عمر رضي الله عنه في فضل القول كما يقول المؤذن كلمةً كلمةً سوى الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ].

    هذا استثناء في ترديد الأذان، فحينما يقول المؤذن: ( الله أكبر، الله أكبر ) تحكي ما يقول، وإذا جاء إلى الحيعلة وقال: ( حي على الصلاة، حي على الفلاح ) فهل تحكي هذه العبارة بلفظها؟ هناك من يقول: لا تحكيها، ولكن تقول محلهما: ( لا حول ولا قوة إلا بالله )، ولماذا؟

    قالوا: لأن قولك: حي على الصلاة نداء لغيرك ليحضر إلى الصلاة وأنت ما ناديت أحداً، و(حي على الفلاح) معنى خارج عن معنى الأذان المتعلق بالصلاة، فيقولون: في هذه الحالة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وتشعر نفسك بأنه لا حول ولا قوة لك على إجابة نداء المؤذن إلا بالله، هو يناديك وأنت تقول: نعم أستعين بالله على إجابتك، لا حول لي ولا قدرة لي ولا قول لي على أن أجيبك إلا بالله سبحانه وتعالى.

    وهذا إشعار بالضعف والعجز، واستكانة بين يدي الله حتى يعينك على إجابة المنادي: (حي على الصلاة). وبعض العلماء يقول: تقول الحيعلتين، وتعقبهما بقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله. يعني: تجمع بين اللفظين فتقول: (حي على الصلاة حي على الصلاة) لا حول ولا قوة إلا بالله.

    والعلماء يقولون في معنى الحوقلة: لا حول عن معصية، ولا قدرة على طاعة إلا بالله، وهذا عين التوحيد؛ لأن الإنسان ضعيف بالنسبة للمعصية، فالنفس والهوى والشيطان وميول الرغبات كل ذلك عوامل تدعوه إلى المعصية، فكيف يصد هذه العوامل المجتمعة إلا بالله سبحانه وتعالى، وكذلك فعل الطاعة لا تقدر عليها إلا بالله.

    قال الله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ [البقرة:45] أي: ليست بهينة، وهذه الكبيرة كيف تؤديها؟ بقوة من الله سبحانه إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] هم خاشعون لله، ومن كان خاشعاً لله كان له عون من الله سبحانه وتعالى.

    إذاً: عند الأذان تحكي ألفاظه، وعند الحيعلتين هناك من يقول: لا حاجة أن تذكرهما؛ لأن معناهما لا يتحقق عندك، وتقول محلهما: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وهذه الكلمة أعطيها الرسول صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش ليلة الإسراء، كما أعطي فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان سراً

    هذا الحديث من أعظم الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم، (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)، إلى هنا أكتفى المؤلف وتتمة الحديث: (ثم صلوا عليّ وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبدٍ واحد، أرجو الله أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة كنت له شفيعاً يوم القيامة).

    السنة بعد أن ينتهي سامع الأذان من حكاية المؤذن أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم سراً كما حكى ألفاظ المؤذن، وكذلك المؤذن حينما يفرغ من الأذان بصوته العالي الذي ينادي به الناس، يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم سراً ليكون ممتثلاً، وكما يقول السامع للأذان ذلك، كذلك أيضاً المؤذن، ويقول -ما علمنا صلى الله عليه وسلم- مثل السامع: (آت محمداً الوسيلة والفضيلة).

    وفي هذا الحديث ما ينبغي التنبيه على أن بعض الجهات أخذ من هذا الحديث الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب كل أذان بصوت مرتفع كألفاظ الأذان! وأدخلوا الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان بناءً على ذلك! قالوا: فالمؤذن يصلي عليه كما كان يؤذن لقوله: (فصلوا علي)، فنقول: التشريع صحيح، ولكن الكيف خطأ، ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان الخلفاء الراشدون، ولا المؤذنون لهم يصلون على النبي عقب الأذان بارتفاع الصوت، وهذا جعل بعض الجهال يظنون إلى اليوم أنها ضمن الأذان وضمن ألفاظه.

    وهذا لا ينبغي.

    قال ابن الحاج في المدخل: لا شك أن الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات، ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من صلى عليّ مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر مرات)، واحدة منك يا عبد يا مسكين تقابل بعشر مرات من رب العالمين! أي فضل أعظم من هذا؟ فإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن تأتي بها إلا في المواضع التي شرعت فيه، وما شرعت الصلاة والسلام على رسول الله عقب الأذان بصوت مرتفع كالأذان، فقال رحمه الله -وهو الحق-: نعلم أن هناك مواطن لا يجوز الدعاء فيها، حتى أعظم القربات، فالقرآن هو أعظم القربات فبكل حرف منه عشر حسنات، ومع ذلك نهينا عن قراءة القرآن في الركوع وفي السجود، مع أن الإنسان أقرب ما يكون من الله وهو ساجد، ومنعت هذه في تلك، فكل شيء مكانه، ولا ينبغي الابتداع، ولا ينبغي إيجاد ما لم يوجد من قبل، وكما قال مالك رحمه الله : (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها). والله تعالى أعلم.

    مشروعية الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان بالوسيلة

    وقوله: (ثم سلوا لي الوسيلة)، بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها منزلة في الجنة رفيعة لا تنبغي إلا لعبد واحد بلا مشاركة، ويقول صلى الله عليه وسلم (أرجو أن أكون أنا هو).

    يا سبحان الله! ومن يتقدم عليه إليها؟ ومن هو أحق بها منه؟ لا أحد، ولكن هذا تواضع منه مع رب العزة، ولم يأتل على الله بأنه صاحبها، ولكنه حسن الظن بالله، والتواضع بين يدي الله، وإن كان يعلم أنه أفضل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأنها لا تنبغي لغيره، ولكن تأدباً مع الله واحتراماً لقدرة الله وعطائه وحكم إرادته المطلقة، قال: (أرجو)، وهذا الرجاء حقيقة، ولن تكون إلا له.

    والمقام الرفيع الذي وعده هو الشفاعة العظمى حينما يحشر الناس جميعاً في صعيد واحد، وتدنو الشمس من الرءوس، ويلجم الناس العرق، ولم يكن بين الشمس وبين رءوسهم إلا قدر ميل.

    قيل: ميل المرود الذي للمكحلة، وقيل: ميل المسافة، ومهما يكن من شيء فالشمس الآن في الصيف بيننا وبينها بلايين الأميال ومع ذلك يتضرر الإنسان من حرارتها، فإذا كانت يوم القيامة بقدر ميل واحد. أي: كيلو ونصف فكيف يكون الحال؟ (فيضج الناس، ويقولون: ألا ترون ما نحن فيه، ألا تطلبون من يشفع لنا عند ربنا، ليأتي لفصل القضاء، فيقولون: ومن يشفع لنا؟ قالوا: اذهبوا إلى نوح أبي البشر فيذهبون إلى نوح فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، وإني قد دعوتي على قومي دعوةً أغرقتهم، اذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمان، فيأتون إلى إبراهيم ويعتذر لهم أيضاً، ويقول: أذهبوا إلى موسى كليم الله، فيذهبون إلى موسى ويعتذر، ويقول: اذهبوا إلى عيسى روح الله، فيأتون إليه ويعتذر ويقول: اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيذهبون إليه فيقول صلى الله عليه وسلم: أنا لها، أنا لها، ويذهب حتى يسجد تحت العرش، ويلهمه الله بمحامد وتسابيح لم يكن يعلمها من قبل)، وهذا مثل الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فما استأثر سبحانه به في علم الغيب عنده يلهمه رسوله في ذلك الوقت، (فيسبح الله ساجداً إلى ما شاء الله حتى يقول له المولى سبحانه: يا محمد! ارفع رأسك، وشفع تشفع، فيقول: يا رب! فصل القضاء)، وهذه الشفاعة العظمى التي شملت الأمم جميعها بما فيهم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.

    ثم تتوالى الشفاعات بعد ذلك، وهي سبعة أنواع، يشفع في قوم استحقوا النار ولم يدخولها، ويشفع في قوم لترتفع درجاتهم في الجنة، ويشفع في أناس دخلوا النار فعلاً فيخرجون منها، إلى غير ذلك من أنواع الشفاعات.

    في هذا الحديث يبين صلى الله عليه وسلم أن مستمع المؤذن يقول كما يقول المؤذن، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله له الوسيلة والمقام المحمود، فمن فعل ذلك كان له وعد عند رسول الله بالشفاعة ووعده صادق، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    1.   

    مشروعية اتخاذ المؤذن

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال : (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي ، وصححه الحاكم . ]

    هذا الصحابي كان في وفد، وكان أصغرهم سناً، وكان بالغاً، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، ويقولون: إنه كان يمر عليه الوفود فيتلقاهم في الطريق فيسمع منهم القرآن، ويحفظ منهم ما سمعوا من رسول الله، فكان قد جمع بعض السور الصغار من القرآن الكريم، وهذا لا يتنافى مع حديث: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله)، فهذا إذا تعدد القراء نظرنا من هو أقرأ وأحسن تلاوة، في تجويده وإخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء الحروف حقها، والمد والإدغام ونحو ذلك، ويكون أحفظ من الآخرين، فإذا تساووا في ذلك نظرنا من هو أقرؤهم، وقدمناه للإمامة، مع توافر الشروط الأخرى، وهي: أن يكون تقياً ورعاً يعرف حق هذا المقام العظيم بين يدي الله، كما جاء في الحديث -وهو مكتوب عندكم في المحراب هناك-: (تخيروا أئمتكم فإنهم وافدوكم إلى الله)، فالإمام يتقدم القوم ويسأل الله: اهدنا الصراط المستقيم، يسأل لنفسه ولمن معه، فينبغي تخير الإمام، قال ابن الحاجب : كان في المغرب لا يقدم للإمامة إلا من شهد له أهل القرية بصلاحه وأفضليته على الجميع، أما في بعض البلدان الأخرى -وقد سماها ولا أريد أن أسميها- فإن الإمامة عندهم مرهونة بالنقود، وقد يتولاها من هو كذا وكذا!

    وهنا قوله: (اجعلني إمام قومي)، كيف يطلب الإمامة وهي ولاية، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من طلب ولايةً أو إمارةً لا نعطيه إياها

    قالوا: إذا علم الإنسان من نفسه الاستطاعة بالقيام بحق الولاية، وإنها ستضيع إذا أسندت إلى غيره لعدم وجود الأكفاء، فيتعين عليه أن يتقدم لحفظها لا لحظ نفسه، واستدلوا بقصة نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإنه عندما عبر الرؤيا للملك، وذكر له الأمر قال : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، وهذه ولاية على الأرزاق إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] أي: عندي الأهلية، ولو تركت لغيره لضاعت، فكان من حقه أن يتقدم لطلب الولاية لحفظها، وهكذا القضاء والإفتاء والأذان والإمامة وكل عمل ديني محض.

    وقوله هنا: (واقتد بأضعفهم)، كيف يقتدي بأضعفهم والمأمومون يقتدون به هو؟

    المعنى: أنك ستكون إماماً، فلا تجعل السلطة والاختيار لك في أن تفعل ما شئت، وتطيل عليهم، بل اقتد بأضعف من يصلي وراءك، فليكن أضعف المأمومين هو القدوة لك، فلا تثقل عليه ولا تؤذيه بالإطالة، إنما عليك أن تراعي حال المأمومين.

    وقد عرفنا قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقد جاء في حقه أنه: (أعرفكم بالحلال والحرام)، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في المسجد الشريف، ثم يذهب ليصلي بأهل قباء العشاء، فدخل ذات ليلة في صلاة العشاء، وكان رجل يعمل طيلة نهاره في بستانه فدخل في الصلاة معه فإذا بـمعاذ بعد أن قرأ: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] آمين يقرأ: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، وشرع في أول البقرة، فقال الرجل في نفسه: والله! لن يقف حتى يختمها، فانعزل عنه، وصلى منفرداً، ورجع إلى بيته، وفي بعض الروايات أنه حينما أتى إلى المسجد أرسل نواضحه وتركها تمضي إلى البيت، ودخل في الصلاة وهو لا يدري: هل ستذهب إلى البيت أو لا؟ وهو طول النهار يعمل، فهو متعب، فإذا قام وراء الإمام الذي يشرع في الأولى بالبقرة، فربما الركعة الثانية يقرأ فيها بآل عمران! ومتى ينتهي؟! فاختصر الطريق من قريب، وصلى وذهب إلى بيته، وعلم معاذ بذلك، فقال: إنه رجل منافق، ما صبر على الصلاة! والمنافقون يأتون الصلاة وهم كسالى، فبلغ الرجل مقالة معاذ في حقه، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشتكى من معاذ ؛ لأنه رماه بالنفاق، وقد فعل كذا وكذا، فاستدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : (أفتان أنت يا معاذ ؟!)، سبحان الله! رجل يقرأ بالبقرة في ركعة ويقول له: أنت فتان! إنه اجتهد، وغلب جهة العاطفة، وهو كان حديث عهد بالصلاة خلف رسول الله، وحديث عهد بسماع تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عهد بصلاة أمهم فيها رسول الله، وتلك حالة روحية تجعل عندهم انفتاح وانفساح وقدرة على إطالة القيام ولو الليل كله، ولكن غيره ليس مثله، فقال له: (أفتان أنت؟)، ولماذا؟ وأين الفتنة؟ تطويلك هذا يؤدي إلى ترك الجماعة وتفرق الناس، وستكره الناس للصلاة، وهذه أعظم فتنة، أين أنت من سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] وذكر له سوراً قصاراً من المفصل.

    فقوله: (واقتد بأضعفهم)، سواءً كان لكبر سن أو كان لمرض أو لاشتغال، فيجب أن تراعي المصلين الذين خلفك، وتقتدي بأضعفهم، وتراعي ما يستطيعه من الإطالة والقيام والقراءة.

    وقوله: (واتخذ مؤذناً)، فيه أدب التعيين، ما كل إنسان يأتي يؤذن، إنما يكون المؤذن مرتب من المسئول؛ لأن الأذان إعلام لأداء الصلاة لله، وهذا عمل رسمي، فلا ينبغي لكل من هب ودب أن يأتي ويؤذن، هل ندري من يحسن الأذان أم لا؟ هل ندري أمانته واستقامته أم لا؟ لا ينبغي لأي إنسان أن يقدم على الأذان إلا بإذن مأذون من الإمام أو من ولي الأمر، اللهم إلا المساجد العامة التي على الطرقات، وليس لها مؤذن خاص، ولا إمام خاص، وبينت على الطريق لمن تحضره الصلاة فيصلي؛ فلا مانع لمن حضر الوقت وهو حاضر أن يؤذن، وكذلك من حضر الصلاة أم بالناس، ولو تعددت الجماعات في هذه المساجد فلا مانع.

    أما المساجد المقيمة عند أحياء عامة، وثابت أهلها وسكانها؛ فلا ينبغي أن يؤذن مؤذن إلا مأذون له، ولا يؤم الناس إلا معين فيها، ولا يجوز إعادة الجماعات في تلك المساجد مرتين أبداً.

    جواز إعطاء المؤذن أجراً على سبيل الهبة والعطاء لتفرغه

    وقوله: (لا يأخذ على أذانه أجراً)، هذا هو الأكمل والأفضل فمن يعمل القربة، ويجب عليه أن يحسن النية، ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، لكن إذا اتخذ بمعنى: كلف، والاتخاذ تكليف، والتكليف فيه التزام، والالتزام فيه شغل عن واجبه وواجب أهله، فماذا يفعل؟ قالوا: لا يعطى أجراً بعقد إجارة، ولكن يعطى بنية الهبة، ومن باب العطاء، ولا مانع من ذلك، وعلى هذا أجاز العلماء إعطاء المؤذن والإمام وكل من كان عمله قربة في الإسلام، فيأخذ لا على عقد المؤاجرة، ولكن على سبيل الهبة والعطاء، وعلى سبيل الرزق من بيت مال المسلمين، والله تعالى أعلم.

    والحمد لله رب العالمين.